اليماني وخصوصيات التشريع:
تختلف علامة اليماني عن بقية العلامات بخصوصية تعلقها بالتشريع، فالبحث في شأن اليماني لا ينبغي ان يتسم بما اتسمت به أبحاث بقية علامات الظهور الشريف ما خلا علامة الخراساني التي تشترك مع علامة اليماني بكونها راية هدى والتي أيضا لها مدخلية في خصوصيات التشريع.
ونظراً لما ورد في توجيهات أهل البيت عليهم السلام في الدعوة الى الالتحاق بمواطن أهل البيت عليهم السلام عند خروج السفياني، وبالطبع فإن تلك الدعوة ليست للاستيطان، وانما هو تكليف بالاستعداد التام لعمليات تعبوية وعسكرية للتصدي لعدوان السفياني وحفظ دماء المؤمنين، كذلك فإن قضية نصرة اليماني متعلقة بتنجيز تكليف النصرة المهدوية وتمهيد أرض العراق لاستقبال القائد المفدى عج؛ لذا فإن لعلامة اليماني خصوصيات متعلقة بالتشريع.
وقد وردت في الروايات الشريفة عدة صفات لليماني الموعود تتعلق بالتشريع منها:
ما ورد في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (خروج الثلاثة الخراساني والسفياني واليماني في سنة واحدة في شهر واحد في يوم واحد وليس فيها راية بأهدى من راية اليماني يهدي إلى الحق) (1)
وفي الرواية عن بكر بن محمّد الأزدي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: خروج الثلاثة السفياني والخراساني واليماني في سنة واحدة في شهر واحد ، في يوم واحد ، نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضا ، يقبلون الناس من كلّ وجه كالنار في الحلق، ليس فيها راية أهدى من راية اليماني؛ هي راية هدى تدعو إلى صاحبكم. (2)
كذلك ورد في رواية عن الصادق (عليه السلام) انه لما خرج طالب الحق باليمن قال له بعض الاصحاب نرجو ان يكون هذا هو اليماني فأجابهم بقوله: لا اليماني يتوالى عليا وهذا يبرأ منه. (3)
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: (خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضاً، فيكون البأس من كل وجه، ويل لمن ناواهم. وليس في الرايات راية أهدى من راية اليماني، هي راية حق لأنه يدعو إلى صاحبكم، فإذا خرج اليماني حرم بيع السلاح على الناس، وإذا خرج اليماني فانهض إليه فإن رايته راية هدى، ولا يحل لمسلم أن يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو من أهل النار، لأنه يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم) (4)
الروايات الآنفة الذكر تتحدث عن جملة من الخصوصيات التشريعية لليماني الموعود تلخصت في بعض العبارات: (يهدي الى الحق) (هي راية هدى تدعو إلى صاحبكم) (ليس في الرايات راية أهدى من راية اليماني، هي راية حق لأنه يدعو إلى صاحبكم) (فإذا خرج اليماني حرم بيع السلاح على الناس) (وإذا خرج اليماني فانهض إليه) (ولا يحل لمسلم أن يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو من أهل النار) (يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم)
نظراً للأوصاف العالية المضامين التي وصف بها اليماني الموعود ورايته المباركة، فإنه ينبغي أن يكون من داخل دائرة الهدى المتمثلة بالمرجعية الدينية للشيعة الامامية الاثني عشرية والنائبة عن المعصوم في زمان الغيبة الكبرى، وعوام الشيعة المقلدين للمرجعية الدينية.
أي بمعنى ان اليماني الموعود لا يعدو ان يكون أحد ثلاثة:
1- أن يكون اليماني من عوام الشيعة الامامية.
2- أن يكون محتاطاً.
3- أن يكون مرجعاً.
أما كون اليماني الموعود من عوام الشيعة او ان يكون محتاطاً، فقد يكون رجل دين لكنه لم يبلغ رتبة الاجتهاد وفي الوقت ذاته قد يكون قائداً سياسياً، او عسكرياً، ولابد ان يكون مطيعا للمرجعية الدينية، فتكون نصرته نصرة للمرجعية، والالتواء عليه التواء على المرجعية، فالنتيجة واحدة، وأما احتمال كونه مرجعاً فإنه لم يعهد لمرجعياتنا الدينية في العراق التصدي لغير الفقه، وقد اجتمعت آراء المرجعيات على عدم جواز التقليد في العقائد، لذا لا نجد أي من المراجع قد تصدى للقضية المهدوية بصورة تفصيلية، ولا للقضية السياسية، ولا للقضية العسكرية ميدانيا على اعتبار ان اليماني الموعود هو قائد ميداني لرايته، كما تؤكد الروايات بأن لليماني دعوة الى الامام المهدي عج.
ولعل ثمة من يتصور ابتعاد اليماني عن المرجعية، أي ان يكون اليماني من عوام الشيعة أو محتاطاً، كأن يكون قائدا سياسيا، او فاضلاً محتاطا غير مرتبط بمرجعية معينة؛ وهذا خطأ فادح! اذ ان القيادة المرجعية في زمن الغيبة لا غنى عنها (بغض النظر سواء كانت مرجعية ولاية عامة او ولاية خاصة) فلا يمكن للهدى ان ينفك عن المرجعية، فهي الجهة الوحيدة الحائزة على الشرعية من قبل المعصوم عليه السلام في زمان الغيبة الكبرى، ومقام المرجعية مقام لا ينال الا بالتوفيق والتسديد الإلهي، فلا ينال بالادعاء والسعي وراء الشهرة وما الى ذلك من الأمراض التي تصيب بعض المتفيهقين وبعض المدعين.
كما لابد لشخص اليماني الموعود ان يكون من القيادات البارزة في الاوساط الشيعية، لكن الشيعة لا يعلمون انه هو اليماني، وانما تدل عليه القرائن، ولثقة بعض الشيعة به لا يبقى لديهم شك بانه هو اليماني الموعود.
اما عن كيفية معرفة زمان اليماني الموعود ودعوته المباركة للإمام الحجة عج، فإنه دعماً للموقف الشيعي العام بفيض رأفة الله تعالى ورحمته وألطاف أهل البيت عليهم السلام ورعاية الإمام الحجة عج، وكما ورد في توقيعه المقدس الى الشيخ المفيد (إنّا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولو لا ذلك لنزل بكم اللأواء واصطلمكم الأعداء..) (5)
فقد ترك لنا أهل البيت عليهم السلام إشارات واضحة وبليغة الى ضرورة الاقتداء بالقيادة المرجعية الدينية في عصر الغيبة الكبرى، وأشارت رواياتهم الشريفة الى آخر المراجع العظام الذين سيقودون التشيع قبيل الظهور الشريف، بعض تلك الروايات كانت اشاراتها غير مباشر والبعض الآخر جاء بصورة مباشرة، فقد ورد في الرواية عن المفضل بن عمر قال سمعت أبا عبد الله ــ الصادق عليه لسلام ــ يقول:
«إياكم والتنويه، أما والله ليغيبن إمامكم سنينا من دهركم ولتمحصن حتى يقال مات، قتل، هلك، بأي واد سلك؟ ولتدمعن عليه عيون المؤمنين، ولتكفأن كما تكفأ السفن في أمواج البحر فلا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه وكتب في قلبه الإيمان وأيده بروح منه، ولترفعن اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يدري أي من أي، قال فبكيت ثم قلت: كيف نصنع؟ قال فنظر عليه لسلام إلى الشمس داخلة في الصفة فقال عليه السلام: يا أبا عبد الله ترى الشمس؟ قلت نعم، قال: والله لأمرنا أبين من هذه الشمس» (6)
الحديث عن الحيرة في أوساط المؤمنين انما هو في عصر الغيبة الكبرى فالإشارة هنا الى أمر اهل البيت عليهم السلام ووضوحه كوضوح الشمس؛ انما هو إشارة واضحة الى الفقهاء نواب الإمام الحجة عج في عصر الغيبة الكبرى، وتلك إشارة الى عموم الفقهاء المشهورين في الأوساط الحوزوية الشريفة ، وفي عصرنا الحاضر وزماننا المنظور تنطبق تلك الأوصاف على سماحة السيد السيستاني وسماحة السيد علي الخامنئي وسماحة السيد محمد سعيد الحكيم وسماحة الشيخ الوحيد الخراساني وغيرهم من الفقهاء العدول دامت تأييداتهم، وأمرهم واضح كالشمس، ويؤيدهم غالبية العلماء وأهل الخبرة، والمذهب قائم على عواتقهم، والشيعة مجتمعة عليهم، الا بعض الشواذ والمدعين.
ومع وضوح منهج المرجعيات الدينية، يتضح منهج الامام الحجة عج، فمن كان مع الفقهاء العدول لا يعدو ان يكون مع الامام القائم عج، اذ ان امر الامام عج عنده كالشمس في رابعة النهار.
وقد اشارت احدى الروايات الى قيادات التشيع في الفترة الأخيرة قبيل الظهور الشريف إشارة مباشرة، وهي من بركات وفضل أهل البيت عليهم السلام على شيعتهم:
فعن معروف بن خربوذ، قال: ما دخلنا على أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قط إلا قال: خراسان خراسان، سجستان سجستان، كأنه يبشرنا بذلك. (7)
لم يعهد من أهل البيت عليهم السلام بشاراتهم المستقبلية، سيما مع إطلاقهم للبشارة وعدم حدها بزمان معين؛ الا إشارة الى الفرج العظيم بالظهور الشريف للإمام المهدي عج، وإقامة دولتهم المباركة.
وتشير الرواية الى وجود قيادتين للعالم الشيعي في عصر الظهور، تتمثل القيادة الأولى في خراسان، والثانية في سجستان، فالخراساني حاله معلوم فهو يمثل قمة هرم المدرسة الشيعية في الجمهورية الإسلامية (ولي الفقيه) وسجستان من أعمال خراسان فلا يمكن ان يكون المقصود هنا هو المكان لتزاحمه مع خراسان، وانما المراد شخص ذلك القائد السجستاني، ولما أصبح في العصر الحاضر جذور المدرستين الشيعيتين العظيمتين مترسخة في ايران والعراق، فلابد ان يكون ذلك الرجل السجستاني في العراق وبالتحديد في النجف الاشرف.
فيكون تأويل الرواية: أن الفرج والبشرى العظيمة بظهور الامام المهدي عج تأتي في زمان قيادة الخراساني والسجستاني للمذهب الشريف. ولكن فيما يتعلق بقيادة النجف الاشرف، فإنه بعد احتلال جيش السفياني في النجف تنتقل القيادة الدينية الى المرجع الحسني، وبالتالي فإن زمان دعوة اليماني الموعود تكون متزامنة مع وجود هاتين القيادتين المباركتين.
ما نقطع به ان اليماني الموعود يجمع بين موالاة تلك المرجعيات الدينية بمختلف توجهاتها، ووفقاً لطبيعة الواقع الشيعي فإن مرجعية النجف الأشرف تمد اليماني بالشرعية والرجال الذين غالبيتهم من اتباعها وذلك لكون اليماني عراقي كما سنثبته فيما بعد وكون عامة أنصاره عراقيين، ومرجعية خراسان تمد اليماني بالسلاح والخطط العسكرية، وفقا لطابع الجمهورية الإسلامية في رفد الجماعات الشيعية المسلحة المجاهدة.
بقي ان نشير الى ان فترة دعوة اليماني لابد ان تتزامن مع انطلاقة احداث علامات الظهور الشريف، وذلك لان زمان تحقق تلك العلامات انما هو قريب جدا من الظهور الشريف، اذ لابد ان يكون لليماني الموعود أدوارا في صناعة الرأي العام القائل بقرب الظهور الشريف (يدعو الى صاحبكم) ورصد خارطة احداث الظهور وعلاماته، بالإضافة الى الدور السياسي والأمني الذي سيؤديه اليماني الموعود تمهيدا لخروجه برايته المباركة لنصرة الامام الحجة المهدي عج.
المصادر:
(1) (البحار:52/210
(2) سرور اهل الايمان في علامات ظهور صاحب الزمان ص47
(3) (الأمالي للطوسي:661)
(4) بشارة الإسلام ص93 عن غيبة النعماني والإرشاد2: 375 وغيبة الطوسي 446
(5) الإحتجاج للطبرسي ج2
(6) «راجع أصول الكافي للشيخ الكليني: ج1/ ص336، باب الغيبة الحديث الثالث. بحار الأنوار للمجلسي: ج52/ ص281. مكيال المكارم للميرزا محمد تقي الأصفهاني: ج2/ ص160)
(7) بحار الأنوار: ٥٢ / ٢٤٣، ح ١١٧.
