أدلة خروج اليماني من العراق
الدليل الثالث: خروج كاسر عينيه بصنعاء:
عن الشيخ النعماني قال حدثنا علي بن الحسين قال حدثنا محمد بن يحيى العطار قال حدثنا محمد بن حسان الرازي عن محمد بن علي الكوفي قال حدثنا محمد بن سنان عن عبيد بن زرارة قال: (ذكر عند أبي عبد الله عليه السلام السفياني فقال: أنى يخرج ذلك، ولما يخرج كاسر عينيه بصنعاء؟) (1)
استدل بعض الفضلاء والباحثين من خلال هذه الرواية على خروج اليماني من اليمن، بالرغم من أن الرواية لم تصرح بخروج اليماني، وإنما تحدثت عن خروج رجل أسمته “كاسر عينيه بصنعاء”، الا أن ورود خبر خروج السفياني موضوع الرواية، ومصاحبة خبر خروجه الى خروج “كاسر عينيه بصنعاء” جعل أولئك يستدلون على أن “كاسر عينيه بصنعاء” هو اليماني الموعود.
للبحث في القضية جانبين:
الجانب الأول: تحري دلالة كاسر عينيه بصنعاء، على اليماني الموعود.
يمكننا القطع بأن “كاسر عينيه بصنعاء” ليس هو اليماني الموعود، حيث أن الرواية تتحدث عن خروج كاسر عينيه قبل خروج السفياني، بينما أكدت الروايات الشريفة على أن خروج الثلاثة السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة وفي شهر واحد وفي يوم واحد، وفي العموم فإن السفياني يخرج في الشام قبل البقية، ولما كان ذلك الرجل الصنعاني يخرج قبل خروج السفياني؛ فهو قطعاً ليس اليماني الموعود.
ولابد للإشارة الى أننا لم ننفرد بذلك التحليل، إنما سبقنا اليه العديد من الفضلاء نذكر منهم إثنين:
1- سماحة الشيخ علي الكوراني في كتابه عصر الظهور قال:
(خبر “كاسر عينيه بصنعاء” هو من الأحاديث الملفتة الواردة في مصادر الدرجة الأولى مثل غيبة النعماني ولعله صحيح السند.
ويحتمل أن يكون هذا الرجل الذي يظهر قبل السفياني يمانياً ممهداً لليماني الموعود كما ذكرنا، ويحتمل في تفسير (كاسر عينيه) عدة احتمالات أرجحها أنه وصف رمزي مقصود من الإمام الصادق عليه السلام لا يتضح معناه إلا في حينه) (2)
لقد نفى سماحة الشيخ الكوراني أن يكون ذلك الصنعاني هو اليماني الموعود لذات السبب الذي ذكرناه، لأن الصنعاني يخرج قبل السفياني، لذلك وبسبب رسوخ قضية خروج اليماني من اليمن في ذهن الشيخ الكوراني، فإنه إحتمل أن يكون الصنعاني ممهداً لليماني! كما أننا نجد أن سماحة الشيخ الكوراني إحتمل أن تكون الرواية صحيحة السند، لكنه لم يفصل في البحث السندي!
2- سماحة الشيخ جلال الدين الصغير في كتابه علامات الظهور، وكتابه اليماني الموعود أهدى الرايات قال:
(الرواية وإن كانت مروية عن الشيخ الصدوق الا أن كتب الشيخ الصدوق الواصلة الينا خالية منها تماماً.
أما بشأن سندها فقال: الرواية ضعيفة جداً. وقد فصل سماحة الشيخ في بحثه سند الرواية وبين أسباب ضعفها.
ثم تحدث عن دلالاتها فقال: حُملت الرواية من قبل بعض المؤلفين على أن كاسر العين هذا هو اليماني، من دون تشخيص لهذا الحمل، ولكن لورود صنعاء والسفياني في الرواية فقد استصحب القوم أنها متعلقة باليماني! وهو استصحاب بلا دليل كما سنبين.
بعدها تحدث سماحته عن معنى كسر العين قائلا: لعل الضمير الوارد في العين “كاسر عينيه” يعود على الصنعاني وليس على السفياني، أي أن الصنعاني هو من تكسر عينيه، وذلك لأن الضمائر عادة ما تعود على الأقرب.
وأياً ما يكن فإن الإنصراف الى اليماني منعدم في هذه الرواية.
وبخصوص كيفية كسر العين قال سماحته: كسر العين احتمالاته متعددة، فهو أما أن يحمل عيناً زجاجية لسبب ما، فتتحطم نتيجة لعمل أمني أو عسكري يتعرض له في صنعاء ويكون ذلك إشارة الى قرب خروج السفياني، إذ أن الإشارة لمثل هذه الشخصية بهذه الصورة لابد وأن تكون في مقام الزعامة أو الرئاسة أو الوجاهة، وإن كان الإحتمال الأول والثاني هو الأولى لخصوصية صنعاء كونها عاصمة اليمن، وإما أن يكون بفعله مما يكسر العين نتيجة لقباحته أو شناعته، وإما أن يطرد من مكانه فتنكسر عينه لذلك خجلاً من الفضيحة) (3)
بالنتيجة نجد أن كلا الفاضلين نفوا أن يكون “كاسر عينه بصنعاء” هو اليماني الموعود.
الجانب الثاني: تشخيص كاسر عينه بصنعاء من هو؟.
في البدء علينا أن نتعرف على الظروف الموضوعية للواقع اليمني آنذاك، حيث أن قصة الظهور الشريف تبدأ من حركة خلع العرب أعنتها، وهي قطعاً حركة ما يسمى (الربيع العربي) كما أثبتناه في مقامه، فالحديث هنا في صنعاء عن ثورة شعبية يقوم بها أهل اليمن لخلع حاكمهم.
كما ينبغي علينا معرفة المعنى الحقيقي لكاسر عينيه، حيث أننا مرة سوف نفترض أن الضمير في عينيه يعود على السفياني وليس على الصنعاني، أي أن الصنعاني يكسر عيني السفياني، وأخرى سنفترض أن الصنعاني يكسر عيني نفسه.
معنى كسر العين:
كسر عين شخص ما: هو القيام بعمل يسبب الإحراج لذلك الشخص، أو القيام بعمل لم يستطع ذلك الشخص إنجازه أو إنجاز عمل مماثل له.
ونظراً لبعد المسافة بين اليمن وسوريا، فإن من المرجح أن يكون معنى كسر العين هو أن يقوم الصنعاني بعمل ما في اليمن، لم يستطع السفياني إنجاز عمل مماثل له في سورية.
وثمة أمر آخر؛ إذا كان ذلك الرجل الصنعاني قطعاً ليس هو اليماني، فلماذا ذكره أهل البيت عليهم السلام وعدّوه علامة من علامات خروج السفياني، ولماذا السفياني بالذات؟!
يبدو لنا أن ثمة تشابه بين شخصية السفياني وبين شخصية كاسر عينه، فقد يكون الإثنين من المعارضة؛ السفياني معارض لحاكم سورية، والصنعاني معارض لحاكم اليمن، ومن المعلوم لدينا أن السفياني الملعون، هو الحاكم الثالث من الأسرة الحاكمة في سورية، حيث يسبقه إثنان من أسرته، وأن سبب مكوث السفياني في بلاد الروم، هو نفيه أو هروبه من أحد الحاكمين السابقين له.
أما في اليمن فلدينا اليوم حالة مشابهة لحكم سوريا، حيث ان الحاكم هو (علي عبد الله صالح) والثورة الشعبية منعت الحاكم من توريث الحكم الى ابنه، حيث كان من المقرر ان يحكم ابنه احمد اليمن، قياساً على ما هو سائد في الأنظمة السابقة للثورات الشعبية العربية (الربيع العربي)
فقد ورد في الرواية: (لا يَخْرُجُ الْمَهْدِيُّ حَتَّى لا يَبْقَى قَيْلٌ وَلا ابْنُ قَيْلٍ إِلا هَلَكَ) (4)
أي ينتهي عهد توريث الحكم من الأب الى الابن.
ومن غرائب الصدف ان اخ الحاكم وهو (علي محسن الأحمر) انحاز الى الثورة الشعبية وساهم في إنهاء حكم اخيه، وحال دون تسنم إبنه الحكم.
أما السفياني فلم يتمكن من فعل ذلك، حيث يتحول الحكم من السفياني الأول الى السفياني الثاني، ويبقى السفياني الثاني (الاصهب) في الحكم حتى تحدث حركة خلع العرب أعنتها، أو أن المقصود عدم إستطاعة السفياني من التحرك ضد حاكم سوريا الأصهب، حتى مرحلة متأخرة، فيكون الصنعاني سابقاً للسفياني في هذا الأمر.
وبهذا يكون الصنعاني قد قام بإنجاز عمل لم يستطع السفياني الملعون القيام به، وذلك وفق الفرض الأول.
أما وفق الفرض الثاني، أي أن يقوم الصنعاني بكسر عين نفسه، فإن الحديث سيكون عن قيام ذلك الصنعاني بحركة تؤدي الى إنهاء مستقبله السياسي.
وفي الواقع المعاصر فإن ثورة خلع أهل اليمن لحاكمهم جرت على الرئيس السابق لليمن علي عبد الله صالح، حيث كان من المؤمل أن يخلفه أبنه “أحمد” بعد عمر طويل من الحكم، لولا ثورة الربيع العربي، وتلك القرائن في المنظومة الروائية لعلامات الظهور، تشير الى حكومة الرئيس صالح قطعاً كونها هي المعنية بحركة كسر العين.
فإما وفق الفرض الأول، فإن الحديث يدور عن قيام أحد أقارب علي عبد الله صالح أو القادة الكبار في حكومته بالإنحياز الى جهة الثورة وبالتالي إنهاء حكم علي عبد الله صالح، فيكون ذلك الرجل هو كاسر عين السفياني، والمصداق له هو (علي محسن الأحمر) الأخ غير الشقيق لعلي عبد الله صالح، حيث وقف مع الثورة وقام بقصف المقر المتواجد فيه أخيه علي عبد الله صالح، وتعرض صالح الى بعض الإصابات والحروق، وكان الأحمر هو سبب حسم الثورة لصالح الثوار.
أما وفق الفرض الثاني: فإن الرجل يكسر عين نفسه، أي أن يقوم بحركة تؤدي الى إنهاء مستقبله السياسي، إذ أنه مع خروجه على الحاكم وإعانة الثورة على إسقاط النظام، فهو لا يوفق الى شيء ويصاب بالخذلان.
وبالفعل بعد تنحي صالح، وحدوث ثورة أنصار الله الحوثيين، هرب الأحمر الى بلد آخر وخسر سلطته وعزه. فيكون المراد من الرواية أن تخبر عن أحداث تحصل باليمن، قبل خروج السفياني، بأن هنالك رجل من أقرباء الحاكم اليمني يحاول أن يتسنم السلطة من خلال وقوفه مع المعارضة، لكنه يفشل في نهاية المطاف.
وأي الفرضين أصح لا يهم، المهم في الأمر أن المقصود بكاسر العين بصنعاء، قد يكون هو المدعو علي محسن الأحمر.
وقد ذهب بعض الفضلاء الى هذا الرأي مع إختلاف بسيط، في كون كسير العين هو علي عبد الله صالح، حيث أن التفجير الذي تعرض له، أدى الى حدوث ضرر بإحدى عينيه، وأجريت له عملية جراحية في العين، وبذلك يتحقق حدث كسر العين واقعاً، كما أن علي عبد الله صالح كسرت عينيه المعنوية بتنحيته من الحكم بعد ذلك. وهنا يتضح مدى دقة متابعة أهل البيت عليهم السلام للأحداث المستقبلية، وبسبب تشابه قضية حكم اليمن من قبل آل صالح مع حكم أسرة السفياني في سوريا؛ فإنهم عليهم السلام انتخبوا هذه القضية ليعدّوها علامة من علامات الظهور الشريف، وهي بالفعل علامة مميزة لمن خبر علامات وأحداث الظهور الشريف.
الخلاصة:
أن كاسر عينيه بصنعاء، ليس هو اليماني الموعود، وما دار من حديث وجدال ونقاشات في متون الكتب وأروقة المنتديات والمواقع الإليكترونية وغيرها، بخصوص دلالة هذه الرواية على خروج اليماني من اليمن، ما هو الا وهم.
كذلك فإن مصداق كاسر عينيه بصنعاء لا يعدو كونه أحد الشخصيتين وفق متبنياتنا، أما علي محسن الأحمر أو علي عبد الله صالح، أما بشأن توقعنا بأنه علي محسن الأحمر، فالأسباب تعود الى قضيتين:
الأولى: تشابه حالة حكم اسرة السفياني في الشام مع حالة حكم اسرة علي عبد الله صالح في اليمن.
الثانية: هنالك تساؤل عن غياب دور اليمنيين في نصرة الامام الحجة عج عند قيامه، حيث ان حكام الحجاز يكونون في حالة ضعف شديدة أنذاك، فلماذا لا يقوم الحوثيون باجتياح الحجاز والانتقام من حكام الحجاز؟
لذلك قد يكون السبب راجعا الى حكم شخص مثل (علي محسن الأحمر) لليمن وبالتالي يتم انهاء الخلافات بين اليمنيين وحكومة الحجاز، فلا يتدخل اليمنيون في الحجاز عند ضعف حكومتها وحتى عند خروج القائم عج.
مع العلم ان زيدية اليمن لا يؤمنون بالمهدي أصلا، ولكنهم وفق معتقداتهم يقبلون بقيادة الامام الخارج بالسيف والفاتح للدول، وبذلك قد ينضمون الى دولة العدل الإلهي طوعاً إذا ما رأوه فاتحاً مظفرا.
المصادر:
(1) غيبة النعماني:286/ب14/ 60.
(2) الشيخ علي الكوراني/ كتاب عصر الظهور/ اليمن ودورها في عصر الظهور
(3) الشيخ جلال الدين الصغير/ م2 ص306 – 307
(4) نعيم بن حماد/ كتاب الفتن/ حديث957









































