بحث علامة اليماني الموعود (ج٦)
أدلة خروج اليماني من العراق
الدليل الثاني: خروج طالب الحق.
روى الشيخ الطوسي في الأمالي بسنده الى محمد بن أبي عميرعن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لمّا خرج طالب الحق قيل لأبي عبد الله عليه السلام: نرجو أن يكون هذا اليماني؟ فقال: لا، اليماني يوالي علياً عليه السلام، وهذا يبرأ منه) (1)
استفاد بعض الفضلاء والباحثين من هذه الرواية، دلالات على خروج اليماني من اليمن! فقالوا: (الشاهد من هذه الرواية أن أصحاب الامام عليه السلام لما خرج طالب الحق في اليمن تبادر الى أذهانهم أنه اليماني الموعود في الروايات، مما يعني أن أئمة أهل البيت عليهم السلام غرسوا في أذهانهم أن اليماني من اليمن، والا فلا معنى لهذا الانسياق والتبادر من جانبهم.
ومن جانب آخر هو أن الإمام لم يعترض على تبادرهم وانسياقهم الى أن اليماني من اليمن، وانما اعترض على التطبيق، وأن شخصية اليماني لا تنطبق على طالب الحق؛ لأنه مبغض لأهل البيت عليهم السلام واليماني موال لهم، مما يعني أن الإمام عليه السلام أيّد وأثبت صحة الفهم لدى أصحابه من أن اليماني من اليمن، وإلاّ لبين ووضح لهم أنه فهم خاطئ.
كما قال بعض من الفضلاء والباحثين: أن صاحب الحق رجل مجهول، وأنه لا يُعرف ما هو الحق الذي خرج من أجله، وأنه فيما لو كان الحق الذي يطالب به هو حق آل محمد، فمن الذي أذن له بالخروج؟! (2)
ثمة تساؤلات مهمة: من هو طالب الحق؟ ومن هم أنصاره؟ وما هو الحق الذي خرج من أجله؟ ومن الذي أذن له بالخروج؟ ومن الذي سأل الإمام الصادق عليه السلام عن طالب الحق؟ وهل كان متبادراً الى أذهان أصحاب الإمام عليه السلام أو عموم الناس آنذاك أن اليماني يخرج من اليمن؟ وهل ان ذلك التبادر حجة علينا نحن في زمان الظهور الشريف؟ وثمة تساؤل أخير: إذا كان طالب الحق يتبرأ من الإمام علي عليه السلام (ناصبي، أو من الخوارج) فكيف لم يميز السائل بين اليماني راية الهدى وبين طالب الحق الضال المضل؟!
كل تلك الأسئلة غابت أجوبتها في ردود الفضلاء والباحثين، على أقل تقدير ممن اطلعنا على ردودهم على أسئلة السائلين! حتى أنهم علقوا بعض الأجوبة على شماعة المجهول، وأوّلوا بعضاً منها، وتركوا السفينة في عرض البحر بلا مرسى!
من هو طالب الحق؟
هو لقب أطلق على “عبد الله بن يحيى بن عمرو بن شرحبيل بن عمرو بن الاسود الكندي الحضرمي”، كان عبد الله بن يحيى من “الخوارج” يرى رأي الإباضية، وكان أعور العين، خرج سنة تسع وعشرين ومئة بحضرموت، واجتمعت الإباضية إليه فبايعوه، وعامة أصحابه من أهل البصرة، ثم خرج الى صنعاء واستولى على اليمن في تلك السنة، قيل إن أصحابه أسموه “طالب الحق” ويقال بل هو سمّى نفسه) (3)
(ولد عبد الله بن يحيى في حضرموت عام 709 للميلاد وينتمي لبني الشيطان، قبيلة من بطن معاوية الأكرمين من كندة، خرج على الدولة الأموية عام 745. كان عبد الله قاضياً لإبراهيم بن جبلة الكندي عامل الدولة الأموية ) (4)
سبب خروج طالب الحق:
(أنه رأى باليمن جوراً وعسفاً شديداً، وسيرة في الناس قبيحة، فقال لأصحابه: لا يحل لنا المقام على ما نرى ولا يسعنا احتماله والصبر عليه (5) فكتب الى أبي عبيدة مسلم كورين مولى بني تميم وإلى غيره من إباضية البصرة يشاورهم في الخروج فكتبوا اليه: إن استطعت ألا تقيم يوماً واحداً فأفعل، فإن المبادرة بالعمل الصالح أفضل، فإنك لا تدري متى يبلغ أجلك، ولله خيرة من عباده يبتعثهم إذا شاء لنصر دينه، ويخصهم بالشهادة إكراماً لهم بها، وشخص اليه المختار بن عوف السلمي وهو من إباضية البصرة، وبلج بن عقبة وكان قبل ذلك يعمل في الشُرط بالبصرة .. حيث قدم إليه أولئك الرجال فحثّوه على الخروج فوافقهم، فدعا أصحابه فبايعوه). (6)
فخرج حتى استولى على اليمن ومن ثم (سيطر عبد الله على الحجاز عام 128 هجرية وجعل عليها المختار بن عوف السلمي الأزدي) (7)
كان الإباضية يرون عدل أبي بكر وعمر، أما عثمان، والإمام علي عليه السلام، فيرون فيهم ما يلي: (ولّي عثمان فسار دون سيرة صاحبيه ست سنين، ثم أحبط فيما مضى له ومضى لسبيله، ثم ولّي علي بن أبي طالب، فكان على سداد، حتى حكّم في كتاب الله، وشكّ في دينه فلم يبلغ من الحق قصداً، ولم يرفع له مناراً، ثم ولّي معاوية لعين رسول الله وابن لعينه ..) (8)
( بسط الإباضية سيطرتهم على اليمن والحجاز حتى سيّر إليهم مروان بن محمد، أخر خلفاء بني أمية جيشاً كبيراً وكانت أول المعارك في وادي القرى ناحية العلا، قُتل فيها بلج بن عقبة الأزدي فخرج المختار بن عوف من مكة، ودارت بينهما معركة خلصتها من قبضة الإباضية وقُتل عبد الله في الطائف عام 130 هجرية وبقيت الإباضية في اليمن حتى القرن الرابع عشر الميلادي. يُعد عبد الله أول أئمة الإباضية في اليمن( (9)
يتضح مما أوردناه من سرد تأريخي مقتضب عدة أمور مهمة:
1- طالب الحق ليس رجلاً مجهولاً، إنما تحدثت عنه كتب التأريخ وعن معاركه بالتفصيل الدقيق فقد كان قاضي اليمن في دولة بني أمية، فهب أن أحد جلاوزة نظام البعث المقبور من القيادات البعثية الكبيرة في الدولة يخرج على صدام، وهنالك من يسأل أحد العلماء في النجف الاشرف هل ان ذلك الخارج هو اليماني الموعود؟ ماذا تظن ان يكون جواب العالم يا ترى؟ هل سيسرد له تفاصيل راية اليماني، ام انه سيبين له مقدار الاستشكال والشبهة التي اعترته بأن اليماني الموعود راية هدى بينما ذلك الخارج هو من كلاب صدام.
كان خروج طالب الحق في آخر عهد مُلك بني أمية، في عهد مروان الحمار بالتحديد، وكان قد غزى مكة والمدينة، وكان ينوي التوجه نحو الشام لإسقاط الخلافة الأموية، لولا تغلب الأمويين عليه.
2- طالب الحق من الخوارج، وهو من الفرقة الإباضية التي ترى أن علياً عليه السلام قد أخطأ في التحكيم بالدين وأنه قد شك في دينه حاشاه، وسوف نبين ذلك بالتفصيل فيما بعد.
ما هو الحق الذي خرج من أجله؟
يقول طالب الحق مبيناً طبيعة دعوته (ندعوا الى الله، والى كتابه، وسنة نبيه .. الى أن قال: ندعوا الى فرائض بينات محكمات، وآثار نقتدي بها .. وندعوا الى توحيد الرب .. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والولاية الى أهل ولاية الله، وإن من رحمة الله أن جعل في كل فترة بقايا من أهل العلم يدعون من ضل الى الهدى، ويصبرون على الألم في حب الله( (10)
يتضح من حديث صاحب الحق أنه يدعوا الى نفسه، فالإباضيون يرون أن الرجل الذي يدعوا الى الله وإقامة الفرائض والسنّة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويعتقد بعقيدتهم، فإن الولاية تكون له إذا بايعه الناس.
من الذي أذن له بالخروج؟
لم يأذن له أحد، فإن طالب الحق ليس من الشيعة، بل أنه من الخوارج ولم يكن يدعو الى آل محمد صلوات الله عليهم كي يأخذ الإذن من الإمام الصادق عليه السلام، بل انه من المعادين للشيعة.
أما بخصوص من سأل الإمام الصادق عليه السلام عن طالب الحق؛ فيبدو أنه ليس من أصحاب الإمام عليه السلام، بل هو من عامة الناس، وسؤاله كان ساذجاً حيث أنه لم يفرق بين الخارجي وبين اليماني الموعود أهدى الرايات!
وعجباً لمن يقول: ” أن أئمة أهل البيت عليهم السلام غرسوا في أذهان الناس أن اليماني من اليمن والا فلا معنى لهذا الانسياق والتبادر من جانبهم”
حقيقة لا اعرف عن أي تبادر يتحدثون! فإذا كان ذلك كيف أحتمل السائل أن يكون طالب الحق هو اليماني رغم كونه يتبرأ من علي عليه السلام؟! الم يُغرس في ذهن السائل أن اليماني أهدى الرايات وانه يدعو الى الحق والى صراط مستقيم؟!
المشكلة أن بعض الباحثين تارة يُطلقون التعميم على بعض الأحداث بلا معمم! وأخرى يخصصون بلا مخصص، فمرة يجعلون الناس المعاصرين للإمام الصادق عليه السلام كلهم متفقهين، ويعرفون كل شيء عن كل العقائد والفقه وما الى ذلك من أمور الدين! أو كأن الإمام الصادق عليه السلام لا يسأله الا خاصة أصحابه، ولا يلتقي بالناس ويتلقى الاسئلة منهم! وما ذلك الرأي الا لقصور في الفهم وعدم إعمال الفكر بصورة وافية وعدم الإحاطة بالجوانب التأريخية بخصوص شخص وقضية خروج طالب الحق.
لقد كان جواب الإمام الصادق عليه السلام على مستوى عقل وفهم السائل، وكأن جوابه كان استنكارياً، ولا حاجة لأن يتطرق الإمام الصادق عليه السلام الى تفاصيل خروج اليماني، كأن يقول للسائل أن اليماني يخرج من العراق، فليس السائل ولا عامة أهل ذلك الزمان معنيين بالحركة العملية لليماني.
ولا علاقة لذلك فيما ذهب اليه بعض الباحثين من كون الإمام عليه السلام أقر السائل على يمانية اليماني، أو أن الإمام عليه السلام يكون قد قصر في إعلام السائل بعراقية اليماني لو كان اليماني من العراق! كل هذه التحليلات مجرد آراء غير موضوعية.
وهنالك من الفضلاء من تطرق الى نقض الإستدلال بهذه الرواية على خروج اليماني من اليمن، إذ يقول الفاضل:
(بعد التنزل عن مناقشة سند الرواية الذي يعاني ما يعاني من جهالة وإهمال، فلا شك أن الرواية حاكية عن وجود الفهم الذي أشار اليه عند من سأل الإمام صلوات الله عليه، وهو مجهول على أي حال، وهذا الفهم لدى الرجل ليس دليلاً لكي يعمم على بقية الأصحاب.
ولكن هل أن فهم من سأل الإمام عليه السلام حجة علينا؟ وهل أن الإمام عليه السلام ملزم أن يصحح للسائل فهمه في أي مسألة يسأل بها؟ لاسيما في مسألة لا تهم زمان السائل، وفي قضية لا تتعلق من الناحية العملية به إطلاقاً، ولا تنطوي على أي بعد تشريعي للسائل، بل قد يكون الإمام عليه السلام متعمداً، لكي لا يضر بوجود وحركة اليماني لاحقاً وإبقاء شخصية اليماني مخفية عن مناوئيه، وهو أمر يمكننا تلمسه من كثرة الحديث عن شخص السفياني والسيد الخراساني في مقابل الحرص على عدم التحدث عن أي دلالة على شخص اليماني، وبالتالي فإن أي الزام على الإمام صلوات الله عليه لا وجود له ليقال بأن الأولى بالإمام أن يشير الى مكانه، نعم أوضح الإمام صلوات الله عليه الجهة الملزم بتبيانها وهي ما يتعلق بالجانب الإعتقادي، دون أن يلتفت الى أي موضوع آخر، وهو أمر عقلائي بديهي.
أما الحديث عن التبادر، فإن التبادر المشار اليه يكون صحيحاً لو أن الإمام صلوات الله عليه كان يتحدث عن أمر يتعلق بزمان المتحدث معه، ولكن عندما يكون زمان النص بعيداً عن الزمان المنصوص له بعدة قرون فلا وجه لهذا التبادر، ولا مسوغ للالتزام بالقول به، فالإمام عليه السلام هنا يتحدث مع شخص لا تعنيه من الناحية العملية قضية اليماني مطلقاً، بل هي تعني أناساً سيأتون من بعد قرون عدة) (11)
بعد ذلك كله يتضح أن رواية طالب الحق، لا تحمل دلالة على خروج اليماني الموعود من اليمن، سيما أنها ضعيفة السند من جهة، وان جواب الامام الصادق عليه السلام على السائل انما كان على قد ادراكه، وبما يناسب المقام.
المصادر
(1) الأمالي للطوسي: ص661
(2) أجوبة بعض الفضلاء والباحثين وجدناها في بعض الكتب والمواقع الإليكترونية.
(3) أنساب الاشراف ج9 ص 285 -286.
(4) عبد الله بن يحيى بن عمرو الكندي، من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.
(5) أنساب الاشراف ج9 ص 285 وابن ابي الحديد شرح نهج البلاغة ج ٥ ص ١٠٦
(6) أنساب الاشراف ج9 ص 285
(7) أنساب الأشراف ج9 ص290 وأبو الفرج الأصبهاني الأغاني ج ٢٣ ص ٢٢٤ ـ ٢٥٦
(8) أنساب الأشراف ج9 ص291
(9) عبد الله بن يحيى بن عمرو الكندي، من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.
(10) المصدر السابق ص288
(11) جلال الدين الصغير/ كتاب علامات الظهور ج2/ ص310.
