زيارة البابا فرنسيس لسماحة الامام السيستاني.. سر الاعجاب والثناء والتعظيم!

زيارة البابا فرنسيس لسماحة الامام السيستاني.. سر الاعجاب والثناء والتعظيم!

يعد البابا فرنسيس في البعد السياسي رئيس دولة الفاتيكان التي تمثل الدولة الرمزية للديانة النصرانية الكاثوليكية، وهي احدى الدول المدللة عند القوى العظمى شأنها شأن سويسرا، وفي الوقت ذاته فإن دولة الفاتيكان هي دولة كباقي الدول من حيث الاعتبار الرسمي وان كانت تقع داخل مدينة روما الإيطالية وتحيط بها روما من جميع الجهات، بيد انها دولة مستقلة، يبلغ عدد افرادها ما يقارب ٨٠٠ مواطنا ولها رئيس وزراء وهو احد الكاردينالات.

ان زيارة البابا الى النجف الاشرف تمثل لقاء هضبة الفاتيكان المقدسة (باحتضانها لجثمان القديس بطرس الذي قتل سنة ٦٧ ميلادية على يد الامبراطور نيرون في حملاته ضد اتباع النبي عيسى عليه السلام) مع هضبة النجف المشرفة (باحتضانها للقديس علي بن ابي طالب صلوات الله عليه) الذي قتله ابن مجلم بدفع من الإرهابي معاوية بن ابي سفيان والمدعوم من قبل الامبراطورية النصرانية البيزنطية آنذاك، ولاريب ان البابا عند صعوده الى هضبة النجف ترائت له هضبة الفاتيكان التي اندثرت معالمها تحت بنيان كاتدرائية القديس بطرس والقصور المنيفة لدولة الفاتيكان، بينما يلوح عبق تراب هضبة النجف للمرتادين اليها من بعيد!

من دولة مدينة الفاتيكان الدينية الكاثوليكية الى حضرة مدينة النجف الاشرف الشيعية، جاء البابا زائراً لمرجعية النجف ليمثل لقاءه بالامام السيستاني لقاء الأديان والحضارة والتاريخ والحكم الإلهي المرتقب، وكأن البابا يقول للعالم ان قيامة الرب باتت على الأبواب، وان عودة المسيح أصبحت قاب قوسين أو ادنى، وان حكم الله في الأرض سيعود قريباً، سيما وان البابا يعد ثاني شخصية عالمية بعد كسنجر صرحت بقرب اندلاع الحرب العالمية الثالثة النووية والتي سوف تنهار معها الحضارة الغربية!

الفاتيكان يعد مركز القيادة الروحية الكاثوليكية لقرابة مليار ومائة وخمسون مليون نصراني كاثوليكي، وهم اقل من عدد المسلمين في العالم بل اقل من عدد المسلمين السنة، وقرابة اربعة اضعاف المسلمين الشيعة، في مقابل النجف الاشرف التي تعد قبلة المسلمين الشيعة، وموئل المرجعية الدينية النائبة عن الامام المهدي عج في زمن الغيبة الكبرى، والذي ترى المعتقدات الشيعية ان رجوعه يتزامن مع رجوع النبي عيسى عليه السلام، بل ان النبي عيسى عليه السلام يصلي بإمامة المهدي عج، وذلك ما يجمع بين الديانتين الإسلامية الشيعية والنصرانية الكاثوليكية، باعتبار ما يعتقده الكاثوليك برجوع النبي عيسى عليه السلام في آخر الزمان.

جاء البابا فرنسيس الى النجف الاشرف ناصحاً فخرج منصوحاً من قبل الامام السيستاني، منبهراً بعظمة ذلك المرجع الكبير الساكن في زقاق ضيق من ازقة ولاية النجف الاشرف التأريخية، والذي اخذ البابا العجوز بالترنح اثناء سيره في ذلك الزقاق، فقد انتقل البابا فرنسيس من مقر الكرسي الرسولي في الفاتيكان ذو الشوارع الواسعة المعبدة والقصور العظيمة، الى شارع الرسول في النجف الاشرف حيث تلك الدار المستأجرة والكرسي المرجعي المتواضع والزقاق الضيق المتعثر بتضاريسه!

تقدم البابا فرنسيس بالشكر والثناء للامام السيستاني حفيد محمد النبي على دوره الإنساني والتاريخي في حماية الأقليات العراقية لاسيما المسيحية منها، حيث استنهض الامام السيستاني ابناءه الشيعة ليقدموا دمائهم قرابين على اعتاب كنائس الموصل، دون منِّ او تفضل وبنكران ذات منقطع النظير، إذ اطلق الامام السيستاني فتواه المقدسة والقى بعصى حشده فإذا هي تلقف ما يأفكه الداعشيون، واذا به يصنع من طينة الولاية ما يشبه الطير فيكون بإذن الله ابابيلاً ترجم الأعداء، ويمد يد حشده لتحتظن المستضعفين من أبناء الموصل وصلاح الدين والانبار وديالى، ليبرء بها الاكمه والابرص ويحيي بها الموتى الذين اراد الداعشيون بهم ذلك المصير!

ان ما قام به الامام السيستاني بفتواه العظيمة وحشده المبارك، انما هو من باب الواجب الإسلامي القرآني تجاه أبناء المجتمع الاسلامي من بقية الديانات، وهم الذميون الذين يعدون جزء لا يتجزء من البلاد الإسلامية، ولهم احكامهم وحياتهم وطقوسهم الخاصة وحقوقهم وواجباتهم، وهم غير أبناء ذات الديانات من سكان الدول النصرانية واضرابها من الدول الأخرى غير الإسلامية.

ان شكر البابا للامام السيستاني وللشيعة على مواقفهم الإنسانية، يعني شرعنة الحشد الشعبي واعترافاً سياسياً من قبل رئيس دولة الفاتيكان ذات الاعتبار التاريخي والقيمي السامي لدى أمريكا واوربا، واعتراف ديني وانساني وحضاري من قبل زعيم الطائفة المسيحية الأكبر في العالم، والتي تدين لها غالبية اوربا وجزء من شعب الولايات المتحدة.

لذا فإن سماحة الامام السيستاني أشار في خطابه للبابا فرنسيس، بأن على البابا أن يأخذ دوره الإنساني والحضاري والديني في حث القوى العظمى ذات الديانة المسيحية على التعقل ونبذ العنف والتخلي عن سياسات الغطرسة والهيمنة والحصار والتجويع والتوسع على حساب الآخرين، وعدم التعدي على سيادة الدول والشعوب، مذكراً إياه تنويهاً وتلميحاً لا تصريحاً، بأن ما يفعله طغاة قوى الاستكبار العالمي النصرانية في الشرق الأوسط، انما هو مشابه لطغيان الامبراطور نيرون وقتله للقديس بطرس، وان ما يفعله الصهاينة في ارض فلسطين المحتلة التي نشأ فيها المسيح، انما هي صورة حية لصلب جديد للمسيح من قبل اليهود وبرعاية امبراطوريات (القوى العظمى) فلقد ذكّر الامام السيستاني البابا فرنسيس بأن الدنيا تدور وان التأريخ يعيد نفسه، وان مثل البابا ينبغي ان لا يغفل عن هذه الحقيقة!

ومن تلميحات الامام السيستاني للبابا فرنسيس، ان جرائم داعش الإرهابي هي مشابهة للجريمة التي ارتكبتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، باغتيالها لمهندسي النهضة الثورية الشيعية السيستانية الفتوائية الكفائية الحشدية، الذين قادا معارك الانتصار على داعش، وهو موضوع شكر البابا فرنسيس للامام السيستاني! ولو ان ثمة إنسانية وعدل يحكمان الأرض كما يتشدق به الغرب، لجاز للعراق محاكمة حكومة ترامب ومن آزرها لاختراقها لسيادة العراق وقتلها لرسولين من رسل انسانيته الذين هبوا لنجدة اخوتهم، ففي الوقت الذي يدين به مسيحيوا العراق للقائدين الشهيدين الفذين بالامتنان والثناء لدفاعهما عنهم ضد الإرهاب الداعشي، تقوم حكومة ترامب الامريكية المسيحية باغتيالهما!

ان هذا التنويه البليغ اكتنف في طياته رسالة عظيمة من الامام السيستاني الى البابا، مفادها بأن مقام البابا من المفترض ان يكون مقام الولاية الإلهية العيسوية، بينما مقام القيادة السياسية في الولايات المتحدة واوربا انما هو مقام شبيه لمقام الامبراطوريات المعادية التي قام سلفها نيرون بقتل الرسول بطرس سلف البابا، وانه اذا كان مقدراً للبابا ان يقوم بمقام الاب الروحي والإنساني لمئات الملايين من المسيحيين الذين يدينون بالولاء السياسي لحكومات دولهم، فإنه يترتب عليه مسؤولية عقائدية وإنسانية في ان يوجه تلك الحكومات (القوى العظمى) لتكف ايديها عن المستضعفين في الأرض، اذ جعل الامام السيستاني البابا فرنسيس في موضع الواقف على حافة الهاوية، لا يدري اين هو وكيف، فلا هو الى السماء صاعد ولا الى الأرض نازل!

لقد رأى البابا فرنسيس بأم عينه بساطة المعيشة التي يحياها الامام السيستاني، فجلس امامه بكل أدب وخشوع، اذ هكذا من المفترض ان يحيا الربانيون، وكأن البابا قد عاش لحظات تأمل تجسدت امامه فيها تلك الواقعة التاريخية لنصارى نجران مع نبي الإسلام محمد، وعلم البابا يقيناً سبب انصراف اؤلئك الرهبان عن مباهلة محمد، بالرغم من انهم كانوا يرون في انفسهم ممثلي الرب في الأرض حتى عودة المسيح!

عندما هم البابا فرنسيس بالانصراف قام واقفاً وتقدم بين يدي الامام السيستاني ممسكاً بيديه، مبدياً موقف الخشوع كموقفه امام تمثال المسيح المصلوب الماثل في قلب الكنيسة، ولدى انصرافه وقف هنيهة يحدق مذهولاً في جدران وابواب وأثاث ذلك البراني المتواضع!

خرج البابا من منزل الامام السيستاني مبهوراً وكأنه يعيد في ذهنه حسابات العقود التي قضاها في دراسة تعاليم الكنيسة الكاثوليكية، ويتمتم مع نفسه مردداً: ما هذا الرجل العظيم؟ واقدام البابا لا تعرف لأي سبب تتعثر! ألوعورة ذلك الزقاق الضيق ذي التضاريس، أم لانشغال ذهن البابا وذهوله بالفكر النير الجبار الذي يمتلكه الامام السيستاني؟ وذلك ما جعل البابا يبدي ثناءه وتبجيله واعظامه واجلاله للامام السيستاني مراراً وتكراراً !

أضف تعليق