أدلة خروج اليماني من العراق:
الدليل الرابع: روايات العامة وصراع قريش واليمانيين (ج1).
في عهد معاوية بن أبي سفيان، حصلت خلافات وصراعات بين قريش واليمانيين بشأن الخلافة، فقاد اليمانيون حملة إعلامية شعواء ضد قريش كان أبرز قادتها اليهودي “كعب الأحبار” وفي الطرف المقابل قاد حملة قريش الإعلامية “أبو هريرة”
روج المدلسون اليهود اليمانيون الى خروج رجل مخلّص قحطاني الأصل سوف يعيد الخلافة الى القحطانيين، وهذا القحطاني المزعوم يعد في الأصل من ثقافة يهود اليمن، اذ يدعي هؤلاء ان ثمة مخلص يماني قحطاني يخرج في اخر الزمان، حيث قاموا بوضع عشرات الروايات التي تتحدث عن خروج القحطاني، وفي مقابلها وضع أتباع السلطة عشرات من الروايات يتحدث بعضها عن القحطاني سلباً، والبعض الآخر نفى وجود القحطاني، وقال معاوية أن المخلّص ليس من اليمن وانه من قريش، حتى أن كعب الأحبار خشي بأن يتهموه بأصله اليهودي، فباع يمانيته ليغطي على يهوديته! ولم يكتفِ كعب واليمانيون بذلك؛ بل أنهم تفننوا في مدح القحطاني مرة، وفي تخويف الناس منه أخرى، وتحدثوا عن خروجه قبل المهدي تارة، وخروجه مع المهدي تارة أخرى، وخروجه بعد المهدي ثالثة!
وكان لهذا الصراع أثره في التشويش على علامة اليماني الموعود.
وسننقل لكم بعض الآثار والروايات التي توضح صورة ذلك الصراع:
ورد في البخاري: كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث أنه بلغ معاوية وهو عنده في وفد من قريش، أن عبد الله بن عمرو بن العاص يحدث أنه سيكون ملك من قحطان، فغضب معاوية فقام خطيباً فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فإنه بلغني أن رجالاً منكم يتحدثون أحاديث ليست في كتاب الله ولا تُؤثر عن رسول الله فأولئك جهّالكم! فإياكم والأماني التي تضل أهلها! فإني سمعت رسول الله يقول: إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبَّه الله على وجهه ما أقاموا الدين. انتهى! (1)
وفي الفتن عن تبيع عن كعب: قال علي: على يدي ذلك اليماني تكون ملحمة عكا الصغرى، وذلك إذا ملك الخامس من أهل هرقل… قال كعب: فيظهر اليماني ويقتل قريشاً ببيت المقدس وعلى يديه تكون الملاحم. (2)
تبيع هذا أيضا يهودي من جماعة كعب الاحبار، لكن كعباً باع يمانيته لقريش ليفدي بها يهوديته! فقد روى عنه ابن حماد، قال: ما المهدي إلا من قريش، وما الخلافة إلا فيهم غير أن له أصلاً ونسباً في اليمن. (3)
وورد في الأثر: (يكون بعد المهدي القحطاني والذي بعثني بالحق ما هو دونه) (4)
المشكلة في القضية أن بعض الباحثين نقل تلك الآثار منفردة وبدون معرفة جذورها وأصل الخلاف بين القحطانيين وبين بني أمية!
. “وللاطلاع على تفصيل الخلاف الأموي القحطاني راجع كتاب المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي عج للكوراني ف24”.
وسوف نورد سبعة آثار تتحدث عن خروج القحطاني، أشتبه في كونه اليماني الموعود:
1- (يخرج ملك من صنعاء اسمه حسين أو حسن، فيذهب بخروجه غمر الفتن، يظهر مباركاً زاكياً، فيكشف بنوره الظلماء، ويظهر به الحق بعد الخفاء. (5)
الاثر منقول عن حديث سطيح الكاهن، ويرويه كعب الأحبار، وهو في ذات السياق الذي يكشف الحرب بين اليمانية وقريش.
2- ورد في الاثر (ثم يخرج ملك من اليمن من صنعاء اوعدن، أبيض كالشطن، اسمه حسين أو حسن، فيذهب بخروجه غمر الفتن، فهناك يظهر مباركاً زكياً، وهادياً مهدياً، وسيداً علوياً، فيفرح الناس إذا أتاهم بمن الله الذي هداهم، فيكشف بنوره الظلماء، ويظهر به الحق بعد الخفاء ويفرق الأموال في الناس بالسواء، ويغمد السيف فلا يسفك الدماء، ويعيش الناس في البشر والهناء، ويغسل بماء عدله عين الدهر من القذى ويرد الحق على أهل القرى. (6)
(وهو كما ترى ليس رواية، بل قول مرسل مسجوع وصاحبه مجهول!) (7)
الاثر واضح الوضع، حيث أن واضه يبتغي ضرب قريش، فهو لم يتحدث عن المهدي إطلاقاً وإنما تحدث عن مخلص يماني يحقق العدل والرخاء!
2- عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا ظهر الأبقع مع قوم ذوي أجسام فتكون بينهم ملحمة عظيمة، ثم يظهر الأخوص السفياني الملعون فيقاتلهما جميعاً فيظهر عليهما جميعاً، ثم يسير إليهم منصور اليماني من صنعاء بجنوده وله فورة شديدة يستقل الناس قبل الجاهلية، فيلتقي هو والأخوص وراياتهم صفر وثيابهم ملونة، فيكون بينهما قتال شديد، ثم يظهر الأخوص السفياني عليه، ثم يظهر الروم وخروج إلى الشام، ثم يظهر الأخوص، ثم يظهر الكندي في شارة حسنة، فإذا بلغ تل سما فأقبل ثم يسير إلى العراق..). (8)
ذكر الرواية سماحة الشيخ الكوراني في المعجم الموضوعي لأحاديث المهدي تحت عنوان: “نماذج أخرى من تخريبهم لشخصية اليماني والمهدي عليه السلام” (9)
وهذه الرواية وجدنا بعض الباحثين يستدل بها على يمانية اليماني! على الرغم من أنها تحدثت عن رجل مذموم! وكذلك انتصار السفياني عليه، فيما أن الروايات المعتبرة تصرح بأن اليماني يدعو الى الحق والعدل، وأن اليماني ينتصر على السفياني.
3- في فتن ابن حماد عن كعب: (لابد من نزول عيسى عليه السلام إلى الأرض، ولا بد أن يظهر بين يديه علامات وفتن. فأول ما يخرج ويغلب على البلاد الأصهب يخرج من بلاد الجزيرة، ثم يخرج من بعده الجرهمي من الشام، ويخرج القحطاني من بلاد اليمن، قال كعب الأحبار: بينما هؤلاء الثلاثة قد تغلبوا على مواضعهم بالظلم، وإذ قد خرج السفياني من دمشق). (10)
من خلال الأثر أعلاه وهو رواية يهودية مدسوسة يتضح أن اليماني القحطاني الذي يخرج من بلاد اليمن شخص آخر غير اليماني الموعود، فاليماني الموعود رايته راية هدى، وهي أهدى الرايات، بينما اليماني أو القحطاني الذي يخرج من بلاد اليمن يتغلب بالظلم، ويبدو هنا ان كعب الاحبار كان في حالة تقية شديدة بحيث انه ذم مخلصه القحطاني.
وفي معرض الرد على هذا الأثر قال أحد الفضلاء: (لا يمكن الإعتماد على مثل روايات ابن حماد وإن أسندوها الى أئمة أهل البيت عليهم السلام، لكثرة ما رووه من حشو وتصورات من عصرهم أسقطوها على عصر الإمام عليه السلام) (11)
بالإضافة الى قول الفاضل، فإن الرواية أعلاه مصدرها كعب الأحبار، وتتحدث عن القحطاني الظالم! بل أنها تتحدث عن أن ذلك القحطاني يملك اليمن في عصر خروج السفياني، ولو افترضنا جدلا صحة هذه الرواية فإن ذلك دليل على أن اليماني ليس من اليمن، لأن ملك اليمن ظالم فاليماني كيف سيتحرك نحو العراق؟!
5- روى الطوسي في الغيبة عن محمد بن مسلم: (يخرج قبل السفياني مصري ويماني) (12)
هذه الرواية تتحدث عن يماني يخرج قبل السفياني، فذلك اليماني إذن ليس هو اليماني الموعود، لأن اليماني الموعود يخرج في نفس اليوم الذي يخرج فيه السفياني فتأمل.
كذلك يبدو أن اليماني والمصري خارجان على حكامهما.
6- قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لمعاذ بن جبل حينما أرسله لأهل اليمن واليا (بعثتك الى قوم رقيقه قلوبهم يقاتلون على الحق مرتين) (13)
لا أعلم كيف استدل بعض الإخوة الباحثين من خلال هذه الرواية على أن اليماني من اليمن؟! حيث قال بعضهم أنهم يقاتلون مرتين: مرة مع النبي محمد ومرة مع الإمام المهدي صلوات الله عليهما! وحتى لو صدق ذلك التأويل فإننا لا ننكر نصرة اليمانيين للإمام الحجة عج بعد ظهوره الشريف أما قبل ظهوره فلا يوجد دليل ناهض على ذلك، سيما أن هذه الرواية لم تتحدث عن القائد اليماني وانما تحدثت عن اليمانيين بصورة عامة.
7- قال الرسول صلى الله عليه واله وسلم (والله في اليمن كنزان جاء أحدهم يوم تبوك كانت الأزد ثلث الناس ويجيء الأخر يوم الملحمة العظمى سبعون الفا حمائل سيوفهم المسك) (14)
يرى بعض الباحثين “أن المراد من الملحمة العظمى مع القائم عج”
نقول: لا بأس بذلك لنفترض انها مع القائم عج بالرغم من عدم وجود قرينة صارفة الى ذلك، ولكن ليس قبل ظهوره الشريف، فما من دلالة فيها على ان قتال اليمنيين مع المهدي عج قبل ظهوره، على انه لم تتحدث الروايات عن ملحمة عظمى قبل قيام القائم اذ ان الامام المهدي عج لا معارك له قبل ظهوره، كما ان الرواية تقول ان القائم عج في تلك المعركة، فلا ادري ما علاقة اليماني الموعود الذي يكون خروجه قبل القائم عج بهذه الرواية؟!
على ان هذه الرواية عل كل حال لم تذكر أي قرينة تتعلق بنصرة هؤلاء للإمام المهدي عج، بل ان سياق الرواية تحدث عن تبوك وربما يقصد بالملحمة العظمى معركة أخرى من معارك النبي صلى الله عليه واله، هذا ان صحت الرواية.
خلاصة:
ان وجود مخلِّص لدى يهود اليمن يسمونه (القحطاني) جعل ثمة خلط بين روايات القحطاني الموضوعة وبين روايات اليماني، وذلك الخلط جاء نتيجة اشتباه بعض الباحثين الذين لم يطّلعوا على اسطورة المخلِّص القحطاني لدى يهود اليمن، وبهذا تسقط دلالات جميع هذه الروايات والآثار على خروج اليماني من اليمن، ويترجح خروجه من العراق ميدان حركته لدحر جيش السفياني.
المصادر:
(1) البخاري:4/155، و:8/105
(2) الفتن:1/382و:2/504
(3) ابن حماد في/103و109
(4) ابن حجر في فتح الباري:6/397 عن الفتن لنعيم بن حماد.
(5) وفي بشارة الإسلام ص187
(6) مشارق أنوار اليقين للحافظ رجب البرسي/196. وعنه بشارة الإسلام/187، والبحار:51/163
(7) الشيخ الكوراني / المعجم الموضوعي لأحاديث المهدي/ ف24
(8) فتن ابن حماد /78
(9) الشيخ الكوراني / المعجم الموضوعي لأحاديث المهدي/ ف24
(10) شرح إحقاق الحق – للمرعشي ج29 ص530.
(11) الشيخ الكوراني / المعجم الموضوعي لأحاديث المهدي/ ف24
(12)
(13) (غيبة الطوسي/447).
(14) مجمع الزوائد 10/55 نقلا عن كتاب المهدي المنتظر عج المصلح الرباني وصانع العالم الجديد ج3/557للشيخ جعفر العتريسي
