بحث علامة اليماني الموعود (ج٤)
الصفات المشخصة لليماني:
————————-
أختلف الباحثون في تشخيص وظيفة اليماني، هل اليماني رجل دين أم رجل سياسة؟ وهل هو رئيس دولة أم قائد جماعة جهادية؟
ولعل الرواية التالية تبين جانباً كبيراً من وظيفة اليماني:
عن أبي بصير ، عن أبي جعفر محمد بن علي ( عليهما السلام ) ، أنه قال :
خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة ، في شهر واحد ، في يوم واحد ، نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضا فيكون البأس من كل وجه ، ويل لمن ناواهم ، وليس في الرايات راية أهدى من راية اليماني ، هي راية هدى ، لأنه يدعو إلى صاحبكم ، فإذا خرج اليماني حرم بيع السلاح على الناس وكل مسلم ، وإذا خرج اليماني فانهض إليه فإن رايته راية هدى ، ولا يحل لمسلم أن يلتوي عليه ، فمن فعل ذلك فهو من أهل النار ، لأنه يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم. (1)
عند التمعن في أحداث الظهور الشريف، نجد أن رئيس دولة سوريا (السفياني) يقرر احتلال العراق، فيقوم بإرسال جيشه الى بغداد، وإسقاط الحكومة العراقية، ومن ثم إجتياح ذلك الجيش المحتل لمدينة النجف الأشرف، وقتل بعض القيادات الدينية والسياسية هناك. ومن جهة أخرى شعور الجمهورية الإسلامية الإيرانية بتهديد أمنها القومي، فيقرر (الخراساني) إرسال جيش لطرد الجيش السوري المحتل، وثالثة؛ خروج رجل عراقي، يمتلك مراس في القيادة العسكرية، ومقبولية لدى الشارع الجنوبي، يقود المسلحين من عشائر الجنوب العراقي لمقاومة الاحتلال السوري.
كل تلك الأحداث ذات طابع سياسي أمني عسكري، فاليماني الذي يدخل ذلك الميدان وبقوة تجعله في موازاة قوة جيش الدولة السورية وجيش الدولة الإيرانية، فلابد أن يكون ذلك الرجل خبيراً في السياسة والقيادة الأمنية والعسكرية، بالإضافة الى ما أشارت اليه الروايات من دعوته الى الإمام المهدي عج، وما تستلزمه تلك الدعوة الموسومة بالهدى من إحاطة بأحداث وعلامات الظهور الشريف بكافة جوانبها: الأمنية والعسكرية والجيوسياسية والتأريخية والديموغرافية وما الى ذلك.
كل تلك القرائن تتحدث عن اليماني بوصفه: رجل دين وسياسي وقيادي أمني، وذو علاقة متينة بالخراساني الذي قد يمده بالتدريب والسلاح وما الى ذلك من قضايا إستشارية ونحوها، كما يحصل اليوم مع فصائل الحشد الشعبي المبارك.
إن الحديث المتقدم ليس بغريبٍ، كما يظن بعض الأخوة غير المطلعين على الأبحاث المهدوية المعاصرة، لذا رأينا أن نذكر رأي أحد الفضلاء بما يخص الموضوع:
يقول الفاضل:
((من خلال قوله صلوات الله عليه في الحديث المتقدم عن الرايات الثلاث: “فيكون البأس من كل وجه، ويل لمن ناواهم” نستشعر جانبين:
الأول: أن الرجل (اليماني) لابد وأن يكون من القيادات السياسية أو الأمنية أو كليهما معاً، لكي يكون قائد راية تعرف بهذا البأس، وفي وسط ظروف سياسية وأمنية معقدة، وأن نراه وهو يخوض في لجج حرب إقليمية بتمرس كهذه الحرب، فإن من مفروغ الكلام أنه يتمتع بمنزلة سياسية وميدانية، قبل حيان أمر خروجه تؤهله الى القيام بهذا الأمر قبل وقوعه، أو على الأقل لن يكون رجلا عادياً في هذه الجوانب.
الثاني: يمكننا التلميح لوصف الشجاعة الكبيرة والبأس الأكبر لدى اليماني على وجه الخصوص من بين بقية الرايات، إذ أن راية السفياني هي راية دولة، وراية الخراساني هي أيضاً راية دولة، ولكن راية اليماني ليست راية دولة.
بالإضافة الى ذلك يمكننا أن نبين من خلال الروايات أن العلاقة بين اليماني الموعود والسيد الخراساني ستكون علاقة تحالف وانسجام وهذا ما يبدو واضحاً من رواية دخولهما الكوفة واتفاقهما على شعور واحد كما يعبر عنه قولهما: “لا خير في مجلسنا بعد يومنا هذا، اللهم إنا التائبون” ثم عملهما معاً في ملاحقة فلول جيش السفياني المنسحب من الكوفة، وإجهازهما عليه)) (2)
كما أن ثمة صفات أخرى مشخصة لليماني، من أهمها الحديث عن هدى رايته، حيث أن رواية الإمام الباقر عليه السلام، عللت هدى الراية بالدعوة الى الإمام المهدي عج:
عن الامام الباقر عليه السلام: (وليس في الرايات راية أهدى من راية اليماني، هي راية هدى، لأنه يدعو إلى صاحبكم..) (3)
إن الدعوة الى الإمام المهدي عج تكون على مستويين:
أولا: المستوى التنظيري.
ويكون بالتنظير لأحداث وعلامات الظهور الشريف، في تحليلات منطقية ينفرد بها اليماني الموعود في كشفه لحقيقة تلك الأحداث والعلامات، حيث يبدو أن التحليل الغالب للروايات العلاماتية لدى عامة الباحثين آنذاك متجه بإتجاه آخر في تحديد مشخصات العلامات والاستدلال على قرب الظهور الشريف من عدمه، والا فلماذا تعد دعوة اليماني متميزة عن غيرها من الدعوات؟ اذا ما قلنا بأن جميع محاولات الفضلاء والباحثين في القضية المهدوية تنحو باتجاه الدعوة الى الامام الحجة عج.
ثانيا: المستوى العملي.
يكون هذا المستوى من خلال إنشاء تلك الراية المباركة، من حيث تدريب الرجال وقيادتهم وزجهم في بعض المعارك سيما معارك النواصب التي تسبق خروج السفياني، حتى تحركه بإتجاه جنوب العراق والتحاق الحشود العشائرية به، وتصديه لجيش السفياني.
في الختام لابد من الإشارة الى أمر بغاية الأهمية، وهو أن وصف راية اليماني بأنها أهدى الرايات ((فإن الهدى غير متعلق بالكفاءات القتالية أو نمطية الإستعدادات الإدارية)) (4)
أي لا يمكن الإشارة الى راية معينة تكون ذات كفاءة قتالية عالية ونمطية إستعداد إدارية متميزة؛ فيقال إن تلك الراية هي راية اليماني! ومن ثم تكون الحاجة الى تأويل صفة (اليماني) وفق معان لغوية كاليُمن والبركة وما الى ذلك، وهذا ما يقوم به بعض من المؤمنين اليوم، من خلال تشخيص بعض قيادات الحشد الشعبي المعروفة بالبأس الشديد، ولانبهارهم ببأس ذلك القائد المرموز يشيرون اليه بأنه قد يكون هو اليماني الموعود! وذلك خطأ فادح اذ ان اليماني يعرف بمشخصاته الروائية وليس بمزاج واهواء الناس التشخيصية!
خلاصة القول ان اليماني الموعود يتصف بكونه رجل دين وقائد سياسي وقائد امني مجاهد، فهو من الفرادة بمكان انه يجمع بين هذه الأمور الثلاثة باحترافية تعبر عنها الروايات الشريفة، وقلما يحصل مع القيادات انها تجمع بين هذه الأمور وتكون ملمة بها جميعها، وهو يشق طريقه بين جلبات الشدائد وعقبات المحن تجاه التمهيد لصاحب الامر عج في وسط الأوضاع العراقية الملبدة بغيوم الفتن!
المصادر
(1) غيبة النعماني: ص264.
(2) الشيخ جلال الدين الصغير/ كتاب علامات الظهور ج2: ص340-341
(3) المصدر (1)
(4) المصدر(2)
