الاعتقاد بالسحر ورفض بيعة القائم عج (٤)
دجال أصفهان يرفض بيعة القائم عج
ورد في الرواية عن محمد بن زيد الكوفي عن الصادق (عليه السلام) قال: يأتي الى القائم (عليه السلام) حين يظهر رجل من أصفهان ويطلب منه معجزة إبراهيم خليل الرحمن فيأمر (عليه السلام) أن توقد نار عظيمة ويقرأ قوله تعالى: *(فسبحان الذي بيده ملكوت كل شئ وإليه ترجعون)* ثم يدخل في النار ثم يخرج منها سالما فينكر الرجل لعنة الله تعالى عليه ويقول: هذا سحر. فيأمر القائم (عليه السلام) النار فتأخذه وتحرقه فيحترق، ويقول هذا جزاء من أنكر صاحب الزمان وحجة الرحمن صلوات الله وسلامه عليه.
مكيال المكارم – ميرزا محمد تقي الأصفهاني – ج ١ – الصفحة ١٦٢
تتحدث الرواية عن قيام القائم عج وتمكنه من المنطقة، وحينذاك يقدم الى القائم عج رجل من أصفهان ينكر قيامه الشريف ويطلب منه عج تقديم معجزة تدل على امامته.
من المعلوم ان الامام عج لا يستتيب أحدا، أي انه لا يجادل أحدا من الدجالين، سيما ان ذلك الرجل يقدم من الجمهورية الإسلامية، ومن اليسر بمكان ان يقوم القائم عج بأمر القوات الإيرانية باعتقاله والقصاص منه، لكن يبدو ان لذلك الدجال اتباع كثر من الشيعة، فلعل ذلك الضال المضل من الرموز الدينية الشيعية.
يبدي ذلك الدجال موقف الجحود للامام عج وكأنه ينكر اصل خروج الامام عج، اذ ان ذلك الاصفهاني يطلب من الامام عج معجزة النبي إبراهيم عليه السلام، ولطلب ذلك الدجال هذه المعجزة بالذات دون غيرها مجازفة منه، بل يكشف ذلك عن قناعة راسخة لدى الاصفهاني باستحالة ظهور الامام المهدي عج في ذلك الوقت لسبب ما، والا فإن طلب المعجزة لوحده يعني سبق اعتقاده بوجود الامام عج وامامته ولكنه ينكر توقيت الظهور الشريف، ومع ذلك يستجيب الامام عج له ويأمر باشعال النار ويدخل فيها فتكون بردا وسلاما عليه، ولكن ذلك الضال يصر على جحوده ويتهم الامام عج بالسحر، فما الذي يدعوا رجلا عالما يرى بأم عينه معجزة الامام عج؛ الى انكار الامام عج؟!
فيتلو الامام عج آية من القرآن الكريم وهي الآية ٨٣ من سورة يس (فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون)
أي: تنزيه وتقديس وتبرئة من السوء للحي القيوم، الذي بيده مقاليد السماوات والأرض، وإليه يرجع الأمر كله، وله الخلق والأمر، وإليه ترجع العباد يوم القيامة، فيجازي كل عامل بعمله، وهو العادل المتفضل.
ويبدو ان مقصد الامام عج تنزيهه تعالى عما استبعد ذلك الدجال منكرا للظهور الشريف لغفلته عن أن ملكوت كل شيء بيد الله عز وجل وفي قبضته، او بسبب انكاره لمعجزة الامام المهدي عج التي يقدمها.
لاريب ان ذلك الدجال يعتقد باعتقاد ما بشأن ظهور الامام المهدي عج بحيث انه متأكد وفق اعتقاده بأن الامام عج لا يمكن ان يظهر في ذلك الزمان اطلاقا، ويقع ذلك الدجال في فخ اعتقاده المزيف وانحرافه الفكري وشذوذه عن العقيدة الحقة ومشهور ما ذهب اليه فقهاء الطائفة اعزهم الله، فينال عقابه الأليم اذ يأمر الامام عج النار فتسير تجاه ذلك الضال المضل وتحرقه، فيكون مصيره كمصير صنمي قريش حينما يستخرج الامام عج جسديهما ويحرقهما.
والغريب في الأمر ان ذلك الدجال رغم كل العلامات التي حصلت قبل قيام القائم عج سيما الصيحة، بيد انه يستنكر لكل تلك العلامات، وليس من المستغرب ان يكون لذلك الضال المضل موقفا سلبيا من الصيحة الجبرائيلية، بحيث انه ينكر تحقق تلك العلامات ويشكك في الصيحة، وبالتالي ينكر ظهور الامام عج جملة وتفصيلا.
وبالعودة الى مسألة اختيار ذلك الدجال لمعجزة النبي إبراهيم عليه السلام، وتركيزنا على علة اختيار ذلك الدجال لتلك المعجزة دون غيرها، فإن في مورد احتمالنا ان يكون ثمة اعتقاد جزئي خاص بتلك الحادثة يعتقد به الدجال الاصفهاني، وذلك ما قد يتعلق بقانون السببية، اذ يرى بعض علماء الطبيعة ان المسبب لا يمكن ان يفقد سببيته، فلا يمكن تصور نار بلا احراق والا استحالت النار الى شيء آخر، لتلازم ملكة الاحراق مع النار في جدلية فلسفية يعتقد بها اؤلئك العلماء.
والاحتمال الثاني هو ان يكون اعتقاد ذلك الاصفهاني متعلق بطبيعة ظهور الامام عج، اذ يرى بعض الفضلاء ان الامام عج حينما يخرج انما يخرج بعلم ينافس به علوم زمان ظهوره، كما ان النبي موسى عليه السلام جاء بالمعجزة في زمان كان فيه السحر مستشريا، والنبي عيسى عليه السلام جاء بمعجزة ابراء الاكمه والاعمى والابرص في زمان كان فيه الطب مشهورا، والنبي محمد صلوات الله عليه وعلى آله جاء بمعجزة بلاغة القرآن في زمان كانت فيه البلاغة والشعر ذائعة الصيت.
لذا فإن ذلك الاصفهاني يطلب من الامام عج الايتاء بمعجزة، فلما يأتي الامام عج بالمعجزة يتهمه بالسحر استهانة بقدر الامام عج واستخفافا به صلوات الله عليه، لأنه من المفترض ان لا يأتي الامام عج بالمعاجز وانما بالعلم والتكنولوجيا الحديثة!
مما يعني ذلك وفق الفرض ان ذلك الضال انما طلب من الامام عج دخول النار ليكشف للناس بصورة علمية زيف ادعاء الامام (حاشاه) فإذا احرقته النار تبين كذبه (حاشاه) وان لم تحرقه يكون الامام عج قد خالف النظرية الفلسفية التي يعتقد بها ذلك الدجال سواء الاولى او الثانية، وبذلك يتبين لدى الاصفهاني دجل الامام (حاشاه) ومن الطبيعي حينئذ ان يتهم الاصفهاني الامام عج بالسحر، وذلك ينم عن حالة من الجحود المرتكز على ادلة عقلية خاطئة يؤمن بها ذلك الدجال.
عندها يقوم الامام عج بإثبات اشتباه الاصفهاني من خلال امر النار بالسير تجاهه واحراقه، فيلقي الامام عج الحجة على ذلك الدجال اذ يقره على اعتقاده، حيث ان النار التي صفتها الملازمة للاحراق ليس لها صفة السير الذكي، اذ انها تختار ذلك الدجال وتحرقه دون غيره من الجماهير الغفيرة الحاضرة في ذلك المحفل وان تلك النار تتبع منهجا تقنيا في حركتها واحراقها لذلك الدجال، فلا يمكن لها الا ان تكون معجزة حقيقية من امام معصوم، فيكون عمل الامام عج حينها من جانب دحض الحجة بالحجة لا العقوبة الصريحة بالاحراق، فلا يؤاخذ الامام عج على تصرفه ذاك، اذ ان مثل هكذا فعل لو قوبل بعقوبة الاحراق الصريحة لأوخذ الامام عج بجريرة احراق مخالفيه كعمل غير عقلائي مما قد يؤلب عليه الناس، هذا في معرض الاحتمال الأول، اما في معرض الاحتمال الثاني فإن الاصفهاني يريد اتهام الامام عج بالرجعية والدجل، لأنه وفق الفرضية ان الامام المهدي عج ينبغي ان يستعرض التكنولوجيا التي ينافس بها زمان ظهوره (أي زمان التطور التكنولوجي) بينما الامام عج يستخدم النمط القديم وهو (المعجزة الصرفة) التي من السهولة اتهامه بالسحر عند تقديمه لها، وهنا يرسل له الامام عج النار لتسير وتحرقه دون غيره، وليثبت له ان الامام عج يمتلك ما وراء التكنولوجيا، وهي الولاية التكوينية، وان الامام عج بعلمه وبالولاية التكوينية قادر على كل شيء، بيد انه يعمل بالاسباب الطبيعية، لكن مكر الله تعالى باهل الزيغ والانحراف شاء ان يجري بذلك المسار التمحيصي، ليثبت الامام عج للاصفهاني انه امام معصوم متصرف بالكون ولا يحتاج الى قهر اعدائه بأن يأتيهم اول قيامه بتكنولوجيا تفوق صناعتهم!
مع ان ذلك سيكون تحصيل حاصل فيما بعد، لكن ذلك الاصفهاني الخبيث يجيد استغفال العقول، وهو يضمر نفاقا وكفراً بما جاء به الامام المهدي عج.
لذلك يتلو الامام عج آية من القرآن الكريم وهي الآية ٨٣ من سورة يس (فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون)
وتكشف تلك الحادثة مدى العلمية العالية لذلك الدجال، وفي الوقت ذاته تكشف عن انعدام توفيقه وانحرافه العقائدي الذي اوصله الى تلك المواصيل والقى بحتفه الى تلك العاقبة السيئة، وذلك جزاء من أنكر صاحب الزمان وحجة الرحمن صلوات الله وسلامه عليه.
اعاذنا الله واياكم من مظلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، وجعلنا واياكم من أنصار صاحب الامر عج وانصاره ومقوية سلطانه، انه سميع مجيب.
تبقى مسألة معرفة هوية ذلك الضال المضل، هل هو بالاصل من اهل أصفهان ام انه من بلدة أخرى ويقطن في أصفهان في ذلك الوقت، وهل هو فارسي ام عراقي ام من جنسية أخرى، ذلك ما لم تكشف عنه الرواية الشريفة، ويبقى علمه الى الله تعالى عز وجل.
