اليماني الموعود
————–
اليماني هو أحد علامات الظهور الحتمية، وقد ورد ذكره في العديد من الروايات الصحيحة والمعتبرة، واشير اليه بأنه راية هدى، بل انه أهدى الرايات، ووصف بأنه يدعو الى الحق والى طريق مستقيم، وانه يهدي الى الحق، وان الملتوي عليه مستحق للنار، فاليماني وفق هذه الاوصاف يمثل الداعي الاهدى الى الامام الحجة عج، فهو الدال على الامام عج والكاشف لحيثيات الظهور الشريف.
ورد في صحيحة (1) يعقوب السراج قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: متى فرج شيعتكم؟ قال: فقال عليه السلام: إذا اختلف ولد العباس ووهى سلطانهم، وطمع فيهم (من لم يكن يطمع فيهم)، وخلعت العرب أعنتها، ورفع كل ذي صيصية صيصيته، وظهر الشامي وأقبل اليماني وتحرك الحسني وخرج صاحب هذا الأمر من المدينة إلى مكة بتراث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
كما وردت عدة روايات تؤكد حتمية علامة اليماني نذكر منها ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (قبل قيام القائم خمس علامات محتومات: اليماني، والسفياني، والصيحة، وقتل النفس الزكية، والخسف بالبيداء) (2)
وهنالك عددا آخر من الروايات التي ذكرت اليماني سنتطرق لها في متن البحث، ولم نذكرها هنا بغية عدم التكرار.
هوية اليماني ومكان خروجه:
—————————
ان التبادر اللفظي للفظ اليماني يحتم علينا أن نعتقد بيمانية اليماني من حيث الأصل على أقل تقدير، أي ان لفظ اليماني يدل على ان أصل الرجل من دولة اليمن.
ما هو المراد بالتبادر؟
التبادر هو سبق المعنى الى الذهن. فكل معنى سبق الى الذهن من اللفظ عند سماعه كان هو الحقيقي الموضوع له اللفظ وما لم يسبق كان مجازا غير موضوع له. فالسبق والتبادر علامة الحقيقة وعدمه علامة المجاز. (3)
من ذلك يتبين لنا انه لا سبيل لصرف معنى لفظ اليماني الى أمر آخر كالمجاز ونحوه، فمن يقول لعل معنى اليماني مشتق من (اليُمن) أي بمعنى البركة أو انه مشتق من الإيمان فهو واهم تماماً.
كما لا سبيل للجزم بخروج اليماني من اليمن من خلال قرينة التبادر اللفظي، لأن التبادر يشير الى أصل الرجل لا مكان خروجه.
لابد أن يكون ثمة رابط يربط ذلك العبد الصالح باليمن، كمثال (العقيق اليماني) والذي لاريب انه من جبال اليمن، لكنه قد يباع في أي مكان في العالم، كذلك (الركن اليماني) من الكعبة المشرفة مكانه في الحجاز في مكة وهو أحد أركان الكعبة، ووجهته نحو طريق اليمن لذا سمي بالركن اليماني لكنه قطعا ليس في اليمن.
كذلك هو اليماني الموعود لابد أن يكون ذو أصول يمانية، ولكن هل سيكون خروجه في اليمن ام من بلاد أخرى؟ ذلك ما يحتاج الى قرائن روائية تبين لنا ميدان خروجه!
على سبيل المثال لو افترضنا أن رواية ما تتحدث عن رجل يدعى (السيستاني) يقوم بإصدار فتوى الجهاد ضد الاجتياح الناصبي للعراق في آخر الزمان، فعندما نبحث عن تلك الشخصية علينا في البدء أن نقر بأصول الرجل السيستانية، أي كونه بالأصل من مدينة سيستان الإيرانية، ومن ثم نبحث عن مكان تواجده، فلا مسوغ يجعلنا نعتقد بوجوده في مدينة سيستان وإصداره فتوى الجهاد من هناك لعدم وجود قرينة تؤكد ذلك، ولابد لنا من البحث عن قرائن تبين مكان تواجده، فقد يكون مرجعاً في النجف الأشرف أو قم أو البحرين أو لبنان، او في مدينة سيستان التي ينتسب اليها.
كذلك بالنسبة الى الخوئي والشيرازي والسبزواري والاصفهاني، كل هذه الأسماء هي لعلماء اصولهم من تلك المدن التي سموا باسمائها، لكن مكان تواجدهم وحراكهم العلمي والدعوي حتى رحيلهم ودفنهم كان في النجف الاشرف.
البيان أعلاه يقدم لنا تصوراً عن إمكانية خروج اليماني من غير اليمن، كالعراق مثلا كما يرى بعض الباحثين والفضلاء، أو لبنان كما يرى البعض الآخر، أو انه قد يخرج من اليمن ذاتها، والمرجِّح في هذا المجال هي القرائن والإشارات التي ضمّنها أهل البيت عليهم السلام في مروياتهم والتي تبين مكان حركة اليماني وميدان قتال رايته، وحيث ان الرواية اثبتت أصول اليماني اليمنية من خلال التبادر، ولم تصرح بمكان خروجه، فإن القرائن الروائية التي تحدثت عن ميدان حركته انما تعني بالضرورة وبما يقطع الشك باليقين ان مكان حركته هو ذاته مكان خروجه.
بخصوص من رأى أن اليماني يخرج من العراق:
———————————————
هما على قسمين:
القسم الأول: وهم المدّعون أمثال أحمد كاطع الملقب بأحمد الحسن، والمدّعي المقبور الملقب بأبي عبد الله القحطاني، هؤلاء ادعوا اليمانية لأنفسهم، وكان الأول عراقياً ومن أصول عراقية، بيد أنه أنكر الأصول اليمانية لليماني وأول لفظ اليماني بأنه من اليُمن بمعنى البركة أي انه شخص مبارك! أما الثاني فهو من قبيلة يمانية لكنه عراقي، وبذلك يكون الأول قد تجاوز البديهيات اللغوية والتي تقضي بحجية التبادر، والثاني لم يتجاوزها لكنهما كانا يدعوان الى أنفسهما، أي بمعنى أنهما تجاوزا قضية اليمانية وادعوا المهدوية واليمانية معاً، في حالة من التمازج الغريب بين الشخصيتين الروائيتين محاط بكم كبير من التناقضات العجيبة الغريبة!
القسم الثاني: وهم من فضلاء الحوزة العلمية والباحثين الذين لا غبار على تدينهم وهداهم، وأبرزهم سماحة الشيخ جلال الدين الصغير الذي ألّف كتابين في القضية المهدوية أحدهما متخصص بقضية اليماني الموعود وأسمه: اليماني الموعود أهدى الرايات، والثاني تحدث فيه عن جميع العلامات ومنها علامة اليماني، وأسم الكتاب: علامات الظهور.
كما أن هنالك العديد من الفضلاء من بينهم مجتهدين ومعتمدين للمرجعيات الدينية، وبعض الباحثين الأكاديميين المتخصصين بالعقائد؛ هؤلاء يرون أن اليماني من اليمن ولديهم بحوثاً في هذه المسألة، ولم يدّعي هؤلاء الفضلاء والباحثين أي شيء لأنفسهم، بل أنهم تناولوا القضية المهدوية بالبحث وفق الطرق العلمية المعتادة في الحوزة العلمية أو الطرق الأكاديمية، شأنها كشأن بقية القضايا التأريخية والعقدية.
ونحن بدورنا كباحث في القضية المهدوية نعتقد بخروج اليماني من العراق، ونمتلك الأدلة الوافية، وسوف نتطرق الى تلك الأدلة بالتفصيل في الأجزاء القادمة من بحثنا الحالي “اليماني الموعود”
ترقبوا الجزء الثاني من البحث: اليماني وخصوصيات التشريع.
المصادر
(1) الرواية وردت في الكافي 8: 224 ح285 وحققها سماحة الشيخ جلال الدين الصغير في كتابه علامات الظهور ج2 ص290
(2) (البحار: 52 /204)
(3) كتاب بدائع الأصول للسيد علي الشفيعي ص85
