ورد إسم (الشيصباني) كعلامة من علامات الظهور الشريف في رواية موثقة: عن جابر الجعفي قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن السفياني فقال: (وأنى لكم بالسفياني حتى يخرج قبله الشيصباني، يخرج بأرض كوفان ينبع كما ينبع الماء، فيقتل وفدكم فتوقعوا بعد ذلك السفياني وخروج القائم) (١)
تناول العديد من الفضلاء والباحثين علامة الشيصباني ونوه البعض منهم بأن مصداق هذه الشخصية هو الطاغية صدام حسين بحكم خروج الشيصباني في العراق، لكنهم لم يلتفتوا الى أن الشيصباني يخرج بأرض كوفان وهي خصوص منطقة الكوفة وليس بأرض تكريت، وبعد خروج الشيصباني يخرج السفياني ثم القائم عج، إذ أن وجود الشيصباني يستمر الى خروج السفياني والقائم عج كما سنبينه لاحقاً.
يخرج الشيصباني في منطقة الكوفة، والكوفة هي إحدى اقضية مدينة النجف الأشرف، وتضم معالم شاخصة من أماكن مقدسة ومساجد تأريخية كبيرة كمسجد الكوفة الذي يضم مراقد هانيء بن عروة ومسلم بن عقيل والمختار الثقفي رضوان الله تعالى عليهم، ودار أمير المؤمنين صلوات الله عليه، ومرقد كميل بن زياد ومسجد السهلة المعظم ومسجد الحنانة ودار إمارة بني أمية وغيرها.
الشيصباني رجل سيء بدلالة اقتران ذكره بالسفياني وقتله وفدكم وقرائن أخرى سوف نتطرق اليها لاحقاً.
الوفد: جمع الوافد وجماعة مختارة للتقدم في لقاء ذوي الشأن. (٢)
اي ان المراد بالوفد هم ممثلو عُلية القوم ونوابهم ووجهاء الشيعة من قيادات دينية وسياسية وقيادات مجاهدة.
معاني مفردات الرواية:
الشصب: الشدة والجدب.
العيش شصباً: اشتد وشق.
والشصاب: القصاب.
كما ان الشيصباني من أسماء الشيطان. (٣)
من جملة معاني لفظ الشيصباني يبدو أنه وأتباعه يقومون بفعل (الشصب) ضد الناس، لذلك لُقّب قائدهم بالشيصباني، فالشصب هو استخدام العنف والشدة بالقول، ولقد اختار اهل البيت عليهم السلام هذا اللفظ اشارة الى صفة تُعرف بها مجمل هذه الاعمال، فيوصف الشيصباني واتباعه بهذه الصفة، بسبب افعالهم الشيطانية تلك.
كذلك فإن للشيصباني واصحابه دور سياسي واقتصادي يؤدي الى ان يكون العراق في حالة (جدب) أي غلاء المعيشة او شحة الغذاء، ولهذا ذهب البعض الى اسقاط شخصية الشيصباني على صدام، نظراً للحصار الاقتصادي الذي فرض على العراق بسببه واتخاذه منهج البطش بمخالفيه، لكن من ينظر الى حال العراق بعد عام ٢٠٠٣ يجد ان هنالك من الشياصبة العديد ممن كان لهم ادواراً سياسية واقتصادية قد اضرت بالبلد ايما ضرر، وربما يكشف لنا المستقبل القريب عن ذلك الشيصباني اللعين ودوره التخريبي في العراق، ولكن في النهاية سوف ينقلب السحر على الساحر ويهلك أعداء آل محمد بالجوع في الكوفة، كما ورد في رواية ذكرناها في محلها، أي ان سياسات الشيصباني الكوفي واصحابه الاقتصادية سوف ترتد عليهم لتصيبهم بمقتل، وذلك مكر الله تعالى بالقوم الظالمين.
كما وصف الشيصباني بأنه ينبع كما ينبع الماء: كناية عن بداية حركته بمجموعة قليلة ثم تزداد أعدادهم بعد ذلك، ويكون تجمعهم سريعاً وفي مناطق متعددة، ويبدو أنه في بادئ الأمر يكون خروج الشيصباني وأتباعه لا يؤبه له، حتى تزداد أعدادهم فيصبحون قوة مؤثرة في الكوفة وربما بعض المدن العراقية الأخرى، وذلك الوصف تماماً كما عندما تبدأ عين الماء بالنبع تكون كمية الماء قليلة، ثم تزداد تباعاً حتى تفيض ويصبح من الصعب السيطرة عليها، وبالنتيجة ينعكس ذلك على البلد وسياسته واقتصاده.
وتجدر الإشارة الى انه لما كان خروج السفياني وظهور الامام المهدي عج في حدود عامين؛ فإن الشيصباني واتباعه ربما سيبقون الى الظهور الشريف.
البترية والشيصباني:
روى أبو الجارود عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال في وصفه لحال الإمام روحي فداه حالما يصل إلى الكوفة:
يسير-القائم عج- إلى الكوفة فيخرج منها ستة عشر ألفا من البترية شاكين في السلاح، قراء القرآن، فقهاء في الدين، قد قرّحوا جباههم، وسمّروا ساماتهم، وعمّهم النفاق، وكلهم يقولون: يأبن فاطمة ارجع لا حاجة لنا فيك، فيضع السيف فيهم على ظهر النجف عشية الاثنين من العصر إلى العشاء، فيقتلهم أسرع من جزر جزور، فلا يفوت منهم رجل، ولا يصاب من أصحابه أحد. (٤)
البترية هم جماعة شيعية مقر قيادتها في الكوفة، وقد يكون البترية من أتباع الشيصباني، لأن ذكر أهل البيت عليهم السلام لتلك الشخصية لا يكون عن فراغ، فينبغي لذلك الشيصباني ان يكون ذو تأثير على احداث الظهور الشريف، ولا نجد له أي تحرك من هذا القبيل في المنظومة الروائية الّا من خلال تحرك البترية، لذا نرى أن البترية قد يكونون هم أتباع الشيصباني.
هؤلاء البترية يخرجون على القائم عج وقد جهزوا أسلحتهم واستعدوا لقتاله، ومن صفات البترية التي ذكرتها الرواية أعلاه انهم (قراء للقرآن) (فقهاء في الدين) أي انهم متدينون (قد قرحوا جباههم وسمروا ساماتهم) أي انهم كثيروا السجود والسهر وقد تكون لديهم طقوس عبادية خاصة يطيلون فيها السجود والعبادة التي تؤدي الى تسمير الوجوه، لكنهم مع تلك العبادة فهم منافقون، والمنافق هو من شط عن نهج الهدى.
يخرج البترية بأسلحتهم من منطقة الكوفة، من مسجد الكوفة تحديداً، وهم يحملون السلاح والعتاد، ويطلبون من القائم عج العودة الى الحجاز، ويحاجونه بدعوى الوطنية، وان العراق بخير وان الدين في العراق بخير، وانهم قد قدموا التضحيات الجسام من أموال وارواح ودماء، وان بإمكانهم مع قيادتهم إدارة شؤون العراق واعزاز المذهب الشريف، وانهم لا حاجة لهم بابن فاطمة، فيمنعون الامام عج من أداء صلاة الجمعة في مسجد الكوفة، فيعود الى النجف ويدعوهم الى الحوار، فيأتونه يوم الاثنين بلا سلاح، فيدعوهم الى الطاعة فيرفضون، فيأمر القائم عج فرقة من الجيش الإيراني بقيادة شعيب بن صالح قوامها اثني عشر الف مقاتل فيلقي القبض على البترية ويقتلهم جميعهم كما ستبينه الروايات الآتية.
(يقتلهم اسرع من جزر جزور) أي يذبحهم كما تذبح الشاة، ولا يبقي منهم رجل واحد، ولا يصاب من أصحابه احد، لان البترية سيكونون عزلا.
البترية في اللغة:
الأبتر: المقطوع الذنب ومن الحيات القصير الذنب الخبيث ومن الناس من لا عقب له ومن لا خير فيه والحقير الذليل. (٥)
أي أن البترية هم قوم من أراذل الناس وخبثائهم وحقرائهم، وأمثال هؤلاء عندما يتصدون للأمور الدينية والسياسية والجهادية والمجتمعية ونحوها؛ فإنهم لا ريب سوف يفسدون أكثر مما يصلحون ويخرجون عن كثير من أمور الدين والسياسة العقلائية.
البترية تأريخياً:
البترية هي احدى الفرق التأريخية والتي انشقت عن الفرقة الزيدية.
بعض صفات ومعتقدات البترية:
(يرى البترية أن علياً هو أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولاهم بالإمامة لكنه سلم الأمر الى الثلاثة راضيا وفوض الأمر إليهم طائعا وترك حقه راغبا فنحن راضون بما رضي مسلمون لما سلم لا يحل لنا غير ذلك ولو لم يرض علي بذلك لكان أبو بكر هالكا وهم الذين جوزا إمامة المفضول وتأخير الفاضل والأفضل إذا كان الفاضل راضيا بذلك وقالوا من شهر سيفه من أولاد الحسن والحسين رضي الله عنهما وكان عالما زاهدا شجاعا فهو الإمام.
وشرط بعضهم صباحة الوجه ولهم خبط عظيم في إمامين وجدت فيهما هذه الشرائط وشهرا سيفيهما ينظر إلى الأفضل والأزهد وإن تساويا ينظر إلى الأمتن رأيا والأحزم أمرا وإن تساويا تقابلا فينقلب الأمر عليهم كلا ويعود الطلب جذعا والامام مأموما والأمير مأمورا ولو كانا في قطرين انفرد كل واحد منهما بقطره ويكون واجب الطاعة في قومه ولو أفتى أحدهما بخلاف ما يفتي الآخر كان كل واحد منهما مصيبا وان أفتى باستحلال دم الإمام الآخر) (٦)
من صفات البترية انهم موالون لعلي عليه السلام، والإمام عندهم ما اقتنعوا به سواء كان المفضول أو الفاضل، والإمام لديهم يجب أن يكون رجل دين وسياسي ثوري، وهذه الصفات تبين مدى سفاهة عقولهم وهشاشة معتقداتهم، وبالطبع لا علاقة بين البترية الذين يخرجون على القائم عج والفرقة البترية التاريخية، الا بمقدار تشابه اللفظ وتماثل الحال في الخروج عن طاعة المعصوم واتخاذهم منهجاً مستقلاً عن طاعة القيادة الإلهية.
سبب خروج البترية على الإمام الحجة عج.
في رواية أحمد بن محمّد الأيادي بسنده إلى أبي بصير، عن الإمام الباقر صلوات الله عليه، قال: إذا ظهر القائم على نجف الكوفة، خرج إليه قرّاء أهل الكوفة، وقد علّقوا المصاحف على أعناقهم، وفي أطراف رماحهم، إلى أن يقول: ويقولون: لا حاجة لنا فيك يا بن فاطمة، قد جرّبناكم فما وجدنا عندكم خيراً، ارجعوا من حيث جئتم، فيقتلهم حتى لا يبقي منهم مخبر. (٧)
تصف الرواية مجموعة من منافقي الكوفة، قد اتخذوا من منهج حمل المصاحف على الأعناق والرماح سبيلاً لرفض بيعة القائم عج، وفيه إشارة لصفات تجمع بين الفكر الأموي حيث علق معاوية واتباعه المصاحف على الرماح يوم صفين، وفكر الخوارج حيث علقوا المصاحف في اعناقهم في النهروان، فيقول هؤلاء البترية للإمام عج لا حاجة لنا فيك يأبن فاطمة، فهم يعلمون انه سيد من ذرية الزهراء صلوات الله عليها، ولكن كما أشرنا بأنهم قد بذلوا الكثير من الأرواح والأموال والجهد في سبيل تحصيل مكانتهم السياسية والاجتماعية التي يحظون بها، فلا يتحملون التنازل عنها للمهدي عج، كما انهم غير مستعدين للتخلي عن صنميتهم وطاعتهم لقيادتهم والذي قد يكون الشيصباني ذاته.
أما قولهم (يبن فاطمة) فقد يدل على انهم وجدوا في الامام عج سياسة التهدئة وعدم المبادرة في الخروج حتى يحصل العداء على الشيعة، وكأنهم يقولون للقائم عج: يبن فاطمة ازدراءً منه، ظناً منهم انه تهاون وتباطأ في الاخذ بثارات فاطمة صلوات الله عليها، وفي رواية انهم يقولون له: ارجع يبن رسول الله، ولعل ذلك ازدراءً لرأي القائم عج بعدم المبادرة بالفتح حتى يحصل الاعتداء على الشيعة، ويعضد ذلك قولهم للإمام عج: قد جربناكم فما وجدنا بكم خيراً.
او انهم على العكس سوف يرون في سيرة القائم عج حركة طائفية كبيرة إذا ما صح ما ورد في الرواية من ان القائم عج يخرج صنمي قريش ويحرقهما، فربما يتهمه البترية بإثارة النزعة الطائفية فيكون قولهم له “يبن فاطمة” احتجاجا على طريقته في الاخذ بثأر فاطمة صلوات الله عليها والله العالم بحقيقة الأمور.
بالنتيجة يرفض البترية تسليم الكوفة للإمام عج، فيقتص منهم.
متى يخرج الشيصباني:
يبدو لنا ان خروج الشيصباني سوف يكون بعد انتهاء حكم بني أمية في العراق، ومن الاحداث التي تجري في الكوفة في فترة خروج الشيصباني هي رفع اثنتي عشر راية بالكوفة، ومقتل سيد حسيني ابن شخصية بارزة في الكوفة.
فقد ورد في الرواية عن جابر عن أبي جعفر قال: وترفع قبل ذلك ثنتا عشرة راية بالكوفة معروفة منسوبة ويقتل بالكوفة رجل من ولد الحسن أو الحسين يدعو إلى أبيه ويظهر رجل من الموالي فإذا استبان أمره وأسرف في القتل قتله السفياني. (٨)
إن التردد في كون المقتول بالكوفة من ولد الحسن او الحسين عليهما السلام من الراوي وليس من الامام الباقر عليه السلام، ويبدو أن المقصود هو رجل من ولد الحسين.
فقد وردت ذات الرواية وبنفس السند عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: ويرفع قبل ذلك ثنتي عشرة راية بالكوفة معروفة ويقبل بالكوفة رجل من ولد الحسين يدعو إلى أبيه ثم يبث السفياني جيوشه. (٩)
وهذه الرواية تثبت أن الرجل من ولد الحسين، لكن أستبدل فيها لفظ (يُقتل) بلفظ (يُقبل) ويبدو أن ذلك الرجل الحسيني يُقبل من خارج الكوفة ويُقتل فيها.
وذكرت الروايتان بأن ذلك الرجل الحسيني (يدعو الى أبيه) أي أنه يسير على نهج ابيه، إشارة الى أن أبيه أحد رموز الكوفة.
وقد ذهب بعض الباحثين الى كون ذلك الرجل الحسيني الذي يقتل في الكوفة هو الشيصباني نفسه، لكننا لم نعثر على قرينة تدل على ذلك، بل لعل الرجل الحسيني المقتول في الكوفة يكون قد قتل على يد جماعة الشيصباني، نظراً لتزامن خروجه في فترة خروج الشيصباني ووصف الشيصباني بأنه يقتل وفدكم، سيما وان ذلك الحسيني المقتول هو من الوافدين على الكوفة، وهو في الوقت ذاته من أبناء احد رموز الكوفة، فهذه القرائن اقوى في تحديد هوية ذلك الحسيني المقتول، في حين تنعدم القرائن التي تثبت كون ذلك الحسيني المقتول هو الشيصباني.
القائم عج يقتل البترية.
ورد في الروايات الشريفة إشارة الى أمرين بغاية الأهمية:
الأمر الأول: أن البترية قد يكونون من اتباع الشيصباني.
فقد ورد في الروايات الآنفة الذكر أن الإمام الحجة عج يقتل من يخرج اليه من البترية حتى لا يُبقي منهم أحداً، وذلك يعني أنه يلحق المولّي ويجهز على الجرحى، ولمن يفقه أساليب القتال الإسلامي سيما ما ورد في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام، فإنه سوف يكون على دراية بذلك، حيث سُئل أمير المؤمنين عليه السلام عن سبب إجهازه على الجريح ولحاقه بالمولي في معركة صفين، بينما أمر بعدم الإجهاز على الجريح وعدم لحاق المولي في معركة الجمل، فأجاب عليه السلام: إن معركة الجمل قتل فيها القادة فالجريح والهارب لن يجد من يعيد تأهيله لمعركة جديدة، أما في صفين فالجريح والمولي يعود الى معاوية فيعيد تجهيزه وإرساله الى القتال.
فقد ورد في رواية عن الإمام الباقر عليه السلام قال: (إذا قام القائم سار إلى الكوفة فيخرج منها بضعة عشر آلاف أنفس يدعون البترية عليهم السلاح، فيقولون له: إرجع من حيث جئت فلا حاجة لنا في بني فاطمة، فيضع فيهم السيف حتى يأتي على آخرهم، ثم يدخل الكوفة فيقتل كل منافق مرتاب، ويقتل مقاتليها حتى يرضى الله عز وعلا) (١٠)
في هذه الرواية إشارة الى أن البترية هم إمتداد لمنافقي الكوفة أي الشيصباني وأتباعه.
الأمر الثاني: أن غالبية أهل الكوفة من أتباع الشيصباني:
فقد ورد في الرواية:
عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يقدم القائم عليه السلام حتى يأتي النجف فيخرج إليه من الكوفة جيش السفياني وأصحابه والناس معه وذلك يوم الأربعاء، فيدعوهم ويناشدهم حقه، ويخبرهم أنه مظلوم مقهور ويقول: من حاجني في الله فأنا أولى الناس بالله، إلى آخر ما تقدم من هذا، فيقولون: إرجع من حيث شئت لا حاجة لنا فيك قد خبرناكم واختبرناكم، فيتفرقون من غير قتال. فإذا كان يوم الجمعة يعاود، فيجئ سهم فيصيب رجلاً من المسلمين فيقتله، فيقال: إن فلاناً قد قتل، فعند ذلك ينشر راية رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا نشرها انحطت عليه ملائكة بدر، فإذا زالت الشمس هبَّت الريح له فيحمل عليهم هو وأصحابه، فيمنحهم الله أكتافهم ويولون فيقتلهم حتى يدخلهم أبيات الكوفة وينادي مناديه: ألا لا تتبعوا مولياً ولا تجهزوا على جريح، ويسير بهم كما سار علي عليه السلام يوم البصرة) (١١)
هذه الرواية تتحدث عن اقبال القائم عج الى النجف فيخرج اليه من الكوفة (السفياني) ولعله تصحيف للشيصباني، لأنه لا وجود للسفياني في العراق عند اقبال القائم عج، وتصف الرواية خروجهم مع الناس، أي أن غالبية أهل الكوفة موالون لذلك الرجل، ويعضد ذلك دخول الفارين منهم أبيات الكوفة، بل ان حديث الرواية عن النجف والكوفة مما لايدع شكاً في كون اؤلئك الخوارج انما هم من منطقة الكوفة تحديداً، وهذا الوصف يكشف عن جانب مهم من شخصية ذلك الشيصباني الملعون.
وقول المنادي: لا تتبعوا مولياً ولا تجهزوا على جريح، اشارة الى طبيعتهم الشيعية وإلا فإن الإمام عليه السلام، لا يستتيب أعداءه من النواصب والمخالفين.
كما إن سيرة الإمام الحجة عج في عدم إجهازه على الجرحى وعدم ملاحقة المولين منهم؛ يدل على قتله لقائدهم الشيصباني، وإن لم تذكر الرواية ذلك، لكن قتل الشيصباني من لوازم تلك السيرة.
وفي الرواية عن علي بن الحسين عليهما السلام قال : يقتل القائم عليه السلام من أهل المدينة حتى ينتهي إلى الاجفر … ثم يسير حتى ينتهي إلى القادسية وقد اجتمع الناس بالكوفة وبايعوا السفياني . (١٢)
تتحدث الرواية عن بيعة السفياني بالكوفة عند اقبال القائم عج الى القادسية بعد تحريره للحجاز، ولا ريب ان ذلك السفياني هو ليس السفياني الشامي بل هو شخصية عراقية كوفية تشابه افعالها أفعال السفياني، ويمكن اطلاق لقب سفياني الكوفة عليه، ولقب السفياني هنا قد يكون تصحيفاً عن الشيصباني، أي أن بيعة اهل الكوفة للشيصباني تكون بعد خروج القائم عج، بمعنى انهم ينصبونه قائداً دينياً وسياسياً في قبالة قيادة الامام القائم عج، ويبدو ان ذهاب القائم عج الى القادسية هو للوقوف على أثر المجزرة التي افتعلها السفياني بأهل قادسية النجف.
الشيصباني من شذاذ آل محمد
ورد في الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام قوله: وأتق شر السفياني .. وأتق الشذاذ من آل محمد. (١٣)
نلاحظ أن الرواية قرنت شر السفياني بشذاذ آل محمد، والشذاذ هنا هم المنحرفون من السادة العلويين من الحسينيين والحسنيين على حد سواء.
وعن جابر الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام يقول: (إلزم الأرض ولا تحرّكنّ يدك ولا رجلك أبداً حتّى ترى علامات أذكرها لك في سنة… ثمّ ذكر العلامات المحتومة في حديث طويل مع تفصيل لكلّ منها، وقال: ثم يخرج (المهدي) من مكة هو ومن معه الثلاثمائة وبضعة عشر يبايعونه بين الركن والمقام، معه عهد نبي الله صلى الله عليه وآله ورايته، وسلاحه، ووزيره معه، فينادي المنادي بمكة باسمه وأمره من السماء، حتى يسمعه أهل الأرض كلهم اسمه اسم نبي، ما أشكل عليكم فلم يشكل عليكم عهد نبي الله صلى الله عليه وآله ورايته وسلاحه والنفس الزكية من ولد الحسين فان أشكل عليكم هذا فلا يشكل عليكم الصوت من السماء باسمه وأمره وإياك وشذاذ من آل محمد عليهم السلام فان لآل محمد وعلي راية ولغيرهم رايات فألزم الأرض ولا تتبع منهم رجلا أبدا حتى ترى رجلا من ولد الحسين، معه عهد نبي الله ورايته وسلاحه، فان عهد نبي الله صار عند علي بن الحسين ثم صار عند محمد بن علي، ويفعل الله ما يشاء، فألزم هؤلاء أبدا، وإياك ومن ذكرت لك) (١٤)
هذه الروايات وروايات أخرى، تحذّر من إتباع شذّاذ آل محمد، حتى قيام القائم عج، فهي تشير الى وجود زعامات من السادة العلويين يقومون بأفعال مسيئة للشيعة والتشيع، ومهما كانت أقدار أولئك الشُذّاذ، ومهما سمت قيمتهم الاجتماعية وعلا مقامهم الروحي لدى بعض الشيعة، ومهما كبرت أفعالهم في عيون البعض، من قيامهم بالقتال ذوداً عن المذهب وعن الشيعة، ومهما دوّت أصواتهم وأعجبك قولهم في الحياة الدنيا، وحسبوا أنهم يحسنون صنعاً، فإن كل ذي لبّ وذي كرامة وعزة، ومن كان حراً في دنياه، يأنف أن يكون تابعاً لأولئك الشُذّاذ، إنما يتّبعهم الجاهلون وأصحاب الأهواء، والمرتعبين من الأعداء، الذين يجدون فيهم كهفهم الحصين دون حصن الله وأمنه، فيتخذونهم أولياء من دون أهل الحق.
من خلال هذه الروايات قد يستدل على كون الشيصباني من اؤلئك الشذاذ، أي أنه احد السادة العلويين، ورايته احدى الرايات الاثني عشر التي ترفع قبل قيام القائم عج.
وفي الرواية عن عبد الله بن عبد العزيز، قال: قال لي علي بن أبي طالب وخطب بالكوفة، فقال: (يا أيها الناس ألزموا الأرض من بعدي، وإياكم والشذاذ من آل محمد، فإنه يخرج شذاذ آل محمد، فلا يرون ما يحبون، لعصيانهم أمري، ونبذهم عهدي، وتخرج راية من ولد الحسين تظهر بالكوفة بدعاية الأمية (الأموية) ويشمل الناس البلاء، ويبتلي الله خير الخلق حتى يميز الخبيث من الطيب، ويتبرأ الناس بعضهم من بعض، ويطول ذلك حتى يفرج الله عنهم برجل من آل محمد، ومن خرج من ولدي فعمل بغير عملي وسار بغير سيرتي فأنا منه بريء، وكل من خرج من ولدي قبل المهدي فإنما هو جزور، وإياكم والدجالين من ولد فاطمة، فإن من ولد فاطمة دجالين، ويخرج دجال من دجلة البصرة، وليس مني، وهو مقدمة الدجالين كلهم) (١٥)
تتحدث الرواية عن شداذ آل محمد الذين هم من ولد علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، أي ان نسبهم يعود الى الحسن أو الحسين صلوات الله عليهما، وتحذر من اتباعهم، وان هؤلاء الشذاذ يخرجون لأمور في غير محلها، أي أنها مخالفة لما هو عليه اجماع عقلاء الشيعة، فتكون عاقبة الشذاذ سيئة، فهم بخروجهم يكونون عاصين لمنهج أمير المؤمنين عليه السلام.
ويخصص الأمير صلوات الله عليه حديثه عن راية من تلك الرايات لرجل من ولد الحسين، تظهر بالكوفة، بدعامة الأموية، أي ان خروج ذلك الرجل في زمان حكم بني أمية، وبقرينة خروج الرجل في الكوفة، فإنه خارج على حكومة العراق الأموية التي يكون تحت سلطتها (بدعامة الأموية) والحديث هنا لاشك ولاريب انه عن حكم البعث ونظام (صدام حسين) وحيث ان الروايات دعت حكم النظام البعثي الصدامي تارة بحكم بني أمية وأخرى بحكم بني مروان.
بهذا الصدد جمع بعض الباحثين بين شخصية الشيصباني وهذا الرجل الحسيني الخارج بدعامة الأموية، مع ان الروايات الشريفة تحدثت عن خروج الشيصباني قبيل خروج السفياني، وان الشيصباني كما اشرنا يبقى الى قيام القائم عج، بينما هذا السيد الحسيني الخارج بدعامة امية انما يقتل على يد الحكومة الأموية، وتكون حركة ذلك الرجل الحسيني الخارج بدعامة الأموية بلاء على عموم الناس، وبلاء على خيار الشيعة (المرجعية وسائر القيادات الشيعية) ويكون سببا في تمحيص وغربلة الشيعة وتمييز الخبيث من الطيب، الى حد ان يتبرأ الناس بعضهم من بعض، ويطول ذلك البلاء حتى قيام القائم عج!
ان الابعاد العقدية والمجتمعية الكبيرة لخروج هذه الراية، تدل على انها ليست مجرد راية عابرة، فهي فاتحة التفرقة بين الشيعة وان بلائها يمتد الى قيام القائم عج، وهي عبارة عن خط له ثقل في الأوساط الدينية، مما قد يكون ذلك الخارج رمزاً كبيراً من رموز النجف الأشرف يشذ عن منهج المرجعية الرشيدة، فيشق عصا شيعة العراق، وتبتلي المرجعيات الدينية بدعوته الضالة، وتمحص الشيعة به، بل وتنحدر من حركته مجموعة من الخطوط الشاذة، قد يكون من بينها ذلك الشيصباني اللعين.
ونرى في خاتمة الرواية تأكيد الامام علي عليه السلام مرة أخرى عن تجنب الشذاذ من ولده الذين يسيرون بغير سيرته المعهودة لدى عقلاء الشيعة، والمتفق عليها من قبل الفقهاء العدول، حيث يعلن الأمير صلوات الله عليه برائته من اؤلئك السادة الخارجين، ويؤكد على ان كل خارج منهم فإنه جزور (أي ان مصيره القتل) ثم يعود مرة ثالثة للتأكيد على وجود دجالين من ولد فاطمة (سادة حسنيين وحسينيين) وما أكثرهم، ويعقب بالقول بأن اول الخطوط المنحرفة والمنحدرة من حركة ذلك الحسيني هي حركة دجال البصرة الذي يدعي انه من العلويين، والحقيقة أنه مدع للنسب الشريف زوراً، ثم تكون من بعده مجموعة من الخطوط الانحرافية يقودها سادة حسينيين وحسنيين ومشايخ دينيين كلهم يدينون بالولاء الى ذلك الحسيني الخارج بدعامة الأموية، ويبدو لنا ان مصداق دجال البصرة هو المدعو احمد كاطع (احمد الحسن) المدعي لليمانية والمهدوية.
كما ورد في الرواية عن الصادق عليه السلام قال: إذا قام القائم عليه السلام أتى رحبة الكوفة فقال برجله هكذا وأومأ بيده إلى موضع ثم قال: احفروا ههنا، فيحفرون فيستخرجون اثني عشر ألف درع واثني عشر ألف سيف واثني عشر ألف بيضة لكل بيضة وجهان ثم يدعو اثني عشر ألف رجل من الموالي [من العرب] والعجم، فيلبسهم ذلك، ثم يقول: من لم يكن عليه مثل ما عليكم فاقتلوه. (١٦)
تتحدث الرواية عن اقبال القائم عج ونزوله الكوفة وإعلان سلطته على العراق واستخراجه كدس من الأسلحة والاعتدة وتسليمه الى اثني عشر الف رجل من الجنود الايرانيين والمجاهدين العراقيين، وفرض حظر تجوال شامل في مدينة الكوفة، واجتثاثه للشيصباني واتباعه وكل معارض لسلطة القائم عج في الكوفة.
خلاصة القول، ان ذلك الشيصباني سواء كان علوياً او من العوام، فإنه لا يعدو كونه احد القيادات الدينية والسياسية الشيعية الكوفية المنحرفة، وان اتباعه على هذا المنوال هم اراذل الشيعة وشذاذهم وجهلتهم ومنافقيهم، والذين يكونون ذوي بأس شديد وبلاء مديد على الشيعة، لا سيما شيعة العراق، حتى يتم اجتثاثهم على يد الجيش الإيراني بقيادة شعيب بن صالح والمجاهدين العراقيين المنضوين تحت قيادته، وبتوجيه من الامام القائم عج.
المصادر:
(١) (البحار:52/250)
(٢) القاموس الوسيط
(٣) (لسان العرب)
(٤) (دلائل الإمامة: 239)
(٥) القاموس الوسيط
(٦) الملل والنحل – الشهرستاني – ج ١ – الصفحة ١٦١
(٧) سرور أهل الإيمان في علامات ظهور صاحب الزمان: 67ـ68
(٨) الفتن لنعيم بن حماد 1/173
(٩) الفتن لنعيم بن حماد 1/170
(١٠) (البحار:52/338)
(١١) البحار:52/387، وإثبات الهداة:3/ 585
(١٢) البحار:52:387
(١٣) بحار الأنوار: 52/269
(١٤) تفسير العياشي/ 1: 64/ ح 117، بحار الأنوار: 52/222 – 224
(١٥) الملاحم والفتن – السيد ابن طاووس – ج ١ – الصفحة ٢٤٦









































