سر تفوق راية اليماني من بين الرايات العراقية.
يعود سر تفوق راية اليماني الى عدة أمور:
1- الخبرة التي يمتلكها اليماني في الإدارة الأمنية، وحكمته في التعامل مع جيش السفياني.
اذ ان ثمة استراتيجيات عسكرية يستخدمها جيش السفياني ستؤدي الى انتصاره على سائر الرايات المقاتلة له، ومن أهم تلك الإستراتيجيات: عامل الغطاء الجوي.
عادة ما يكون عامل الغطاء الجوي هو الحاسم في مثل تلك المعارك، سيما أن الطرف المقابل للسفياني لا يمتلك ذلك الغطاء.
من ذلك نستدل على أن الرايات التي يسحقها جيش السفياني لا تمتلك الحنكة العسكرية، فهي تقاتل جيش السفياني رغم امتلاكه للغطاء الجوي وافتقارها له!
ان عدم امتلاك تلك الرايات للحنكة العسكرية أمر طبيعي، فمثلا (مولى الكوفة) فهو لا يمتلك الخبرة العسكرية، وإن كان من المحتمل انه شارك في حرب النواصب التي تسبق خروج السفياني، فكما يبدو أن حرب الشيعة مع النواصب تكون على يد الفصائل الشيعية المجاهدة بمعونة الحكومة العراقية وجيشها النظامي وهو ما يجري اليوم فعلاً، وهي من يمتلك الغطاء الجوي مع افتقار النواصب لذلك الغطاء، بعكس معركة السفياني التي يتم فيها اسقاط الحكومة العراقية، فيكون الغطاء الجوي بيد الجيش النظامي السوري السفياني، بينما تفتقر الرايات الشعبية العراقية له.
بخلاف تلك الرايات، فإن اليماني يكون عارفاً بالخطط والإستراتيجيات العسكرية، ولكون الخراساني هو راية الهدى الوحيدة التي تمتلك القدرات الجوية؛ فإن ذلك يكشف أحد أسرار تخلف راية اليماني عن مواجهة السفياني حتى وصول راية الخراساني، وكذلك يبين سر إقبال رايتي اليماني والخراساني سوية، وذلك أن اليماني ينتظر وصول الغطاء الجوي الخراساني، وكذلك قد يعود أحد أسباب تأخر الجيش الخراساني البري الى تطبيق تكتيك القصف الجوي من الطائرات والصواريخ البالستية ونحوها قبيل الهجوم البري.
2- توجيهات أهل البيت عليهم السلام، في كيفية التعامل مع جيش السفياني، والتي ضمّنوها في مروياتهم، وليس هنالك من هو أعلم بتلك التوجيهات من اليماني، والذي يكون الداعي الأهدى للمهدي عج، وفق ما اخبرتنا به الروايات الشريفة:
فقد ورد في الرواية: عن الحسن بن أبي العلاء الحضرمي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: كيف نصنع إذا خرج السفياني؟ قال: تغيب الرجال وجوهها منه، وليس على العيال بأس، فإذا ظهر على الأكوار الخمس، يعني كور الشام فانفروا إلى صاحبكم) (1)
تخبرنا الرواية بتكتيك عسكري، يشير الى توجيه الشيعة بعدم التصدي لجيش السفياني، ومن البديهي فإن أمر عدم التصدي ليس مطلقاً، ويؤيد ذلك وجود رايتي الهدى: اليماني والخراساني والحث على الالتحاق بهما، فالمنع من التصدي سيكون مقتصراً على التصدي له قبل وصول جيش الخراساني، والظاهر أن ذلك بسبب افتقار الرايات العراقية للغطاء الجوي كما بينا آنفاً، وذلك ما تبينه الحسابات العسكرية الموضوعية، وما اشارت اليه الروايات الشريفة.
فقد ورد في الرواية عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إذا سمعتم باختلاف الشام فيما بينهم فالهرب من الشام فإن القتل بها والفتنة، قلت: إلى أي البلاد؟ فقال: إلى مكة، فإنها خير بلاد يهرب الناس إليها، قلت: فالكوفة؟ قال: الكوفة ماذا يلقون؟ يقتل الرجال إلا شامي (على الاسامي) ولكن الويل لمن كان في أطرافها، ماذا يمر عليهم من أذى بهم، وتسبى بها رجال ونساء وأحسنهم حالا من يعبر الفرات، ومن لا يكون شاهدا بها، قال: فما ترى في سكان سوادها؟ فقال بيده يعني لا.
ثم قال: الخروج منها خير من المقام فيها، قلت: كم يكون ذلك؟ قال: ساعة واحدة من نهار، قلت: ما حال من يؤخذ منهم؟ قال: ليس عليهم بأس أما إنهم سينقذهم أقوام ما لهم عند أهل الكوفة يومئذ قدر، أما لا يجوزون بهم الكوفة. (2)
تشير هذه الرواية الى تكتيك عسكري آخر، وهو عدم التصدي للسفياني داخل مدينة النجف الاشرف، وعلى رجال النجف عبور الفرات شرقاً الى مدينة الديوانية، لأن أقصى منطقة يبلغها جيش السفياني هي منطقة قادسية النجف، ومن ثم الالتحاق برايات الهدى، وذلك سوف يجنب شيعة النجف المجزرة التي تحدثت عنها الروايات والتي يقتل فيها ستون الفاً، وتلك المجزرة هي من الأحداث غير الحتمية، سيما إن قام رجال الشيعة بالامتثال لتوجيهات أهل البيت عليهم السلام واليماني، فإن ذلك الحدث سوف يعطّل، لكن كما يبدو من طبيعة الشيعة بعدم ابدائهم الاهتمام لروايات علامات الظهور الشريف وثقافة الانتظار عموماً، فإن تلك المجزرة سوف تصبح حتمية الوقوع الا ما رحم ربي.
فقد ورد في الرواية: (يدخل السفياني الكوفة فيسبيها ثلاثة أيام، ويقتل من أهلها ستين ألفاً، ثم يمكث فيها ثمانية عشرة ليلة، وتقبل الرايات السود حتى تنزل على الماء، فيبلغ من بالكوفة من أصحاب السفياني نزولهم فيهربون، ويخرج قوم من السواد الكوفة ليس معهم سلاح إلا قليل منهم، ومنهم نفر من أهل البصرة فيدركون أصحاب السفياني فيستنقذون ما في أيديهم من سبي الكوفة. وتبعث الرايات السود بالبيعة إلى المهدي). (3)
وفي الرواية عن الباقر عليه السلام: (ثم يخرج رجل من موالي أهل الكوفة في ضعفاء فيقتله أمير جيش السفياني بين الحيرة والكوفة) (4)
هذه الراية اشرنا اليها آنفاً وهي احدى الرايات الخارجة على جيش السفياني في النجف الأشرف، حيث تتصدى لجيش السفياني بين كربلاء والنجف، وصاحب الراية يبدو لنا أنه من أبناء أحد المراجع غير العراقيين.
وفي الرواية عن أبي عبد الله عليه السلام في خبر طويل أنه قال: لا يكون ذلك حتى يخرج خارج من آل أبي سفيان يملك تسعة أشهر كحمل المرأة، ولا يكون حتى يخرج من ولد الشيخ، فيسير حتى يقتل ببطن النجف، فوالله كأني أنظر إلى رماحهم وسيوفهم وأمتعتهم إلى حائط من حيطان النجف، يوم الاثنين، ويستشهد يوم الاربعاء ((5)
تشير هذه الرواية الى خروج (رجل من ولد الشيخ) حيث يمر إثناء سيره ببطن النجف ويقتل فيها، وذلك الرجل يخرج قبل إقبال رايتي اليماني والخراساني، وكذلك فإن ذلك الرجل لا يمتلك قوة جوية فيسحقه جيش السفياني، وفي متن الرواية إشارة الى أن الرجل من رجالات احدى رايتي الهدى، لكن ثمة ما يشغله فيقتله جيش السفياني، وسوف نتحدث عن الرجل بالتفصيل في بحث مستقل ان شاء الله.
وفي الرواية عن مسعدة عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما قاله في خطبة له تسمى بالمخــزون: (وتقبل رايات شرقي الأرض ليست بقطن ولا كتان ولا حرير مختمة في رؤوس القنا بخاتم السيد الأكبر يسوقها رجل من آل محمد (صلى الله عليه وآله) يوم تطير بالمشرق يوجد ريحها بالمغرب كالمسك الأذفر يسير الرعب أمامها شهراً. (6)
تتحدث هذه الرواية عن إقبال رايات من شرقي الأرض، وكما يبدو لنا أنها من خراسان، وهي ليست من سائر القماش فيبدو أنها من المعدن، ولها صفة الطيران، وتحمل شعار السيد الأكبر ولعله الخراساني أو غيره، وهي بقيادة رجل من السادة النسبيين لرسول الله صلى الله عليه وآله أو من العلماء، ولتلك الرايات تأثير في المغرب وهي بالمشرق، وتأثيرها هناك رغم البعد يكون كالمسك الأذفر، أي أنه يكون تأثيراً شديداً جداً، وهذه المواصفات إنما هي مواصفات الطائرات والقصف الجوي، وذلك ما تحدثنا عنه من الغطاء الجوي الخراساني الحاسم في معارك اليماني والخراساني ضد السفياني.
وقد أشارت الروايات الى أن السفياني لا يعير أهمية للرايات العراقية، حتى مجيء راية الخراساني، كالرواية الآنفة الذكر ننقل منها:
(وتقبل الرايات السود حتى تنزل على الماء، فيبلغ من بالكوفة من أصحاب السفياني نزولهم فيهربون)
والمقصود من نزولهم على الماء أي وصولهم الى نهر الفرات من جهة الديوانية، او وصولهم الى نهر دجلة من جهة واسط وهو الارجح، أي ان هرب جيش السفياني قد يكون مبكراً خلال المعركة الجوية التي ينتصر فيها سلاح الجو الخراساني على سلاح الجو السفياني، وتنكسر فيها وحدات الجيش السفياني على اثر القصف الجوي بالطائرات والصواريخ الخراسانية، وذلك قبل وصول الجيش البري الخراساني، وتنسحب تلك الوحدات العسكرية المعادية عند توجه جيش الخراساني من واسط الى الكوفة، فتصل جيوش رايتي اليماني والخراساني مسرعة نحو الديوانية فالنجف وتلاحق بقايا جيش السفياني المنسحب من الكوفة وتدمره تدميرا كاملا في معركة شمال بابل الحاسمة.
خاتمة البحث:
إن التسديد الإلهي ورعاية الإمام الحجة عج لراية اليماني، إضافة الى خبرة قائد الراية أمنياً وسياسياً، كل تلك العوامل جعلت راية اليماني تتغلب على الصعاب، وتشق طريقها رغم العقبات حتى تنجو في النهاية وتحقق النصر، لتتحول من راية ضعيفة الى راية قوية بإيمان ورسوخ عقيدة قائدها اليماني رضوان الله تعالى عليه وأبطالها الشجعان.
المصادر:
(1) (البحار:52/272 )
(2) ( البحار:52/271 )
(3) مخطوطة ابن حماد ص84
(4) غيبة النعماني
(5) ( البحار:52/2712 )
(6) مختصر بصائر الدرجات ص200، مصباح البلاغة ج2 ص158، معجم أحاديث الإمام المهدي (ع) ج5 ص249 وص255
