زيارة البابا فرنسيس الى مرجعية النجف الاشرف.. الابعاد والدلالات!

زيارة البابا فرنسيس الى مرجعية النجف الاشرف.. الابعاد والدلالات!

مقال كتبته يوم الجمعة المصادف الخامس من شهر آذار من عام ٢٠٢١ قبل يوم واحد من ذهاب البابا فرنسيس الى مدينة النجف الاشرف للقاء المرجع السيستاني.

وكنت قد عزمت على تأجيل نشر المقال، خشية ان تكون تصريحات سماحة المرجع السيستاني دبلوماسية، حسب ما قد يقتضيه المقام والظروف الموضوعية، بيد ان الرد العلوي الحازم الذي بدر من سماحة الامام السيستاني للبابا فرنسيس وكتابتي لمقال توضيح بيان مكتب المرجعية، زادني حماسا واندفاعاً الى ان انشر مقالي هذا.

نص المقال:

تحدث المحللون السياسيون عن أسباب مجيء بابا الفاتيكان الى العراق ولقائه بالمرجع الشيعي الأعلى الامام السيستاني، وذكروا أسبابا عديدة، وهي ذات الأسباب الظاهرية التي يعرفها الجميع، كالتضامن مع مسيحيي العراق، وتبليغه رسالة العيش المشترك والمواطنة والسلام، وايفائه بوعد البابا السابق يوحنا بولس بزيارة العراق عام ٢٠٠٠ وما الى ذلك من الأسباب الظاهرية والتي لا شأن لمقالنا بها جملة وتفصيلا، فمن خَبَرَ مقالاتنا يعلم جيدا اننا لا نخوض في الأمور المعتادة والظاهرية والسطحية، وانما نبحث عن الحقائق في الأعماق، لتقديم ما هو جديد ونادر وما هو مقارب للواقع.

يُعرف البابا فرنسيس ذو الأصول الإيطالية والارجنتينية بحداثويته، حيث يمتلك عقيدة فكرية تكاد تجمع بين الدين القديم (الدين الرومي النصراني) بواجهته الكاثوليكية وبين الدين الالحادي الجديد المسمى (العلمانية) وذلك بحكم النظرة المصلحية في بعدها المادي في مقابل البعد الروحي الميثولوجي، وفي حالة من الازدواجية التي لم تعد تثير الغرابة، حيث تقتضي مصالح الوجود والهيمنة ابتداع تحديثات حتى في الأصول العقدية والممارسات التنظيمية والطقوسية التي درجت عليها النصرانية عموماً والكاثوليكية على وجه الخصوص! حيث مسخت النصرانية وانحسرت الأصولية الكاثوليكية في الفاتيكان، إذ اخذ الفساد مأخذه منها الى مديات بات معها البابوات يتحدثون عن قوانين وأنظمة الكنيسة الكاثوليكية بما يتناسب مع متطلبات وتحديثات وضغوطات العصر ولو على حساب الأصول العقدية، وذلك خشية ان تفقد الكنيسة موقعها وزعامتها لصالح العلمانية المادية والمصلحية الصرفة!

ان اهم أسباب زيارة البابا للعراق، سبب محوري تدور حوله بقية الأسباب، الا وهو استراتيجية الحرب الناعمة كمشروع غربي نصراني رومي صهيوني ضد التشيع في العراق والذي يمثل آخر العقبات العربية بوجه الفكر الاستكباري التوسعي والهيمنة والطغيان الأمريكي والاوربي والصهيوني، حيث يمثل العراق عصب التشيع، والذي بدوره يعد روح الإسلام الحقيقي الذي لم تطاله ايادي التحريف كبقية الديانات والمذاهب الأخرى كالمسيحية واليهودية والسنة وسواهم.

العراق يمثل الخاصرة الرخوة للاسلام المحمدي العلوي الحسيني المهدوي، لان العراق بجغرافيته السياسية يمثل قلب التشيع النابض، وان سقوط راية العراق يعني سقوط راية لبنان وتهديد راية الجمهورية الإسلامية.

اما سوريا فقد أصبحت محوراً للصراع بين الديانة الرومية النصرانية الكاثوليكية والبروتستانتية المتحالفة مع اليهودية الصهيونية وبين الديانة الرومية النصرانية الارثدوكسية الروسية! لذا فإن موضوع راية سوريا سوف تكون مجرد خلاف سياسي بين الأديان النصرانية يتمحور حول استقطاب طائفة إسلامية صغيرة حاكمة ذات ابعاد أيديولوجية قومية، في ميدان غلبة القومية على الطائفية الدينية، وغلبة السياسة المصلحية على الأعراف والالتزامات الأخلاقية التحالفية مع الأصدقاء الاوفياء، الذين وقفوا مع الحكومة السورية في ازمتها الخانقة يوم كانت على محك الانهيار والسقوط في هاوية الارهاب السني الناصبي الساعي الى تشكيل دولة راديكالية استئصالية على غرار دولة طالبان!

هنالك أوحى الغرب الى سياسة الوقاية بالتدخل العسكري والحيلولة دون تكرار المشهد الافغاني، لان الدواء حينها سيكون لديهم ايضاً! لكن الأمور آنذاك سوف تكون اكثر صعوبة، مع ان حلفاء الغرب في الداخل السوري في جانب المعارضة للنظام، هم جماعات إرهابية ايضاً، بيد انها مغلفة بأغلفة سياسية متعددة!

ذلك المشهد الديماغوجي الذي يكشف وبكل شفافية وصراحة، بأن الغرب النصراني هو الداعم الأساسي للارهاب في العالم، وهم من يصنعون الوقاية من الارهاب وهم من يحاربونه، وذلك يبين لنا حقيقة مخططاتهم ومشاريعهم الخبيثة والمتلونة كالافعى الرقطاء، وشيطنتهم التي بلغت شأواً بعيداً حتى غدت تتجاوز قدرات ابليس لعنه الله!

ان هذا العصر الجديد، أي فترة العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، وهو عصر ما بعد ترامب او لنسميه عصر الكورونا، هو في حقيقته العميقة يمثل عصر الحكم الكاثوليكي المتحالف مع الصهيونية العالمية، بما يمثله المذهب الكاثوليكي كأصل انحرافي للديانة المسيحية، وهو الفاصل ما بين المذهب البروتستانتي المتمرد والارثدوكسية المحافظة التي اغرقها المد الكاثوليكي الحديث بمفاهيم سياسية صرفة كالعلمانية والليبرالية التي تحاول ان تنتزع من تلك الديانات روحها الميثولوجية لتحيلها الى اشبه بما تكون شعوباً وثنية مجردة من الأديان!

بعد صعود الأمريكي الديمقراطي الكاثوليكي بايدن الى زعامة الولايات المتحدة، اصبح حكم العالم كاثوليكياً، على اعتبار عرفي بأن من يحكم الولايات المتحدة المهيمنة على العالم فإنه سوف يحكم العالم كله، ويفرض هيمنة ديانته بما هو مفترض ان يكون وفق نظرية الحق المطلق والباطل المطلق، حيث يرى اتباع كل ديانة وكل طائفة ومذهب وفرقة انهم يمثلون الحق المطلق وغيرهم على الباطل، وانه لابد ان يأتي اليوم الذي يتاح لهم ان يحكموا العالم بأسره ويعممون تعاليمهم عليه ويلزمون الاخرين بها، حتى تتعاقب الأجيال فتأتي اجيالاً لا تعرف غير ذلك الدين امراً آخراً!

لذلك يرى البابا فرنسيس انه يقع على عاتقه اسناد القوة السياسية الكاثوليكية العالمية، وتقويتها خلال السنوات الأربع القادمة في مقابل الكفر الارثدوكسي والإسلامي وربما حتى البروتستانتي!

وكذلك دعمهم لشرطي الغرب في منطقة الشرق الأوسط والمتمثل بالكيان الصهيوني، من خلال إرساء دعائم التطبيع الدياناتي العولمي والذي سمته الظاهرية تقارب الأديان والتعايش السلمي والمدنية والعلمانية والليبرالية الانفلاتية الإباحية والتبشير والهيمنة!

ان كل ما يجري هو مقدمة للتطبيع مع الكيان الصهيوني، حيث تتضمن اجندات المشروع الغربي الصهيوني اغراق المنطقة بمختلف الازمات السياسية والأمنية والمجتمعية والاقتصادية، مع حملة من الحرب الدعائية النفسية والحرب الناعمة التي تقودها اعتى المؤسسات الغربية (الفاتيكان وأجهزة المخابرات الامريكية والاوربية ومراكز الأبحاث العلمية والموساد الصهيوني وشركات الاعلام الجبارة والشركات الأمنية الخاصة والمؤسسات الاقتصادية الكبرى المملوكة لرجال اعمال صهاينة)

يمثل العام ٢٠٢٠ عام الشيطان البايلوجي (كورونا) والذي يعيدنا الى صورة تاريخية تأبى ان تغادر الذاكرة تتمثل بسلاح الكنيسة وكهنتها القديم (سلاح الوباء) حيث صدرت الكنيسة الكاثوليكية الأوبئة الى سائر المناطق التي استعمرتها قواها الصليبية الرومية تأريخياً، وذلك عن طريق عملائها من اليهود الناقمين على البشرية! فكانت الكنيسة تتباها بسلاحها الخفي القادر على افناء خصومها من (الكافرين) دون تكلف او عناء لاعلان العداء وتجييش الجيوش واسالة الدماء وما الى ذلك من كلف الحروب الدموية، ناهيك عن السياسات الدموية التي طبقتها الكنيسة تأريخيا والحروب الصليبية التي قادتها او حرضت عليها وباركتها.

لعل من ابرز نقاط جدول اعمال زيارة البابا الى العراق هي زيارة المرجع الأعلى الإسلامي الشيعي السيد علي السيستاني دام ظله الشريف والذي يمثل حقيقة وتجسيد الواقع الإنساني في العالم، حيث وقف ذلك السيد الجليل بوجه الفساد والفشل الذي طال أروقة حكم الأحزاب السياسية الإسلامية الشيعية التي تمثل عصب المذهب والمجتمع الذي يقوده ذلك المرجع النجفي، تلك الاحزاب ورغم ذلك كله كانت وما تزال تمثل أمل المذهب الشيعي المظلوم في تجاوز الاخطار والتهديدات الوجودية المحيطة به من قبل الغرب والصهاينة وطغاة ونواصب الخليج! في حين صمت البابا واسلافه كصمت القبور عن الجرائم التي ارتكبتها قيادات النصارى من قوى الاستكبار العالمي النصراني الرومي الصليبي الكاثوليكي والبروتستانتي، بحق شعوب العالم سيما الشعوب الإسلامية، حيث بدأوا باستعمار الشرق الأوسط وانتهوا بدمار الغرب ذاته في الحربين العالميتين الأولى والثانية، ثم عادوا لتدمير الشرق الأوسط من جديد بعد ان أخذت أراضي الغرب زخرفها وازينت وظن أهلها انهم قادرون عليها واستأمنوا مكر الله عز وجل واطمأنوا، بيد ان حضارتهم سوف يطيح بها مكر الشيطان قبل مكر الله عز وجل، فالحضارة الغربية النصرانية الطاغوتية سوف تنهار على يد بناتها انفسهم في الحرب العالمية الثالثة القادمة والسابقة لظهور الامام المهدي عج، وسوف تزول تماما والى الابد على يد حضارة دولة العدل والقسط المهدوية التي سوف تقوم على اطلال حضارة الشيطان الغربية.

ان ما يترتب على المؤمنين المنتظرين قيادات وافراد، ان يعوا حقيقة ان النصارى بافرعهم المختلفة من كاثوليك وبروتستانت وانجيليين وارثودوكس ومعهم اليهود الصهاينة، وكذلك القوى الدجالة الناشئة كالقوميين العرب والنواصب وسائر طغاة وجبابرة العرب انما هم على احاطة ودراية بالايديولوجيا الشيعية المهدوية بابعادها العقائدية السياسية وقوتها المقاومة والممانعة.

لذلك نراهم دوما ما يستهدفون وبطرق متعددة وأساليب انتقائية غاية في الذكاء والمكر قواعدها الشعبية وقواها الأبية وشخصيات القيادات السياسية والجهادية والدينية والمجتمعية، وكذلك استهدافهم للوعي المجتمعي وعلى جميع الصعد وبمختلف الأدوات، من خلال استراتيجيات محكمة ومدروسة تتضمن اهدافاً وتكتيكات ومخططات شيطانية في عديد من المجالات وبمختلف المستويات وباجندات ومخططات متواترة قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، بلا كلل او ملل او فتور، وبديناميكية لا تعرف للهوادة او التواكل سبيلاً، مما يجعلنا متيقنين ان ثمة قوى غيبية تقف في مقابل ذلك المد الشيطاني العتيد، ولاريب انها قوى متمثلة بالارادة الربانية والقدرة المهدية والاباء الإلهي بأن يتم نوره ولو كره الكافرون والمشركون والمنافقون. بعد ذلك علينا ان نكون على يقين تام بأن كيد الشياطين في نحورهم وان مكرهم سوف يرتد عليهم عاجلاً أم آجلاً، وان زيارة البابا سوف تنقلب انقلاب السحر على الساحر، وان فوائدها ومزاياها وعواقبها سوف تكون لصالح الشيعة، فإن كان الكافرون والمشركون وذيولهم من المنافقين ليمكرون، فإن الله تعالى يمكر بهم وهو خير الماكرين، ولينصرن الله من ينصره، لذا يترتب على قيادات الشيعة السياسية والجهادية والدينية والمجتمعية وجميع المؤمنين، العمل على الاستفادة من زيارة البابا للعراق ولقائه بالمرجعية الدينية العليا في النجف الاشرف وتجييرها لصالح الواقع الشيعي وصراع محور المقاومة مع الإرهاب الاعرابي المدعوم من قوى الاستكبار العالمي.

أضف تعليق