بحث علامة اليماني الموعود (ج٥)

بحث علامة اليماني الموعود (ج٥)

أدلة خروج اليماني من العراق

الدليل الاول: نفي يمانية اليماني

مقدمة:

ذكرنا في جزء سابق من البحث ان لفظ اليماني ومن خلال التبادر فإنه يدل على أصول الرجل اليمانية، ولما لم تذكر الروايات الشريفة أي قرينة تدل على خروج اليماني من اليمن، فإن ميدان حركة اليماني هو القرينة الدالة على مكان خروجه، أي ان ميدان حركته هو مكان خروجه، وهذا ما يقتضيه المنطق العقلي والا فسوف تصبح اطراف القضية سائبة ونتحول من البحث العلمي الرصين والفريد الى البحث الحشوي السائد، ولكن مع ذلك لابد من نقض الشبهات التي تشير الى خروج اليماني من اليمن.

الروايات التي تضمنت عبارة (اليماني من اليمن)

وردت عبارة (اليماني من اليمن) في ثلاث روايات في إشارة الى خروجه من اليمن، وهذه الروايات شأنها كشأن روايات أصول الفقه؛ فهي بحاجة الى التحقيق السندي والمتني، ولهذا المضمار رجاله، وهم فضلاء الحوزة العلمية، وفي الحقيقة نحن بحثنا طويلاً، فلم نجد من تناول روايات الظهور الشريف بالتحقيق العلمي، سوى إثنين من الفضلاء، أحدهما: فضيلة الشيخ علي الكوراني، والثاني: فضيلة الشيخ جلال الدين الصغير. ولم يتطرق فضيلة الشيخ الكوراني الى تحقيق سائر الروايات، بل أنه تطرق لبعض منها فقط، ولم نجد له تحقيقاً لتلك الروايات الثلاث التي حوت في متنها عبارة (من اليمن) لكننا وجدنا تحقيقا معمقاً لفضيلة الشيخ جلال الدين الصغير، فارتئينا أن نقدمه لكم باختصار وبتصرف. (1)

يقول الفاضل:

فيما يتعلق بالروايات التي ورد فيها ذكر اليماني الموعود، وكونه من اليمن، وكل ما لدينا في هذا المجال ثلاث روايات.

الرواية الأولى:

الشيخ الصدوق في كتابه كمال الدين، عن محمد بن محمد بن عصام، عن الشيخ الكليني، عن القاسم ابن العلاء، عن إسماعيل بن علي القزويني، عن علي بن إسماعيل، عن عاصم بن حميد الحناط، محمد بن مسلم الثقفي قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام وأنا أريد أن أسأله عن القائم من آل محمد فقال لي مبتدئاً: يا محمد بن مسلم إن في القائم… الى أن قال: وانه لا ترد له راية وان من علامات خروجه خروج السفياني من الشام، وخروج اليماني (من اليمن) ومنادياً ينادي من السماء …الخ. (2)

وقد أورد الشيخ الصدوق قطعة أخرى من الرواية في موضع آخر من الكتاب ذاته، عن محمد بن مسلم الثقفى قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام يقول: القائم منا منصور بالرعب، مؤيد بالنصر .. إلى أن قال: واستخف الناس بالدماء وارتكاب الزنا، وأكل الربا، واتقى الاشرار مخافة ألسنتهم، وخروج السفياني من الشام، واليماني من اليمن وخسف بالبيداء، وقتل غلام من آل محمد بين الركن والمقام.. الخ. (3)

التحقيق السندي:

الرواية الثانية بنفس سند الرواية الأولى وهو سند ضعيف جداً لوجود مجهولين فيه وهما: إسماعيل بن علي القزويني، وعلي بن إسماعيل.

التحقيق المتني:

في التحقيق المتني للرواية وجدنا أمرين:

الأمر الأول: أن عبارة (من اليمن) في المقطع الأول من الرواية جاءت ما بين معقوفتين أو قوسين وفق اختلاف النسخ، وكليهما تشيران الى أن الكلمة قد وردت في بعض نسخ الكتاب وليس في جميع النسخ، مما يضع علامة استفهام في إمكانية أن تكون العبارة لا علاقة لها بالأصل، أو مضافة من قبل الناسخ أو المصحح أو الشارح، أما الرواية بمقطعها الثاني والتي وردت عبارة “من اليمن” فيها بدون أقواس، الا أن الشك الناشئ في الموضع الأول ينجر لمثيله في الموضع الثاني، لآن الرواية بنفس السند مما يعني أنها رواية واحدة.

والأهم في ذلك كله؛ أن الرواية وردت في تسعة مصادر من كتب السابقين، ممن نقلوها عن الشيخ الصدوق لم يُذكر فيها عبارة “من اليمن” مطلقاً:

1- اعلام الورى بأعلام الهدى

المؤلف : الشيخ الطبرسي

الوفاة : 548هـ

2- كشف الغمة

المؤلف : ابن أبي الفتح الإربلي

الوفاة : 693هـ

3- منتخب الأنوار المضيئة

المؤلف : السيد بهاء الدين النجفي

الوفاة : 803هـ

4- إثبات الهداة

المؤلف:محمدبن الحسن الحرالعاملي

الوفاة:1104هـ

أ) ج 3 ص 46 ب‍19 ف‍3 ح‍20 – مختصرا عن كمال الدين .

ب) ج3 ص 468 ب‍النصوص على امامة صاحب الزمان ف‍5 ح‍131 كاملةً عن كمال الدين .

ج) ج3 ص 718 ب‍34 ف‍4 ح‍13 – آخره عن كمال الدين

5- بحارالانوار

المؤلف : العلامة المجلسي

الوفاة : 1111هـ

ج51ص218ح16 عن کمال الدين

6- إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب

المؤلف :الشيخ علي اليزدي الحائري

الوفاة : 1333هـ

ج1ص197

7- بشارة الاسلام

المؤلف : السيد مصطفي الكاظمي

الوفاة : 1336 هـ

الطبعة: قم- مکتبة الامين

ص140

8- مكيال المكارم

المؤلف : ميرزا محمد تقي الأصفهاني

الوفاة : 1348هـ

ج1ص71

9- رجال تركوا بصمات على قسمات التاريخ

المؤلف : السيد لطيف القزويني

الوفاة : معاصر

ص275.

وبهذا التفصيل يتبين سقوط دلالة يمانية اليماني من خلال هذه الرواية.

ولهذا فإن ما يمكن لنا تأكيده في هذا المجال وبناء على هذه المعطيات؛ أن عبارة “من اليمن” ليست من أصل الرواية، وإنما أقحمت من قبل بعض الشرّاح أو الناسخين أو المحققين المتأخرين.

الرواية الثانية:

روى الشيخ علي بن محمد الليثي، وهو من علماء القرن السادس، مرسلا قال: خمس من علامات القائم: اليماني من اليمن، والسفياني، والمنادي ينادي بالسماء، وخسف بالبيداء، وقتل النفس الزكية. (4)

التحقيق السندي:

رواية مرسلة.

التحقيق المتني:

في التحقيق المتني للرواية وجدنا أمرين:

الأمر الأول:

أن الشيخ الليثي نقل الرواية من كتاب الخصال للشيخ الصدوق (5) ولكن رواية الشيخ الصدوق في الخصال، ومثلها في كمال الدين وتمام النعمة (6) وكذا في كتاب والده قدس سره (7) الذي نقل عنه الشيخ الصدوق الرواية؛ خلت تماماً من هذه العبارة، مما يجعل عبارة “من اليمن” في كتاب الليثي، إما مضافة من المؤلف أو الشارح أو الناسخ.

الأمر الثاني:

أن الرواية بصدد الحديث عن العلامات الحتمية الخمسة المشهورة، والروايات التي تحدثت عن العلامات الحتمية صحيحة السند منها ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (قبل قيام القائم خمس علامات محتومات: اليماني، والسفياني، والصيحة، وقتل النفس الزكية، والخسف بالبيداء) (8)

وهذه الروايات ذكرت العلامات الخمسة، بدون الإشارة الى مكان خروج راية اليماني او السفياني، فلم تذكر عبارة “من اليمن”

بهذا التفصيل يتبين سقوط دلالة يمانية اليماني من خلال هذه الرواية.

الرواية الثالثة:

جاء في رسالة نسبت الى الفضل بن شاذان قدس سره في الحديث الثامن عشر قال: حدثنا صفوان بن يحيى، قال حدثنا محمد بن حمران، قال: قال الصادق عليه السلام: إنّ القائم منّا منصور بالرّعب، مؤيد بالنصر- الى أن يقول: وخروج السفياني من الشام، واليماني من اليمن، وخسف بالبيداء، وقتل غلام من آل محمّد صلى الله عليه وآله بين الركن والمقام اسمه محمد بن الحسن ولقبه النفس الزكية، وجاءت صيحة من السماء بأنّ الحق مع علي وشيعته، فعند ذلك خروج قائمنا عليه السلام. (9)

التحقيق السندي:

سند الرواية من جياد الأسانيد.

التحقيق المتني:

ثمة كلام في مجهولية المصدر الذي نقل الرواية وكذلك في اضطراب متن الرواية:

مجهولية المصدر:

ان مصدر الرواية هو رسالة “مختصر إثبات الرجعة” المنسوبة للفضل بن شاذان، وهي رسالة تحتوي على عشرين رواية، والرسالة قيل أنها وجدت منقولة بخط بعض فضلاء المحدثين، عن “رسالة إثبات الرجعة” ولا يعرف من هم هؤلاء الفضلاء، ولا الكيفية التي تم بها نقل هذا المختصر، كما أن تلك الرسالة المختصرة فيها من الخلل والتناقضات، ما يسقط اعتبار رواياتها، فبعض رواياتها نقلها الرواة عن غير الفضل بن شاذان، وبعض آخر من رواياتها نقلت عن كتاب سليم بن قيس الهلالي مباشرة، مما يعني أن تلك الرسالة لم تكن معروفة الا مؤخراً.

كما أن الرسالة انفردت بنقل بعض الروايات التي لم يوجد لها أي ذكر في مصادر أخرى، وفيها خمسة روايات ينقلها الفضل بن شاذان عن رواة متأخرين عن عصره، فهو عاش لبداية عصر الإمام الهادي عليه السلام، لكن الروايات الخمس تتحدث عن نقله عن رواة يروون عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام!

مما يعطينا يقيناً بأن من نقل تلك الرسالة وأختصرها، لم يكن دقيقاً في النقل، بل أنه خلط في الأسانيد بشكل يشير الى عدم معرفة الناقل بعلم الرجال! وذلك يدعونا للشك بسند الرواية موضوع البحث!

كما أن المحقق الشيخ أقا بزرك الطهراني ذكر في كتابه “الذريعة إلى تصانيف الشيعة” أن رسالة “منتخب إثبات الرجعة” كتبت بخط السيد بهاء الدين علي النيلي النجفي، لكن الأخير ضمّن كتابه “سرور أهل الإيمان” روايات نقلها عن رسالة “منتخب إثبات الرجعة” لكنها غير الروايات العشرين التي في الرسالة المنقولة!

بالإضافة الى ذلك كله فإن في الرسالة روايات تخالف ما هو مقطوع منه، في قضية تحقق علامات الظهور الشريف، مثلا ما ورد في الرواية رقم عشرين، من أن السفياني يُقتل قبل ظهور الإمام الحجة عج!

الخلل في متن الرواية:

الرواية تحدثت عن العلامات الحتمية الخمس المشهورة، لكنها قدمت وأخرت في تسلسل العلامات، وما هو مسلم به أن رواية العلامات الحتمية ذكرت العلامات حسب تسلسل تحققها، مما يبين عدم دقة الناسخ أو الناقل للرواية، إذ من غير الممكن القول أن التقديم والتأخير جاء من قبل الإمام الصادق عليه السلام!

بهذا التفصيل يتبين سقوط دلالة يمانية اليماني من هذه الرواية.

خاتمة:

من خلال ما تقدم من استنتاجات يتضح أن الروايات التي ذكرت عبارة “من اليمن” روايات لا يمكن الاعتماد عليها، وذلك يبين مدى سطحية الآراء التي تبنت مقولة خروج اليماني من اليمن اعتمادا على تلك الروايات، والمقال واضح من عنوانه كما يقال، حيث أن سائر من قال بخروج اليماني من اليمن، لم يقدم بحثاً لأسانيد ومتون تلك الروايات التي من المفترض أنه أستدل على يمانية اليماني عن طريقها! ناهيك عن بعضهم الذي ذهب الى منهج التسامح في الأسانيد، وهو الأغرب!

وبذلك يتضح أن أهل البيت عليهم السلام، لم يصرحوا بنسبة اليماني الى اليمن في الروايات المعتبرة المنقولة عنهم على الاطلاق.

المصادر

(1) للإطلاع على البحث بالتفصيل مراجعة : كتاب علامات الظهور/ الشيخ جلال الدين الصغير ج2/ص298 وما بعدها.

(2) (كمال الدين وتمام النعمة: 327-328 ب32 ح7)

(3) كتاب كمال الدين وتمام النعمة: 331 ب32 ح16

(4) عيون الحكم والمواعظ: 244

(5) الخصال 303 ب5 ح82

(6) كمال الدين وتمام النعمة: 649 ب57 ح1 بفارق طفيف.

(7) الإمامة والتبصرة من الحيرة: 129 ح131 بفارق ليس بفارق.

(8) (البحار: 52 /204 )

(9) مختصر إثبات الرجعة.

أضف تعليق