بحث علامة اليماني الموعود (ج١٦) والأخير

اليماني الموعود وزير الامام الحجة عج.

من مقومات الدول انها تتشكل من هيكل هرمي للقيادة والإدارة، ويقود كل مفصل من مفاصل ذلك الهيكل شخص يتصف بصفات معينة تخصصية ملائمة للدور القيادي او الإداري المناط به.

في بداية قيام دولة العدل الإلهي سوف تكون ثمة قيادات عليا تدير الدولة تحت القيادة المباشرة الامام القائم عج، واؤلئك هم الوزراء، ولكل من اؤلئك الوزراء دوره الخاص والمرتبط بمجال معين من مجالات الدولة، كالسياسة الداخلية والمجتمع والأمن وشؤون العسكر والاقتصاد والصناعة والتجارة والزراعة والاعلام والثقافة والسياسة الخارجية وشؤون الرجعة …الخ

عند الشروع بالقيام الشريف يكون التوزير عمومياً، أي يكون عمل الوزير مرتبطاً بكافة شؤون الامام المهدي عج بما يتناسب مع تلك المرحلة الانتقالية من التحضير للقيام والقيام الشريف وتوزيع المهام والأدوارعلى العاملين مع الوزير ومتابعة عملهم، وبعد إقامة الدولة يتم تنظيم شؤونها حسب ما ترتأيه القيادة الإلهية المعصومة المتمثلة بالامام القائم روحي وارواح العالمين لتراب مقدمه الفداء.

لعل من اهم وزراء الامام المهدي عج هو اليماني الموعود، لما لهذا العبد الصالح من دور أساسي في الدعوة الى المهدي عج والتمهيد للظهور الشريف، وجمع الاصحاب والانصار وتوطئة ارض العراق ليكون عاصمة دولة العدل الإلهي، في حين سيكون شعيب بن صالح وزيراً آخر للامام المهدي عج ومهمته قيادة الجيش الإسلامي بمنصب وزير دفاع دولة العدل الإلهي، هكذا تبدو الأمور لنا في قرائة بسيطة لمضامين الروايات الشريفة، وبهذا القدر من البيان نعطي صورة أولية عن الدولة المهدوية ولسنا في معرض تأطير او دسترة هيكلية دولة العدل الإلهي.

ثمة من يسبق هذين الوزيرين في إدارة شؤون الامام المهدي عج في الفترة ما بين الصيحة والظهور، وهو من تسميه الرواية بالمنصور، ويكون لهذا الرجل دوراً حجازياً مهماً في الاعداد والتهيئة للقيام الشريف، حيث يكون ذلك المنصور ملازماً للامام الحجة عج في تحركاته في الحجاز حتى انه يهرب مع الامام المهدي عج من المدينة الى مكة عند ملاحقة جيش السفياني لهما، وقد يكون ذلك المنصور هو ذاته اليماني الموعود، كما سنشير اليه لاحقاً.

اليماني وزير الامام المهدي عج

بعد اندحار جيش السفياني من النجف الاشرف وسحقه في شمال بابل على يد رايتي الهدى اليماني والخراساني، لم تتحدث الروايات عما سيجري بعد ذلك، لكن ما يبدو لنا ان معارك اليماني والخراساني سوف تمتد حتى تحرير العراق من جيش السفياني.

بعد طرد جيش السفياني سوف يقع على عاتق اليماني حكم العراق في تلك الفترة الانتقالية حتى القيام الشريف، وعند اقتراب شهر رمضان وتحقق علامة الصيحة الجبرائيلية المعلنة لظهور الامام المهدي عج، يقع على عاتق اليماني دور هام في رصد وتصديق الصيحة الجبرائيلية وإقناع مجتمع الانتظار بأحقيتها، في قبالة الحملة الإعلامية التي سيشنها الأعداء والموصوفة بصيحة ابليس لعنه الله، والتي تهدف الى التشكيك بالصيحة واتهام الشيعة بالسحر واختلاقهم لها وانها ليست صيحة جبرائيل الملكوتية.

بعد الصيحة سوف يتم التواصل والتنسيق بين الامام الحجة عج ومجموعة من مواليه ومنهم اليماني الموعود، من اجل التحضير للقيام الشريف، واختيار وتهيئة الاصحاب ال ٣١٣ وارسالهم الى الحجاز، والتحضير لاستقبال الامام الحجة عج بعد سيطرته على الحجاز وتوجهه نحو العراق.

من بعد القيام الشريف يكون اليماني الموعود وزيراً للامام الحجة عج في دولته المباركة، ومنصب الوزير مهمته القيام بتنفيذ أوامر الامام الحجة عج في المجال الذي يوكل به، وشخص مثل اليماني لعله سيتم تكليفه بالشأن السياسي أي قيادة الدولة وتنظيم شؤونها السياسية، وبالطبع فإن كل وزراء الدولة وموظفيها سيكون عملهم تحت الرقابة والرعاية المباشرة للامام الحجة عج.

من الروايات التي تحدثت عن دور اليماني الموعود في تلك الفترة نذكرها مع بيان مقتضب لها:

عن جابر الجعفي عن أبي جعفر (ع) قال: (يظهر السفياني و من معه حتى لا يكون له همة إلا آل محمد ص و شيعتهم …و يبعث بعثا إلى المدينة فيقتل بها رجلا و يهرب المهدي والمنصور منها و يؤخذ آل محمد صغيرهم و كبيرهم لا يترك منهم أحد إلا حبس و يخرج الجيش في طلب الرجلين و يخرج المهدي منها على سنة موسى خائِفاً يَتَرَقَّبُ حتى يقدم مكة و يقبل الجيش حتى إذا نزلوا البيداء و هو جيش الهملات خسف بهم فلا يفلت منهم إلا مخبر فيقوم القائم بين الركن و المقام فيصلي و ينصرف و معه وزيره – ثم يخطب فيهم- ثم يخرج من مكة هو و من معه الثلاثمائة و بضعة عشر يبايعونه بين الركن و المقام معه عهد نبي الله ورايته وسلاحه ووزيره معه فينادي المنادي بمكة باسمه وأمره من السماء حتى يسمعه أهل الأرض كلهم، اسمه اسم نبي ما أشكل عليكم فلم يشكل عليكم عهد نبي الله ورايته وسلاحه والنفس الزكية من ولد الحسين فإن أشكل عليكم هذا فلا يشكل عليكم الصوت) (١)

تحدثت الرواية أعلاه عن رجل يدعى المنصور وهو مرافق للامام المهدي عج في الفترة ما بين الظهور والقيام الشريف، ولا يستبعد ان يكون ذلك المنصور هو وزير الامام الحجة عج، مع ان الامام عج لم يكن ذو سلطة بعد، لكن مهام حركة الامام في تلك الفترة قد تقتضي توزير من يعاونه في عملية التمهيد للقيام، أي بمعنى المساعد والقائم بشؤون الامام الحجة عج لا المنصب الوزاري، ولم تشر الرواية الى اصل ذلك المنصور، هل هو من اهل الحجاز باعتبار ان حركة الامام عج آنذاك تقتصر على الحجاز تمهيداً لقيامه في مكة المشرفة، ام انه نفسه اليماني الموعود باعتبار ان الامام عج يعمل بالخفاء فبالامكان ان يتحرك معه اليماني الموعود بعد اقباله مع الاصحاب من العراق؟
بالنتيجة لا يوجد دليل ناهض يكشف شخصية ذلك المنصور المرافق للامام المهدي عج.

عند حلول يوم العاشر من المحرم يكون الامام عج في مكة المشرفة عن البيت الحرام ومعه أصحابه الثلاثمائة وثلاثة عشر، ومعه وزيره كما اشارت الرواية أعلاه، وكما اشرنا فإنه قد يكون وزيره ذاك هو المنصور، او انه اليماني، وربما يكون المنصور هو نفسه اليماني الموعود.

وفي الرواية عن الامام الصادق (عليه السلام) : (كأني أنظر إلى القائم على منبر الكوفة و حوله أصحابه ثلاث مائة و ثلاثة عشر رجلا عدة أهل بدر و هم أصحاب الألوية و هم حكام الله في أرضه على خلقه حتى يستخرج من قبائه كتابا مختوما بخاتم من ذهب عهد معهود من رسول الله (ص) فيجفلون عنه إجفال الغنم فلا يبقى منهم إلا الوزير و أحد عشر نقيبا كما بقوا مع موسى بن عمران (ع) فيجولون في الأرض فلا يجدون عنه مذهبا فيرجعون إليه و الله إني لأعرف الكلام الذي يقول لهم فيكفرون به) (٢)

تتحدث الرواية عن مرحلة ما بعد القيام الشريف وتحرير الحجاز واقبال القائم عج الى العراق واستقراره في الكوفة، فتحصل حادثه استخراجه لكتاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وما فيه من أمر يفوق وقعه استيعاب ادمغة وافئدة أصحاب القائم عج، وكأن فيه أمر يبدو انه غير عقلائي وقد يكون مخالفاً او هادماً لبعض مما شيده الاصحاب مع الامام القائم عج في الفترة الماضية من يوم التحاقهم بالحجاز والقيام الشريف وحتى يوم اعلان ما ورد في ذلك الكتاب، ولا يمكن على أي حال تخيل ذلك الأمر لأن الاحداث على ارض الواقع تختلف عن التنظير.

عند ذلك يقع الاصحاب في حيرة من امرهم ويأخذون بمناقشة الامر بعد الانصراف، مستنكرين ما ورد في الكتاب وقد ساورهم الشك فيه، وذلك بالرغم من الوصف العالي المضامين الذي وصف به اؤلئك الاصحاب، بأنهم النقباء وأصحاب الألوية وحكام الله في ارضه على خلقه، فلا يبقى منهم الا احد عشر نقيباً ومعهم الوزير، ونكاد نجزم هنا بحكم ان الواقعة تكون في العراق، بأن ذلك الوزير هو اليماني الموعود، اما النقباء الأحد عشر فهم المبرزين من الاصحاب الذين كان لهم شرف السبق في التمهيد للامام والتثقيف لدعوته، المنقبون عن قضية الامام عج في زمان غيبته المنيف على ظهوره الشريف.

الخضر وعيسى بن مريم وزراء الامام القائم عج.

لعل اهم قضية غيبية بعد ظهور الامام المهدي عج وقيامه الشريف، هي قضية ظهور الخضر عليه السلام ونصرته للامام المهدي عج، والأهم منها قضية رجعة الأموات، ولعل قضية الخضر عليه السلام اكثر جلاء من قضية رجعة اهل البيت عليهم السلام وسائر الأموات الراجعين، على اعتبار ان قضية الخضر كقضية غيبية قد أخذت حيزها الكافي من التثقيف لدى جماهير المسلمين، فتكون مسألة ظهوره بعد قيام الامام الحجة عج مسألة طبيعية، كذلك مسألة رجوع النبي عيسى عليه السلام هي الأخرى بذات سياق قضية الخضر عليه السلام.

القضية الأصعب هي قضية رجعة الأموات، فهي قضية كبيرة لها حيثياتها الخاصة، وربما تحتاج الى وزارة لشؤون الرجعة، قد يضطلع الخضر عليه السلام بها، باعتباره شخصية لها قدسيتها، ولارتباطه بالغيب، اذ ان قضية رجعة الأموات هي أيضا قضية غيبية.

اما بخصوص شؤون الأديان المسيحية واليهودية والعلمانية والالحادية والدجال، فإن النبي عيسى عليه السلام سيكون كفؤاً لادارة هذه الوزارة.

وفي هذا السياق سوف نتطرق لبعض الروايات التي ذكرت توزير الخضر والنبي عيسى عليهما السلام.

عن الإمام الرضا [عليه السلام] في حديثه عن الخضر عليه السلام : « وسيؤنس الله به وحشة قائمنا في غيبته ، ويصل به وحدته » (٣)

ان ايناس الوحشة لا يعني تكليم الامام عج لكي لا يشعر بالوحدة كما هو ظاهر اللفظ، وانما المراد به القيام بشؤون الامام عج التي يحتاج بها الى معونة الآخرين وكل ما يهمه من الأمور التي لا يباشرها الامام عج بنفسه.

وفي رواية تذكر سبب انساء أجل الخضر عليه السلام: إنه قد نسئ له في أجله لكي يكذب الدجال. (٤)

وبخصوص توزير النبي عيسى عليه السلام نذكر أحد الآثار التي تحدثت عن رجوعه:

(يهبط المسيح عيسى بن مريم عليه السلام عند القنطرة البيضاء على باب دمشق الشرقي إلى طرف الشجر تحمله غمامة واضع يديه على منكب ملكين عليه ريطتان مؤتزر بأحديهما مرتدي بالأخرى إذا أكب رأسه قطر منه كالجمان فيأتيه اليهود فيقولون نحن أصحابك فيقول كذبتم ثم يأتيه النصارى فيقولون نحن أصحابك فيقول: كذبتم بل أصحابي المهاجرون بقية أصحاب الملحمة، فيأتي مجمع المسلمين حيث هم فيجد خليفتهم يصلي بهم فيتأخر للمسيح حيث يراه فيقول يا مسيح الله صلي لنا فيقول بل أنت فصل لأصحابك فقد رضى الله عنك فإنما بعثت وزيرا ولم أبعث أميرا) (٥)

خلاصة القول ان اليماني الموعود سيكون وزيراً للامام الحجة عج بعد قيامه الشريف، وبطبيعة الحال فإن العدل يقتضي تقديم صاحب السبق والوعي والادراك بقضية الامام عج في زمان غيبته والداعي اليه والعامل على التمهيد له والباذل نفسه في سبيل توطئة الأرض لقدومه الشريف، لاسيما وان اليماني الخبير في شؤون الدين والعقيدة والسياسة والأمن لهو الشخص المناسب لمقام الوزارة واعانة الامام المهدي عج على إقامة دولته المباركة.


المصادر:

(1) تفسير العياشي ـ ج1 ص65
(2) كمال الدين وتمام النعمة ـ للصدوق ـ ص672.
(3) البحار ج13 ص299 وج 52 ص152 عن كمال الدين ج2 ص61 .
(4) الدر المنثور ج 4 ص 239
(5) كتاب الفتن لنعيم بن حماد ص347

أضف تعليق