الاعتقاد بالسحر ورفض بيعة القائم عج (ج٣)
الصيحة الجبرائيلية هي احدى علامات الظهور الشريف المحتومة، والمقصود هنا بالظهور الشريف هو الظهور العام لكل الخلق في يوم العاشر من المحرم في عام القيام الشريف، أي ان المراد بالظهور هنا هو الخروج والقيام.
في الوقت ذاته تمثل الصيحة الجبرائيلية اعلان انتهاء الغيبة الكبرى، وبداية مرحلة الظهور الأصغر والخاص بموالي الامام الحجة عج وهي فترة تستمر الى ثلاثة اشهر ونصف حتى الظهور الأكبر والعام والخروج والقيام في يوم عاشوراء من العام اللاحق، وهذه الفترة يتواصل فيها الامام الحجة عج مع اليماني والاصحاب وبعض القيادات الفاعلة للتحضير للقيام الشريف.
ولكن ما هي علاقة الصيحة بموضوع البحث أي السحر؟
هذا ما سوف نعرفه فيما يلي من البحث:
ورد في الرواية عن عبد الله بن سنان قال كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فسمعت رجلا من همدان يقول له: إن هؤلاء العامة يعيرونا، ويقولون لنا إنكم تزعمون أن مناديا ينادي من السماء باسم صاحب هذا الأمر وكان (عليه السلام) متكئا فغضب وجلس ثم قال: لاترووه عني، وارووه عن أبي، ولا حرج عليكم في ذلك أشهد إني قد سمعت ابي (عليه السلام) يقول: والله إن ذلك في كتاب الله عز وجل لبين حيث يقول: (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين) فلا يبقى في الأرض يومئذ أحد إلا خضع وذلت رقبته لها، فيؤمن أهل الأرض إذا سمعوا الصوت من السماء ألا إن الحق في علي بن أبي طالب وشيعته فإذا كان من الغد صعد إبليس في الهواء، حتى يتوارى عن أهل الأرض، ثم ينادي: ألا إن الحق في عثمان بن عفان وشيعته فإنه قتل مظلوما، فاطلبوا بدمه. قال (عليه السلام) فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت على الحق وهو النداء الأول ويرتاب يومئذ الذين في قلوبهم مرض: والمرض والله عداوتنا فعند ذلك يتبرؤون منا، ويتناولونا فيقولون: إن المنادي الأول سحر من سحر أهل هذا البيت ثم تلا أبو عبد الله (عليه السلام) قول الله عز وجل (وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر )
كتاب الغيبة – محمد بن إبراهيم النعماني – ج ١ – الصفحة ٢٦٦
وعن أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) وقد سأله عمارة الهمداني، فقال له:
” أصلحك الله، إن ناسا يعيرونا ويقولون إنكم تزعمون أنه سيكون صوت من السماء، فقال له: لا ترووه عني وأروه عن أبي، كان أبي يقول: هو في كتاب الله (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين) فيؤمن أهل الأرض جميعا للصوت الأول، فإذا كان من الغد صعد إبليس اللعين حتى يتوارى من الأرض في جو السماء، ثم ينادي: ألا إن عثمان قتل مظلوما فاطلبوا بدمه فيرجع من أراد الله عز وجل بهم سوء، ويقولون: هذا سحر الشيعة وحتى يتناولونا، ويقولون: هو من سحرهم، وهو قول الله عز وجل: (وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر)
كتاب الغيبة – محمد بن إبراهيم النعماني – ج ١ – الصفحة ٢٦٧
تحدثت الروايتان أعلاه عن علامة الصيحة الجبرائيلية، وحيث ان مضامين الروايتين تكشف لنا عن اقتدار شيعي كبير في ظروف ما بعد الحرب العالمية وطرد جيش السفياني على يد رايتي اليماني والخراساني، فلولا تلك القوة الشيعية المقاتلة وذلك الاقتدار لا يمكن ان يتم اعلان الظهور الشريف، إذ ان وجود القواعد الشعبية المنتظرة والمقتدرة هو شرط أساسي وعلّي من شرائط الظهور الثلاثة الأساسية وهي: القائد والقواعد الشعبية والاطروحة العادلة.
مع ذلك الاقتدار الشيعي وانهيار القوى العظمى على أثر الحرب العالمية ورفع أيديهم عن منطقة الشرق الأوسط، وما يتبعه من ضعف حكومات الخليج الطاغوتية وانهيارها؛ فإن الصيحة الجبرائيلية تأتي لكي تعطي للشيعة زخما معنوياً منقطع النظير، لغرض الاستعداد لخوض معارك النصرة الرامية لإقامة دولة العدل الإلهي، وان ضعف الأعداء هو ما يجعلهم يرمون الشيعة بتهم شتى على اثر الصيحة، ومنها تهمة السحر!
ان نداء جيرائيل في عالم الملكوت يترجم في عالم الدنيا بصوت مهول يزلزل اركان العالم، يخرج من كل حدب وصوب ويصل الى أعماق المسامع ويقرع أبواب القلوب المؤصدة التي ران عليها ويخترق شغافها ويعتمل في داخل نفوس الخلق، ويستفز كل المخلوقات ويستنفر كل الاحياء ويتفاعل معه الكون بأسره، ويضع الجميع على محك الايمان حتى يؤمن جميع اهل الأرض للوهلة الأولى.
قطعا لا يمكننا وصف ذلك النداء، بيد ان آثاره التي تحدثت عنها الروايات الشريفة تكشف عن هوله، اذ انه يوقظ النائم ويقعد القائم ويقيم القاعد ويخرج الفتاة من خدرها، تلك الفتاة العذراء المخدرة تخرج الى الشارع من هول ما تسمع حيث يغمرها الفرح العميق الذي يخرجها عن طورها، فتنتفض على حياءها المفرط، وتحرض اباها واخاها على الخروج للنصرة، فقد انتهى زمان الظلم والجور واقبل زمان الأمل والعمل لتكون تلك الفتاة المخدرة فاعلة في مجتمعها ناصرة لامام زمانها محطمة لكل قيود الغيبة، لان زمان الظهور الشريف هو زمان النور الذي يحجب ظلمة الغيبة، فمع الامام عج لا ظلم ولا جور ولا بغي ولا طغيان، ومعه لا تخشى النساء من هتك حيائهن او التعرض لهن اذ تسير المرأة المؤمنة في زمانه شامخة الرأس مرفوعة الجبين لا تخشى أحداً من البشر او سباع الأرض، فسوف يكون للهمة والمهارة والجدية والايمان والصبر النسوي دوره الفاعل في إقامة دعائم دولة العدل الإلهي.
لسنا هنا في معرض الحديث عن علامة الصيحة فللعلامة بحث خاص بها، انما نحن بصدد الحديث عن ما يتهم به الشيعة من السحر! فعلى اثر الصيحة الجبرائيلية تنبري وسائل الاعلام المعادية الصليبية والصهيونية والناصبية والطاغوتية، الى تكذيب الصيحة واتهام الشيعة، بل يعمد النواصب الى تلفيق التهم الى اهل البيت صلوات الله عليهم بأنهم علّموا شيعتهم السحر!
بالرغم من وجود صيحة أخرى مضادة لصيحة جبرائيل، لكن اتهام الشيعة بالسحر يدل على ان الصيحة الثانية هي ليست سماوية وانما هي صيحة الاعلام المعادي المضاد والمكذب لصيحة جبرائيل عليه السلام، اذ ليس من المنطق تكذيب الصيحة الأولى والحاقها بصيحة ثانية مشابهة وتصديق الثانية! فإن كانت الأولى سحرا فذلك ما ينطبق على الثانية بالمثل، لكن الصيحة الثانية هي ذات التكذيب المعادي والمضاد واتهام الشيعة بالسحر!
بالطبع ان هذه التهمة تكون على مستويين:
المستوى الأول: هو اتهام القوى الشيعية لا سيما الجمهورية الإسلامية لما تمتلكه من إمكانات متطورة في مجال الاتصالات والاقمار الصناعية؛ حيث تتهم بافتعال الصيحة من خلال تكنولوجيا متطورة.
المستوى الثاني: هو اتهام اجلاف العرب ونواصبهم للشيعة بافتعال حالة سحر عظيم أدى الى انتاج تلك الصيحة الخارقة للعادة.
في كلا الحالتين فإن تلك الصيحة وفق مفهوم الأعداء، هي حدث خارق للعادة يسحر افئدة الناس ويجعل اعناقهم تشرئب وتخضع لذلك الحدث العظيم!
حيث يبقى الأعداء مذهولين من وقت الفجر الى الظهيرة، وحينها يستوعبون الحدث ويخططون سريعا لتشويهه من خلال اتهام الشيعة بافتعاله ونفي كونه حدثاً سماوياً ربانياً!
كما يجدر الإشارة الى قول الأعداء (انه سحر مستمر) والمراد بالسحر المستمر عطف الاحداث الملكوتية التي جرت قبل الصيحة كأحداث شهر رجب وعلاماته السماوية الثلاث، وخروج الشمس من المغرب، وكذلك كسوف الشمس وخسوف القمر في غير توقيتهما، ناهيك عن الصيحة والتي قد تكون متضمنة لعدة نداءات في تلك الليلة المباركة مما يمكن اطلاق صفة الاستمرارية في السحر عليها.
نلاحظ ان الأعداء والدجالين والمنحرفين في كل مرة يحاولون تبرير ضلالهم وانحرافاتهم بإتهام الشيعة او اتهام الامام الحجة عج ذاته بالسحر!
ان المشكلة هنا ليست في اتهامات هؤلاء، وانما بثقافة السحر المغلوطة والمستشرية في مجتمعاتنا، والتي تجعل اتهامات الأعداء والدجالين والمنحرفين تمر على الكثير من الأوساط الشعبية فيصدقون بها ويتفاعلون معها، ويقفون ضد الحق وأهله بتصديقهم لدعاوى السحر الزائفة!
بالرغم من ايمان كل الخلق بالنداء الجبرائيلي، الا انه ومع شديد الأسف نجد ان قطاعات واسعة من المتشيعة يصدقون بدعاوى الأعداء ويكذبون الصيحة الجبرائيلية وينكرون ظهور الامام المهدي عج، ومن هؤلاء (الدجالين واتباعهم والزيدية والبترية والشيصباني وخوارج رميلة الدسكرة ودجال أصفهان وخوارج التمارين وسبعين قبيلة من قبائل العرب وسبعين قياديا من القيادات الشيعية في العراق وحده) كل هؤلاء سوف يرفضون بيعة القائم عج منكرين للصيحة ولسائر العلامات الحتمية ومصدقين لادعاءات الأعداء، وكاشفين عن سرائرهم المشينة ونواياهم الخبيثة، فهنالك من يتعمد تجهيل الناس وخداعهم لأجل تحقيق مصالحه الضيقة واهوائه المريضة، وهؤلاء جميعا ستكون عواقبهم وخيمة ونهاياتهم مهلكة في الدنيا والاخرة والعياذ بالله رب العالمين.
