بيان المرجعية الدينية الابعاد والدلالات

بيان المرجعية الدينية الابعاد والدلالات

بعد انطلاق فتنة تشرين برعاية وتمويل صهيوامريكي – خليجي وتصدي منبر كربلاء لدعم التظاهرات التشرينية، احتدم الجدال بين المؤمنين حول خطابات وكلاء المرجعية والبيانات الصادرة من مكتب المرجعية، وهنا تثار التساؤلات: هل ان تلك البيانات صادرة من شخص المرجع ام من مكتبه، وهنالك من يقول انها صادرة من نجل المرجع ومدير مكتبه السيد محمد رضا دون علم المرجع!
ونحن في هذا المقام لسنا بصدد اثبات او نفي تلك الآراء وانما ننطلق من منطلق وحدة مكتب المرجعية وشخص المرجع، فالمرجع يتحمل المسؤولية في كل الأحوال سلبا كان او ايجاباً.
البيان الاخير الصادر من مكتب المرجعية عقب زيارة ممثلة الامم المتحدة في العراق جنين بلاسخارت اثار جدلا محتدما بين المؤمنين، وقد وردتنا عدة تساؤلات من بعض الاخوة بخصوص هذا الامر لذا نود بيان الاتي:
1- ان طبيعة خط المرجعية الدينية التي لا تؤمن بولاية الفقيه يعتمد في ايديولوجيته على مبدأ التقية، وان كان الخط الاخر واعني خط ولاية الفقيه لا يفرط بالتقية، بيد انه يرى ان موارد التقية تتعلق بالامور الحرجة جداً، وبذلك تفترق المدرستان بما يتعلق بهذه الخصيصة.

2- انطلاقا من مبدأ التقية ترى مرجعية الولاية الخاصة ان الأسلوب الأمثل للتعامل مع دول الاستكبار العالمي هو التقية، وهذا المنهج لا يمكن لها ان تتخلى عنه حتى قيام القائم عج، لانه اصبح جزءً من كيانها وثقافتها ومتناغما مع عقيدتها في الدين، فهي وان افتت بفتوى الجهاد الكفائي، بيد انها ترى عدم خروجها عن مبدأ التقية، لانها اثبتت للعالم اجمع انها كانت مضطرة الى ذلك، لان الامر كان مسألة حياة او موت، وان فتواها تلك أتت متناغمة مع الرأي العام العالمي والشرعية الدولية المتمثلة بالأمم المتحدة.

3- ان ما ورد في التوجيهات الصادرة في البيان الأخير لمكتب سماحة السيد السيستاني دامت بركاته، انما تمثل رؤية المرجع وهي رؤية غير ملزمة حتى لمقلديه، وذلك من جانب كونها ليست فتوى شرعية، فالمرجعية التي لا تؤمن بالولاية العامة لا ترى لنفسها الولاية السياسية على المؤمنين، وهي تلزم مقلديها فقط في الاحكام الشرعية، ومن جهة أخرى لان تصريحاتها اكتنفت في طياتها مبدأ التقية.

4- مقتضى ما تراه المرجعية من تقية، يقتضي على مقلديها ومريديها فهم ذلك الامر ولا اشكال في مخالفته بما يرونه ضروريا لديمومة مستقبل التشيع من الاحتفاظ بالسلاح غير المرخص، واتباع الطرق التي يرونها مناسبة وفق متبنياتهم الشرعية في كسب الأموال التي يمولون بها احزابهم وفصائلهم الممانعة والمقاومة والتي لا يختلف اثنان في ضرورة وجودها وديمومة قوتها لاجل تشكيل حاجز ردع بوجه الأعداء وتوفير عنصر الاقتدار المحجم للاعداء والممهد للامام الحجة عج، وكذلك اتباع الطرق المشروعة للتحضير للانتخابات وإرساء قانون انتخابات منصف يحقق الأغلبية الشيعية في البرلمان وفق واقع الحال، والا فإن أي تضييع لحقوق الطائفة المظلومة انما هي خيانة يتحملها ارباب السياسة ولا عذر لهم في تبريراتهم باتباع قول المرجعية، فقول المرجعية كما ترون هو حمال أوجه، وهو حديث عمومي تكتنفه التقية وله ظاهر وباطن، والسعي لحفظ المجتمع سياسيا من بطش قوى الاستكبار العالمي، ولو اننا لاحظنا ما ورد في تسجيل الفيديو لمحاضرة لسماحة المرجع الشيخ محمد السند وهو يتكلم عن موضوع نزع السلاح فإننا نجد الرأي الواضح والصريح والمنطقي للمرجعية والذي لم يتمكن مكتب السيد السيستاني من الادلاء به امام الاعلام!

5- ان سلاح فصائل المقاومة المدعومة من ولاية الفقيه في الجمهورية الإسلامية اعزها الله، لا يخضع لسلطة مرجعية النجف الاشرف لا وضعا ولا شرعا، لذلك لا ينبغي المس به اطلاقا، اذ ان تعارض الولايتين العامة والخاصة في امر ما يسقط معه الولاية الثانية، كما لو افترضنا اعتراض الولي الفقيه على فتوى الجهاد الكفائي، فإن اعتراض ولي الفقيه ساقط الشرعية وفق الفرض، لذا على فصائل المقاومة الحفاظ على سلاحها دون الشعور بأي مخالفة شرعية، ناهيك عن موضوع التقية الذي تحدثنا عنه سلفا.

6- وفق ما اقررناه أعلاه فإن من يطبق (ظاهر) توجيهات المرجعية فهو لا يعدو اثنين؛ اما جاهل او من الذين يركنون الى الأعداء، ومن يطبق (باطن) توجيهات المرجعية فهو الواعي النبيه والحكيم.
وذلك ما يحل إشكالية الجدال القائم بين الاخوة المؤمنين بخصوص توجيهات المرجعية الأخيرة وتناغمها ظاهراً مع فتنة الجوكرية (فتنة تظاهرات تشرين) ومع حكومة الكاظمي والاجندات الصهيوامريكية والاعرابية.

7- نلحظ اندفاع بعض الجهات الحوزوية وسواها من خلال صفحاتهم وقنواتهم على مواقع التواصل الاجتماعي وهم يلتمسون ظاهر توجيهات المرجعية عادين إياها دستورا لتوجهاتهم ومتبنياتهم، وحالهم احد الامرين أعلاه ومع احسان الظن الذي نراه مناسبا ومتناغما مع أوضاعهم فهم الى الجهل اقرب منه الى العمالة. لكن حذار فان من يتعلق بالظاهر ويهمل الباطن فقد ضل الطريق.

8- حديث المرجعية من الناحية الموضوعية بما يخص الانتخابات وقانونها المنصف (بعيداً عن المصالح الخاصة لبعض الكتل والأطراف السياسية) وفق نص البيان، فلو دققنا لوجدنا ان قانون الانتخابات المزمع اقراره واجراء الانتخابات المبكرة لهو يصب في صالح الكتل السنية وبعض الكتل الشيعية كالحكمة والتيار الصدري، وهذه الجهات الثلاث معلومة الحال، كما ان ذلك القانون وكذلك الانتخابات المبكرة تضيع حقوق بعض الجهات الشعبية لذا فإن فهم كلام المرجعية بهذا الصدد ينبغي ان لا يحيد عن الموضوعية، وان عمل الأحزاب والتيارات الشيعية المعاضدة لمحور المقاومة ينبغي ان ينسجم مع هذا التوجيه المرجعي بموضوعيته ويتبلور منها، لذلك ورد في حديث المرجعية (إن الانتخابات المبكرة ليست هدفاً بحد ذاتها)

9- (العمل بكل جدية للكشف عن كل من مارسوا اعمالاً إجرامية من قتل أو جرح أو غير ذلك بحق المتظاهرين أو القوات الأمنية أو المواطنين الأبرياء، أو قاموا بالاعتداء على الممتلكات العامة أو الخاصة، منذ بدء الحراك الشعبي المطالب بالإصلاح في العام الماضي، ولا سيما الجهات التي قامت بأعمال الخطف أو تقف وراء عمليات الاغتيال الأخيرة)
ان هذا التوجيه ان نفذ بصورة صحيحة سوف يبرئ ساحة الحشد والفصائل المقاومة، لذلك هو في صالحهم، وسوف يكشف حقيقة الجهات التي تقف وراء تحويل الحراك الشعبي الى حراك جوكري ينفذ اجندات الأعداء.

10- ان حديث المرجعية عن السيادة الوطنية واستعادة هيبة الدولة ومنع تقسيم البلاد، فهو في المقام الأول مرتبط بخروج قوات الاحتلال الأمريكي والاوربي والتركي، وغيره من القوات العسكرية المتواجدة في الأراضي العراقية، ونبذ دعوات الانفصال الكردي والاقليم السني، ودون ذلك خرط القتاد، فالحديث عن السلاح غير المرخص لا قيمة له ان لم يبدأ بالسلاح ذو التأثير الفاعل والذي اغتيل فيه قادة المجاهدين الحاج قاسم سليماني والحاج أبو مهدي المهندس، وكذلك سلاح العشائر التي ثبت استخدامه من قبلها في احداث فتن عشائرية كما جرى في البصرة وبغداد، ولو من خلال حثها على عدم استخدامه مرة أخرى بتلك الوجوه السلبية، فإن التهديد بنزع ذلك السلاح قد يؤدي الى تجنب تلك العشائر من استخدامه مستقبلا في تلك الوجوه غير المشروعة، ومنها ما كانت تعتزمه بعض العشائر من تسليح جوكرية تشرين.
وكذلك كبح جماح سلاح البشمركة الذين يعزمون من خلاله على وضع أيديهم على بعض المناطق المتنازع عليها.

كتب بتاريخ ١٤-٩-٢٠٢٠

أضف تعليق