أدلة خروج اليماني من العراق.
الدليل الخامس ج2
مضمار أفراس الرهان يكشف الحقيقة.
تحدثت الروايات الشريفة عن حركة الرايات الثلاث: راية السفياني وراية اليماني وراية الخراساني، ووصفت تحركات الرايات بوصف (سباق أفراس الرهان) وجاءت الأخبار مقتضبة في هذا المجال وتركت لنا متابعة وتقصي الظروف الموضوعية لأحداث السباق.
ومن المستلزمات الموضوعية لسباق افراس الرهان لكي يصدق عليه بأنه سباق على اعتبار تعدد نقاط الانطلاق:
اولاً: تقارب المسافات من مواضع انطلاق الأفراس الى نقطة الهدف.
ثانياً: وحدة نقطة الهدف، والتي هي الكوفة (مدينة النجف الأشرف)
وبهذا السياق يقول أحد الفضلاء:
(الحديث عن أفراس الرهان يفترض أن تكون المسافات الحائلة بين الطرفين، متماثلة نسبياً في القرب والبعد، حتى يمكن أن يقال عنهما بأنهما فرسا رهان، وفي العادة يطلق الكلام عند الاقتراب من الهدف) (1)
كما أن الروايات الشريفة لم تتحدث عن سباق الرهان بين الرايات الثلاث دفعة واحدة، وإنما فصلت بينهم، حيث يقول الفاضل:
(في تصوري فإن الروايات حينما فصلت بين سباق السفياني والخراساني من جهة، وبين سباق اليماني والسفياني من جهة أخرى، والخراساني واليماني من جهة ثالثة، فإنها لم تتحدث عن مسافة واحدة بين الجميع، وانما لكل سباق نقطته المختلفة عن السباق الآخر) (2)
وقد وردت ثلاث روايات تتحدث عن سباق أفراس الرهان بين الرايات الثلاث بصورة منفصلة:
الرواية الأولى:
عن هشام بن سالم عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: اليماني والسفياني كفرسي رهان. (3)
تحدثنا في الجزء السابق من البحث عن مواضع خروج رايتي اليماني والسفياني، وقلنا إن اليماني لديه موضعين يحتمل خروجه من أحدهما:
1- خروجه من اليمن.
2- خروجه من جنوب العراق.
كما وقلنا إن للسفياني خروجين باتجاه الكوفة وهما:
1- الخروج العام نحو العراق من منطقة قرقيسيا، القريبة من الحدود العراقية، مروراً بمحافظتي صلاح الدين والأنبار، وصولا الى مشارف بغداد ومن ثم احتلال بغداد، والخروج نحو الكوفة.
2- خروج جيش السفياني من بغداد نحو الكوفة.
لذا فإن هنالك ثلاث احتمالات لخروج رايتي اليماني والسفياني، وسنرى أيهم يصدق عليه وصف أفراس الرهان:
الاحتمال الأول: خروج اليماني من اليمن، فإذا ما قسنا الإزاحة الجغرافية من اليمن الى الكوفة وجدناها قرابة (1600كم) بينما المسافة من قرقيسيا الى النجف لا تتجاوز (400كم) فلا يمكن عد ذلك الخروج سباق أفراس رهان للفرق الواضح بين المسافتين.
الاحتمال الثاني: خروج اليماني من جنوب العراق، من البصرة تحديداً فإننا نجد أن المسافة من البصرة الى الكوفة مقاربة للمسافة من قرقيسيا الى الكوفة مما يمكن أن ينطبق عليهما سباق أفراس الرهان.
الاحتمال الثالث: خروج اليماني من منطقة ما في جنوب العراق، وخروج جيش السفياني من بغداد الى الكوفة، حيث أن المسافة من بغداد الى الكوفة قرابة (150كم) وهي ذات المسافة من مدينة ذي قار أو أطراف مدينة ميسان الى الكوفة.
مع سقوط الاحتمال الأول يبقى لدينا الاحتمالين الثاني والثالث، لكن الاحتمال الثالث هو الأكثر منطقية والاقرب الى الواقع، لأنه في مناطق انطلاق رايتي السفياني واليماني يكون الطرفان متوجهين الى الكوفة مباشرة وبصورة أقرب الى الهدف، كما أن ثمة أدلة أخرى على ترجيح هذا الاحتمال، منها أن مجرد تحرك السفياني لقتال الأتراك وبني قيس في قرقيسيا وحتى دخوله الى العراق وقتاله لبني قيس في المنطقة الغربية، فإن ذلك لا يستثير راية اليماني الى حد الخروج، حيث ان الظروف الموضوعية لخروج راية اليماني تمنعه من الخروج قبل تعرض مدينة بغداد الى الاحتلال السفياني وتهديد مدينة النجف الاشرف، ولا يمكن تصور سباق أفراس الرهان في هذه الحالة مطلقاً حتى خروج السفياني من بغداد الى الكوفة، عندها فقط يمكن تصور سباق أفراس الرهان.
الرواية الثانية:
عن الإمام الباقر عليه السلام قال: (لابد لبني فلن أن يملكوا، فإذا ملكوا ثم اختلفوا تفرق ملكهم وتشتت أمرهم حتى يخرج عليهم الخراساني والسفياني هذا من المشرق وهذا من المغرب، يستبقان إلى الكوفة كفرسي رهان: هذا من هنا، وهذا من هنا، حتى يكون هلاك بني فلان على أيديهما، أما إنهما لا يبقون منهم أحداً) (4)
بخصوص خروج السفياني هنا، فإن الرواية لم تطلق خروجه كما في الرواية السابقة، وإنما تحدثت عن أحداث تحصل بعد خروجه، وهي قتال بني فلان، وبني فلان هنا هم النواصب في غرب العراق.
أما خروج الخراساني فقلنا في الجزء السابق من البحث أنه ثمة احتمالين لخروجه فهو يخرج من إحدى منطقتين:
1- خروجه من المناطق الإيرانية المحاذية لجنوب العراق.
وكنا قد تحدثنا في الجزء الاول عن سقوط هذا الاحتمال، لعدم وجود دليل روائي عليه، بل وجود الدليل الروائي على خروج الخراساني من جهة شرق العراق من مدينة ايلام باتجاه واسط، لأن التوجه الأول لجيش الخراساني هو باتجاه بغداد لا الكوفة، فليس من المنطق عبور جيش الخراساني من الاهواز باتجاه جنوب العراق ثم يتوجه نحو بغداد، بينما الأقرب اليه هو التوجه من ايلام نحو واسط فبغداد.
2- خروجه من مدينة إيلام الحدودية المحاذية لمدينة واسط.
ان خروج السفياني والخراساني هنا يمر بمرحلتين:
المرحلة الأولى: خروج السفياني من تكريت والانبار الى بغداد لاحتلالها ومن ثم ينطلق الى الكوفة، والخراساني يخرج من إيلام باتجاه واسط ومن واسط نحو الكوفة.
حيث أن خروج السفياني من قرقيسيا يتخلله بعد ذلك قتال جيش السفياني لبني قيس في الأنبار، وبني قيس وكيانهم المتمثل بقيادة عوف السلمي في صلاح الدين، ومن ثم معاركه في مناطق الزوراء، ومطار بغداد، حتى تستتب له الأمور فينطلق مسرعاً نحو الكوفة، بينما يخرج الخراساني من ايلام ويدخل مدينة واسط متوجها نحو بغداد، ولكن توجه جيش السفياني نحو الكوفة يجعل جيش الخراساني يغير من وجهته باتجاه الكوفة.
المرحلة الثانية: خروج السفياني من بغداد والخراساني من واسط.
ويكون ذلك بعد تمركز جيش الخراساني في محافظة واسط، ومن ثم الانطلاق نحو الكوفة، ويقابله خروج جيش السفياني من بغداد الى الكوفة.
ان هذا الاحتمال هو الأرجح بل هو الوحيد بعد سقوط الاحتمال الأول، وحيث ان تحركات الجيوش تحتاج الى التقدم على شكل مراحل، فالخراساني بطبيعة حركته يحتاج الدخول الى واسط ويتمركز هناك ومن ثم يتجه نحو بغداد او الكوفة، وكذلك جيش السفياني حتى يتوجه نحو الكوفة عليه ان يواجه قوات الدولة العراقية في بغداد ويحتل بغداد ثم يتوجه نحو الكوفة، وبما ان نقطة الهدف النهائية للرايتين هي الكوفة، فإن المرحلة الثانية أعلاه هي نقطة انطلاق الرايتين وسباقهما نحو الكوفة.
الرواية الثالثة:
عن أمير المؤمنين في خبر طويل قال (ع) (… إذ أقبلت خيل اليماني والخراساني تستبقان كأنهما فرسي رهان) (5)
تحدثنا عن مناطق خروج اليماني والخراساني، ولدينا هنا احتمالين لخروج الرايتين:
1- خروج اليماني من اليمن، وهو الذي لم ينطبق مع خروج السفياني من أقصى منطقة لخروجه، أي من قرقيسيا ولا حتى من دمشق، فلا يصح وصفهما بأفراس الرهان كما أشرنا، وكذلك هنا خروج اليماني من اليمن لا يتناسب مع خروج الخراساني من أي مدينة حدودية مع العراق سواء من ايلام أو الاهواز او حتى كرمانشاه المحاذية لمدن شمال العراق، فلا يصح وصفهما بأفراس الرهان، لذا فإن هذا الاحتمال ساقط عن الدلالة.
2- خروج اليماني من جنوب العراق وخروج الخراساني من ايلام أو من واسط أو حتى كرمانشاه، حيث أن امتداد مناطق العراق يكون من البصرة التي توازي محافظة كرمانشاه في البعد عن الكوفة ومدينة الناصرية والعمارة اللتان توازيان بُعد ايلام عن الكوفة، او حتى خروج اليماني من الديوانية او بلوغه اليها من جنوب العراق، واقبال الخراساني من واسط، حيث يلتقي الجيشان في الديوانية وينقضان على النجف، وهذا الاقتراب بين الرايتين من الهدف يصدق عليه أيضا سباق افراس الرهان.
خلاصة البحث:
أن خروج اليماني من اليمن لم يشار اليه في الحسابات الموضوعية لخروج الرايات الثلاث، بل أنه يكون بعيداً عن تلك الحسابات التي ضمّنها أهل البيت عليهم السلام في مروياتهم ورسموها كخارطة لتحرك الرايات، الا أن يقال إن الجيش اليمني ينتقل الى جنوب العراق، ومن هناك يبدأ خروجه، أو أنه يحتل الحجاز ويدخل الى الكوفة من الحدود الحجازية.
وان نقاط انطلاق الرايات الثلاثة بما ينطبق عليه وصف سباق افراس الرهان وتوجهها نحو الكوفة هو ما يلي:
انطلاق راية السفياني من بغداد نحو الكوفة.
انطلاق راية اليماني من أواسط جنوب العراق نحو الكوفة.
انطلاق راية الخراساني من مدينة واسط نحو الكوفة.
وفي الأدلة القادمة سوف نثبت عدم إمكانية وصول الجيش اليمني الى العراق، وكذلك عدم دخول الجيش اليمني الى الحجاز اطلاقاً.
وكنا قد أشرنا في اول جزء من بحث علامة اليماني الموعود بأن خلو الروايات من قرينة خروج اليماني من اليمن، يستدعي بالضرورة في المنطق العقلي ان يكون مضمار حركة اليماني وميدان معاركه هو ذاته مكان خروجه، وهذه الروايات تثبت بالدليل القاطع ان مضمار حركة راية اليماني الموعود وميدان قتالها هو العراق، مما يثبت بالدليل القاطع ان اليماني من العراق.
وبهذا نقدم دليلا آخر على أن اليماني رجل من القبائل ذات الأصول اليمانية والمستوطنة في العراق، وخروجه يكون داخل العراق، ويقاتل بمجاهدي العراق، سيما عشائر الجنوب التي ستخرج معه لصد زحف جيش السفياني نحو مدنهم، وللثأر من أعمال السفياني في النجف الاشرف، ونصرة للمذهب الشريف.
المصادر:
(1) كتاب علامات الظهور/ الشيخ جلال الدين الصغير/ م2 ص314
(2) المصدر السابق ص316
(3) غيبة النعماني:294 – 295 ب 15 ح2.
(4) غيبة النعماني: 264 ب 14 ح12.
(5) سرور أهل الإيمان في علامات ظهور صاحب الزمان 53-54
