حكومة مصطفى الكاظمي… المغزى والنتائج.
بعد سبعة عشر عاما من حكم الأحزاب والتيارات الشيعية للعراق، يتم تسليم رئاسة الوزراء على طبق من ذهب الى حاكم محسوب على الد أعداء الشيعة وهم الامريكان وحلفائهم الإقليميين!
ان هذا الحدث غريب بكل المقاييس، فقد مر على العراق ظروف اكثر صعوبة ومحن اشد نكالا مما نمر به اليوم ولم يتم التنازل عن الحكم، بل يكاد الأعداء اليوم ان يكونوا في اضعف احوالهم، فلماذا تم هذا التنازل؟!
بالإضافة الى ذلك فإن ثمة أسئلة كثيرة تطرح في هذا المجال:
من قبيل هل هنالك خطط شيعية مستقبلية لتفادي آثار تنصيب حكومة الكاظمي؟
وما هي الفائدة المرجوة من رفض شخصية نزيهة ومتدينة مثل محمد توفيق علاوي، وتمرير شخصية متهمة بالعمالة للعدو مثل الكاظمي؟!
في هذا المقام لابد لنا من استقصاء الظروف الموضوعية والأسباب الموجبة لقبول الجهات الشيعية بحكومة الكاظمي، وما هي مصلحة كل من أمريكا وحلفائها، والإيرانيين وفصائل المقاومة؟ في حين غاب صوت مرجعية النجف تماما عن المشهد!
حيث قمنا بتلخيص تلك الأمور في النقاط التالية:
١- مصطفى الكاظمي رفضته كتلة (دولة القانون) واصرت عليه كتلة الفتح (هادي العامري ومنظمة بدر) وصمتت عنه العصائب، وايده الاكراد، وكذلك ايده السنة لكن مع بعض التحفظات لمن تضرر منهم بعض الشيء في عملية اعادة تقسيم الكعكة بين الفرقاء السياسيين.
٢- اصرار منظمة بدر على تكليف الكاظمي يستبطن امرين:
الاول: الاعتداد بالذات، وهو امر خطير له آثاره السلبية مستقبلا على منظمة بدر.
الثاني: حصول اجماع شيعي على ان هذه الحكومة هي حكومة مؤقتة، وانها ستتحمل اعباء الانهيار الاقتصادي والصحي الحالي والمرتقب، وكذلك عدم اجراء انتخابات مبكرة.
٣- تمرير فصائل المقاومة للكاظمي سببه كما اشرنا ان هذه الحكومة ستكون مؤقتة وسوف تتحمل اعباء نزول اسعار النفط، والتخفيض المرتقب في رواتب الموظفين، وما قد يستتبعه من اشتداد التظاهرات، وكذلك مواجهة ازمة كورونا، وموضوع اقامة انتخابات مبكرة، ولكي لا تحسب تلك المشاكل على حكم الاسلاميين.
٤- ايجاد شخصية حاكمة شيعية الظاهر من اجل حفظ استحقاق الشيعة مستقبلا، وينبغي ان تكون تلك الشخصية مجرد دمية خيوطها بيد الجهات السياسية الفاعلة، وتضمن لهم سير منهج المحاصصة المكوناتية.
٥- ايجاد شخصية حاكمة غير جدلية ترضى بها الكتل السياسية والشارع المنتفض وكذلك الجهات الخارجية الضاغطة كالامريكان وحلفائهم، وكذلك يرضى بها الايرانيون، لا سيما انه قبل ذلك جرى لقاء جمع بين الجنيرال علي شمخاني والكاظمي، وتلك رسالة ايرانية بقبول الكاظمي كمرشح تسوية.
٦- من الجانب الامني المحلي فإن ثمة اولوية في تهدئة الوضع الامني في العراق، ولأجل ان يكف الامريكان ايديهم عن دعم داعش، او على الاقل تجميد نشاطات التنظيم الارهابي حتى حيان وقت الانتخابات القادمة، وكذلك ايقاف نشاطات الجوكرية.
٧- من الجانب الاقتصادي، لكي تطلق امريكا اموال النفط العراقية في البنوك المركزية، لغرض توفير السيولة النقدية لتمشية امور الموازنة المالية الحكوميةمن رواتب وتشغيليةوغيرها، وتجنب وضع الامريكان وحلفائهم العصا في دواليب العملية السياسية في العراق.
٨- قرار تمرير حكومة الكاظمي هو لصالح الشعب بصورة عامة، ولاجل تهدئة الاوضاع الامنية المتوترة في المنطقة، حيث ان التوافق الامريكي – الايراني على مرشح تسوية، معناه ان ثمة تنازلات يقدمها الطرفان لتقليل حدة التوتر فيما بينهما، وامكانية الجلوس الى طاولة الحوار، لحل المشاكل العالقة.
٩- ان لعبة حافة الهاوية بين الولايات المتحدة والجمهورية الاسلامية وصلت الى حدودها الحرجة والتي يخشى عندها من حدوث صدام عسكري بين الجانبين،سيما بعد ان كادت الزوارق الايرانية ان تشتبك مع سفينة عسكرية امريكية في مياه الخليج قبل ايام.
١٠- جاء ترشيح الكاظمي لارضاء بعض الكتل السياسية المعارضة، والتي لها علاقات توافقية مع جهات دولية واقليمية فاعلة، ولها مصالحها السياسية الخاصة، كالاكراد وكتلة النصر وكتلة الحكمة، ولاجل ايقاف دعم تلك الكتل السياسية لساحات التظاهرات.
١١- بسبب الاوضاع السيئة التي يمر بها البلد والمنطقة والعالم، وعدم التوافق على عدة شخصيات تم ترشيحها سابقا، وكذلك تجاوز الغطاء الدستوري، ومحاولة رئيس الجمهورية الالتفاق على الدستور بترشيحه لعدنان الزرفي دون الرجوع الى الكتلة الاكبر، مما ينبغي على الكتل السياسية (ام الولد … يتبع
١٢- ينبغي على الكتل السياسية ان تقدم بعض التنازلات لأجل احتواء الموقف، واعادة العملية السياسية الى نصابها، بالاضافة الى الاسباب الاخرى اعلاه.
١٣- تسعى الولايات المتحدة الى ابقاء بعض قواعدها العسكرية في العراق، وضمان عدم تشريع قانون اخراج القوات الاجنبية من العراق، وقد كانت حكومة عبد المهدي مؤيدة لذلك القانون، بينما حكومة الكاظمي ستكون رافضة له نزولا عند رغبة الجانب الامريكي كونه جهة دولية ضاغطة.
١٤- الاتفاقية الصينية التي لاقت قبولا شعبيا شيعيا، يريد الامريكان وأدها في مهدها، او على الاقل تأجيلها قدر الامكان، لذلك عملوا على الضغط في جميع الاتجاهات من اجل تنصيب حكومة الكاظمي.
١٥- موضوع امتلاك الجيش العراقي والحشد الشعبي لمنظومات الدفاع الجوي اصبح امرا مفروغا منه، سيما بعد دخول منظومة باور ٣٧٥ الايرانية الى العراق، وسعي حكومة عبد المهدي لاستيراد منظومة أس ٤٠٠ الروسية، وذلك ما لا تسمح به امريكا، لذلك تريد السيطرة على منظومات الدفاع الجوي وحصرها بيد الجيش.
١٦- امريكا وعملائها اطلقوا مشروع داعش لاسقاط حكومة المالكي
واطلقوا مشروع التظاهرات الجوكرية لاسقاط حكومة عادل عبد المهدي
وفي المستقبل سوف يطلقون مشروع السفياني لأجل اسقاط العملية السياسية برمتها.
اذاً حكومة الكاظمي هي احدى الخطوات الجادة نحو اسقاط العملية السياسية.
١٧- ان صفقة حكومة الكاظمي من المفترض ان تؤسس الى فتح شيعي كبير في المنطقة، لان الاجندات الامريكية التي مررت في الصفقة، لا توازي المصالح الإيرانية والشيعية عموماً، فالمكتسبات الشيعية اكبر، من منظور الظروف الموضوعية التي سيمر بها العالم والمنطقة عقب الحرب العالمية الثالثة المرتقبة في عام ٢٠٢١.
١٨تشكيل قوات الحرس الوطني احدى الأولويات الحكومية القادمة، من أجل ضم فصائل الحشد الشعبي للتشكيل الجديد، وسيكون الحرس الوطني بقيادة ضابط برتبة فريق ركن، وربما يكون عبد الغني الاسدي.
١٩- أخيراً ثمة تنازلات سيقدمها الامريكان بشأن إيقاف حرب اليمن، وتخفيض دعم الامريكان للسعودية، واطلاق بعض الاموال الايرانية في البنوك العالمية، ورفع حظر النفط الايراني في مقابل قيام الإيرانيين ببعض الاجرائات الكفيلة بطمئنة الطفل الأمريكي المدلل في المنطقة، والتي اشرنا اليها آنفاً.
في خاتمة المقال نقول: ان ما جرى فيه الخير كل الخير، فبالرغم من الازمة الاقتصادية، وتأثيرات فايروس كورونا، واختلاف شيعة العراق، وانتقال حكم الشيعة في العراق الى مرحلة جديدة، وفي ذلك رفع للخير عن العراق، فما قبل كورونا ليس كما بعدها.
الا ان ثمة فتح كبير للشيعة، وكما يقال: الخير فيما وقع.
فلابد ان تمحص الأحزاب الشيعية والمؤسسة الدينية وكل الشيعة، لينجو من ينجو عن بينة ويهلك من يهلك عن بينة، والعاقبة للمتقين.
كتب بتاريخ ٨-٥-٢٠٢٠