الكاتب: Aboshuaib

مدونة خاصة بنشر أبحاث وكتابات وأفكار السيد أبو شعيب العسكري

بحث علامة السفياني (الجزء الأول)

السفياني بين الإفراط والتفريط.

مقدمة.
السفياني هو أحد علامات الظهور للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، وهو من العلامات الحتمية، أي واجبة التحقق، وكما ورد في الروايات الشريفة أن السفياني من المحتوم، وإنه حتمٌ من الله، وإنه حتمٌ لا بد منه، وانه لا مهدي بلا سفياني، وبذلك يتضح أن وجود السفياني في سيناريو أحداث الظهور، إنما هو جزء من التخطيط الإلهي للظهور الشريف، وإن السفياني يمثل قوى الباطل التي بوجودها يستبان اهل الحق، فالسفياني كما عده بعض الفضلاء شرطٌاً من شروط الظهور الشريف، لكنه ليس شرطاً بمقام العلية، وانما هو شرط لمقتضيات المقام.

كما وأختلف الباحثون في كثير من جنبات شخصية السفياني، فمنهم من عده فكراً وحصره في جهة معينة بالاستناد الى قضية مرحلية (مثل تنظيم داعش) وبعضهم من عده شخصاً بيد إنه نسبه مرة الى النواصب، وتارة الى ان يكون زعيم دولة عظمى كالولايات المتحدة أو روسيا، وهكذا شط كثير من الباحثين عن حقيقة السفياني، وما ذلك الا لأمرين:

أولهما: ابتعاد الباحث عن مرويات أهل البيت عليهم السلام، واتباعه منهج التسطيح الفكري (المنهج الحشوي) او ما يسميه بعض الفضلاء (النظرة العامية) في بحثه عن شخصية السفياني، وسقوط بعض من الباحثين في هاوية التشخيص المزاجي والاستحسان والتأثر بالأحداث المرحلية سيما الإستراتيجية منها، وكمثال على ذلك تسلط تنظيم القاعدة ومن بعدها تنظيم داعش على مناطق كثيرة في العراق وسوريا، مما دعى بعض الباحثين الى اسقاط مفهوم السفياني على هذه الجماعات الإرهابية او قياداتها كالزرقاوي والبغدادي وغيرهما، ومنهم من قال ان السفياني فكر وليس شخصاً، ومنهم من قال: ان السفياني هو الرئيس الأمريكي أوباما، ولما اتى من بعده الرئيس الجدلي ترامب قالوا: هو السفياني، ولعلهم الصقوا تهمة السفياني اليوم بالرئيس الحالي جو بايدن، وبعضهم قال: ان السفياني هو الرئيس الروسي بوتين، وبعض اسقط شخصية السفياني على الملك عبد الله، وهكذا وقعت علامة السفياني ما بين الافراط والتفريط!

وثانيهما: عدم سبر أغوار روايات الظهور الشريف واستنطاق بواطنها، وذلك يعود الى افتقار كثير من الباحثين للتخصص الحقيقي المطلوب للتعامل مع روايات علامات الظهور الشريف، وكذلك تباين مناهج البحث التي استخدمها الباحثون والاعم الاغلب منهم اتبعوا منهج التسطيح والحشوية.

عوامل الافراط والتفريط في تشخيص علامة السفياني:
ثمة ثلاثة عوامل تتعلق بمسألة الإفراط والتفريط بما يخص علامة السفياني، وهي:
(١) خصائص نصوص علامات الظهور.
(٢) الباحث.
(٣) منهجية البحث في روايات العلامات.
هذه العوامل الثلاثة تتداخل فيما بينها، كاشفة لنا عن أسباب الإفراط والتفريط، وسوف نعرض لها بالتفصيل.

(١) خصائص نصوص علامات الظهور:
تمتاز النصوص المستخدمة في البحث في القضية المهدوية، بخصوصيات تميزها عن النصوص المستخدمة في الفقه وبقية المواضيع العقائدية، مع اشتراك الجميع ببعض الأمور الأخرى، وهنا سنعرض لتلك الخصوصيات التي تميز نصوص علامات الظهور عن غيرها من القضايا الدينية:
أ‌- طبيعة النص بحيثية بنيته ومقتضيات تلك البنية.
ب‌- طبيعة النص بحيثية مضامينه.
ج‌- التحقيق السندي والمتني.

أ- طبيعة النص بحيثية بنيته ومقتضيات تلك البنية:
تم صياغة مضمون النص العلاماتي، على أسس التوصيف الرمزي لأحداث وشخوص علامات الظهور، والتي اعتمد فيها أهل البيت عليهم السلام، القياس على أحداث ومناطق وشخصيات ومفاهيم تأريخية، وذلك من أجل إضفاء حالة من “التجفير” أي الاخفاء للعلامات بالصورة التي لا يمكن ان يتم كشفها الا في حالتين:

الأولى: كشفها من قبل الباحث المتخصص.
وذلك من أجل إحاطة علامات الظهور بشيء من الحصانة، كي لا يحصل المدعون لشخصيات الظهور على حجج قوية تثير شبهات بالغة الأثر في مجتمع المنتظرين.

الثانية: لا يمكن كشفها الا في زمان اقتراب تحققها.
وذلك كي لا يتم كشف شخصيات الظهور الا قرب تحقق العلامات، من أجل تفويت الفرصة على المدعين من إدراك تلك الحقائق وانحسار الأمر على جزء من مجتمع المنتظرين، والذين يقع على عاتقهم القيام بالدعوة والتمهيد للقائم عج وقيادة مجتمع المنتظرين.

وان هاتين الميزتان هما من تدبير أهل البيت عليهم السلام، وبالإضافة الى ذلك فإن التوصيف بالقياس على مسميات تأريخية يشي بصورة أوضح عن مسميات أحداث الظهور الشريف، وعادة ما يكون ثمة ترابط بين الدالة التأريخية، والمدلول عليه، إن من خلال كون حدث العلامة امتداداً للدالة التأريخية، أو أن يكون ثمة مشتركات توصيفية بين الدالة التأريخية والمدلول عليه من العلامات.

ب- طبيعة النص بحيثية مضامينه:
تتميز مضامين النصوص تبعاً لطبيعة حراك علامات الظهور الشريف؛ بأنها تشتمل على احداث سياسية وأمنية، وأخرى مجتمعية وعقائدية، وثالثة جغرافية وتأريخية، ورابعة تتعلق بميزات عصر الظهور الشريف ذاته نسبة الى غيره من العصور السالفة من تطور تكنولوجي وما الى ذلك، هذا وسوف نتحدث عن هذه الخصيصة وأثرها على تحليل روايات علامات الظهور الشريف فيما يلي.

ج- التحقيق السندي والمتني:

اولاً: التحقيق السندي:
هو تحقيق الروايات الشريفة بحيثية اعتبار الروايات سنداً، وكان الباحثون بهذا الصدد على ثلاثة فئات:

١- باحثون تعاملوا مع روايات العلامات كتعامل الفقيه مع روايات أصول الفقه من حيث التشدد السندي، فأدى ذلك الى تضعيفهم غالبية روايات العلامات الى درجة إصدارهم حكماً بعدم حجية روايات العلامات اجمالاً نظراً لقلة الروايات المعتبرة، وفق مبنى التشدد السندي.

٢- باحثون تعاملوا مع النصوص الروائية بالتسامح المطلق، حيث عدوا روايات علامات الظهور بأنها أخبار عن مستقبل بعيد لا تطرح أي إشكالية سياسية او امنية او ما شاكل ذلك من الأمور التي قد تستثير الحكومات الطاغوتية كبني امية وبني العباس مثلاً لكي تدفعهم لتحريف تلك الروايات والدس فيها عن عمد!

٣- باحثون تعاملوا بأمر وسط من خلال التشدد السندي في الروايات المتعلقة بإثبات أصل العلامة، والتسامح الجزئي في اسانيد الروايات التي تضمنت تفاصيلاً غير أساسية عن العلامات، ويشترطون في هذا التسامح النسبي ان يكون منطوق الرواية مقارب لمنطوق روايات إمامية معتبرة، وبذلك تم الاخذ بمنطوق بعض الروايات الضعيفة السند وحتى بعض الروايات العامية، وأحسب ان المنهجين الأول والثاني قد شطا عن الواقع وسقطا في أتون الافراط والتفريط.

ثانياً: التحقيق المتني.
ثمة خصيصتان تتعلقان بمتون الروايات قد خفيتا على كثير من الباحثين، الا وهما:

أ- تعدد طرق الرواية ذاتها.
ب- نقل الرواية من قبل عدة مصادر تأريخية.

هاتان الخصيصتان كان لهما الأثر البالغ في إحداث تغييرات في بعض أجزاء متون الروايات أدى الى التشويش على مداليل العلامة او الحدث في تلك النصوص الروائية، مما يقتضي ذلك ضرورة التحقيق في المتون الواردة ومعرفة مواضع الخلل فيها من (تصحيف، اضافة، حذف، استبدال في بعض الألفاظ والعبارت، الاسقاط سهواً، ومعتريات النسخ وما الى ذلك) وهي عملية اشبه بعملية طبابة الكتب في مكتبات المخطوطات، حيث تتضمن المكتبة ردهة اشبه بالمستشفى مكتظة بالأجهزة المختبرية والمواد الكيمياوية وما الى ذلك، من اجل ان يقوم المختصون بمعالجة السوس الذي اضر ببعض تلك المخطوطات وإعادة ترميمها، وكذلك يعمد الباحث المتخصص في القضية المهدوية الى تطبيب متون الروايات بغية التوصل الى الغاية المرجوة.

(٢) الباحث:
ثمة أربع عوامل تحدد طبيعة الباحث في قضية علامات الظهور الشريف، بعضها متعلقة بخصوصيات نصوص علامات الظهور وبعض آخر منها متعلق بعنصر التوفيق الإلهي وهي:

أ‌- هدى الباحث وفرادته.
ب‌- تخصص الباحث.

أ‌- هدى الباحث وفرادته:
لا بد أن يكون الباحث من مجتمع الهدى المتمثل بجهتين:

الاولى: المرجعية القائمة بأمور الدين والموكول اليها ذلك من قبل القيادة الإلهية المغيبة.

الثانية: مجتمع المؤمنين المقلدين للمرجعيات الدينية.

أن الباحثين الذين ينتمون ظاهراً الى مجتمع الهدى، فيهم المهتدي وفيهم البتري والزيدي وما الى ذلك، وهؤلاء أشبه بالمدعين حيث يجرون البحوث –سيما التي تتعلق بشخوص الظهور – وفق قناعات سابقة الى شخصيات معينة غالباً ما تكون من قاداتهم أو خصومهم، مما يكشف عن افتقارهم الى خاصية التجرد في البحث!

وبحكم مقتضيات بنية النص بالشكل الذي جرى عليه، وبحكم الواقع العملي للتمهيد للظهور الشريف، فإن ثمة باحث واحد ممهد من بين باحثي مجتمع الهدى سيكون مستوفي لشروط الباحث المتخصص ينبغي البحث عنه بل والتضرع الى الله تعالى بالإهتداء اليه، وذلك يقتضي من قبل الباحثين الأخرين حالة من التواضع ونكران الذات، وكذلك يقتضي مزيداً من الإطلاع والتدقيق في أطروحات الباحثين الآخرين، وهي حالة أِشبه من حيث الشكل بشرط ذوي الخبرة الذين يشيرون الى الأعلمية في الفقه، حيث لا بد من وجود أعلمية في البحث في القضية المهدوية دون تقليد بالطبع، وأحسب ان ثمة إشارة من قبل اهل البيت عليهم السلام الى هذا الموضوع، بتوجيههم الشيعة للالتفاف حول اليماني الموعود الداعي الاهدى الى المهدي عج، على ان لا يعدم ذلك التثقف بثقافة القضية المهدوية اجمالا حتى يتم التوفيق للوصول الى أيام ذلك العبد الصالح (اليماني الموعود)

ب‌- تخصص الباحث:
لكل علم تخصص، ولعلم علامات الظهور الشريف تخصصه، والتخصص يأتي من طبيعىة موضوع العلم، ولعل غالبية الباحثين وغالبية العوام فرّطوا في صفات المتخصص، فكل من درس العلوم الدينية وتحدث عن علامات الظهور بحثاً وتقصياً عده العوام متخصصاً، لمجرد امتلاكه بعض الصفات العامة للتخصص، من كونه طالب علوم دينية، أو لديه شهادة عليا، أو لمزاولته للأبحاث العقائدية والتأريخية وتأليفه بعض الكتب في تلك المجالات، وذلك تفريط خطير أدى بالنتيجة الى تشتت الفهم العام لعلامات الظهور بسبب تعدد الأطاريح.

كما ان تخصص الباحث يتعلق بحيثية مضامين النصوص، وكما أسلفنا أنها تشتمل على احداث سياسية وأمنية وأخرى مجتمعية وعقائدية، وثالثة جغرافية وتأريخية، ورابعة تتعلق بميزات عصر الظهور الشريف ذاته عن غيره من العصور السالفة.

من ذلك ينبغي ان يتصف الباحث المتخصص بالصفات التالية:
١- ان يكون الباحث رجل دين.

٢- ان يكون الباحث خبيراً بشؤون السياسة والأمن والتاريخ والجغرافيا والديموغرافيا لمنطقة الظهور الشريف.
٣- ذكاء وفطنة الباحث ووعيه الشامل بالقضية المهدوية.
٤- التوفيق الإلهي.

١- ان يكون الباحث رجل دين.
حيث نجد ان ثمة جوانب دينية وعقائدية في العلامات، والتي تستوجب أن يكون المتخصص في تحليل روايات العلامات، يمتلك صفة رجل الدين العارف بالتحقيق السندي والمتني للروايات.

٢- ان يكون الباحث خبيراً بشؤون السياسة والأمن والتاريخ والجغرافيا والديموغرافيا لمنطقة الظهور الشريف.
ان مضامين النصوص تتكلم عن أحداث ما قبل الظهور الشريف في فترة الإعداد والتمهيد، والتي هي في غالبيتها أحداث سياسية وأمنية، مما يستوجب أن يكون الباحث المتخصص في تحليل روايات علامات الظهور الشريف عارفاً بالأمور السياسية والأمنية، ويمتلك الخبرة العملية فيها، اذ ينبغي ان تكون لديه تراكمات في العمل السياسي والجهادي، وان يكون خبيراً بجيوبولوتيك وديموغرافيا المناطق التي تجري فيها أحداث الظهور الشريف من النواحي التأريخية والمعاصرة، والأهم من ذلك كله أن يكون الباحث ممن يقول بقرب الظهور الشريف وإمكانية تحققه في زمانه، وفق ادلة علمية ناهضة، والا فإن الباحث سوف يطرح عدة احتمالات ممكنة، على هيئة اطاريح لا يرجح أي منها الا بقرينة الظن بأن عصره هو عصر الظهور الشريف، وفي هذه الحال فإن الظن لا يغني عن الحق شيئا، وبالتالي تبقى الامة تدور في حلقة مفرغة ومتاهات الغيبة التي لا نهاية لها، اذ تجول فيها كجولان النعم تطلب المرعى فلا تجده.

٣- ذكاء وفطنة الباحث ووعيه الشامل بالقضية المهدوية:
ينبغي أن يكون المتخصص بالتعامل مع روايات علامات الظهور، متصفا بمقدار عال من الذكاء والفطنة بالتحليل التأريخي والجيوبولوتيك للأحداث والمناطق والشخوص والترابط فيما بينها، وفهم الظروف الموضوعية للأحداث، وفهم طبيعة مراد اهل البيت عليهم السلام من اختيارهم للمسميات التأريخية، وجوانب انطباقها على مسميات الظهور الشريف.

ومن خلال حيثية بنية النص ومقتضيات تلك البنية أي (التوصيف الرمزي لأحداث وشخوص علامات الظهور) فقد أهمل بعض الباحثين هذه الخصيصة، فمثلا في حديث الرواية عن السفياني: (السفياني عثمان بن عنبسة) والرواية (السفياني عثمان وابوه عنبسة) فإن ثمة قياس على شخصية تأريخية تشترك مع السفياني الملعون ببعض الصفات، فالرواية الأولى اطلقت على السفياني إسم عثمان بن عنبسة، وذلك الرجل شخصية تأريخية من أسلاف السفياني، والرواية الثانية فككت الإسم، من أجل تحليل اسم السفياني واسم ابيه كلٌ على حدة، بينما أهمل غالبية الباحثين تلكما الخصيصتين، واعتبر بعضهم اسم عثمان بن عنبسة هو الإسم الحقيقي للسفياني، والبعض الآخر عده اسماً رمزياً يشير الى صفات مجهولة، والرأي الأخير هو الأغرب، اذ ان نسبة المجهول الى روايات العلامات مساو لنسبة العبث الى اهل البيت صلوات الله عليهم، او نسبة القصور الى أولئك الباحثين وهو الأولى.

٤- التوفيق الإلهي:
التوفيق الإلهي هو العنصر الأساس الذي يحدد الباحث المتخصص، وذلك كون القضية عنوان البحث هي قضية متعلقة بالله تعالى خالق الخلق ومشرع الأديان، إذ أن هذه الخصيصة تتعلق بسنن الهية من جهة وبمسألة هدى الباحث من جهة أخرى، وكلا العلقتين مكملة للأخرى، فمن بين باحثي مجتمع الهدى ثمة باحثين تنطبق عليهم قوانين السنن الإلهية، وكمثال على ذلك: قوله تعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا. فسبل الله تعالى ونبيه وأهل بيته عليهم السلام لا تُنال الا بالجهاد فيه تعالى، فالباحث المتخصص ينبغي أن يكون من مجتمع الهدى، وينبغي أن يكون مجداً مجتهداً مجاهداً، وينبغي أن يكون ذو صفاء عقائدي على مستوى النظرية والتطبيق، وان يكون صاحب مشروع تمهيدي، وينبغي ان يحوز على كافة متطلبات تحصيل التوفيق الإلهي.

(٣) منهجية تحليل روايات العلامات:
ثمة مناهج متباينة يتبعها الباحثون في التعامل مع روايات علامات الظهور الشريف، بيد ان غالبية تلك المناهج كانت بعيدة عن الضوابط العلمية، رغم ان أولئك الباحثين غالبيتهم من أساتذة الحوزة العلمية، بالنتيجة كانت خارطة الأحداث لديهم ضبابية!

يتبع غالبية الباحثين منهجية تحليل الروايات كل على حدة وهو ما يسمى بالمنهج الحشوي، او العبثي او اللامنهجية في التحليل، اما البعض الآخر فيتبع منهجية المنظومة الروائية، والأخيرة هي المنهجية الأكثر رصانة وواقعية.

تتحدث منهجية المنظومة الروائية عن تضمين اهل البيت عليهم السلام لأخبار احداث وعلامات الظهور الشريف في مروياتهم على هيئة مقاطع شبيهة بلعبة البازل (لعبة تجميع الصور المقطعة) إذ عند تجميع مقاطع الصورة معاً وبالهيئة الصحيحة تتضح لنا الصورة جلية، وعند تطبيق هذه المنهجية على جميع علامات الظهور الشريف تستبين لنا خارطة أحداث الظهور الشريف الحقيقية، ويبدو لنا ان هذه المنهجية هي الاصح والأدق بل هي الكاشفة لعلامات الظهور والمحددة لأطر خارطة الاحداث العلاماتية.
أما خارطة الأحداث العلاماتية فالمقصود بها التشخيصات الحقيقية لأحداث وعلامات الظهور الشريف بحدود المكان والزمان، بل ويتعدى ذلك الى التشخيصات الحقيقية لشخوص الظهور الشريف، والأخيرة تصح قبيل الظهور الشريف وشروع تلك العلامات بالتحقق.

مناشئ اختلاف الباحثين في تحديد هوية السفياني:

كما أسلفنا فقد اختلف الباحثون في تشخيص هوية السفياني وكالآتي:
هل هو شخص أم فكر؟
هل هو ناصبي أم قومي؟
هل هو عدو أم صديق أم هو عدو وصديق في الوقت ذاته؟!

ذلك الاختلاف بين الباحثين يعود الى العوامل الثلاثة التي ذكرناها آنفاً، وأهما ما يتعلق بالباحث، والعلاقة علاقة اضطراد بين الباحث المهتدي الموفق الفطن المتخصص تخصصاً حقيقياً، وبين اقترابه من حقائق العلامات، وكذلك احاطة الباحث بخصائص روايات علامات الظهور، واتباعه لمنهجية صحيحة في البحث في تلك الروايات.

لسنا هنا في معرض التحقيق في مصداقية آراء الباحثين حول شخصية السفياني، ولكننا بصدد معرفة أسباب الاختلاف في تشخيص هوية السفياني، وعندما نعرض لبعض الأمثلة فإننا لا نريد بذلك ترجيح بعض الآراء على بعض ولا تقييم الباحثين بالضرورة.

لقد تأثر بعض الباحثين بالأحداث المرحلية ووقعوا ببعض الشبهات، فرأوا أن السفياني فكر لا شخص، وتجاهلوا كماً من القرائن الروائية التي تدل على أن السفياني شخص بعينه، لكن حتى لو تنزلنا جدلاً في الحديث عن كون السفياني جهة ما، فإنه لا بد من وجود شخص بعينه يقود تلك الجهة وهو السفياني.

كما ان بعضاً آخر من الباحثين من اثباتهم لكون السفياني رجل، فإنهم اختلفوا في فكر السفياني؛ هل هو ناصبي ام غير ناصبي؟ فقال اغلبهم: إنه ناصبي، اعتمادا على طبيعة التسمية وعلى مرتكزاتهم الذهنية، حيث ان السائد العرفي هو لصق تهمة الإرهاب والتكفير بالأموية تشبيهاً لهم بقتلة الامام الحسين صلوات الله عليه وذلك هو المرتكز في اذهان الكثير، غير ان بعض الباحثين ومن خلال تدقيقهم في بعض القرائن الروائية قالوا: إن السفياني ليس ناصبي ولا سني حتى. وكأنهم يشيرون الى كونه رجلاً قومياً أو علمانياً بصورة أعم، بل زادوا على ذلك بأن السفياني سوف يكون صديقاً للتشيع السياسي، وحليفاً استراتيجياً ضد العدو المشترك وهم النواصب، حتى يتمكن وتستتب له الأمور فينقلب على الشيعة.

اما بعض من الباحثين ومن منطلق المسؤولية المباشرة – كما هو حال الباحثين – في بعض مراكز الدراسات الحوزوية – اذ وقعوا في مصيدة التشدد ضد محاولات تغيير الأفكار الشائعة عن العلامات، والتي هي في غالبيتها أفكار سطحية حشوية قد عفى عليها الزمن، فحاربوا عن حسن نية كل من اتى بأفكار جديدة وعدوا بعضهم في جانب الدجالين والمدعين، وان كان في حقيقته مملوءً هدى وصلاح من اعلى رأسه حتى أخمص قدميه! فالسفياني لدى هؤلاء الباحثين إسلامي متطرف سلفي المذهب لا جدال فيه.

قال تعالى عز وجل: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير) أي ذلك الذي يجادل في امر الله عز وجل بلا علم رصين، ولا هدى مكين، ولا حقيقة منيرة واضحة.
وبعبارة أخرى أي ان ذلك الذي يجادل في الامر الالهي بلا عقل سليم ولا نقل صحيح، ولا هدى صريح، ولا توفيق إلهي، بل بمجرد الرأي والهوى.

ونلاحظ هنا الفصل بين العلم والهدى والكتاب المنير.
فالعلم لوحده لا يوصل الى الغاية بلا هدى، والعلم والهدى لا يصيبان الحقيقة بلا توفيق الهي أي الحقيقة الإلهية او الرفد الإلهي، فكل شيء من الله والى الله تعالى، فالهداية من الله تعالى والتوفيق الى الحقيقة لا يكون الا بإذن الله عز وجل، والاذن الالهي هو سنخ مشيئته الحكيمة، فهو لا يشاء الا لحكمة، والطافه النازلة لا تكون الا لاستحقاق، وما بين المشيئة الحكيمة والاستحقاق الايماني ينزل التوفيق الإلهي والهداية الى سبل الله العليا، ومثالها في المقام هو التمهيد لظهور الامام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف.

نظرية الدومينو ووهم الدولة العظمى (٤)

المحاضرة الرابعة:

السعودية الكبرى:

في مقابل تركيا فإن نظرية الدومينو القت بظلالها على المملكة العربية السعودية، حيث ان تلك الصرعة السياسية التي عملت بها كل من روسيا والصين، وتسعى تركيا لتقليدها، فإن السعودية ووفقاً لما تم عقده من اتفاقيات اقتصادية بين المملكة وروسيا ظاهرها اتفاقية (أوبك +) وباطنها تحييد ثاني اهم حليف غربي استراتيجي في المنطقة بعد تركيا وهي المملكة السعودية، بما تمتلكه المملكة من جغرافيا سياسية ووفرة نفطية في الإنتاج باتت من خلالها تملك زمام التحكم بأسعار النفط العالمية، وبالتالي التأثير على الاقتصاد العالمي.

نجحت نظرية الدومينو الروسية التي حيدت تركيا، في توجيه المملكة السعودية اخيراً نحو الاستقلال عن الهيمنة الغربية والابتزاز الأمريكي المتواصل، والسعي لتقليد روسيا والصين دولياً وتركيا وايران اقليمياً على الصعيد السياسي والاقتصادي، وفي ان تكون المملكة مستقلة وتراعي شؤونها الداخلية ومصالحها القومية تحت الشعار الذي رفعته الجمهورية الإسلامية اولاً، ومن ثم بدأنا اليوم نرى مفاعيله (لا شرقية ولا غربية) والذي لولا التصدي الغربي لإيران لكان هذا الشعار قد انتشر وفق نظرية الدومينو منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية، بيد ان هذا الشعار لم يتبلور على ارض الواقع الا مؤخراً.

من الناحية الاقتصادية ووفقاً لنظرية الدومينو، فإن السعودية ترمي الى التعامل بعملتها المحلية وبالمقابل بالعملات المحلية للدول التي لديها معها تبادل تجاري كالصين وروسيا وغيرها، بالإضافة الى جزء من عائدات النفط السعودي المصدّر.

كذلك تسعى المملكة السعودية الى إقامة دولة كبرى في المنطقة تنافس كل من تركيا وإيران، اذ ربما تنتشر دومينو قضم الدول المجاورة كما فعلت روسيا مع أوكرانيا، الى دول مثل تركيا والسعودية فتقوم تركيا مثلا باحتلال اجزاء من سوريا والعراق وأرمينيا، وكذلك قد تعمد المملكة السعودية الى ضم عدة دول ومناطق الى نفوذها (عسكرياً او سياسياً) منها المنطقة الجنوبية من اليمن ودولة البحرين التي هي أساسا شبه محتلة من قبل قوات درع الجزيرة السعودية، وكذلك دولة قطر وربما الكويت وعُمان والامارات (والعراق) ايضاً!

ربما تجري توافقات واتفاقيات بين السعودية وتركيا على التخلي عن تلك الدول والمناطق لصالح السعودية، في مقابل فرض هيمنة الاتراك على أجزاء من أرمينيا وسوريا وشمال العراق، وإعطاء إقليم كرباغ للاذريين، وفي مقابل ذلك ستكون كافة مناطق سوريا من حصة العلويين.
وعلى اقل تقدير فيما لو تتمكن الدول الكبرى الإقليمية من قضم تلك الدول والمناطق، فإنها سوف تخضع حكومات بعض تلك الدول لهيمنتها قدر الإمكان، او السعي لجعلها كذلك، ضمن ديناميكية توازنات القوى والمصالح الإقليمية.

خاتمة:

وفق هذه التقسيمات المفترضة قد ينتهي قرن حدود سايكس بيكو ويحل محله عالم جديد يتضمن تقسيمات إدارية وحدود جديدة لدول الشرق الأوسط، هذه التغيرات لابد انها سوف تلاقي ممانعة شديدة من قبل الغرب وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، أو أنهم سيحاولون التأقلم مع الوضع الدولي الجديد والتخطيط للإستفادة منه لأجل الحفاظ على مصالحهم وضمان نفوذهم في المنطقة والحد من التوسع الروسي والصيني عالمياً.

ان هذه التفاعلات والتطورات في السياسة العالمية سوف تؤدي الى توترات امنية ما بين روسيا واوربا والولايات المتحدة، بالنتيجة سوف يُستخدم السلاح النووي إذا ما اندلعت حرب عالمية سواء من قبل روسيا، باعتبار ان البعض يرى ان روسيا ستكون هي الطرف الأضعف، وعلى أساس ان نظرية استخدام السلاح النووي تقول بأن سلاح الردع النووي يستخدم عند الخوف فقط. أي الخوف من الخسارة في الحرب التكتيكية، بيد ان الولايات المتحدة قد تكون هي الطرف الأضعف في ذلك الصراع، إذا ما تطورت الاحداث بالصورة التي رسمناها في تحليلنا لمستقبل الاحداث السياسية والأمنية العالمية المتوقعة.

من خلال ما توحي به نظرية الدومينو (دومينو الدول الكبرى الاقليمية) وسعي تركيا والسعودية وسوريا القومية الى الاستقلالية وانشاء دول عظمى يمكن تسميتها حالياً اقطاباً إقليمية، ذلك الحلم لاريب انه سوف يوئد على يد القوى العظمى انفسها والتي سوف ينتهي صراعها الى واقع الصدام النووي (الحرب العالمية الثالثة والسابقة للظهور الشريف) وضعف بعض القوى الإقليمية (تركيا الكبرى والسعودية الكبرى وسوريا القومية الكبرى) لصالح القوى الكبرى الحقيقية والتي أنشأت خلال العقود المنصرمة ثورة وعقيدة ودولة حقيقية تمتلك كافة مقومات الدول المرشحة لأن تكون قوى كبرى ومنافسة دولياً، ناهيك عن هيمنتها الإقليمية، الا وهي الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

نظرية الدومينو ووهم الدولة العظمى (٣)

المحاضرة الثالثة:

دومينو استقلال الدول الكبرى الإقليمية:

تركيا ووهم الدولة العظمى.

ان الصراعات العالمية الأخيرة، سيما الحرب الروسية للسيطرة على أوكرانيا، ايقظت لدى بعض الدول التي تمتلك ثروة اقتصادية وموقعاً جيواستراتيجياً هاجس الاستقلال عن تبعية الغرب والسعي لتقليد روسيا والصين، وإقامة الدولة الكبرى الاقليمية التي قد يتسنى لها مستقبلاً ان تصبح دولة عظمى منافسة لتلك الأقطاب الثلاث (الولايات المتحدة، روسيا، الصين) سيما ان تلك الدول الكبرى الإقليمية تمتلك تاريخاً امبراطورياً عريقاً كتركيا والمملكة السعودية والجمهورية الإسلامية وسوريا، اذ يتطلع العالم اليوم على أثر المتغيرات الأخيرة نحو تغيير جذري يلوح في الآفاق لرسم ملامح عالم جديد.

الدولة التركية هي في مقدمة تلك الدول التي ترنو الى تحقيق حلم الاستقلال عن التبعية للغرب وإقامة دولة عظمى، حيث كانت غاية أحلام الاتراك في يوم ما ومنذ سقوط الإمبراطورية العثمانية، هو الانضمام الى الاتحاد الأوربي، والذي بات حلماً بعيد المنال لدولة غالبية سكانها من المسلمين، إذ ان الاوربيين لا يمكنهم بأي حال من الأحوال ان يتناسوا وان يوصدوا بوابة التاريخ ويغضوا البصر عن قرون من الصراعات الاوربية مع الدول الإسلامية التاريخية، لاسيما تلك الدول التي انشأها الاتراك على انقاض الإمبراطوريات والدول الصليبية، وآخرها ستة قرون دامية في صراعات الاوربيين مع الإمبراطورية العثمانية.

بدى من خلال الصراع الدولي ما بين روسيا والولايات المتحدة عقب احتلال العراق عام ٢٠٠٣ من قبل التحالف الدولي الغربي وعلى اثر احداث دومينو (الربيع العربي) وتهديد مصالح الروس ونفوذهم في العراق وليبيا وسوريا؛ انه قد دُق ناقوس الخطر لدى الروس، مما حدى بهم للتوجه نحو تطوير صناعاتهم العسكرية، وكان ذلك هو السبيل الوحيد لديهم والذي يستطيعون من خلاله موازنة كفة المعادلات السياسية المتعلقة بالنفوذ والمصالح الروسية في العالم مع الولايات المتحدة والغرب، وبالرغم من امتلاك روسيا امتياز السلاح النووي، بيد ان التفوق التكتيكي في مجال الأسلحة التقليدية هو الأساس في توجيه دفة الصراع السياسي، فالصراع على القطبية العالمية أساسه السياسة لا الحروب العسكرية، والأخيرة هي مجرد أداة تكتيكية تستخدم لحسم القضايا السياسية الجزئية المتعلقة، كمثال الحرب ضد الإرهاب في سوريا والتي اتخذت كذريعة من قبل الامريكان والروس لغرض فرض النفوذ وتحقيق المصالح، وخلق حالة من الديناميكية السياسية في المنطقة تصلح لأن تكون أرضية خصبة لمشاريع إقليمية مستقبلية لصالح الأقطاب الدولية المتنافسة وحلفائهم.

ان تلك الديناميكية السياسية تبين فيما بعد انها لا تخدم الطرف الدولي الذي يهدف الى المناورة من اجل إيجاد هيكلية لرسم خارطة جديدة للمنطقة تحت مسمى (الشرق الأوسط الجديد) بالشكل الذي يجعلها تعود الى دائرة التبعية للغرب، وذلك الطرف هو الولايات المتحدة بالطبع، أما الطرف الثاني وهو روسيا بزعامة بوتين، فإنه يسعى الى تغيير شكل ونمط خارطة العالم برمته، ليصبح عالماً متعدد القطبية وبذلك يتم كبح جماح حلم الامبريالية الامريكية والذي اريد له بطبيعة الحال ان يتحقق على حساب النفوذ والمصالح الروسية، كما حصل في العراق وليبيا وتم التصدي له في سوريا.

في الجانب الاقتصادي يعول الروس بمعية الصين ودول أخرى على إيجاد وانتشار نموذج دومينو (التعامل الاقتصادي بالعملات المحلية) بغية التصدي لهيمنة الثالوث النقدي (الدولار واليورو والجنيه الإسترليني) في مقابل صعود ثالوث جديد منافس وهو (الروبل واليوان وربما (خليج)) وخليج هو عملة خليجية موحدة لدول الخليج العربية، وبالطبع تعول روسيا في انجاز المشروع النقدي العالمي الجديد على أمرين:

الأمر الأول: هو المضاربة بالغاز والنفط الروسي المصدّران الى الدول الاوربية.
الأمر الثاني: هو تعطيل أكبر اقتصاد اوربي يمد اوربا والعالم ببعض احتياجاته الأساسية (أوكرانيا) لذلك وبمعية الأسباب السياسية والأمنية الأخرى عمدت روسيا الى احتلال أوكرانيا.

بالعودة الى السياسة ونظرية الدومينو (الموضة السياسية) وما تخفي خلفها من تفاهمات واتفاقات جرت بين روسيا وتركيا بعد حادثة اسقاط الاتراك للطائرة الحربية الروسية سوخوي ٢٤ في شهر نوفمبر من عام ٢٠١٥، والتي على أثرها سعت تركيا لاتخاذ جانب الحياد ما بين الولايات المتحدة وحلفائها الاوربيين وبين روسيا، الى درجة انها جمعت بين المتناقضات! حيث عقدت صفقة مع الروس لتجهيز الجيش التركي بسلاح الدفاع الجوي الروسي الاستراتيجي (أس ٤٠٠) والذي صنع اساساً لردع طائرات الشبح الأمريكية الحديثة (F35) في الوقت الذي كان فيه الاتراك يرومون حيازة ذلك النوع المتطور من الطائرات الأمريكية، والتي تُصنع أجزاءً منها اساساً في تركيا!

في الجانب الاقتصادي تجلت سياسة الحياد التركي من خلال انشاء مشرع السيل التركي لنقل الغاز الروسي الى اوربا، حيث انه وعقب الازمة التي اندلعت بين موسكو وكييف عام ٢٠١٤ على أثر الانقلاب الناعم على الحكومة الأوكرانية الموالية لروسيا واستبدالها بحكومة تابعة للغرب، وقيام روسيا بضم جزيرة القرم اليها، حيث كانت قرابة ٨٠٪؜ من صادرات النفط والغاز الروسي الى اوربا تمر من خلال الأراضي الأوكرانية.

قبل ذلك وفي عام ٢٠١١ بالتحديد، ابرمت روسيا مع المانيا اتفاقية مد خط أنابيب بحري “نورث ستريم” يمر عبر بحر الشمال ويسمح بتوريد 55 مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنوياً إلى ألمانيا مباشرة، لتقل بذلك نسبة الغاز الروسي الذي يمر عبر الأراضي الأوكرانية إلى نحو 48%، وكأن روسيا كانت تخطط منذ ذلك الزمن الى احتلال أوكرانيا فيما لو نجح دومينو قلب أنظمة الحكم الموالية لروسيا من قبل الامريكان في الوصول الى أوكرانيا، والذي تحقق بالفعل بعد ثلاثة أعوام فقط، أي عام ٢٠١٤.
بعد ذلك اقنعت روسيا بلغاريا بمشروع مد خط انابيب (ساوث ستريم) لنقل الغاز الروسي الى الدول الأوربية عبر الأراضي البلغارية، الا ان تدخلات الاتحاد الأوربي وضغوط الولايات المتحدة حالت دون إتمام هذا المشروع خشية توسع النفوذ الروسي!
بعدها توجه الرئيس الروسي بوتين نحو تركيا في حزيران من عام ٢٠١٤ معلناً انتفاء مشروع (ساوث ستريم) نهائياً وتم عقد اتفاق انشاء خط السيل التركي والذي تم تدشينه فعلياً مطلع عام ٢٠٢٠، حيث يتألف هذا المشروع من خطي انابيب بقدرة نقل تتجاوز ٣٠ مليار متر مكعب سنوياً!

كذلك تسعى تركيا الى المشاركة الفاعلة في انجاز القسم الخاص بتركيا من مشروع طريق الحرير الاستراتيجي الرابط ما بين الصين واوربا، في الوقت الذي تعمل فيه تركيا جاهدة على ان لا تضر بعلاقتها مع الغرب ولا سيما الولايات المتحدة، من خلال استمرار تركيا بعضويتها في حلف الناتو واحتضانها لاكبر قاعدة عسكرية للحلف في المنطقة، والتي تشكل تهديداً لا يستهان به لروسيا ومصالحها، وتعزيزاً لنفوذ الناتو في المنطقة الاوروأسيوية.

يبدو لنا جلياً ان تركيا تسعى الى اغتنام الفرصة التاريخية للاستفادة من صراع الثالوث العالمي (الولايات المتحدة، روسيا، الصين) بغية تقليد روسيا والصين وفق نظرية الدومينو وإقامة دولة تركية كبرى، على هيئة اتحاد للدول الناطقة باللغة التركية، او حتى في حدود دولة تركيا بما تمتلكه من مقدرات.

ان سعي روسيا الى إعادة امجاد الاتحاد السوفيتي، وكذلك سعي الصين نحو تسنم موقعها العالمي المتناسب مع مقدراتها العسكرية والاقتصادية والديموغرافية والجيوسياسية، فإن دول مثل تركيا لاريب انها سوف تسعى لتقليد تلكما الدولتين ضمن اطار ظاهرة الدومينو، في محاولة منها الى إعادة امجاد الدولة العثمانية، وكذلك السعودية التي قد تسعى الى الهيمنة على العالم العربي والإسلامي تحت خيمة الوصاية الإسلامية، ومثلهما سوريا الأسد التي قد تسعى الى تحقيق الحلم القومي بتوحيد دول ومناطق الهلال الخصيب وانشاء سوريا الكبرى التي كانت في يوم ما تمثل حدود الدولة الاموية والتي عاصمتها الشام.

نظرية الدومينو ووهم الدولة العظمى (٢)

المحاضرة الثانية:

الدومينو المضادة (الامريكية)

كانت التدخلات الامريكية قد أدت الى افشال العديد من الحملات الشيوعية في جنوب شرق آسيا، اندنوسيا والفلبين وماليزيا…الخ.

بعد ان دعمت الولايات المتحدة دولاً مثل سنغافورة وماليزيا وغيرها من دول (الهندو الصينية) اقتصادياً، من خلال امدادها بالمصانع العملاقة والتقنيات الصناعية الحديثة مما حولها الى دول ذات طابع اقتصادي استراتيجي وحيوي على المستوى الإقليمي وحتى الدولي، بيد ان الولايات المتحدة التفتت بعد ذلك سيما بعد تمكنها من كبح جماح الشيوعية في هذه الدول، الى ان استمرار دعم دول الهند الصينية قد يجعل منها دولا صناعية موازية ومنافسة للغرب.

ذلك ما حدى برئيس وزراء سنغافورة آنذاك، في لقائه مع الرئيس الأمريكي فورد وثعلب السياسة الأمريكي هنري كسنجر عام ١٩٧٥ اذ قال لهما:
(ان رغبة الكونغرس الأمريكي بإيقاف تصدير التقنيات الى اندنوسيا والحد من التحول من العمالة البسيطة الى العمالة الماهرة الأكثر تعقيداً، سيؤدي ذلك الى ضرر كبير لا يمكن تداركه وقد يستغله المد الشيوعي للعودة من جديد، اذ ان التوطيد والتوطين للنمو الاقتصادي لهذه الدول سيكون جداراً مانعاً لتأثير الدومينو الشيوعي)

وبالفعل حصل ذلك، وتم إيجاد دومينو مضاد للدومينو الشيوعي، استفادت منه دولٌ مثل سنغافورة وماليزيا واندنوسيا وتايلاند لتصبح دولاً صناعية متطورة في فترة زمنية تعتبر فلتة من فلتات التأريخ.

هذا ويعتقد المؤيدون لنظرية الدومينو أن الجهود خلال فترة الاحتواء (أي نظرية الدومينو) أدت في النهاية إلى زوال الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة فيما بعد.

عزى نعوم تشومسكي دومينو الشيوعية الى الإصلاحات الاقتصادية التي قامت بها الحركات الشيوعية والاشتراكية في البلدان الفقيرة التي حكمتها.

عولمة ظاهرة الدومينو وتحولها الى موضة سياسية:

ان نظرية الدومينو أصبحت ظاهرة عالمية لا تختص بتلك الفترة وانما هي اصبحت صالحة للانطباق والتحقق في كل زمان ومكان، وذلك ضمن إطار مسيرة المجتمعات البشرية سواء باتجاه التحرر والاستقلالية أو باتجاه الاستعباد والامبريالية، ما لم تجد قوة فعلية رادعة لمفاعيلها، أو مجرد تغيير اتجاهها بإحداث دومينو مضادة.
ويمكن وصف (نظريو الدومينو) بأنها (موضة سياسية) وهذه الموضة في زماننا الحالي هي بصدد تغيير شكل العالم ورسم هيئة عالم جديد سمته التوسع للاقوى على حساب الأضعف، وفي ذات الوقت سعي الدول التي تمتلك مقومات الاستقلالية نحو التحرر من هيمنة النفوذ الاستعماري بكافة اشكاله.

بالنتيجة فإن ان نظرية الدومينو تعتمد على إقامة نموذج سياسي او اقتصادي جديد، وسعي بقية البلدان التي تمتلك ذات المقومات او اعلى مستوى منها الى تقليد ذلك النموذج، تماماً كما يتم تقليد الموضات الشائعة!
بمعنى اخر ان أي مشروع سياسي تقوم به حركة تغييرية في مرحلة ما ويكتب له النجاح، فإن ذلك النموذج سيكون قابل للانتشار والتقليد في بلدان أخرى.

ان الأمر اشبه بصرعات الفن وموضة الملابس وقصات الشعر لدى مشاهير الفن، وكذلك الأجهزة الكهربائية والالكترونية الاحدث والسيارات ذات الدفع الرباعي وغيرها من الأمثلة الكثير، وحتى في مجالات أخرى تنافسية لدى الشركات والأسواق، وفي التجارة والصناعة وغيرها، وحتى في مجال الدعاية والاعلام وسواها.
بيد ان ثمة فارق بسيط ما بين اقتناء هذه الأشياء الشخصية او التنافس التجاري وبين القيام بثورة تغييرية مثلاً، فإنه بالإضافة الى الموضة فإن ذلك النموذج السياسي الجديد سوف يمثل طموح ورغبة تلك الشعوب والحكومات الساعية الى التغيير وإيجاد أنظمة جديدة تحسن من أوضاعها السياسية والاقتصادية وتخرجها من واقع الركود الى واقع التغيير، سيما ان كانت المؤشرات العامة تدل على ان الواقع الجديد سيكون هو الأفضل، وهو الشائع، وهو ما سوف يرسم معالم خارطة العالم الجديد.

ظاهرة الدومينو ومعالم خارطة العالم الجديد:

في العقد المنصرم شهدنا التظاهرات الشعبية المسماة بالربيع العربي، حيث انطلقت شرارتها في تونس ونجح الشعب التونسي باسقاط حكومة بن علي، بعد ذلك وجدنا تردد أصداء هذه الحركة الشعبية في بلدان عربية متعددة كمصر وليبيا والجزائر والسودان، وقد حققت تلك الشعوب ذات النتائج باسقاط حكومات بلدانها واستبدالها بالنظام الديمقراطي، وكل ذلك جرى تحت مظلة نظرية الدومينو، أي دومينو التظاهرات الشعبية العربية لاسقاط أنظمتها الديكتاتورية، واستبدالها بالنظام الديمقراطي.

ان النظام الديمقراطي يعد بحد ذاته مصداقا من مصاديق نظرية الدومينو التي كان نموذجها عراق ما بعد ٢٠٠٣، اما دول مثل سوريا والعراق فلم تتمكن دومينو التظاهرات الشعبية من اسقاط العملية السياسية فيهما، وذلك بسبب انتشار دومينو مقابلة ومضادة مقاومة وممانعة تمثلت بالمقاومة الإسلامية المدعومة من الجمهورية الإسلامية والقطبين العالميين الصاعدين روسيا والصين.

على صعيد السياسة الاستراتيجية نجد ان موضة القطبية العالمية التي كانت مقتصرة على القطبية الأحادية للولايات المتحدة، اخذت تنتشر لدى دول وجدت ان بإمكانها ان تنافس الولايات المتحدة وتمارس تلك القطبية، كروسيا والصين، حيث اتبعت كل من روسيا والصين مناهجاً وسبلاً سياسية واقتصادية استراتيجية في اطار نظرية توازنات القوى والمصالح للاقطاب الدولية، فطورت من إمكاناتها التسليحية والاقتصادية، اذ قامت روسيا بصناعة أسلحة متطورة كالطائرات من الجيل الخامس والصواريخ الجوفضائية والفرط صوتية ومنظومات الدفاع الجوي أس ٤٠٠ وأس ٥٠٠ ومنظومات الرادارات الحديثة ومنظومات التشويش الالكترونية وغيرها، واتخاذ روسيا إجراءات سياسية – امنية – اقتصادية آخرها العملية العسكرية ضد أوكرانيا، وكذلك قامت الصين بتطوير إمكاناتها العسكرية، بالإضافة الى التقدم الاقتصادي الهائل للصين، كل ذلك كان له الأثر الموضوعي في ان تتقدم كلاً من روسيا والصين بخطى حثيثة نحو القطبية العالمية.

نظرية الدومينو ووهم الدولة العظمى (١)

المحاضرة الأولى:

نظرية الدومينو هي نظرية جيوسياسية برزت في الولايات المتحدة منذ خمسينيات القرن العشرين، خلال الحرب الباردة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وتحديداً في الحرب الفيتنامية.

وافترضت هذه النظرية أنه إذا وقعت دولة واحدة في منطقة ما تحت تأثير الشيوعية، فإن الدول المجاورة ستقع مثلها وفقًا لتأثير الدومينو.
كما استخدمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة نظرية الدومينو خلال الحرب الباردة لتبرير الحاجة إلى التدخل الأمريكي حول العالم.

بعبارة أخرى تقول نظرية الدومينو: إذا تشابهت الدول في نظام الحكم، فإن أي تغيير في نظام إحدى الدول سيؤدي إلى تغييرات متتالية في بقية الأنظمة.

هذا وقد ترجمتها السياسة الأمريكية على الشكل التالي:
إذا سقطت فيتنام في أيدي الشيوعيين، فهذا سيؤدي إلى سقوط الأنظمة الأخرى في الهند الصينية في أيدي الشيوعيين أيضاً.
قال الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور معبراً عن نظرية الدومينو في مؤتمر صحفي له عقده في 7أبريل عام 1954:

«انظر لأحجار الدومينو واطرق واحداً منها، وانظر ماذا سيحدث لآخر حجر دومينو بالتأكيد سيسقط بسرعة أكبر، ومن هنا يمكن أن يتفكك النفوذ الشيوعي في الهند الصينية إذا أنقذنا فيتنام الجنوبية من الغزو الشيوعي، وإلا فإن تركنا فيتنام للسيطرة الشيوعية فإن ذلك سيؤدي إلى انتصارات شيوعية مماثلة في الدول المجاورة في جنوب شرق آسيا (بما في ذلك لاووس وكمبوديا وتايلاند) وغيرها كـ (الهند، اليابان، الفليبين، إندونيسيا، وحتى أستراليا ونيوزيلندا) فالعواقب المحتملة لفقدان الهند الصينية لا تحصى بالنسبة للعالم الحر»

الرد الأمريكي على الدومينو الشيوعية في الهند الصينية:

اخذت هذه النظرية حيزها في أفكار ومقررات القيادات الامريكية السياسية والعسكرية آنذاك، بغية احتواء الوضع في شرق وجنوب شرق آسيا اذ انتشرت الشيوعية هناك وكادت ان تسيطر على المنطقة وتخل بتوازنات القوى والمصالح الدولية لولا تدخل الامريكان، وقيامهم بقلب نظرية الدومينو لصالحهم، بعد ان أفشلوا محاولات انتشار الشيوعية في بعض تلك الدول وحولوها الى دول حليفة للغرب.

لاحظ الامريكان انتشار الحكم الشيوعي في ثلاث دول في جنوب شرق آسيا في عام 1975، وهي ما تسمى بدول الهند الصينية وذلك بعد الاستيلاء الشيوعي على بعض منها وهي:
فيتنام: جنوب فيتنام (من قبل فيت كونغ)
لاوس (من قبل الباثيت لاو)
وكمبوديا (من قبل الخمير الحمر)

لذلك عمدت الولايات المتحدة على التصدي لايقاف هذه الحالة التي أخذت تنشر من خلالها الشيوعية كالنار في الهشيم!

الهند الصينية هي الجزء القاري من جنوب شرق آسيا ويقع شرق الهند وجنوب الصين، يحده المحيط الهندي من الغرب والمحيط الهادئ من الشرق.

الهند الصينية أو شبه الجزيرة الهندية الصينية (بالفرنسية: Indochine) هي شبه جزيرة في جنوب شرق آسيا، تقع في منطقة قريبة قليلاً من شرق الهند، وجنوب الصين، وهي متأثّرة بكلا الثقافتين، ومن ذلك جاء الاسم، وبشكل محدّد فيتنام وميانمار لهما تأثير صيني، وكمبوديا ولاوس وتايلاند لهم تأثير هندي.

الاسم ذو جذور فرنسية وهو مزيج من اسم الهند والصين للإشارة إلى الأراضي التي تقع بين هذين البلدين على الرغم من أن غالبية السكان في المنطقة ليسوا صينيين ولا هنود كان يطلق الفرنسيون على هذه المنطقة اسم (Indochine) عندما كان المستعمرون الفرنسيون يحتلون فيتنام متجهين لتوسيع أراضيهم إلى البلدان المجاورة ويستخدم هذا المصطلح أيضا في الجغرافيا.
واليوم وكما هو واضح فان معظم هذه البلدان أصبحت تحت تأثير الثقافة الغربية التي بدأت خلال الاستعمار الغربي لبلدان في جنوب شرق آسيا، وبتأثير الدومينو الغربية.

كانت المصالح الامريكية في تلك المنطقة على المحك عام ١٩٤٧ (بعد الحرب العالمية) حيث خشي الامريكان من سقوط الصين بيد ستالين، فيكون ذلك بداية لسقوط آسيا برمتها بما في ذلك اليابان بيد الشيوعية.

بعد ذلك كان صراع الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي سيما بعد تطوير الاتحاد السوفيتي للسلاح النووي عام ١٩٤٩ وسيطرته على معظم بلدان اوربا الشرقية، وذلك على أثر التسوية التي جرت عقب الحرب العالمية الثانية، فكان ذلك الامر مدعاة للقلق الغربي من المستقبل المجهول!

الخطوة الأولى للرد الأمريكي على الشيوعية:

كان الصراع الذي دار بين فيتنام الشمالية الشيوعية ضد الاستعمار والحكم الفرنسي في فيتنام الجنوبية، أدى الى تدخل الرئيس الامريكي هاري ترومان بابداء المساعدات العسكرية والمالية للفرنسيين، وكانت تلك المساعدات وفق مبدأ كبح جماح نظرية الدومينو خشية من انتشار الشيوعية في كافة ارجاء جنوب آسيا، وكذلك جرى ارسال مساعدات أمريكية الى كل من اليونان وتركيا للمساعدة في احتواء الشيوعية في اوربا والشرق الأوسط.

الخطوة الثانية كبح جماح نظرية الدومينو واستخدام الدومينو المضادة:

(بحلول عام 1950م، كان صُنَّاع السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية قد تبنوا بشدّة فكرة أنَّ سقوط الهند الصينية بيد الشيوعية من شأنه أن يؤدي بسرعة إلى انهيار دول أخرى في جنوب شرق آسيا، ليدرج مجلس الأمن القومي الامريكي نظرية الدومينو في تقريره عن الهند الصينية في عام 1952م)

على ذات السياق وعلى أثر المعارك التي جرت بين الفيتناميتين صرح الرئيس الأمريكي ايزنهاور مشيراً الى نظرية الدومينو عام ١٩٥٤ بقوله:

(انظر لأحجار الدومينو واطرق واحداً منها، وانظر ماذا سيحدث لآخر حجر دومينو، بالتأكيد سيسقط بسرعة أكبر، ومن هنا يمكن أن يتفكك النفوذ الشيوعي في الهند الصينية إذا أنقذنا فيتنام الجنوبية من الغزو الشيوعي، وإلا فإن تركنا فيتنام للسيطرة الشيوعية فإن ذلك سيؤدي إلى انتصارات شيوعية مماثلة في الدول المجاورة في جنوب شرق آسيا (بما في ذلك لاووس وكمبوديا وتايلاند) وغيرها كـ (الهند، اليابان، الفليبين، إندونيسيا، وحتى أستراليا ونيوزيلندا) فالعواقب المحتملة لفقدان الهند الصينية لا تحصى بالنسبة للعالم الحر)

بعد ذلك شاع استخدام نظرية الدومينو، واخذت الولايات المتحدة بالعمل بعدة أساليب ومناهج للحد من انتشار الشيوعية:
1- الاحلاف.
2- دعم بعض الدول اقتصادياً كماليزيا وسنغافورة وغيرها لتكوين نماذج مضاد للشيوعية ينتشر من خلالها الولاء للغرب عن طريق نظرية الدومينو.

هكذا واصلت الولايات المتحدة مسيرتها الامبريالية بحجة احتواء الشيوعية وتحجيمها، حيث اعتبر جون كيندي في فترة الستينات وعلى غرار اسلافه:
ان سقوط فيتنام الجنوبية سيؤدي الى سقوط دول أخرى بيد الشيوعية.
وهكذا فعل الرئيس الأمريكي جونسون الذي خلف كيندي بعد اغتياله، حيث برر تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في فيتنام الجنوبية من بضعة الاف الى عشرات الالاف على مدى عدة سنوات، اعتماداً على نظرية الدومينو.

بعد ذلك لم تفلح جميع المحاولات الامريكية، وسقطت فيتنام الجنوبية بيد الشيوعية وتوحدت فيتنام، وسقطت كل من لاوس وكمبوديا بيد الشيوعية، وذلك على أثر الدعم الصيني والسوفيتي للجيش الفيتنامي الشمالي، بيد ان الامدادات الشيوعية في اندنوسيا أبان الحرب الاهلية التي اندلعت عام ١٩٥٨ لم تستطع ان تصمد بوجه فرق الموت المدعومة من (CIA) والتي قامت باعمال إبادة جماعية لأنصار الحزب الشيوعي الاندنوسي!

بعد ذلك وجدنا حصول معارك بين فيتنام وكمبوديا وبين فيتنام والصين، وهذه المعارك تتعلق بأمور أخرى، وكون تلك الأطراف جميعها شيوعية، فذلك لا يخل بنظرية الدومينو.

نظرية توازنات القوى والمصالح (١١)

سلسلة محاضرات السياسة الاستراتيجية

المحاضرة الحادية عشر:

ثانياً: إستراتيجيات التوازن:

1- الإستراتيجية غير المباشرة.
2- الإستراتيجية النووية.
3- الإستراتيجية البحرية.
4- إستراتيجية الحرب الجوية.
5- إستراتيجية الانتقام الشامل.
6- إستراتيجية الاستجابة المرنة.
7- إستراتيجية التدمير المؤكد.

  1. الإستراتيجية غير المباشرة:

أ‌. تعني تفادي الدخول في مواجهات مع العدو، انتظاراً لظروف أكثر ملاءمة من حيث تحقيق التفوق، ليسهل تدميره.

ومن ثَم تعمل الدولة، التي تتبع هذه الإستراتيجية، على دفع الخصم إلى معارك جانبية، لاستنزاف موارده وإضعاف إمكانياته في المواجهة الرئيسية المرتقبة.

ب‌. ويعتنق الشيوعيون هذه الإستراتيجية أكثر من غيرهم، فهي في جذورهم منذ الثورة البلشفية ويتبعون في ذلك أساليب تكتيكية، منها تفجير صراعات محدودة في أماكن متشعبة، وحرب العصابات، والدعم بالأسلحة لبعض أطراف الصراع، وأسلوب المتطوعين.

ج. تُعَدّ هذه الإستراتيجية مناسبة للحركات العسكرية أو الثورية في إدارة الصراعات الدولية في ظروف عدم تكافؤ دولة ما مع خصومها.

  1. الإستراتيجية البحرية:

أ‌. ان الهدف الرئيسي من هذه الإستراتيجية هو ضمان استخدام البحار لتنفيذ أهداف الدولة وحرمان الخصم في الوقت نفسه من هذا الاستخدام”.

ب‌. تهدف هذه الإستراتيجية إلى استخدام القوة البحرية كأداة للردع ولدعم القوات المتحاربة وحماية المصالح الاقتصادية للدولة.

ج‌. تتنوع أدوات هذه الإستراتيجية لتشمل:
الحرب البرمائية.
والحرب تحت الأعماق.
والحرب البحرية المكشوفة.
والحرب الجوبحرية.

  1. إستراتيجية الحرب الجوية:

أ‌. هي حرب تكون بها الإمكانيات الهجومية أكثر من الإمكانيات الدفاعية.

وتُعَدّ الخصائص الجيواستراتيجية للدولة من العوامل العامة المؤثرة على فرص إدارة إستراتيجية حرب جوية ناجحة، حيث تصبح الدولة في مأمن من مهاجمتها جوياً، كلما اتسع مسرحها، وأمكنها إحكام المراقبة للمسرح الجوي.

ب‌. تتأثر الدولة أيضاً وتؤثر في إستراتيجية الحرب الجوية بمدى تعاظم وسائل الدفاع الجوي تقنياً.
وكذلك ابتعاد الأهداف الحيوية في الدولة عن مناطق الحدود الملاصقة للخصم، ويشترط أيضاً انتشارها.

ج. يلعب الإخفاء دوراً مهماً في إستراتيجية الحرب الجوية، من حيث التأثير سلباً على تحقيق المهام، إذا ما أحكم إخفاء الأهداف المهمة.

  1. الإستراتيجية النووية:
    تعنى هذه الاستراتيجية بالصراعات القائمة.

أ. ظهرت الإستراتيجية النووية، نتيجة امتلاك القوى الكبرى في المجتمع الدولي للأسلحة النووية أو أسلحة التدمير الشامل، وتستمد هذه الإستراتيجية مقوماتها من تحقيق التدمير من الضربة الأولى، ثم حدوث تغير نتيجة التطور إلى تحقيق التدمير المؤكد من الضربة الثانية.

أ‌. نتيجة اتساع الفجوة بين الإمكانيات النووية للقوى العظمى في المجتمع الدولي، أدى إلى صعوبة متناهية لاحتمال استخدام الأسلحة النووية في الوصول إلى حلول للصراعات القائمة.

  1. إستراتيجية الانتقام الشامل:
    تعنى هذه الاستراتيجية بالتهديد الوقائي.

أ. وهي إستراتيجية وضعها جون فوستر دالاس وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية في بداية الخمسينيات، وعَدّها تصحيحاً لكل الأخطاء التي حدثت نتيجة تطبيق سياسات سابقة ضد الاتحاد السوفيتي، عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية.

ب. ارتكزت هذه الإستراتيجية على أساس تبني الانتقام النووي السريع والعنيف بوسائل معينة وفي أماكن تختارها الولايات المتحدة الأمريكية.

ج‌. بُنيت فكرة هذه الإستراتيجية، على أساس أن الطريقة المثلى لردع العدو، هي إقناعه مقدماً بأنه إذا لجأ للعدوان، فسوف توجه إليه ضربات انتقامية عنيفة، تجعله في النهاية خاسراً.

د. عدم فاعلية هذه الاستراتيجية في مواجهة الحروب المحدودة والنزاعات المحلية.

٦. إستراتيجية الاستجابة المرنة:
وتعني الاستجابة السريعة باستخدام القوى المختلفة للدولة.

أ‌. قام الجنرال ماكسويل تيلور رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش الأمريكي ـ ببلورة هذه الإستراتيجية منذ الستينيات.
وكان الدافع وراء هذه الإستراتيجية هو توفير قدر من الحركة والمرونة الدبلوماسية في مختلف النزاعات، وذلك مع تطور المقدرة العسكرية بما يكفل لها مواجهة التحديات، ولذا لابد من تنوع وسائل الردع والقتال، سواء كانت نووية أو تقليدية، إستراتيجية أو تكتيكية.

ب‌. هيرمان كاهن ـ خبير الأمن الأمريكي ـ سَمّاها إستراتيجية الردع المتعدد الأشكال.
وجوهرها الاحتفاظ بالقدرة المستمرة على تدمير العدو تدميراً تاماً بالضربة الأولى. ج. سَمّاها الرئيس جون كيندي بعد ذلك، بإستراتيجية القوة المضادة المقيدة.

إلا أنه ركز على أهمية استيعاب الضربة الأولى، ثم أخيراً الرد الانتقامي الذي يضمن تدمير العدو.

د‌. تطورت هذه الإستراتيجية عام 1980، بما عُرف بإستراتيجية التصدي الشامل، وقد حدث هذا التحول الانتقالي نتيجة بعض المفاهيم الإستراتيجية الجديدة التي بدأت تفرض نفسها، وقد ارتكزت هذه الإستراتيجية على مبادئ أساسية هي:

(1) الكفاية الإستراتيجية: بمعنى حيازة قوات قادرة على العمل تحت مختلف الظروف، يتوفر لها القدرة على الرد بالشكل الذي يضمن تدمير العدو.

(2) اختيار الاهداف: ويعني تحديد شكل العمل ونوع الأهداف المطلوب تدميرها بشكل يتناسب مع الغرض من إحداث هذا التدمير، بحيث توجه الضربات ضد المواقع العسكرية دون أن تمس الأهداف المدنية، أو أن توجه الضربات ضد الأهداف كافة مدنية وعسكرية.

(3) التحرك السريع: ويعني إمكانية الانتقال السريع والانتشار لهذه القوات.

  1. إستراتيجية التدمير المؤكد:

أ‌. وتعني هذه الإستراتيجية كلاً من: القدرة على التدمير الشامل، والقدرة على حصر نطاق التدمير.
وقد كثر الجدال والحوار، بشأن كيفية تحقيق التوازن بين هاتين القدرتين.

ب‌. القدرة على التدمير الشامل تشكل رادعاً حاسماً لأي هجوم معادٍ، حيث ستجعل هذا العدو يفكر في التدمير الذي سينال قطاعه العسكري، وهذا يدخل في إطار الممكن، حيث إن التعامل مع البنية المدنية أسهل من التعامل مع البنية العسكرية، كما أن عملية تحديد الأهداف أكثر ثباتاً واستقراراً، وهي أقل ميلاً إلى سباق التسلح، فالأهداف المطلوب تدميرها لا تحتاج إلى كم كبير من التسليح ذو التقنية العالية.

ج. تبني قدرة التدمير الشامل المؤكد على أساس الثأر والتدمير الشامل بالضربة الثانية.

د. أما القدرة على حصر نطاق التدمير، فهي باهظة التكاليف، حيث تضاعف من سباق التسلح كماً وكيفاً، وهي تلزم الجانبين بتطوير قدراتهما التدميرية، وتعمل أيضاً على استفزاز العدو لأنها تتبنى المبادأة بالضربة الأولى.

هـ. حصر نطاق التدمير في المجال العسكري، يعني ترك القطاع المدني رهينة يمكن تدميرها في المراحل التالية، وهذا السبب يجعل فرص الحل السلمي بالطرق السياسية أكثر توقعاً، وهذا الأسلوب أكثر إقناعاً للعدو ويمكن تصديقه.

نظرية توازنات القوى والمصالح (١٠)

سلسلة محاضرات السياسة الاستراتيجية

المحاضرة العاشرة:

(5) الإرادة القومية:
تُعَدّ الإرادة القومية مصدراً رئيسياً لقوة الدولة/ الدول، وهي تعني أساساً القدرة على اتخاذ القرارات وتنفيذ الخطط، وفقاً لما تراه مناسباً للمصالح القومية، ودون الخضوع للضغوط الخارجية.

من المعروف أن تفاعل كل من النظام الحاكم والشعوب ينتج الإرادة القومية.

ويؤدي ذلك التفاعل إلى:
زيادة الاستقرار السياسي.
وكفاءة المؤسسات السياسية والدستورية.
وتنمية الرأي العام وتوحيده.
وصولاً إلى إذكاء روح الولاء والانتماء.

وتتأثر الإرادة القومية بعدة عوامل منها:
العوامل العرقية.
والخبرة التاريخية التراكمية.
ومستجدات النواحي الثقافية.
وقدرة استيعاب التكنولوجيا.
وأخيراً البعد العقائدي والديني.

إذاً من تحليل قوى الدولة/ الدول القومية الشاملة، يمكن أن نصل إلى مكونات هذا البعد البنائي، والذي ينحصر في عنصرين هما:

الأول: توازن المكانة.
الثاني: توازن المقدرات.

أ. توازن المكانة:
يُقصد به تناسق وتوافق المقومات الأساسية للدولة، ويصبح لكل دولة مكانة.
اذ ان إطلاق تعبير (توازن المكانة لدولة/ لدول ما) يعني اتزان العوامل الجغرافية والتاريخية والاقتصادية والعسكرية والتقدم العلمي والتكنولوجي والثقافة والحضارة.
وعند عدم توازن المكانة لدولة/ لدول يؤدي ذلك إلى إضعاف قدرتها في إحداث التأثيرات السياسية في الساحة الدولية.

ب. توازن المقدرات:
يُقصد به حجم تعادل مقدرات الدولة في النسق الدولي، ودرجة ميل التغير في هذه المقدرات، وهذا التوازن له نمطان مختلفان:

الأول: توازن القوى.
الثاني: توازن الرعب.

(1) توازن القوى:
وهو نظرة سياسية للمحافظة على ميزان القوة بين مجموعة من الدول، حيث لا يسمح لدولة ما أو مجموعة متحالفة من الدول بالانفراد بالهيمنة على العالم، واستغلال إمكانياتها العسكرية والاقتصادية في السيطرة على دول أخرى أو فرض إرادتها عليها، أو التدخل ضد مصالحها.

ويتحقق هذا التوازن بحشد قوى الدولة منفردة، أو بالتحالف مع غيرها من النماذج السياسية ضد منافسيها.
وحالة توازن القوى تؤدي إلى استقرار التفاعلات السياسية الدولية.
وعدم توازن القوى يؤدي إلى نشوب الصراعات والحروب، إما لتحقيق مصالح وأهداف توسعية، أو طلباً لاستعادة حالة التوازن.
لذا فإن توازن القوى يبدو وكأنه قانون داخل العلاقات الدولية.

(2) توازن الرعب/ التوازن النووي:
وهي حالة لا يملك فيها أي طرف تدمير الطرف الآخر، خوفاً من التدمير المتبادل.

ولا يتطلب ذلك تكافؤ عددي في الوسائل النووية، ولكن وجود الحد الأدنى يُعَدّ كافياً لحدوث هذا التوازن.

وقد ينشأ التوازن النووي في غياب توازن القوى، وعلى الرغم من ذلك فإنه يؤدي إلى نوع من الاستقرار في حالة توفره، كما أن عدم وجود حالة توازن الرعب لا تؤدي بالضرورة إلى عدوانية السلوك للطرف الأقوى الذي يمتلك قوى نووية.

  1. البعد السلوكي:
    يتحدد سلوك القوى الدولية إزاء بعضها بعضا، بناءً على درجة التشابه أو الاختلاف في قيمتها السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية.

ويتكون البعد السلوكي من عنصرين أساسيين هما:

توازن تدخلات القوى.
وتوازن سباق التسليح.

أ. توازن تدخلات القوى:
يمكن تحقيق التدخلات، من خلال الأحلاف، أو التدخل المباشر.

وتُعَدّ الأحلاف ظاهرة سلوكية لتنسيق أنشطة الدول لتحقيق أهدافها المشتركة.

ويُقصد بتوازنات تدخلات القوى العظمى والكبرى: أن سلوك وعلاقات الدول الكبرى والعظمى مع التكتلات السياسية في أي منطقة من العالم، والذي ينبع من امتلاك التفوق الحضاري والاقتصادي والعسكري، يُعَدّ أحد الأدوات الرئيسية لحماية مصالحها في المنطقة المحددة من العالم، بحيث يكون هناك نوع من الاستقرار والتوازن بين القوى العظمى والكبرى من خلال هذا التدخل، بل السعي نحو التفوق.

ب. توازن سباق التسلح:
في هذا النوع من التوازن، تناصب دولتان أو مجموعة من الدول العداء بعضها بعضا، وتحاول كل منها تحسين كفاءة وتسليح قواتها العسكرية بالإنفاق العسكري الزائد.
ويُعَدّ هذا السباق في التسلح نمطاً سلوكياً تسعى من خلاله الدولة أو مجموعة الدول، إلى تحقيق التوازن، بل تحقيق التفوق.

وهذا يدعو الدولة المعادية إلى السعي لتحقيق الأهداف نفسها، ومن ثَم، يصبح هناك حركة وتفاعلات لها خاصية محددة، ويصبح ذلك هو سلوك السياسة الخارجية لهذه الدول.

ويتحقق هذا التوازن في حالة تعادل الإنفاق العسكري، وأيضاً معدلات الزيادة فيه، إلى جانب تساوي القدرة العسكرية التقليدية وغير التقليدية في الكم والنوع للأطراف كافة الداخلة في هذا السباق.

ويُنسب إلى توازن سباق التسلح عناصر عدة منها:

(أ) أن يتضمن التسليح سباقاً في الكم والنوع.
(ب) أن يضطلع كل طرف في هذا السباق بتجسيد ورفع كفاءة قواته المسلحة.
(ج) توفر شرط التنامي السريع في كم الأسلحة.
(د) وجود دولتين أو كتلتين في حالة عداء.

  1. البعد القيمي:
    يتعلق هذا البعد بمدى إدراك الدولة/ الحلف للتوازن الموجود داخل المجتمع الدولي، وفي ظل المتغيرات الدولية، ومدى قابلية او رضا الدولة أو الدول بهذا الشكل من التوازن.

وتدرك القيادة للدولة/ الحلف طبيعة التوازن الموجود حولها، من خلال معرفة تأثير هذا التوازن على أهدافها القومية، ومدى ملاءمة الزمن اللازم لتحقيق هذه الأهداف، ويوضع في الحسبان دائماً القوة القومية والأهداف القومية والنوايا المستقبلية والإستراتيجية للقوى المضادة.

ويمكن من خلال التكافؤ والتعادل تحقيق التوازن، إلا أن درجة الرضا والقبول أو الرفض لوضع الدولة/ مجموعة الدول في المجتمع الدولي تظل هي المعيار الأساسي لتأثير هذا التوازن وفعاليته.

وتقسم التكتلات السياسية من حيث درجة القبول والرضا إلى مجموعات عدة:

(1) دول قوية وراضية.
(2) دول قوية وغير راضية.
(3) دول ضعيفة وراضية.
(4) دول ضعيفة وغير راضية.

تبدو أبعاد ومكونات عناصر التوازن الإستراتيجي (البعد البنائي ـ البعد السلوكي ـ البعد القيمي) مترابطة.
فلا يوجد توازن دون بعد بنائي أساسه التعادل والتكافؤ، وأيضاً دون بعد سلوكي أساسه مرونة وحركة بين الكتل السياسية، وكذلك دون بعد قيمي أساسه إدراك التوازن القائم مرتبطاً بحالة الموافقة عليه أو عدم الرضا عنه.

نظرية توازنات القوى والمصالح (ج٩)

سلسلة محاضرات السياسة الاستراتيجية

المحاضرة التاسعة:

المبحث الثالث

إستراتيجيات ونظريات توازنات القوى والمصالح

للتوازن بين الدول أسس ومبادئ تحكمه، سواء كان توازن قوى او توازن مصالح.

لا يكفي أن تتقيد الدول بأسس ومبادئ التوازن، وإنما ينبغي عليها بالإضافة الى ذلك وفي كل حالة من حالات التوازن، وطبقاً للمواقف المتباينة والمتحركة دائماً، ان تتبع الدول أو التكتلات، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، مجموعة من الإستراتيجيات والنظريات، التي (هي عبارة عن تكتيكات واهداف) ترتبط بالتوازن في المقام الأول.

ولذلك فإن الدول قد تدخل في أحلاف أو في معاهدات أو في تكتلات، وقد تعقد اتفاقيات أو تجري محادثات، وكلها بهدف الوصول إلى نقطة التوازن المطلوبة للقوى أو للمصالح.

أولاً: عناصر ومكونات أبعاد التوازنات:

  1. البعد البنائي:
    ويُقصد به القوى السياسية والاقتصادية والعسكرية والحضارية، وهي عناصر القوى الشاملة القومية للدولة أو لمجموعة دول. وقد عَرّف علماء الجيوبوليتيك مفهوم القوة أنه مرادف للسيطرة. وقالوا: أن الدولة تحتاج إلى القوة للنمو والتطور.

وذهب احدهم إلى أن القوة تكمن في الكيانات الكبيرة، بل أبعد من ذلك فقد أشار إلى أن القوة أفضل من القانون.

والقوى القومية الشاملة لدولة أو لمجموعة دول ما يمكن قياسها، حيث هي مستندة أساساً إلى:

مصادر وموارد الدولة الطبيعية.
ومصادر وموارد يمكن توفيرها والحصول عليها.
وقوى أخرى غير ملموسة.

أ‌. عناصر البعد البنائي للدولة او التكتل (قوى الدولة/ الدول القومية الشاملة)

١-العنصر الجيوبولوتيكي.
٢- القوة الاقتصادية.
3- القوة العسكرية.
٤- القوة السياسية.
٥- الإرادة القومية.

(1) العنصر الجيوبولوتيكي:
جيو: مختصر جغرافيا.
بولوتيك: السياسة.
الجيوبولوتيك: تعني الجغرافيا السياسية.
ويراد بها اهمية الجغرافيا لبلد ما وأثرها على السياسة.

ويتبرز أهمية الجغرافيا السياسية لبلد ما او مجموعة دول من خلال الدراسة الدقيقة لجميع العوامل المؤثرة والموارد الطبيعية للدولة والتي يمكن توفيرها أو الحصول عليها، لتحقيق الأهداف والمصالح القومية.

ومن اهم عناصر الحيوبولوتيك هي:
أ- الموقع الجغرافي.
ب- مساحة الدولة.
ج- الحدود السياسية.
د- ابعاد أخرى كالقوة البشرية والموارد والثروات الطبيعية.

(أ) الموقع الجغرافي:
يُعَدّ الموقع الجغرافي للدولة أو لمجموعة الدول أحد العوامل المؤثرة على القوة وعلى توجهات النظام السياسي.

وينقسم الموقع الجغرافي إلى أربعة أقسام:
١- الموقع الفلكي بالنسبة لخطوط الطول والعرض، بما فيها من تأثيرات مناخية.
٢- الموقع بالنسبة للبحار والمحيطات، وهو يتدخل في تحديد إستراتيجية الدول.
٣- الموقع الإستراتيجي ويأتي في المرتبة الثالثة، حيث يتحكم في حركة المواصلات العالمية والتجارة الدولية.
٤- الموقع بالنسبة الى الدول المجاورة، بما يحدد شكل العلاقات مع هذه الدول نتيجة طول الحدود معها.

(ب) مساحة الدولة/ الدول:
تلعب مساحة الدولة دوراً كبيراً في حسابات القوة القومية، حيث تحدد مساحة الدولة شكل إستراتيجية الدولة أو الدول من حيث:

(اتباع إستراتيجية معينة محايدة ـ متوازنة العلاقات ـ الارتباط بقوى أخرى ـ تبني سياسة النفس الطويل ـ تبني إستراتيجية الحرب الخاطفة ـ نقل العمليات العسكرية خارج الأراضي)

والمعروف أن المساحة تهيئ القوة، وأن القوة تصون المساحة.

(ج) الحدود السياسية:
للحدود السياسية تأثير على الدولة من حيث كبر او صغر تلك الحدود وكالآتي:

التأثير على القوة السياسية والعمل الدبلوماسي.
شكل قواتها المسلحة.
التأثير بالسلب أو بالإيجاب على المقدرة الاقتصادية ودورها في حرية الانتقال والتبادل التجاري والثقافي والتكنولوجي.

(د) أبعاد أخرى:
يلعب شكل الدولة، والقوة البشرية، وموارد الثروة الطبيعية، أدواراً مؤثرة وكبيرة في قوة الدولة/ الدول القومية الشاملة.

(2) القوة الاقتصادية:
تعني الموارد الاقتصادية.

لا يمكن إغفال أهمية القوة الاقتصادية في الوقت الراهن، فبعد أن كانت السياسة تقود الاقتصاد، أصبح الاقتصاد الآن يقود ويحرك الكثير من السياسات.

اقسام الموارد الاقتصادية:

١- موارد متاحة فوراً، وهي المواد الإستراتيجية والثروات الطبيعية.

٢- موارد يمكن توفيرها بعد وقت محدود، والتي يحتاج إعدادها إلى: (72 ساعة حتى 3 أسابيع)
وتُعَدّ قوات الاحتياط والمعدات والأسلحة والذخائر التي يتم فك تخزينها من هذا النوع من الموارد.

٣- الموارد التي يمكن الحصول عليها بعد تعديل المنتج الأصلي، ويصل زمن إعدادها إلى أكثر من 3 أسابيع.
ومنها تحويل الإنتاج المدني إلى عسكري، وتأهيل طلبة الجامعات للانضمام إلى التنظيمات العسكرية، وتحويل بعض المعدات المدنية إلى معدات عسكرية.

٤- المورد المنتظر الحصول عليه.
وهو المورد الذي لا يمكن التخطيط لاستخدامه ضمن السياسات الاقتصادية، ولكنه يُعَدّ من مضاعفات القوة بعد الحصول عليه، كالمساعدات الدولية على سبيل المثال.

وتنقسم الدول في العالم من الناحية الاقتصادية إلى:
· دول محدودة الموارد ومتخلفة.
· دول محدودة الموارد ومتقدمة.
· دول تعتمد على مورد اقتصادي واحد.
· دول متوازنة الموارد الاقتصادية.
· دول غنية بالموارد الاقتصادية.

(3) القوة العسكرية:
تُعَدّ القوة العسكرية هي الركيزة الأولى، وتنقسم إلى:

قوة تقليدية.
وقوة نووية.

ويؤخذ في الحسبان عند قياس القوة العسكرية ما يلي:
نوعية القوة العسكرية.
كفائة القوة العسكرية.
القاعدة الصناعية الحربية.

ويُقصد بالقوة النووية: إجمالي الذخائر النووية ووسائل نقلها وإطلاقها.

وتنقسم الدول من حيث امتلاكها القوة النووية إلى:
· دول تمتلك القوة النووية.
· دول في مقدورها امتلاك القوة النووية.
· دول ليس في مقدورها امتلاك القوة النووية.

في حالة امتلاك دولتين أو أكثر للقوة النووية ينشأ ما يُسمى بتوازن الرعب.

أما عند امتلاك إحدى الدول للقوة النووية وعدم امتلاك دولة أخرى للقوة النووية، فينشأ ما يُسمى بالردع النووي.

(4) القوة السياسية:
يُقصد بها مدى الثقل والتأثير الإقليمي والدولي للدولة.

للقوة السياسية ثلاثة أبعاد أساسية وهي:
إعمال التأثير والنفوذ.
الإمكانات والأدوات المستخدمة في توجيه هذا التأثير.
وأخيراً مدى الاستجابة من الدول الأخرى لعملية التأثير لهذا النفوذ.

نظرية توازنات القوى والمصالح (٨)

سلسلة محاضرات السياسة الاستراتيجية

المحاضرة الثامنة:

ثالثاً: اختيار شكل التحالفات والترابط بين الدول:

  1. تعريف الحلف:

هو اتفاق رسمي او معاهدة بين دولتين أو أكثر للتعاون في مجال الاستخدام المشترك لقدراتها العسكرية، او بأي وسيلة أخرى من وسائل التعاون، لغرض تحقيق هدف سياسي مشترك كحماية أعضاء الحلف من قوة أخرى معينة تبدو مهددة للأمن القومي لكل هؤلاء الأعضاء.

وعادة ما نجد ان أعضاء الحلف يتبعون سياسة موحدة في المجالات ذات العلاقة لا سيما السياسة الخارجية، وذلك بهدف بلوغ غايات محددة.

مثال للحلف: حلف الناتو.

  1. أشكال أخرى للترابط بين الدول بخلاف الحلف:

أ. نظام الحماية:
يوجد منها نوعان:
حماية اختيارية.

وحماية استعمارية يترتب عليها تنازل الدولة المحمية، سواء بإرادتها، أو رغماً عنها، عن جزء من السيادة القومية لها.
وينحصر دور الدولة الحامية في تنظيم العلاقات الخارجية، والدفاع عن الدولة المحمية.

وقد يكون هناك ستار للحماية الاستعمارية للدول الضعيفة من خلال اتفاقيات الدفاع، بحيث يصبح للدولة الحامية الحق في ابقاء قوات عسكرية ومطارات وموانئ، بحجة تقديم المساعدة العسكرية عند تعرض الدولة المحمية للعدوان.

مثال: اتفاقيات الدفاع الامريكية مع العراق والسعودية.

ب. الاتحاد الفيدرالي:
ويترتب على إقامته بروز كيان جديد لشخصية دولية ذات نظام دستوري، حيث يُعدل في العلاقات الخارجية للدول الأعضاء، ومن ثَم لا يظهر هنا التحالف، وإنما تذوب الدول الأعضاء في دولة واحدة.

مثل الاتحاد الروسي.

ج. منظمة الأمن الجماعي:
تمثل تنظيماً عالمياً للسلام ينضم إليها أي دولة في العالم، وهي لحساب الجماعة الدولية، وتكون محايدة لا تتكتل ضد أحد.

وهنالك ضرورة توفر شروط لبناء هذا النوع من التحالفات وهي:

(1) تخلي الدول عن النظرة بأسلوب المصلحة القومية.
(2) قبول مبدأ عدم قابلية السلام للتجزئة.
(3) القناعة بأنه لا أصدقاء ولا أعداء مسبقاً.
(4) لا توجد أي استعدادات عسكرية مسبقة.
(5) إمكانية التحرك الجماعي لوقف أي عدوان.
(6) تخلي الدول عن القيام بأعمال منفردة دفاعاً عن مصالحها.
(7) تخلي الدول عن سعيها لزيادة قواها.

مثال: حلف الكومنولث، للدول المستقلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ويضم كل من (روسيا، وأرمينيا، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، وأوزبكستان) والذي تم تشكيله في 15 مايو عام 1992 اذ تم التوقيع على معاهدة الأمن الجماعي (والتي يشار إليها أيضًا باسم ميثاق طشقند أو معاهدة طشقند)
وقعت ثلاث دول من دول ما بعد الاتحاد السوفيتي أيضًا، وهي أذربيجان، وبيلاروسيا، وجورجيا، في العام التالي على المعاهدة، ودخلت المعاهدة حيز التنفيذ في عام 1994.

وافقت ست دول من أصل تسع، جميعها باستثناء أذربيجان، وجورجيا، وأوزبكستان، بعد خمس سنوات على تجديد المعاهدة لمدة خمس سنوات أخرى، وفي عام ٢٠٠٥ عادت أوزبكستان الى الحلف مرة أخرى.

لذلك نجد ان حدث ارسال روسيا لقواتها لقمع التظاهرات في كازاخستان والتي كانت مدعومة من الغرب، انما كان ذلك ضمن اتفاقات ذلك الحلف.

د. التجمعات الدولية الإقليمية:

مثال: الاتحاد الأوربي.
كذلك مجلس التعاون الخليجي.

مميزات التجمع الدولي الإقليمي:

(1) يهدف إلى تحقيق التكامل بين أعضائه في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية كافة.

(2) تقوية عنصري التضامن والتوحد، ويميل إلى خلق المؤسسات ذات الاختصاصات لإصدار التشريعات والقرارات.

(3) يعكس تطابقاً وتكاملاً بين مصالح الأعضاء في وجود التجانس القومي أو المذهبي أو السياسي.

هـ. مواثيق عدم الاعتداء:
هي مواثيق ذات طبيعة سلبية، يتعهد أطرافها بالامتناع عن القيام بأي عمل عدواني، وتختلف هذه المواثيق عن الأحلاف بأنها تُبرم بين أعداء محتملين عكس الأحلاف.

  1. قد يتخذ التحالف أشكالاً غير رسمية مثل الائتلاف والانحياز:

أ. الائتلاف: وهو تعاون دولتين أو أكثر دون اتفاق رسمي، ويمثل استخدام مشترك للقدرات لتحقيق هدف معين متفق عليه.

مثال: التحالفات المؤقتة لدفع ضرر معين.

ب٠ الانحياز: وهو تشابه سلوك دولتين أو أكثر، نتيجة التنسيق فيما بينها، على الرغم من عدم وجود اتفاق رسمي.

مثال علاقة روسيا والصين.

  1. أسباب اتباع سياسات التحالف:

أ. ردع العدو.
ب. السعي إلى زيادة القوة.
ج. حسابات توازن القوى.
د. الهيمنة والسيطرة على المتحالفين.
هـ. حسابات متعلقة بالسياسات الداخلية في الدول المتحالفة.
و. حسابات الهيبة والمكانة الدولية.

  1. تصنيف الأحلاف:
    أ. من حيث قانونية علاقة التحالف:
    (1) تحالفات رسمية.
    (2) تحالفات غير رسمية.

ب. من حيث عدد الأعضاء في الحلف:
(1) أحلاف ثنائية.
(2) أحلاف جماعية.

ج. من حيث الهدف من التحالف:
(1) أحلاف دفاعية.
(2) أحلاف هجومية.

د. من حيث مدة سريان التحالف:
(1) أحلاف مؤقتة.
(2) أحلاف دائمة.

هـ. من حيث سرية وعلانية التحالف:
(1) أحلاف علنية.
(2) أحلاف سرية.

و. من حيث درجة التكافؤ للمتحالفين:
(1) أحلاف متكافئة.
(2) أحلاف غير متكافئة.

ز. من حيث توقيت قيام الحلف:
(1) أحلاف وقت السلم.
(2) أحلاف وقت الحرب.

ح. من حيث الجوار الجغرافي:
(1) أحلاف دول متجاورة جغرافياً.
(2) أحلاف دول متباعدة جغرافياً.

ط. من حيث توافق أو تعارض المصالح للحلفاء:
(1) أحلاف تخدم أهدافاً متطابقة.
(2) أحلاف تخدم أهدافاً متكاملة.

ي. من حيث دواعي قيام التحالف:
(1) تحالفات تعزيزية.
(2) تحالفات وقائية.
(3) تحالفات إستراتيجية.
(4) تحالفات تخدم أهداف أيديولوجية.

ك. من حيث محدودية أو عمومية التحالف:
(1) أحلاف ذات أهداف عامة.
(2) أحلاف ذات أهداف محددة.

  1. دورة حياة الحلف:
    أ. مرحلة النمو: وتعقب قيام الحلف وتنامي قدراته، في محاولة لاكتساب مزيد من الأعضاء، لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية أو عسكرية.

ب. مرحلة التدهور: وتسبق انتهاء التحالف بصورة رسمية، ويحدث انسحاب بعض الدول، أو تراجعها عن الإيفاء بالتزاماتها وانخفاض المشاركة.

نظرية توازنات القوى والمصالح (٧)

سلسلة محاضرات السياسة الاستراتيجية

المحاضرة السابعة:

  1. المصلحة الحيوية:

(الحيوية) هي الامور الهامة وذات الضرورة الملحة.

والمصلحة الحيوية: تعرف بأنها مجموعة من الأهداف المهمة تسعى الدولة الى تحقيقها لأجل دفع احداث (تهدد مصالحها القومية) من المتوقع حصولها مستقبلاً. تُعَدّ المصلحة حيوية، حينما ترى قيادة الدولة أن موضوعاً ما يشكل نزاعاً دولياً، انه يؤثر بدرجة كبيرة على الرفاهية السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة، بالشكل الذي يحتم عدم المضي في المساومة عليه، حتى لو نتج من ذلك حتمية استخدام القوة الاقتصادية والعسكرية.

اما الفرق بين المصلحة الحيوية والموضوعات الحيوية:

فالمصلحة الحيوية: هي اهداف، يتم السعي لتحقيقها، لدفع مخاطر (احداث) تهدد المصالح القومية للدولة، وتلك المخاطر مستقبلية.

اما الموضوعات الحيوية: فهي احداث، تحققت بالفعل على ارض الواقع، تمثل مخاطر تهدد المصالح القومية للدولة (الدفاعية والعقائدية) فقط.

إن صانعي السياسة عادة يؤسسون تحليلاتهم للمصالح الحيوية بناء على معايير عدة، إلا أن ذلك قد يتم في بعض الأحيان، اعتماداً على خواطر طارئة.

ففي عام 1965 على سبيل المثال، أثبتت السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة الأمريكية اعتمادها على طبيعة غير نظامية (أي قرارات غير مدروسة) لمجلس الأمن القومي، في ذلك الوقت، من خلال تقديره الاحتفاظ بفيتنام الجنوبية كمصلحة حيوية للولايات المتحدة الأمريكية، وذلك لوقف انتشار الشيوعية.

نماذج من المصالح الحيوية:

  1. حماية الأراضي الأمريكية وحدودها ومجالها الجوي:

يتمثل التهديد الرئيسي لهذه المصلحة الحيوية “في الصواريخ طويلة المدى المزودة بالأسلحة النووية” ويأتي هذا التهديد من مصدرين:

الأول: هو الاتحاد السوفيتي السابق والقوى الأخرى التي تمتلك صواريخ باليستية.
وتوضع الصين في مرتبة روسيا نفسها أو الاتحاد السوفيتي السابق.

الثاني: الدول الشاردة التي تمتلك أسلحة نووية وصواريخ باليستية.

تقدر الولايات المتحدة الأمريكية عدد الدول الأخرى بعشر دول منها: إيران، والعراق، وكوريا الشمالية، وباكستان، والهند.

أما التهديد الآخر ضد هذه المصلحة الحيوية فهو “عدم الاستقرار على الحدود الأمريكية” حيث إن 80% من الكوكايين المهرب، علاوة على ثلاثة ملايين مهاجر غير شرعي يدخلون الولايات المتحدة الأمريكية من الحدود مع المكسيك التي تبلغ ألفي ميل، إلى جانب احتمالات وقوع عمل معادي من جانب كوبا.

  1. حماية المواطنين الأمريكيين من المخاطر التي تهدد أرواحهم ورفاهيتهم:

ويُعَدّ الإرهاب من أخطر التهديدات للمواطن وللأمن الأمريكي داخل وخارج الولايات المتحدة الأمريكية.

  1. منع التهديد من جانب دولة كبيرة لأوروبا أو شرق آسيا أو الخليج الفارسي:

إن أوروبا وآسيا يشكلان 56% من التجارة الخارجية الأمريكية، والخليج الفارسي يمثل 63% من احتياطي النفط في العالم، وهذه العناصر لازمة لنهضة الاقتصاد الأمريكي، لذلك فإن انتشار 100 ألف جندي أمريكي في أوروبا بصفة دائمة ليس إلا لتأمين أمريكا ورفاهيتها الاقتصادية.

ويأتي التهديد الرئيسي لهذه المصالح في صورة:
“توسع روسي ذو نزعة لاسترجاع الماضي”
أو “ظهور نزعة توسعية لدى العراق أو إيران”
أو “تهديد من كوريا الشمالية والصين في شرق آسيا”.

ويأتي التهديد الروسي في صورة محاولة استرجاع الإمبراطورية السوفيتية، وزعزعة استقرار أوروبا الشرقية أو آسيا الوسطى، إلى جانب التكاليف بمئات البلايين من الدولارات التي سوف يتحملها الشعب الأمريكي لمواجهة هذه الإمبراطورية الجديدة.

أما التهديد العراقي والإيراني، فيتمثل في فرض الهيمنة على المنطقة، بل إذا قدر لهم امتلاك صواريخ بعيدة المدى فسوف يصل التهديد ليس فقط للمصالح الأمريكية في المنطقة، وإنما إلى قلب الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.

وتُعَدّ كوريا الشمالية مصدر تهديد من خلال محاولة امتلاك قوة نووية قد تؤدي إلى اضطلاع اليابان بإعادة تسليح نفسها والدخول في منافسة مع الصين لبسط النفوذ في آسيا.

وقد تهاجم كوريا الشمالية الحليف الأمريكي كوريا الجنوبية.
حيث يبلغ تعداد القوات المسلحة لكوريا الشمالية 1.1 مليون جندي، ثلثهم على الحدود الجنوبية، الأمر الذي أدى إلى وجود 27 ألف جندي أمريكي إلى جانب 650 ألف جندي كوري جنوبي لتوفير الحد الأدنى لردع أي هجوم معادٍ.

أما بالنسبة إلى الصين، فاقتصادها المتنامي وامتلاكها صواريخ قادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة الأمريكية، علاوة على دورها في عدم استقرار آسيا من خلال النزاعات مع تايوان وإندونيسيا وماليزيا وفيتنام، حول أراضي جزر اسبراتلي، كل هذا يشكل تهديداً له تأثيره المباشر على الإستراتيجية الأمريكية.

  1. الحيلولة دون تدخل عدائي من جانب قوى خارجية في نصف الكرة الغربي:

ويتمثل التهديد فقط في ما تثيره بعض الدول من إزعاج للسياسة الأمريكية، حتى بعد فقدها الحليف الرئيسي لها وهو الاتحاد السوفيتي السابق.

  1. حرية الوصول للتجارة والاستثمارات الدولية:
    دخلت اتفاقية التجارة الدولية إلى الولايات المتحدة الأمريكية في يناير 1994، وهي تُعَدّ التجارة الدولية السبب الرئيسي في ازدهار ونمو الحياة داخل الولايات المتحدة الأمريكية.

ويأتي التهديد الرئيسي في هذا المجال من:
إجراءات الحماية؛ والتي إذا لم تكن كافية قد تضر بالتجارة الدولية.
والتكتلات التجارية؛ والتي قد تحيد مصالح الولايات المتحدة التجارية.
والحرب التجارية؛ والتي قد تؤثر بصورة كبيرة على المصالح التجارية للولايات المتحدة.

ويُعَدّ اتجاه أوروبا إلى حماية مصالحها الزراعية بما تفرضه من إجراءات، وأيضاً المنافسة التجارية أو الاقتصادية بين الولايات المتحدة الأمريكية واليابان، خاصة في مجال السيارات من أخطر ما يهدد الولايات المتحدة الأمريكية، ليس فقط في مجال التجارة والاقتصاد، وإنما أيضاً قد يؤدي ذلك إلى تأزم العلاقات، وتعريض النظم الأمنية والمصالح الأمريكية للخطر في كل من أوروبا وآسيا.

  1. تأمين حرية البحار والإبحار:
    يستلزم حماية هذه المصلحة من الولايات المتحدة الأمريكية لنقل الشحنات التجارية والعسكرية والحفاظ على المناطق الحيوية ذات الاختناقات مفتوحة بلا عوائق، وخاصة مضيق هرمز ومضيق ملقة بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي وقناة بنما.

يُعَدّ أهم التهديدات لهذه المصلحة الحيوية هو التهديدات العسكرية لحرية البحار، وعلى الرغم من عدم وجود تهديد في المستقبل القريب، إلا أن تجريد الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من القدرة على السيطرة على خطوط الملاحة البحرية في العالم، قد تهدد المصالح الأمريكية سياسياً واقتصادياً.

وعلى سبيل المثال، فإن مضيق كوريا ومضيق تايوان ومضيق لوزون في آسيا تقع في مناطق بها قلاقل، وغير مؤمنة بشكل مطمئن، ويسيطر على خطوطها البحرية كل من كوريا الشمالية والصين، بما لها من مصالح متعارضة مع المصالح الأمريكية.

كما أن انتشار صواريخ كروز والغواصات التقليدية، على الرغم من أنها لا تمثل تهديداً كبيراً للبحرية الأمريكية، إلا أنها تُعَدّ تهديداً لحرية البحار، وبما يؤثر على المصلحة الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية.
بهذا نستطيع تفسير ازمة الغواصات الأسترالية الأخيرة، وانشاء الحلف الانكلوساكسوني، وتجاوز الولايات المتحدة على مصالح حليفتها الاوربية فرنسا.

  1. سهولة الوصول إلى مصادر الثروات:
    اعتماد الولايات المتحدة الأمريكية على 50% من استهلاكها من البترول من الخارج، كما أن استيراد الكروم والكوبالت والمنجنيز لصناعة الصلب والسبائك الخاصة اللازمة للمحركات التوربينية للطائرات، وهذه العناصر تمثل مواد إستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية تؤثر تماماً على مصالحها الحيوية.

ويُعَدّ “عدم ضمان الإمداد بهذه المواد” من التهديدات المهمة لهذه المصالح.

وعلى الرغم من عدم وجود خطر حالياً ضد المواد المعدنية الإستراتيجية، إلا أن التهديد الإيراني والعراقي من حيث فرض الهيمنة على الخليج الفارسي يمثل أساس التهديد للمصالح البترولية الأمريكية.

العوامل المؤثرة على صناعة القرار بالإضافة الى العوامل الحيوية:

أ. الارتباط العاطفي:
يُشير هذا العامل إلى التأييد الذي يعطي إلى بعض الدول، نظراً إلى طبيعة الاتصال الثقافي والروابط العرقية القوية التي يشعر بها المواطنون تجاه هذه الدول.
والمثال الواضح على ذلك هو الارتباط العاطفي للولايات المتحدة الأمريكية تجاه إسرائيل، وارتباط المسلمين والمسيحيين تجاه الأماكن المقدسة في مدينة القدس.

ب. التأثير على هيبة الدولة:
تُعَدّ فكرة التأثير على هيبة الدولة فكرة غامضة إلى حد ما، إلا أن قادة الدول الكبرى يعملون بتأثير قراراتهم في أحد أجزاء العالم، على الرغم من مصداقية وهيبة دولتهم في مكان آخر من العالم.

ج. نوعية الحكومة:
يرتبط هذا العامل مع الموضوعات الأيديولوجية في السياسة الخارجية ومدى نوعية النظام ديموقراطي أم ديكتاتوري؟ وهل يرتبط النظام بحقوق الإنسان وكرامته من عدمه؟

د. توجد علاقة مباشرة ما بين مدة ونطاق الصراع وبين مخاطر هذا الصراع، وهذه العلاقة مؤثرة على القرار السياسي، وتتلخص في عاملين:

(1) مخاطر الصراع طويل الأمد وتوسع النطاق:
وتتمثل بمدى رغبة العدو في مقاومة الضغط العسكري.
وهو عامل أساسي مؤثر على جميع القرارات المتعلقة بالمصلحة الحيوية.

(2) مخاطر معارضة البرلمان:
في الولايات المتحدة الأمريكية تعلّم كل من: الرئيس جونسون، والرئيس نيكسون هذا الدرس القاسي، حينما أجبرت قوى الكونجرس كلا الرئيسين على تغيير مسار الحرب في فيتنام.
والنقطة الأساسية هنا، هي ضرورة أن يكون صانعو السياسة أكثر عنفاً وصرامة في تقرير هل المصلحة حيوية من عدمه؟

ثانياً: تحديد شكل المصلحة القومية:


تُعَدّ المصلحة القومية هي المحددة للسياسات الخارجية للدول، وعلى قدر الاختلاف في المصلحة القومية تتغير اتجاهات السياسة الخارجية، ويبدو شكل المصلحة القومية للدولة في إحدى الصور الآتية:

  1. حماية السيادة الوطنية ودعم الأمن القومي.
    وهذا الهدف له أولوية مطلقة لدى الدول أياً كانت نظمها وقوتها وموقعها وحجمها. وهي توفر لذلك كل إمكانياتها سواء الذاتية أو المضافة، حيث يرتبط هذا الهدف بالحاجة إلى مواجهة التهديدات ضد كيانها، وحتى تدعم الدولة قدراتها قد تدخل في تحالفات، وليس شرطاً أن يكون في إطار رسمي بتوقيع بعض المواثيق.
  2. تنمية مقدرات الدولة من القوة.
    وهو ما يدفع بالدول إلى التصارع في شن حروب ضد بعضها، وقد أدى التطور التكنولوجي الحالي في أدوات الحرب الحديثة إلى مضاعفة هذه القوة.
  3. زيادة مستوى الثراء الاقتصادي عن الحد الأدنى المتوفر للثروة الوطنية.
    ويُعَدّ ذلك هدفاً رئيسياً لسياسة الدولة الخارجية، حيث ترى في تحقيقه نفوذاً أكبر في المجتمع الدولي، وقد أصبح الثراء الاقتصادي نوعاً من الدعاية للأيديولوجية التي تنجح الدولة في تحقيقها.
  4. تحرص دول كثيرة على نشر أيديولوجيتها والدفاع عن معتقداتها.
    وذلك اقتناعاً منها بأن هذا الأسلوب يدعم مصالحها بصورة أفضل، في حالة اعتناق دول أخرى لنفس هذه الأيديولوجية، ويُعَدّ ذلك نجاحاً لها.
  5. صيانة الثقافة الوطنية وحمايتها وتأمينها ضد الأخطار الخارجية التي قد تهددها، في محاولة لتشويه هذه الثقافة وتدميرها.
    وقد تتبع الدول في سبيل الحفاظ على هذه الثقافة أساليب كثيرة، منها:
    دعم استقلال الدولة.
    وفرض قيود على الهجرة القادمة إليها.
    وقد تقوم بعض الدول بعمل إيجابي وهو تصدير ثقافاتها إلى الآخرين.
  6. الذود عن السلام.
    حيث إن الأعباء على ميزانيات الدول وتأثر الدخل القومي نتيجة تخصيص أموال كثيرة لصالح التسليح، يُعيق مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية، لذلك فإن توفير هذه المخصصات والحفاظ على المصالح في إطار السلام يحقق معدلات أسرع في التنمية ويرفع من مستوى شعوبها.

نظرية توازنات القوى والمصالح (٦)

سلسلة محاضرات السياسة الاستراتيجية

نظرية توازنات القوى والمصالح

المحاضرة السادسة:

الأسس التي يُبنى عليها تحديد موضوعات درجة أهمية المصلحة:

  1. موضوعات البقاء:
    (الخطر على وجود الدولة)

تعرض وجود الدولة الى الخطر.
يُصبح الوجود الأساسي للدولة في خطر داهم للأسباب الآتية:

أ‌. نتيجة للتهديد بهجوم وشيك الوقوع، إذا رفضت الدولة مطالب عدوها.
ب‌. أو نتيجة لهجوم عسكري علني على أراضيها.

اذن المقياس الحقيقي لدرجة أهمية المصلحة هو وجود تهديد فوري بضرر مادي شامل، بواسطة دولة ما، وضد دولة أخرى.

وبذلك فإن المصلحة الدفاعية هي المصلحة الوحيدة التي قد تتقدم في درجة أهميتها.

ويصبح هذا أكثر وضوحاً إذا تضمن احتمال استخدام الأسلحة النووية الإستراتيجية.

وترى الدول العظمى أن وصول أهمية المصلحة إلى مستوى البقاء، يبرر الاستخدام الفعلي للأسلحة النووية الإستراتيجية ضد العدو.

ما صرح به بوتين من ان العالم الذي لا تتواجد فيه روسيا لا قيمة له.

موضوعات البقاء تتعلق بالمصلحة الدفاعية بصورة أساسية.

  1. الموضوعات الحيوية:
    (ضرر حقيقي محمل للدولة) أي انها تهديدات جادة.

حدوث ضررحقيقي للدولة.
لكنه لا يرتقي الى مستوى موضوعات البقاء.
من المحتمل أن ينتج ضرر حقيقي للدولة ما لم تتخذ إجراءات قوية، بما فيها استخدام القوة العسكرية التقليدية، لمواجهة أعمال عدائية من دولة أخرى، أو لردع هذه الدولة من التصعيد الجاد للأزمة.

وقد يكون الموضوع الحيوي ـ على المدى الطويل ـ بنفس جدية موضوعات البقاء.

وذلك فيما فيما إذا كان التهديد موجهاً ضد رفاهية الدولة السياسية والاقتصادية.
.
والزمن هو الاختلاف الجوهري في هذا الموضوع.

عادة ما يوفر الموضوع الحيوي للحكومة.
:
وقتاً كافياً لطلب معاونة الحلفاء.
.
أو التفاوض مع الدولة المقابلة.
.
أو اتخاذ إجراءات مضادة حاسمة لإنذار العدو بعظم الثمن الذي سيتكلفه، إذا لم ترفع الضغوط السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية.

وعلى عكس موضوعات البقاء، فقد يتضمن الموضوع الحيوي، ليس فقط المصلحة الدفاعية، ولكن أيضاً المصالح العقائدية.

اذن فالمواضيع الحيوية تتعلق بالمصلحة الدفاعية والعقائدية.

  1. الموضوعات الرئيسية:
    )مواضيع مهمة قد تتطور لتصبح حيوية) قد تتأثر الأوضاع السياسية والاقتصادية للدولة سلباً بأحداث واتجاهات في المناخ الدولي، تتطلب الاضطلاع بعمل، لمنعها من أن تصبح تهديدات جادة (موضوعات حيوية) وتقع معظم موضوعات العلاقات الدولية ضمن هذا التقسيم، وغالباً ما تحل خلال المفاوضات الدبلوماسية.

وحينما تفشل الدبلوماسية في حل مثل هذه النزاعات، تصبح خطيرة، إذ يجب على الحكومات في هذا الموقف إعادة تقدير مدى تأثر مصالحها بالحدث الجاري في حينه.وإذا أصبحت الحكومة ـ في التحليل النهائي ـ غير راغبة أو غير قادرة على تسوية ما تُعَدّه موضوعاً أساسياً، فقد أكدت ضمنياً أن هذا الموضوع هو موضوع حيوي.

وعلى الجانب الآخر، إذا عُدَت المفاوضات والتسوية هما أفضل البدائل، فيحتمل أن يكون الموضوع موضوعاً رئيسياً فقط.

وتُعدّ معظم المشاكل الاقتصادية بين الدول موضوعات رئيسية ـ وليست حيوية ـ وكذلك معظم المصالح العقائدية.

على الرغم من حجب الدول في بعض الأحيان لبعض المشاكل الأخرى في المجال العقائدي لتعبئة الرأي العام داخل الدولة وخارجها.

وتُعدّ مصالح النظام الدولي أكثر صعوبة في التسوية لتأثيرها على إحساس الدولة بالأمن.

اذن فالمواضيع الرئيسية تتعلق ببعض المصالح العقائدية الغير حيوية وغالبية المصالح الاقتصادية ومصالح النظام الدولي.

  1. الموضوعات الهامشية:
    (تعرض مواطنين الدولة وشركاتها الى الخطر في الخارج) لا تتأثر ((رفاهية)) الدولة سلبياً بأحداث خارج حدودها، ولكن يمكن أن تتعرض لمصالح المواطنين والشركات التي تعمل في دول أجنبية للخطر قبل هذه الأحداث. وبالطبع تعطي المؤسسات متعددة الجنسية الكبيرة والرئيسية أولوية كبيرة من الدول الأم حيث أن لمكاسبها والضرائب المأخوذة منها تأثير كبير على الرفاهية الاقتصادية للدولة. وتحدد كل دولة وطنية قيمة هذه المؤسسات، التي تعمل خارج الحدود.
    وتشكل هذه الشركات لبعض الدول موضوعات رئيسية للمصلحة القومية، بينما تشكل لبعض الدول الأخرى أهمية هامشية.

القمر الأحمر بين الانذار والقرار..!

القمر الأحمر بين الانذار والقرار..!

كتب بتاريخ ٢٠١٨/٧/٢٨

مع اقتراب الظهور الشريف يتفاعل الكون مع إمام الكون، إذ أن كل ما في الكون له حياة وهو يسبح بحمد الله ويقدس له، كما أشار القرآن الكريم، كما ان كل ما في الكون يدين بإمامة الإمام الحجة على الكون، فلا غرابة في ذلك التفاعل، فترى الأرض تهتز بين الفينة والأخرى، وترى الجبال ترمي بحممها، والعواصف والاعاصير تضرب هنا وهناك، وأمطار في غير أوانها، وظواهر عديدة كالاحتباس الحراري وظاهرة النينو وغيرها الكثير، وحتى ذلك الانسان الجاحد بأنعم ربه يتفاعل رغم عن أنفه بما تقتضيه فطرة التكوين، بعد اتباعه للشيطان وكفرانه لله عز وجل، حيث يسير باتجاه حتفه وفناء حضارته مترنحاً كالذي يتخبطه الشيطان من المس.
ترامب يزور عقر دار عدوه الدب الروسي، ومن هناك ينتقد حكومته ومؤسساتها الاستخباراتية العتيدة، وحينما يعود الى دياره ويصحى من غفلته وسط تأنيب الكونكرس والسي آي أي وحتى قيادات حزبه الجمهوري، يعود ليهدد بوتين ويزبد ويرعد تجاه إيران، في مشهد يبدي مدى سخافة وانحطاط وتفاهة القيادات العالمية التي ترنو الى حكم العالم وان تحل محل القيادة الإلهية المعصومة!

العراق في فرصة تأريخية لن تتكرر سيما بعد ان بلغ اتباع الشيطان مراحل متقدمة من الشيطنة والدهاء اخضعوا فيها عقول الناس لتكون مطية لتحقيق مآربهم المسيسة، فأغرقوا العالم بثقافة الانحلال والجهل المنمق بالثقافة الزائفة التي جردوها من فطرتها المعهودة، فمذ ان خلق الله تعالى الكون وفطره على فطرته السليمة، جعل له قائد وقيادة وانقياد، لكنهم ارادوها قيادات شعبية تقود فيها العقول المختلفة والمتباينة، وكل يدلو بدلوه ويحكم بأمره ويسوم بسومه، فجعلوها فوضى خلاقة في بلاد الإسلام والمسلمين وفق إرادة علجة سوداء غانية لم تعرف للعفة عنوانا ولم تشهد للشرف معنى ولا للحياء مغزى!

في وسط تلك الفوضى الأخلاقية استطاع جيش الغضب بعد أنهى معاركه مع قوى الظلام من بني أمية البعث، أن يخترق تلك الفوضى ويهب للكيان الشيعي سطوة تأريخية لم يعهدها منذ ثورة المختار الثقفي، ثم وقف بوجه أعتى قوى الكفر والالحاد والبغي والجور والعدوان، قوى الاستكبار العالمي ودجاليه والكيان الصهيوني المسخ واعراب الخليج احفاد بني العباس، وبغايا الكون كله، ومع ذلك كله وما واجهوه من أطماع النفوس الامارة بالسوء من اخوان العقيدة والجهاد الذين غرتهم الحياة الدنيا، واردتهم صرعى ارادتها بعد ان رمت على وجوهمم زخرفها وبهرجها فبرقعتهم بسرابها وسلبتهم كينونتهم وخلعت عنهم رداء عقيدتهم وجعلتهم بمصاف الأعداء، ساعين خلف المناصب والمغانم ومجانبين للقيم والمبادئ السامية؛ اقام الاخيار دولة للشيعة في العراق لتكون عضدا لدار التشيع في الجمهورية الإسلامية وصنعت هلالا علويا مختاريا من حدود باكستان وأفغانستان الى البحر الأبيض المتوسط، وهذا النصر الاستراتيجي لا يعيه الا أبناء العقيدة، في الوقت الذي يتنكر له أبناء الدنيا الذين غاية سعيهم ان يحوزوا العيش الرغيد وان كان بذلة، فتراهم يهرون هرير الكلب اجلكم الله ويطمعون طمع الغراب.

لو أراد علي بن ابي طالب صلوات الله عليه أن يأكل لحوم الظأن ويتحلى بالشهد والمن، ويتوسد الحرير والديباج، لما كان يصعب عليه ذلك ولحكم حينها الكون بأسره وأذل طغاة الروم وفارس، لا ان يتسلط عليه توافه الناس من أمثال ابن ابي قحافة وابن صهاك ومن لف لفهم من مناكير العرب واراذلهم، ولكنها إرادة الله تعالى خالق الكون وقاهره الذي شاء ان يبتلي خير الخلق ليميز الخبيث من الطيب، إذ عهد علي بن ابي طالب صلوات الله عليه على نفسه ان لا يأكل الا الجشب وان لا يلبس الا الخشن وان يتوسد التراب، ليري الناس معنى الحياة الابية العزيزة التي أرادها الله تعالى، لا الحياة المرفهة التي تخلو من كل معنى نفيس!
بعد ذلك كيف بنا يا شيعة علي؟! وما نحن بشيعة علي، ان نحن الا ثلة من المتشدقين بحب علي، إذا ما شعرنا بالغرق الروحي لذنا بعلي وآل علي، فإذا نجانا وارسانا الى بر الأمان كفرنا بعلي وبحياة علي وقيم علي، وقلنا في دواخلنا ان هي الا حياتنا الدنيا!

اخوتي الأعزاء، ان الأقمار الحمراء تترى ومن بعدها الفتن الغبراء وقلوب الناس في حيرة وضياع، لا تدري أي من أي، تهيم في الأرض كهيام الدواب تبتغي المرعى فلا تجده، وكأن الله تعالى ترك عباده للشيطان يتلاعب بمصائرهم كيف يشاء، ولا كأنه تعالى عز وجل ترك لهم بين ظهرانيهم بقيته الباقية، وامره في زمان غيبته كالشمس في رابعة النهار، مرجعية تربض في عرينها في النجف الاشرف، قد بح صوتها وهي تشكو الى ربها عقوق أبنائها!

الغرب الدجال وحريته الزائفة، وهوى النفس والتحلل الأخلاقي، والسعي وراء المال وامراضه المستعصية، والاعتداد بالنفس والتعبد بالهوى، والتهليل للجهل والتسبيح للصنمية والتقديس للأنا، تلك هي القيم والمعايير الحاكمة اليوم، أما الله تعالى والامام الحجة عج والمرجعية الدينية، والنواميس التي ضحى من أجلها مائة واربعة وعشرون الف نبي واضعاف اضعافهم من الاوصياء والائمة والصالحين، وضحى الامام الحسين عليه السلام بنفسه الطاهرة ونفوس ابناءه واصحابه وسبي عياله ومن قبله ومن بعده الدواهي العظمى من سم نبي الله وازهاق روحه وما جرى في سقيفة بني ساعدة من اعلان البيعة للشيطان ومبارزة الله جل وعلا، ومن بعده كسر الظلع المقدس واسقاط الجنين الاقدس، وطبرة الأمير وسم الزكي وأمور جرت لو ان الكون كله احيل ترابا لما كان يفي مقدار انملة مما جرى من تلك الأمور العظام والقضايا الجسام.

بعد ذلك مما جادت به قريحتنا من بيان، اوردناه بغية الافهام والتبيان، فلننظر الان الى أنفسنا ولنعرف اين وضعناها واي ظلم ظلمناها، واي تعد وجحود وعقوق لقيمنا قد صنعناها؟
ثم بعد ذلك لننظر الى دعائنا بالفرج هل كان دعائا حقيقيا مستوفيا لمضانه كي يستجاب لنا ويفرج عنا؟

وهل ان البداء الذي نرجوه لدفع المآسي والبلاء عن اوطاننا ومدننا ومجتمعاتنا واسرنا سوف يحصل حقاً، ام ان اهل البيت عليهم السلام حاشاهم قد اخطأوا وتجاهلوا سنة البداء، حينما أخبرونا عن حتمية اقتحام السفياني لبغداد والنجف وقتله الحسنان وسبيه الفواطم والزينبات اللواتي لم يكشف عنهن كف ولا قناع، وهن بقية العفة والطهارة في ارض انتزع عنها كل مقدس سوى مرقد الأمير وبقية العلم والعلماء من المراجع الاجلاء وثلة نفسية من المؤمنين الصالحين! وما حديث أهل البيت عليهم السلام الا حتما محتوما، لولا خشية ان نقعد عن تأدية تكاليفنا ونحسب ان الإبقاء على أنفسنا على قيد الحياة خيرا لنا من ان نرمي بها الى تهلكة الذود عن العقيدة، حتى أصبحت لدينا الحياة في تلك الذلة خير من كرامة الشهادة والفداء! واستحال نداء: هيهات منا الذلة، ونداء: لا أرى الموت الا سعادة والحياة مع الظالمين الا برما، ونداء ما رأيت الا جميلا؛ سوى عبارات بلا مضامين، وتجسيدات بلا أرواح!
وفي الختام أدعوكم ونفسي أخوتي الأعزاء الى إعادة قراءة هذه الكلمات مرارا وتكرارا فهي ليست كلمات المقصر ابي شعيب وانما هي من وحي الحقيقة، وأصدق المقال ما نطق به لسان الحال، كما عبر عنه أمير الحقيقة صلوات الله عليه.

ومن أدرك هذه الكلمات فليعلم ان كل حدث كوني يحصل في الفترة القادمة حتى قيام القائم عج، لهو من تفاعلات الكون مع ظهور إمام الكون عج، ولكن في الوقت ذاته ليسأل السائل نفسه، اين هو تفاعله الذاتي مع امام الكون؟ وماذا قدم للتمهيد لظهوره الشريف، ام ان الولائج والبطائن التي تحدثنا عنها، مازالت تكبله بأغلالها، حينها عليه ان يسعى الى كسر قيوده قبل ان يتحدث بنصرة الامام الحجة عج والتمهيد له، وليعلم ان كل رأي له وبصيرة انما هي مغشوشة، حتى يتحرر من تلك القيود ويمسك بزمام نفسه، عندها سيضع الامام عج يده بيده ويؤيده الله تعالى بنصره ويسدده بتسديده، ويصبح من الموطئين والممكنين لإمام الزمان ودولته الغراء.

سبحانك اللهم انا نعوذ بك من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن ومن ان نذل ونخزى ونعوذ بك من كل بطانة ووليجة دون وليك الحجة بن الحسن عج والحمد لله رب العالمين.

نظرية توازنات القوى والمصالح (٥)

سلسلة محاضرات السياسة الاستراتيجية

نظرية توازنات القوى والمصالح

المحاضرة الخامسة:

المبحث الثاني

أسس توازن المصالح

أولاً: مفهوم المصلحة القومية ومستوياتها:المصلحة القومية: هي الحاجات والرغبات التي تدرك أهميتها دولة ذات سيادة، وعلاقة ذلك مع دول أخرى ذات سيادة.

أي انها الأمور التي تؤثر على الدولة بصورة مباشرة او غير مباشرة من قبل دولة أخرى.

نلاحظ احتواء هذا التعريف على العناصر الرئيسية التالية:

  1. أهمية عنصر الإدراك لحاجات ورغبات الدولة.
  2. ينطبق التعريف فقط على الدول ذات السيادة الكاملة، ولا ينطبق على المنظمات الدولية، أو الأقاليم ناقصة السيادة، التي تعتمد على دول أخرى.

وما زلنا حتى الآن، نرى أن اتخاذ قرارات مثل استخدام القوة العسكرية، وفرض عقوبات اقتصادية، والدخول في التحالفات، وتوفير كميات كبيرة من المعونة الخارجية، يتم فقط بواسطة حكومات الدول ذات السيادة.
لذلك مثلاً لا نجد لدى العراق مستشار امن قومي!

  1. هناك حد فاصل بين المجال الخارجي والمجال الداخلي للدول.
    فالحكومة التي تتعامل مع مجالها الداخلي عادة ما توصف بأنها تعمل لمصلحة العامة أو (المصلحة الوطنية)
    في الوقت الذي تُوصف فيه الحكومة التي تتعامل مع مجالها الخارجي بأنها تعمل في مجال المصلحة القومية.

أنواع المصالح القومية:

  1. المصلحة الدفاعية Defense Interest:
    الدفاع عن الدولة (مجموعة دول) ومواطنيها من أي تهديد بالعنف المادي بواسطة دولة أخرى أو مجموعة دول، والحماية من أي تهديد خارجي محتمل، مباشر أو غير مباشر، ضد النظام السياسي القومي، وتسمى هذه المصلحة ايضاً بالأمن القومي.
  2. مصلحة النظام الدولي World- Order Interest:
    الحفاظ على نظام دولي سياسي واقتصادي، تستطيع الدولة أن تشعر في إطاره بالأمن، ويمكن أن يمتد نشاطها التجاري خارج النطاق الجغرافي للدولة بحرية.
  3. المصلحة الاقتصادية Economic Interest:
    تعظيم الرفاهية الاقتصادية للدولة أو مجموعة دول بالنسبة للدول الأخرى.
  4. المصلحة العقائدية Ideological Interest:
    حماية وتدعيم مجموعة من القيم التي يشترك فيها المواطنون والدولة أو مجموعة دول، والاعتقاد في صلاحيتها في كل العالم، مثل (عقيدة العلمانية والليبرالية والحرية والديمقراطية..الخ)

المصلحة الدفاعية (عند التهديد)
مصلحة النظام الدولي (عند الحاجة للنظام الدولي)
المصلحة الاقتصادية (عند الضعف الاقتصادي)
المصلحة العقائدية (في حالة الاستقرار)والعلاقات بين هذه المصالح الأساسية الأربع يمكن إيجازها في الآتي:

أ‌. يوجد ترتيب افضلية للمصالح الأربعة (بصورة عامة)

حيث اننا نرتب المصالح الأربعة أعلاه وفق الترتيب الآتي:
المصلحة الدفاعية.
مصلحة النظام الدولي.
المصلحة الاقتصادية.
المصلحة العقائدية.

ولكن قد تتقدم بعض المصالح في فترة معينة وظروف معينة وتتأخر الأخرى.

وتعد المصلحة الدفاعية مقدمة على غيرها، اذ ما لم تتحقق المصلحة الدفاعية ـ سواء عن طريق قوة دفاعية قوية، أو بالتحالف مع قوى كبرى، أو كليهما ـ فلن يصبح لأي من المصالح الثلاث الأخرى أي أهمية، وقد تسخر بقية المصالح الثلاثة خدمة للمصلحة الدفاعية العامة.

ب‌. ينبغي موازنة المصالح الاربعة لتحقيق المصلحة القومية العامة.

على سبيل المثال: قد يضحى في بعض الأحيان بالمصالح الاقتصادية للدولة لصالح مصلحة النظام الدولي، والتي تشمل دولة أخرى تحتاج الدولة لصداقتها وتعاونها لصالح الاستقرار في جزء مهم من العالم.

والمثال الواضح لذلك هو الصادرات اليابانية والكورية الجنوبية من السيارات والتليفزيونات وغيرها من الأجهزة الالكترونية والكهربائية إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

ج. تحديد أولويات المصالح الأربعة:

ان المصلحة العقائدية تُعَدّ بصفة عامة مهمة في تحديد ردود أفعال الحكومة للموضوعات الدولية.

يتم تحديد أولويات المصالح القومية حسب الظروف الموضوعية حينها.
وتتدخل في تحديد تلك الأولويات ايضاً (السياسات البيروقراطية وجماعات الضغط داخل الدولة)

ففي فترة الخمسينيات، وحينما بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تملك موارد لا حدود لها، تلقت المصالح الأربع دعماً قوياً.

إلا أنه خلال فترة السبعينيات، وحينما قُيد الاقتصاد الأمريكي بسبب حرب فيتنام، وانخفاض القدرة التنافسية للولايات المتحدة الأمريكية أمام ألمانيا واليابان وبعض الدول الأخرى، اضطرت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية لإعطاء أولوية متقدمة للمصالح الاقتصادية وأولويات بدرجة اقل إلى حد ما لمصالح النظام الدولي.

وفي عام 1977، أعطت الولايات المتحدة الأمريكية أولوية متقدمة للمصلحة العقائدية أكثر منها في الأعوام السابقة، بسبب حالة الاستقرار التي مرت بها.

قبل الحرب العالمية الثانية، لم تعط الولايات المتحدة الأمريكية اهتماماً كافياً لمصلحة النظام الدولي، إذ كانت امريكا تعتقد أنها تستطيع أن تكون في أمان ورخاء، دون التورط بالدخول في عصبة الأمم أو في أي تحالفات.

وفي فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، غيرت الولايات المتحدة الأمريكية من موقفها، وقررت إعطاء عناية أكبر لصالح النظام الدولي، وذلك نتيجة لتمزق التركيب القديم للعلاقات الدولية نتيجة للحرب، وظهور قوى قد تشكل خطراً على المصالح الامريكية مستقبلاً، مثل الاتحاد السوفيتي.

وبدلاً من العزلة التي كانت فيها الولايات المتحدة الأمريكية، ظهرت بعض الأفكار الأمريكية، مثل:
مشروع مارشال لإعادة تعمير أوروبا ١٩٤٧
وعقيدة ترومان التي دعت إلى مساعدة اليونان وتركيا لتحجيم الضغوط السوفيتية في شرق البحر المتوسط ١٩٤٨
وحلف شمال الأطلسي ١٩٤٩

وبالطبع لم تكن أي من هذه الخطوات للسياسة الخارجية الأمريكية، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بين عامي 1947-1949 ضرورية للدفاع المباشرعن أمريكا الشمالية.
إلا أنها كانت تعتبر ان التدخل الذي تم خارج الحدود كان مطلوباً للمحافظة على النظام الدولي لفترة ما بعد الحرب.

فقد خرجت الولايات المتحدة الأمريكية من الحرب العالمية الثانية أعظم قوة مؤثرة في العالم، وقد رغبت في البقاء كذلك.

إن المصالح القومية الأربع الأساسية هي عناصر ديناميكية تحدد سلوك الدول.

والتغيرات في درجة أسبقية المصالح فيما بينها غالباً ما تُقاس بالسنين وعشرات السنين، وليس على فترات زمنية قصيرة.

ويُعَدّ تحديد المصالح القومية الأساسية، التي تتواجد في الأزمات الخارجية، الخطوة الأولى في تحديد السياسة الخارجية للدولة.

والخطوة التالية هي التحليل الصحيح لدرجة أهمية هذه المصالح، أو المكاسب القومية التي يعتقد بوجودها القادة السياسيون لدولة ما.

فقد يكون اهتمام الدولة كبيراً في إمكانية حدوث تغيير للنظام السياسي بالقوة في دولة أخرى صديقة.
إلا أن درجة أهمية هذا الاهتمام ستعتمد على عدد من العناصر، من بينها:
بُعد الدولة الصديقة عن حدود هذه الدولة.
وتكوين اتجاهات الحكومة الجديدة.
والاستثمارات والتجارة مع الحكومة الجديدة.
والعلاقات التاريخية بينهما.

كما يجب أن يضع صانعو السياسة في الحسبان التكاليف المحتملة لأي أعمال إيجابية قد يتخذونها.
وبذلك، فإن درجة أهمية المصلحة يعتمد على تحليل المكاسب والخسائر التي يدركها القادة السياسيون لهذه الدولة.

أن إجراءات تحديد أهمية المصلحة والتي ترى الدولة اتخاذها تتضمن إيجاد التوازن المطلوب بين المصالح الأربع الأساسية التي ذُكرت من قبل.

نظرية توازنات القوى والمصالح (ج٤)

سلسلة محاضرات السياسة الاستراتيجية

نظرية توازنات القوى والمصالح

المحاضرة الرابعة:

رابعاً: المدلولات الرئيسية لميزان القوى:

  1. المدلول العلمي لميزان القوى:
    هو توازن يتحقق بين الدول بصورة عفوية وتلقائية.
    حيث إنه ليس هدفاً تسعى الدول إلى تحقيقه، وإنما تسعى في الأصل إلى تحقيق هامش من التفوق بمحاولة الإخلال بالاتزان الموجود، ونتيجة لذلك يتحقق التوازن.
  2. المدلول النمطي (السياسي) لميزان القوى:
    هو توازن يتحقق بين الدول بصورة مقصودة ومستهدفة.

ومن مميزات هذا التوازن:

أ‌. له برنامج عمل تطبقه الدولة في المجال الخارجي تحقيقاً لهدف معين.
وهذا التوازن يرتبط بما يجب أن يكون وليس بما هو قائم فعلاً، لذلك فهو توازن مقصود ومستهدف.
وقد أظهر هذا المدلول ما يعرف بسياسات ميزان القوة كأدوات دبلوماسية.

ب‌. يبقي هذا المدلول على التوازن الدولي، إذ لا تستطيع أي دولة أو أكثر أن تهاجم ما عداها دون أسباب مقبولة.

ج. يُعرف ميزان القوى هنا بأنه الإبقاء على حالة من الاتزان بين أعضاء الجماعة الدولية، حيث لا تتمكن أي من الدول من زيادة قوتها الى الحد الذي يمكنها من فرض إرادتها على باقي الدول.

هـ. تتنوع سياسات ووسائل وتقنيات تحقيق ميزان القوى من المدلول النمطي أو السياسي كالآتي:

(1) سياسة المؤتمرات:
عقد مؤتمر او سلسة مؤتمرات بين زعماء او ممثلي الدول المعنية، بغية احداث حالة توازن بينها ينهي الصراع القائم، يتم فيها صياغة بعض المقررات والتفاهمات لتوزيع القوى بين الأطراف المتصارعة في إطار الشرعية الدولية والتي عرفها هنري كيسنجر بأنها لا تعني العدالة أو الحق، وإنما هي اتفاق دولي بشأن طبيعة الترتيبات والقواعد التي تحكم سلوك الدول في علاقاتها المتبادلة.
من امثلة ذلك:
سلسلة مؤتمرات جنيف عام 2015 وبلغت حتى الان 8 مؤتمرات.
واستانا عام 2017 وبلغت حتى الان 16 مؤتمر.
وبروكسل حول سوريا عام 2017 وبلغت حتى الان 6 مؤتمرات.
وسوتشي عام 2018
(2) سياسة فرق تسُد:
وتعمل فيها دولة ما على إضعاف الدولة المعادية من طريق:
أ‌- إشاعة الفرقة بينها وبين حلفائها أو الدول الموالية لها.
مثال ذلك (ما فعلته الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفيتي)

ب‌- محاولة الإبقاء على مجموعة من الكيانات الضعيفة في حالة تفكك وانقسام.
مثال ذلك (الصراع العربي الإسرائيلي) وما فعلته أمريكا مع الدول العربية لتبقيها ضعيفة وفي حالة تفكك وانقسام.

ت‌- العمل على تفتيت قوة كبيرة، أو عرقلة قيامها.
مثال ذلك (ما فعلته الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفيتي)
وما تحاول فعله اليوم مع الجمهورية الإسلامية، ومع روسيا الاتحادية والصين.

(3) سياسات التحالف:
وتعني تجمع دولتين أو أكثر لمواجهة قوة أخرى، بمعنى الاتفاق بين دولتين أو أكثر على تدابير معينة للحماية من قوة أخرى تهدد أمن هذه الدول.
مثال ذلك: (حلف الناتو)

وتتسم التحالفات عند تعدد القطبية بالمرونة والتبدل، فحليف اليوم عدو الغد، لذلك نجد أن من بين أسس التحالفات أن يُبْقى على الدول المهزومة في حالة من القوة، تحسباً لتبدل موازين القوى الدولية، حين البحث عن حلفاء للغد عند الاختلاف مع حلفاء اليوم.

(4) سياسة حامل الميزان:
ويُقصد بها إلقاء ثقل الدولة إلى جانب دولة معرضة للتهديد، هذه الدولة تُعَدّ حاملة للميزان بدلاً من أن تكون إحدى كفتيه، وذلك بسبب أنها على درجة من القوة تمكنها تقرير أو التلويح بانحيازها إلى أي من المحاور المتصارعة، ومثال ذلك (روسيا وتعاملها مع الحرب الآذرية الارمينية الأخيرة)
وشروط أن تقوم دولة ما بهذه السياسة وممارسة هذا الدور كالآتي:

(أ‌) أن تكون الدولة في موقع قوة في المجتمع الدولي، حيث يمكنها التأثير في علاقات القوة.

(ب‌) ألا يكون لهذه الدولة مصلحة سوى الإبقاء على توازن القوى للدول المتصارعة.

(ت‌) أن تكون هذه الدولة لديها حرية الحركة وغير مرتبطة بأي من الأطراف المتصارعة.

(5) سياسة التعويضات الإقليمية:
وتتم هذه السياسة عادة بعد انتهاء حالات الحروب، ويتم فيها ضم أو تقسيم أقاليم محددة بين الدول المتصارعة، بهدف إعطاء دولة ما اقتطع منها أو حصلت عليه دولة أخرى من قبل، كما أن اقتسام مناطق النفوذ للقوى الكبرى يُعَدّ جزءاً من هذه السياسة.

(6) سياسة المناطق الفاصلة (العازلة)
ويُقصد بها إيجاد كيانات ضعيفة ومحايدة بين الدول القوية، بهدف تقليل احتمالات الصدام المباشر.
وتستمد الدولة الفاصلة ذات الكيان الضعيف قدرتها على حماية استقلالها، على الرغم من ضعفها، بسبب إدراك الدول القوية أن أي محاولة للسيطرة عليها سيغير ميزان القوى لصالحها، الأمر الذي لن تقبله الدول الكبرى القوية الأخرى.
ولكن قد تفشل هذه السياسة، إذا ما تم الاتفاق بين الدول الكبرى على اقتسام هذه الكيانات الضعيفة.

(7) سياسة التدخل وعدم التدخل:
وهو أسلوب لحماية مصالح الدول المتدخلة.

سياسة التدخل:

التدخل الدفاعي:
قد يكون هذا التدخل دفاعياً، من خلال الإبقاء على الأوضاع الراهنة داخل الدولة المعنية.
مثل (تدخل روسيا في سوريا) (وتدخل أمريكا في أوكرانيا)

التدخل الهجومي:
وقد يكون التدخل هجومياً، عند تغيير الوضع القائم داخل دولة ما لعدم ملاءمته للمصالح الخاصة بالدولة أو الدول المتدخلة.
مثل (تدخل روسيا في أوكرانيا) (وتدخل أمريكا في سوريا)
وفي هذه الحالة:
قد يكون التدخل صريحاً بصورة عسكرية.
(مثل تدخل روسيا في أوكرانيا)
أو مستتراً من طريق العمليات السرية كالاغتيالات أو الانقلابات.
مثل (تدخلات أمريكا في قلب أنظمة الحكم عن طريق التظاهرات الشعبية المدعومة خارجيا)

سياسة عدم التدخل:
عند تطبيق سياسة عدم التدخل، فإن الهدف يكون:
للحفاظ على ميزان القوة بالوقوف على الحياد من نزاع معين.
أو حصر الحروب في نطاق ضيق.
أو بحماية حقوق المحايدين في زمن الحروب.

(8) سياسات التسلح ونزع السلاح والرقابة على التسلح:

سياسة التسلح:
بتطبيق سياسة التسلح تدخل الدول في سباق للتسلح، في محاولة للوصول إلى إحداث تفوق على بعض الدول.

سياسة نزع السلاح:
كما قد تلجأ بعض الدول إلى نزع السلاح كسياسة لإحداث توازن القوى، إلا أن افتقاد الثقة بين الدول قد تفشل هذا النوع من السياسات.

سياسة الرقابة على التسلح:
ويوجد أسلوب آخر باتباع سياسة الرقابة على التسلح، من خلال تنظيم التسلح، ووضع قيود على بعض الأنواع من الأسلحة.
ونظراً إلى صعوبة عمليات التفتيش والتحقق، فتوضع هذه السياسة في المرتبة نفسها لسياسة نزع السلاح.

(9) سياسة الإثناء:
وتتبع هذه السياسة عندما تسعى دولة ما للإخلال بميزان القوة، فتحاول بعض الدول الكبرى إثناءها عن هذا الإخلال.

ويتبع في هذه السياسة أسلوبان للتطبيق هما:
1- دبلوماسية الإثناء: أي الإثناء بالإقناع.
2- إستراتيجية الإثناء: أي الإثناء بالإكراه.

(10) سياسة الحرب:
تُعَدّ الحرب أو استخدام القوة العسكرية هي الملاذ الأخير لتحقيق توازن القوى، إذا ما فشلت كل أو بعض السياسات السابقة في تحقيق هذا الهدف.

  1. المدلول الأيديولوجي لميزان القوى:
    يذهب المعنى الأيديولوجي إلى وصف السياسات التبريرية والدعائية لدولة ما.
    فعندما يكون الميزان في صالحها، فإنها تدعي وجود توازن للقوى لتبرير المحافظة عليه.

وعندما يكون الأمر عكس ذلك، فإنها تحاول تبرير سياستها الهادفة إلى تعديل الوضع القائم بالادعاء باختلال توازن القوى ووجوب تعديله.
فتتخذ الدول في هذه الحالة ميزان القوى كسند للدفاع عن صورة معينة لتوزيع القوة في المجال الدولي، أو التنكر لها على مقتضى مصالحها الوطنية.


نظرية توازنات القوى والمصالح (ج٣)

سلسلة محاضرات السياسة الاستراتيجية

نظرية توازنات القوى والمصالح

المحاضرة الثالثة:

ثالثاً: مفهوم وأبعاد توازن القوى:

  1. معنى التوازن بشكل عام:
    يعني التوازن في مفهومه: الحالة المعتادة المستقرة. فيتحدث الناس دونما تفكير عن التوازن كرمز للحالة المعتادة المستقرة، وهذه الحالة ليست بالضرورة مثالية دائماً، ولكنها توحي بالاستقرار وعدم التوتر. ولكن الناس في كثير من الأحيان وعند تدقيق معانيهم يشيرون إلى ما هو أبعد من الاستقرار المعتاد إلى الحالة المثالية، لذلك تراهم يرفضون دوماً فكرة إمكانية وقوع حرب عالمية! وتستخدم جميع العلوم مصطلح التوازن، رمزاً للحالة المعتادة المستقرة.
    فيستعمل علم النفس مصطلح التوازن النفسي للتعبير عن الحالة العادية للإنسان العادي. ويستخدم علم الاجتماع مصطلح التوازن الاجتماعي لوصف المجتمع الخالي من التوترات. ويكثر علم الاقتصاد من استخدام التوازن لوصف الأوضاع المقبولة، فيقول التوازن بين العرض والطلب، والتوازن في التنمية، والتوازن بين الصادرات والواردات، والتوازن التجاري… إلخ.
    ويستخدم علم السياسة أيضاً مصطلح التوازن للإشارة إلى الحالة المستقرة على أسس عقلانية، فيقول: ان النظام قائم على توازن السلطات، كإشارة إلى نظام لا يخضع لهيمنة سلطة واحدة، كما يستخدم مصطلح قوى سياسية متوازنة.

إن التوازن في المعنى العام يشير إلى الحالة المستقرة التي لا تسيطر عليها قوى التطرف.

  1. توازن القوى:
    توازن القوى: هو نقطة التعادل بين قوتين متعارضتين. ومنها افتراض جمود توازن القوى وانعدام حركاته، أو على الأقل تحركه ببطء شديد، ومنها افتراضه كسياسة دولية مقصودة لذاتها بوصفها إدارة لحفظ الاستقرار الدولي. كيف ينشأ توازن القوى؟
    يقول المختصون بعلم السياسة الاستراتيجية: ينشأ التوازن في حالة إمكان دولة واحدة أن تحصل على تفوق ضخم وساحق في قواها، ما يهدد حرية الدول الأخرى واستقلالها، وهذا التحدي هو الذي يدفع الدول المحدودة القوة إلى مواجهة القوة بالقوة عن طريق التجمع في محاور أو ائتلاف قوى مضادة.
    وهذه إحدى طرق تكوين التوازن الدولي وليست الطريقة الوحيدة، وهي طريقة تكوين توازنات ما بعد الحروب الدولية.

وأن الدول حينما تسعى للحفاظ على وجودها وأمنها ومركزها الدولي من خلال عملية الصراع على اكتساب القوة، فإن رائدها في ذلك هو تحقيق توازن القوى، وهو في الوقت ذاته، سلاح في تنظيم استخدام القوة والسيطرة عليها.غير أن توازن القوى ليس سياسة بحد ذاتها تسعى الدول إلى تحقيقها وتجاهد من أجلها، فالدولة لا تسعى إلى التوازن، بل تسعى إلى التفوق والهيمنة، مما يؤدي إلى نشوء توازن القوة، فتوازن القوة ليس حالة مقصودة لذاتها، بل هو حالة يتوصل إليها بشكل عرضي من خلال السعي إلى التفوق. فالدولة الساعية إلى التفوق تجد نفسها في وضع الدول المتوازنة في لحظة تاريخية ما.

  1. أشكال توازن القوى:
    ليس لتوازن القوى صورة واحدة، فعلى الرغم من أن فكرته الجوهرية هي توزيع القوة بين الأطراف الدولية، إلا أن هذه الأطراف قد تزيد أو تنقص.

التوازن متعدد الأقطاب:
أثناء الصراع، قد تصل عدد قليل من الدول إلى حالة من التعادل النسبي في القوة، فيتشكل بينهما توازن للقوى، يعتمد على تعدد الأقطاب الدولية.

وقد أطلق على هذا النوع من التوازن (التوازن المتعدد الأقطاب ـ أو التوازن المركب وأحياناً التوازن المعقد، بحكم تعقد العلاقة المعتمدة على كثرة التحالفات بين الأقطاب أنفسهم)

التوازن الثنائي (البسيط) :
قد يسيطر على توازن القوى دولتان، فيصبح التوازن ثنائي الأطراف، وقد أُطلق على هذا التوازن (التوازن البسيط) فهو توازن يقوم على وضوح بروز قوتين عظميين.

توازنات أخرى:
ذكرنا أنفا الصور الرئيسية لتوازن القوى، لكنه كما يقول أرسو “ليس هناك من الرياح سوى الشمالية والجنوبية، أما بقية الرياح فهي مشتقة منها”
فكذلك التوازن هو بسيط أو مركب، لكن هذين الشكلين الرئيسيين للتوازن ينتجان أنواعاً أخرى:

مثل التوازن المرن والتوازن الجامد.
أو توازن الأنظمة المتجانسة أنواعاً.
وتوازن الأنظمة المتنافرة.
وتوازن الأنظمة المعتدلة والأنظمة الثورية.

أ. توازن القوى المتعدد الأقطاب:
هو التوازن الذي يتكون من قوى كثيرة تعمل على موازنة بعضها بعضاً.
فهو توازن لا تقل أطرافه عن ثلاثة، يترتب عليه الاستقرار وحفظ استقلال هذه الأطراف مهما كان أحدهم ضعيفاً.ويتصف التوازن المتعدد الأقطاب بالخصائص الآتية:

(1) الكثرة النسبية لأطرافه وبما لا يقل عن ثلاثة أطراف، سواء كانت الأطراف دولاً أو كتلاً تتكون كل منها من عدد من الدول.

(2) الطبيعة التنافسية، وتلك هي الخاصية الجوهرية التي تقود إلى الاستقرار والسلام.

(3) خضوع الأطراف وقبولهم لمبادئ تنافس تتصف بظهور قواعد شرعية مقبولة من الأطراف جميعاً مثال (الأمم المتحدة، مجلس الامن الدولي، المحكمة الدولية)

(4) تحقيق الاستقرار والسلام.

ب. التوازن البسيط (التوازن الثنائي):
هو الصورة الأكثر وضوحاً، ويقوم هذا التوازن عند وجود دولتين أو كتلتين متعارضتين في حالة من التعادل النسبي.
والواقع أن هذا التوازن ينشأ عادة في شكل وجود كتلتين دوليتين، غير أن ذلك لا يمنع من قيامه بين دولتين أيضاً.
ويغلب على توازن القوى البسيط بين دولتين أن يكون توازناً إقليمياً، أما التوازن الدولي العام فالصورة الغالبة له هي توازن الكتل.
لكن وجود الكتلة الدولية يعتمد على وجود دولة قطب تكون بمثابة النواة، التي تتجمع حولها مجموعة من الدول الأضعف للاحتماء بها أو التحالف معها (الولايات المتحدة مثالا) ومن ثَم، تكوين كتلة دولية واحدة (حلف الناتو مثالا) ولأن هذا التوازن يعتمد على دولة قطب، فإنه كثيراً ما يبدو توازناً بين دولتين.

وخصائص التوازن البسيط هي:

(1) ينشأ التوازن البسيط غالباً كنتيجة حتمية لتوازن القوى المركب.
فبما أن هذا الأخير يتصف بالحركية فإنه يشهد جملة من تحالف الدول، بقصد الحفاظ على المصالح الوطنية لهذه الأطراف.
إن فترة التحالفات التي يشهدها توازن القوى المركب هي التي تتسم بالاستقرار والسلام، فالوسائل الدبلوماسية في هذه المرحلة هي الأكثر طغياناً، أما عند تشكيل توازن القوى البسيط فإن الدبلوماسية تصبح أقل فاعلية.

(2) توازن القوى البسيط يشكل مرحلة الاقتراب من الحرب ويؤدي إليها.
إن المدلولات الإستراتيجية لتوازن القوى المركب يؤدي إلى الاستقرار بسبب الطبيعة التنافسية التي تتيح العمل الدبلوماسي.
أما توازن القوى البسيط فإن طبيعته هي المعارضة المباشرة والتنافس السافر.

(3) توازن القوى البسيط لا يخلق سوى فترة استقرار قصيرة الأمد، وهي الفترة الضرورية للإعداد إلى الحرب، وهذا الاستقرار يتصف بالقلق والاضطراب أياً كانت مدته.
وحيث إن التحالفات تسبق التشكيل النهائي للتوازن، لذلك فإن الحرب لا تبدأ إلا بعد التأكد من متانة هذه التحالفات.

ج. التوازن المرن والتوازن الجامد:
يقول ريمون أورن، إن ميزان القوى ليس من طبيعة واحدة، ولا يخضع دائماً لعدد الأطراف المكونة لهذا التوازن، بل يخضع أيضاً لطبيعة الدول والأهداف التي يلتزم بتحقيقها أولئك الذين يسيطرون على السلطة.

(1) التوازن المرن:
هو الذي يقوم بين دول تنتمي إلى فكر سياسي واقتصادي واجتماعي موحد أو متجانس، ولذلك يُطلق عليه أحياناً توازن الأنظمة المتجانسة أو توازن الأنظمة المعتدلة.

(2) التوازن الجامد:
هو، على العكس، يقوم بين دول تنتمي إلى نماذج فكرية أو سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو حضارية متناقضة أو متنافرة، ولذلك يُطلق عليه أحياناً توازن الأنظمة المتنافرة أو الأنظمة الثورية.من خلال استعراض الأشكال المختلفة للتوازنات، نرى أن المرونة والجمود هي أوصاف تلحق بالنوع الأصلي للتوازن، فتجعل له أشكالاً أخرى فرعية، فقد يكون التوازن بسيطاً ومرناً، أو بسيطاً وجامداً، كما يكون مركباً ومرناً أو مركباً وجامداً، لكن الحرب ترتبط بنوع التوازن لا وصفه، فالتوازن المركب هو توازن الاستقرار، دون النظر إلى وصفه، فتوازن ما بين الحربين في مرحلته الأولى 1918-1936 كان توازناً مركباً وجامداً. إن أنظمة التوازن المركب في تلك الفترة السابقة، كانت متعددة ومتناقضة فكرياً وسياسياً، فقد شمل الدول الديموقراطية الغربية وروسيا الشيوعية وإيطاليا الفاشية، لكن هذه الأنظمة استطاعت التعايش بسبب طبيعة التوازن المركب.

وعلى العكس، فإن توازن ما قبل الحرب العالمية الأولى كان توازناً مرناً، لأنه يضم أنظمة ليست متناقضة، لكنه توازن مضطرب بحكم تحوله إلى توازن ثنائي، ومع أن أطرافه متجانسة فكرياً وسياسياً، إلا أنها دخلت الحرب.الحرب والسلام يرتبطان بنوع من التوازن، والمرونة والجمود يلعبان دوراً كبيراً في حركة التوازنات.

المرونة تساعد على التهدئة وربط نسج التحالفات.
أما الجمود فإنه يدفع بالتوازن نحو سرعة الحركة والتحالف والتكتل.

إذا كان التوازن مركباً ومرناً، فإن الاستقرار يدوم لفترة طويلة.
أما إذا كان جامداً فإن الاستقرار يكون قصيراً.
لأن المتناقضات الحادة تدفع نحو التحالف والتكتل وسرعة الميل بالتوازن من طبيعة المركب إلى الثنائية، ما يعجل بالحرب.

فالقاعدة والاستنتاج هي أن المرونة والجمود هما روح التوازن وسر حركته.

  1. التوازن الإقليمي وأثره في التوازن الدولي:

ويطلق عليه أحياناً توازن القوى الرئيسي أو التوازن المسيطر، لأنه ينظم علاقات القوى الرئيسية المسيطرة على السياسة العالمية. وهو على أهميته وشموله، يعتمد على توازنات أخرى ذات طابع محلي يتأثر بها وتتأثر به، وهو ما يطلق عليه التوازن الإقليمي أو التوازن الفرعي.

وهي أشكال من التوازنات تتكون داخل أطر جغرافية محدودة، تجمع عدداً من الدول في علاقات تتسم بالصراع على السلطان والنفوذ في هذا الإطار الجغرافي المحدود.

مثال: مثلث القوى الإقليمي في منطقتنا حالياً: تركيا – السعودية – ايران
مثال آخر: الصراع العربي الإسرائيلي.

وكمحصلة للصراع الاقليمي، فإن دولاً محدودة تصل إلى مرحلة التعادل أو شبه التعادل في القوة، ما يؤدي إلى قيام توازن قوى اقليمي يتحكم في سلوك الدول ويضبط علاقات بعضها بعضا، ويكون التنافس بين أقطابه أيضا بالأساليب السلمية وينتهي بالحروب، مثله في ذلك مثل توازن القوى العالمي.

وتوازن القوى الإقليمي، مثل توازن القوى العالمي، يخضع لنفس القواعد، ويتسم بخصائص مشابهة إلى النتائج عينها تقريباً، ولكنه يلعب دوراً كبيراً، إذ إنه يؤثر تأثيراً مباشراً في الصراع العالمي، ويؤدي إلى حسمه أحياناً.

ولا توجد مبالغة كبيرة في القول إن الصراعات العالمية الكبرى تعتمد في تطوراتها ونتائجها على ما يجري في الصراعات والتوازنات الاقليمية.

إن هذه القاعدة أصبحت اليوم أكثر أهمية، وخاصة في ظل وجود أسلحة نووية، إذ تراجعت فرص الحروب المباشرة والواسعة بين القوى الكبرى، أركان التوازن العالمي، فاستعيض عن ذلك بالصراعات الإقليمية المحدودة، حيث يتدخل كل طرف دولي في هذا الصراع، بقصد تحقيق مكاسب إقليمية تزيد رصيده في ميزان القوى العالمي وتحطم معسكر خصمه.

فإذا كثرت المكاسب في مناطق الصراع لصالح طرف معين، فإن توازن القوى العالمي يتحول نحو الطرف المنتصر، وهو ما حدث أثناء الحرب الباردة وبعدها، في منطقة الخليج العربي ومنطقة الشرق الأوسط.

توجد شروط عدة لهذه العلاقة، وهي:

أ. أهمية الطرف الإقليمي لدى الدول العظمى:
من شروط تأثير التوازن الفرعي الاقليمي في التوازن الرئيسي العالمي، أن يكون للطرف الإقليمي أهميته وقدراته العسكرية والاقتصادية والجغرافية، كي يستطيع أداء دوره لحساب القوى العالمية، وليحقق لنفسه مكاسب مهمة علي الصعيد الإقليمي.

في كل توازن اقليميي يظهر عدد من الأطراف، لكنها ليست على المستوي نفسه من الأهمية والقدرة، فبعضها لا يستطيع تجاوز الدور الاقليمي والاحتماء بالقوى الاقليمية، لأن قدراته العسكرية أو الاقتصادية لا تمكنه من أداء دور قيادي، ففي التوازن الإقليمي الآسيوي مثلاً، لا تستطيع دول مثل سنغافورة، أو لاوس .. القيام بدور جوهري، لأنها ذات قدرات محدودة لا تمكنها من خوض الصراع المستمر.

ب. إدراك الاقطاب الدولية لأهمية توازن القوى الإقليمي:
تشارك الأقطاب الدولية في الصراعات الإقليمية، من أجل زيادة مكاسبها ودعم مكانتها في توازن القوى العالمي.
والدول العظمى لا تخوض في الصراع الاقليمي، إلا إذا أدركت أهمية ذلك الصراع، ووجدت الطرف الإقليمي المناسب الذي يجب دعمه والاستفادة من دوره، وعلى الطرف الدولي بناء استراتيجية واضحة لضمان تفوق الطرف الإقليمي في الصراع.

ويُعَدّ الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وحرب تحرير الكويت مثالين لإبراز مسألة إدراك الطرف الدولي لأهمية الصراع الإقليمي وقدرة أطرافه.

ج. وجود مصالح مشتركة بين الطرفين الدولي والإقليمي:
هذه المصالح ذات طابع إستراتيجي، إما عسكرية أو اقتصادية أو ثقافية أو تاريخية.
فمن دون وجود المصالح، يغدو التحالف بين الطرفين هشاً ومرحلياً، وكلما ارتفع مستوي هذه المصالح، كان التحالف متماسكاً وقوياً.

لذلك فإن التوازن الإقليمي يلعب دوراً أساسياً وفاعلاً في توازن القوى العالمي.

فإذا كانت الحرب العالمية الواسعة أصبحت مستبعدة، فإن الحروب القادمة ستأخذ الطابع الإقليمي. حيث تستطيع القوى الكبرى مواجهة بعضها خارج أراضيها ودون خسائر مباشرة تقع على مدنها وسكانها ومواردها.
وهي تستطيع عن طريق التوازن الإقليمي تعديل ميزان القوى العالمي لمصلحتها، سواء بالحفاظ عليه، أو تحطيمه.
إن هذا هو الدرس المستفاد الذي أفرزته الحرب الباردة، وأحد أهم الدروس من حرب تحرير الكويت، والصراع العربي ـ الإسرائيلي.

لكن يبقى الحذر وارد بالنتيجة من انزلاق الأمور نحو حرب عالمية بين الأقطاب الدولية، اذا ما تطورت الصراعات الإقليمية الى مرحلة الانغلاق او الاستقرار الطويل الأمد مما يجعل الأقطاب الدولية تتجه نحو مواضع صراع أخرى مجاورة لبعض الاقطاب، كما حدث في الصراع الأمريكي الروسي في سوريا، والذي أدى الى انتقال الصراع الى جوار روسيا في أوكرانيا وبقية دول شرق اوربا الحليفة لبقية الأقطاب الدولية.


نظرية توازنات القوى والمصالح (ج٢)

أسس توازنات القوى

ثانياً: المفاهيم النظرية لتوازنات القوى:

للدول العظمى ثلاث مستويات محتملة من الاوضاع:

1- الحد الأدنى: التراجع والتحول من دولة عظمى الى دولة عادية.
2- الحد الأوسط: المحافظة على الوضع الراهن كدولة عظمى.
3- الحد الأعلى: تطوير الدولة وتوسيع النفوذ نحو الهيمنة العالمية.

مفهوم التوازن:
التوازن: هو وصف لحالة تعادل وتكافؤ في المقدرات (الإمكانات أو مصادر القوة) بين عدة جهات متضادة، يكون بينها قدر من الترابط، وقد تؤدي إلى الاستقرار.
بحيث تضمن هذه الحالة للدولة/ التحالف ردع أو مجابهة التهديدات الموجهة ضدها من قبل الجهة الاخرى، والعمل لأجل لعودة إلى حالة التعادل والتكافؤ عند حدوث أي خلل فيها بما يحقق الاستقرار”.
ويُطلق على هذا المفهوم أيضاً التوازن الإستراتيجي.

المقصود بمقدرات لدولة/ تحالف دول هي المقدرات (البنائية والسلوكية والقيمية)

المقدرات البنائية: هي مجموعة القوى القومية الشاملة للدولة او لمجموعة دول متحالفة وهي تمثل:
مواردها الطبيعية.
وموارد أخرى يمكن توفيرها او الحصول عليها (مكتسبة)
وهنالك مقدرات ثالثة غير ملموسة.
ومن امثلة المقدرات البنائية: (الجغرافيا السياسية، القوة السياسية، القوة الاقتصادية، القوة العسكرية، القوة الإعلامية، القوة الحضارية، الإرادة القومية …الخ)

التوازن في المقدرات البنائية: يعني تقارب الجهتين من حيث امتلاكها لتلك المقدرات.

المقدرات القيمية: هي معيار الرضا والقبول أو الرفض لوضع الدولة/ التحالف في التوازن القائم، بمعنى انه هل لذلك التوازن القائم قيمة لدى أطراف التوازن ام لا، وتبعا لهذا المعيار يكون ذلك التوازن فاعل ومؤثر او العكس.

التوازن في المقدرات القيمية: يعني رضا وقبول الطرفين بالتوازن القائم الى حد ما.

المقدرات السلوكية: هي الأساليب المتوافرة التي تسلكها الدول العظمى/ التحالفات، لإجراء تغييرات في التوازنات الدولية، لكي يكون لذلك التوازن قيمة لديهم أي انه ينال رضاهم، حيث ان نظرة طرف من الأطراف الدولية بالرضا على التوازن القائم، قد يقابله عدم رضا من طرف دولي آخر.

التوازن في المقدرات السلوكية: يعني سلوك الطرفين او احد الأطراف للعمل على اجراء تغييرات في التوازن بحيث يصبح التوازن مناسبا له.

مثال على ذلك: ان الوضع الدولي القائم بالأمس كان يرضي الولايات المتحدة لأنه يضمن لها تحقيق مصالحها وفرض قواها، لكنه لا يرضي روسيا لأنه لا يحقق لها طموحاتها في تحقيق مصالحها وفرض قواها، بل لا يحقق لها الحد الأوسط وهو الاستمرارية على الوضع الحالي كدولة عظمى، ناهيك عن تطوير الدولة والسعي نحو الهيمنة العالمية، لذلك تحركت روسيا باتجاه احتلال أوكرانيا لأجل تحقيق التوازن المطلوب.

مستويات أوضاع الدول/ التحالفات:

الحد الأدنى: لا يرضي هذا الحد أي دولة من الدول العظمى.

الحد الأوسط: يكون هذا الحد مرضياً بصورة مؤقتة، الى حين التهيئة والاستعداد لفرض الهيمنة.

الحد الأعلى: هو الحد الذي تسعى اليه كافة الدول العظمى والاحلاف الكبرى للوصول اليه لغرض تحقيق الحدود العليا من مصالحها وطموحاتها وآمالها وتطلعاتها، وكذلك فرض قواها بصورة مطلقة.

المشكلة في الحد الأعلى انه لا حدود منطقية له، حيث ان الاحلاف الكبرى اذا ما افترضنا ان احدها بلغ ذلك الحد الأعلى من تحقيق مصالحه وفرض قواه وهيمنته على كافة دول العالم ومقدراتها، فإنه بعد ذلك سوف يحدث خلل بين دول التحالف ذاته من خلال سعي بعضها للتوازن مع الأخرى وهكذا يتجدد صراع التوازن بين دول الحلف حتى يبلغ الامر الى ان تسعى احدى دول الحلف الى تحقيق الحد الأعلى من مصالحها وفرض قواها على بقية دول التحالف وعلى العالم كله، وبعد ذلك يقع الصراع داخل تلك الدولة العظمى المهيمنة على العالم اما من خلال تجدد صراع توازن بين ولايات ومدن تلك الدولة، او من خلال وقوع الصراع بين الأحزاب الحاكمة او بين مؤسسات الدولة، حتى تأول الأمور الى هيمنة حزب معين ويستمر الصراع بالتشعب والتفرع الى ان يصل الى مرحلة تسلط الافراد (الديكتاتورية الفردية)
وهذا الفرد الديكتاتور لن يتوقف نحو بلوغ غاياته وطموحاته حتى يستعبد اهل الأرض جميعا، ويرضي طموحاته المتنامية بالتعذيب وسفك الدماء والفساد …الخ

هكذا كلما بلغ نوع من أنواع التوازن ذروته فإنه يبدأ بالانحدار نحو الهاوية.

وهذا ما حدثنا عنه القرآن الكريم باعتباره سنة من سنن الخليقة ومكر إلهي مندرج تحت منهج فطرة التكوين.
قال تعالى (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) الأنبياء: 22

وقال عز وجل (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) المؤمنون: 91

يشير الله تعالى عز وجل وفق الفرض بأنه لو كان في الوجود الهين مستوفيين لصفات الاله، لوقع الاختلاف والصراع بينهما ولذهب كل اله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض، فلن ينتهي صراعهما الا بفناء احدهما او فناء الاثنين معاً!

الان نحن إذا ما دققنا في أحوال الدول والتحالفات العظمى في الأرض، وتابعنا مسيرتها سوف نتمكن من استشراف مستقبلها، فقد لاحظنا الولايات المتحدة كيف بلغت قمة عظمتها وتحقيق مصالحها وفرض هيمنتها على العالم، بعد ذلك بدأت الطموحات الجماعية والفردية للأحزاب والقيادات الامريكية تطفو الى السطح وتوقع الصراع فيما بينها.

اذن فالتوازن الاستراتيجي: هو الحالة التي تتعادل وتتكافأ عندها المقدرات البنائية والسلوكية والقيمية لدولة/ تحالف دول مع جهة أخرى متنافسة معها، مما يؤهلها لإحداث توازنات قوى ومصالح فيما بينها.


نظرية توازنات القوى والمصالح (ج١)

أسس توازن القوى

اولاً: مفهوم القوة:

القوة تمثل كل شيء في الوجود، فبدون وجود القوة ينعدم الوجود نهائياً، والحديث هنا عن الوجود بمعنى الوجود المتوازن لا الوجود المجرد العبثي غير العاقل.
بدون قوة الجاذبية الكونية ينعدم الكون، إذ تتصادم المجرات مع بعضها، تتفكك، تتناثر كواكبها ونجومها، وعلى مستوى كوكبنا فيما لو انعدمت الجاذبية فسوف يتناثر كل شيء على وجه الكرة الأرضية في الفضاء وينعدم، وحينها يصبح الوجود عبثياً.

القوة الكامنة في الجزيئات والذرات وأجزاء الذرات تمكن النظام من البقاء، والقوة الكامنة في روح وجسد الانسان تمكنه من العيش، فبلا قوة لن يستطيع الانسان من الحراك ولا الاكل ولا الشرب ولا حتى التنفس، ناهيك عن الحياة الاجتماعية فهي الأخرى تحتاج الى استخدام القوة، فلولا قوة الجاذبية العاطفية وسواها بين الرجل والمرأة ما كانت البشرية لتتكاثر، ولولا قوة الفكر لما استطاعت البشرية الاستمرار، وهكذا تتعدد أنواع القوة بحسب تعدد مجالات استخدامها.
والحصيلة انه لا يوجد نظام من دون أن تكون القوة هي جوهر الأسس التي يستند إليها ذلك النظام.

تعريف القوة: هي امتلاك القدرة على التأثير.

انوع القوة في الحياة:
هنالك أنواع متعددة من القوة وتعددها ذاك هو بحكم تعدد أمور الحياة وتفاصيلها.

نذكر بعض من أنواع القوة:

1- القوة الاستراتيجية مثال: (القوة النووية)
2- القوة السياسية.
3- القوة الدبلوماسية.
4- القوة العسكرية (الفضائية – الجوية – البرية – البحرية)
5- القوة الاقتصادية.
6- القوة الإعلامية.
7- القوة الثقافية.
8- قوة التكنولوجيا.
9- القوة الجغرافية.
10- قوة الديموغرافيا.
11- قوة التأريخ.
12- قوة العملة.
13- الجاذبية.
14- قوة القانون.
15- قوة الدولة.
16- قوة الشعب.
17- القوة الناعمة.
18- قوة الكثرة.
19- قوة الخبرة والحكمة.
20- قوة الحلم والصبر.
21- قوة الجسد.
22- قوة الإرادة.
23- قوة الجمال.
24- قوة الذكاء والفطنة.
25- قوة الغضب.
26- قوة الهوى.
27- قوة العقل.
28- قوة الفهم.
29- قوة المعرفة.
30- قوة الهداية.
31- القوة الروحية (قوة الايمان والعقيدة)
32- قوة التقوى.
33- قوة الدعاء.
34- قوة الاحسان.
35- قوة الكرم.
36- قوة الشجاعة.
37- قوة الغيرة والمروءة.
38- قوة الحب.
39- قوة البغض.
40- قوة الخوف.
41- القوة الشيطانية (الوسوسة)
42- قوة تسويل النفس.
43- قوة السحر والشعوذة.
44- قوة الحسد.
45- قوة الكاريزما.
46- قوة اللباقة.
47- قوة الاغراء.
48- قوة الحماسة.
49- قوة اليد (الامر بالمعروف والنهي عن المنكر)
50- قوة اللسان.
51- قوة القلب.
52- قوة الحاسة السادسة.
53- قوة العاطفة والمشاعر.

والامثلة كثيرة.

ارتبط مفهوم القوة عموماً بمفاهيم أخرى مرتكزة عليه مثل:
• التفوق على الخصم.
• البقاء للاقوى.
• التأثير في الاخرين.
• تحقيق الاحلام والامال.
• فاعلية الإرادة.
• تحقيق المصالح.
• فرض النفوذ.
• خلق مركز قوة.
• صنع واقع معين.

القوة السياسية:
هي القدرة على عمل شيء لغرض التأثير في الاخر، وذلك لجعل الآخر يقوم بعمل لم يكن ليقوم به دون استخدام القوة.
أي بمعنى القدرة على فرض الإرادة على الاخرين بالسيطرة على تفكيرهم وسلوكهم.

فالقوة السياسية هي علاقة نفسية بين من يمارسونها ومن تمارس ضدهم.
حيث تمنح القوة ممارسيها سيطرة على بعض اعمال الاخرين عن طريق النفوذ الذي يفرضونه على عقولهم بأسلوب الأمر او التهديد او الاقناع او بمزيج من بعض تلك الوسائل معاً، والغاية من ذلك هي المشاركة في صناعة القرار.

القوة والغلبة والصراع.

القوة هي علاقة مغالبة بين طرفين.

يستلزم أن يكون أحد الطرفين فيها على قدر أكبر من الإمكانات.

لماذا؟ ليتيح له بعض التفوق في السلطة والسلطان (التسلط على الآخر)

وإلا فلن تتوفر للقوة فعاليتها وسوف تتحول إلى عملية أخرى فيما نسميه الصراع.

الصراع: هو حالة النزاع السياسي بين طرفين لا يتمكن أحدهما من التسلط على الآخر.

ثم إن هذا الذي يمارس القوة، لا بد أن يمتلك حرية العمل والتصرف، وإلا فما معنى أن تتوافر للفرد مقومات القوة، وتُغل يده بأي صورة من الصور.

لذلك فإن السياسة تسعى دائماً إلى الاحتفاظ بالقوة ومضاعفة هذه القوة.

ان من يمتلك قوة لابد له ان يستخدمها إن:

1- لتحقيق انجاز (المبادرة)
2- لدفع ضرر (الدفاع)
3- للتخفيف من الضرر (الدفاع بمستوى متدن)

والا سوف يكون في حالة تقصير وعبث وتهاون.
الا ان يكون غير مبسوط اليد.

مثال (١) عن استخدامات القوة السياسية

مشاريع الأعداء وتسخير القوة السياسية.. تشرين انموذجاً!

تعرف القوة السياسية على انها: هي القدرة على عمل شيء لغرض التأثير في الاخر، وذلك لجعل الآخر يقوم بعمل لم يكن ليقوم به دون استخدام القوة، أي بمعنى القدرة على فرض الإرادة على الاخرين بالسيطرة على تفكيرهم وسلوكهم، فالقوة السياسية هي علاقة نفسية بين من يمارسونها ومن تمارس ضدهم، حيث تمنح القوة ممارسيها سيطرة على بعض اعمال الاخرين عن طريق النفوذ الذي يفرضونه على عقولهم بأسلوب الأمر او التهديد او الاقناع او بمزيج من بعض تلك الوسائل معاً، والغاية من ذلك هي المشاركة في صناعة القرار.

فتنة تشرين كانت احدى مخططات الأعداء الرامية للتأثيرعلى العملية السياسية والمشاركة في صناعة القرار العراقي المتعلق بمجموعة من القضايا التي تعني الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، الاتفاقية الصينية، صفقة الأسلحة الروسية، التعاون العراقي الإيراني تجاه العقوبات الامريكية على إيران، وغيرها من القضايا الأخرى.

جرى تجنيد الكثير من المرتزقة وما يسمون بالناشطين المدنيين، وضخ ملايين الدولارات في المناطق التي تتضمن بيوت المجون ونحوها لأجل اخراج أكبر عدد من الناس المنحلين أخلاقيا، بغية اغراء الشباب الاخرين الذين خرجوا للمطالبة بحقوق كثير منها كانت مطالب حقة.

كذلك قامت دول إقليمية معادية مثل الامارات والسعودية والكيان الصهيوني وغيرها بانشاء الاف الصفحات والمجموعات الممولة في مواقع التواصل الاجتماعي، وصنعوا ايقونات شبابية مزيفة وبرامج تلفزيونية عملاقة، لغرض اذكاء الفتنة وتحريض الشباب الغافل والجاهل على الخروج الى الشارع.

بذل الأعداء قصارى جهدهم في سبيل التأثير على حكومة السيد عادل عبد المهدي والجهات الداعمة لها (المرجعية الدينية والحوزة العلمية والأحزاب الإسلامية السياسية وفصائل المقاومة والحشد الشعبي) وبالفعل تمكنوا من اقالة حكومة السيد عبد المهدي، ولولا تلك الأصناف المتعددة من القوة التي استخدمها الأعداء تحت مظلة فتنة تشرين، ما كان بإمكانهم على أي حال تنحية حكومة السيد عادل عبد المهدي.

قامت الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة بفرض ارادتهم على تفكير الجهات المستهدفة بفتنة تشرين وكان نتاج ذلك انعكاسه على سلوكهم، وكما أشرنا بأن الغاية من ذلك كله هو مشاركة الولايات المتحدة في صناعة القرار بنسبة معينة قدر الإمكان.

ان الجهات التي استهدفتها فتنة تشرين كانت قد أخفقت في قراراتها وأدت الى ان تبلغ تلك النسبة مستى كبير أدى بالنهاية الى تنحية حكومة السيد عادل عبد المهدي، وإلغاء الاتفاقية الصينية وبقية الأمور الأخرى.

ان الاخفافات التي منيت بها تلك الجهات الداعمة للحكومة العراقية والتي تأثرت بفتنة تشرين، ومفاعيل القوة السياسية المعادية التي تقف خلف تشرين، فإن مرد ذلك الإخفاق بلا شك ولا ريب – وهذه قاعدة عقدية – الى عدم التوفيق، وعدم التوفيق مرده الى عدم سلامة النوايا، وهكذا تمكن الأعداء من ممارسة ضغوط نفسية على الجهات المؤثرة في العملية السياسية.

ان عامل التوفيق الإلهي كان دوماً هو العامل الحاسم في تنجيز الانتصار على الأعداء، لذلك فإن مفاعيل القوة السياسية المعادية لا يمكن لها ان تبلغ غاياتها ما لم تجد لها قابلا مؤثرا من الوسط المقابل يكون عميلا، او سيء النية على اقل تقدير.

هكذا تحققت غايات الأعداء بمشاركتهم الفاعلة في صناعة القرار السياسي العراقي عام 2019 وكانت نسبة فاعلية المشاركة عالية الى حد ما، أدت الى تنحية السيد عادل عبد المهدي والتأثير على حظوظ القوى الشيعية من خلال اصدار بعض القرارات البرلمانية، كإجراء انتخابات مبكرة وتغيير قانون الانتخابات، والتي جنى ثمارها بعض الجهات السياسية المتربصة والتي كان لها الدور الاساسي في ركوب موجة تظاهرات فتنة تشرين والاستفادة من آثار تلك الفتنة وتجييرها لأجل تحقيق مصالحها الضيقة. انغلاق سياسي.

مثال (٢) عن استخدامات القوة السياسية

موارد استخدام القوة السياسية ضد الخصوم.. الصراع الأمريكي الروسي انموذجاً!


تعرف القوة السياسية على انها القدرة على عمل شيء لغرض التأثير في الاخر، وذلك لجعل الآخر يقوم بعمل لم يكن ليقوم به دون استخدام القوة، أي بمعنى القدرة على فرض الإرادة على الاخرين بالسيطرة على تفكيرهم وسلوكهم، فالقوة السياسية هي علاقة نفسية بين من يمارسونها ومن تمارس ضدهم، حيث تمنح القوة ممارسيها سيطرة على بعض اعمال الاخرين عن طريق النفوذ الذي يفرضونه على عقولهم بأسلوب الأمر او التهديد او الاقناع او بمزيج من بعض تلك الوسائل معاً، والغاية من ذلك هي المشاركة في صناعة القرار.

بعد اقدام الجيش الروسي على اقتحام الحدود الروسية الأوكرانية والسيطرة على عدة مدن في أوكرانيا، والذي أدى ذلك الى الاخلال بميزان القوى والمصالح الدولية الذي جرى أخر تعديل فيه عام 2014 على أثر تغيير نظام الحكم في أوكرانيا وقيام روسيا بضم جزيرة القرم الى أراضيها، عمدت الولايات المتحدة وحلفائها على تفعيل كافة وسائل الردع الممكنة لإيقاف تمدد الجيش الروسي في أوكرانيا.

قامت الولايات المتحدة بتأليب الرأي العام العالمي ضد روسيا، وكذلك استخدام قوة العقوبات الاقتصادية في محاولة لمنع تصدير الغاز والنفط الروسي، كما قامت وبعض حلفائها الاوربيين بمصادرة أملاك الكثير من الشركات والشخصيات التجارية والاثرياء الروس، كذلك عمدت الى تزويد الاوكرانيين بالمساعدات المادية والأسلحة النوعية الرادعة، وتزويدها بالمقاتلين والاستشاريين، والتدخل المباشر في تنفيذ بعض العمليات النوعية على غرار استهداف الطراد الروسي موسكوفا واغراقه.

تسعى الولايات المتحدة من خلال تسخيرها لتلك القوى السياسية التي أشرنا اليها في أعلاه، لغرض فرض ارادتها على القيادة الروسية وحلفائها وعلى الشعب الروسي وكافة الجهات الداعمة لبوتين والمؤثرة في صناعة القرار الروسي، وذلك بالسيطرة على تفكيرهم وبالتالي تغيير سلوكياتهم، وذلك لأجل الضغط النفسي على الروس لثنيهم عن تحقيق مآربهم التوسعية والمخلة بتوازنات القوى والمصالح الدولية.

ان الغاية من ذلك التدخل الأمريكي هو لأجل المشاركة في صناعة قرار روسي جديد من خلال الجلوس الى طاولة التفاوض بغية إيجاد حلول دبلوماسية للازمة، أو اجبار روسيا على الانسحاب من أوكرانيا كلياً، او الانسحاب الجزئي وتقاسم الأراضي الأوكرانية.

ان الإخفاق الأمريكي الى حد اللحظة سببه عدم تمكن الولايات المتحدة من إيجاد ثغرة في الجهات ذات التأثير في القرار الروسي، بمعنى عدم وجود قابل ذو نية سيئة الى حد الآن، وذلك اذا دل على شيء فإنما يدل على تماسك القيادة الروسية وتلاحمها مع الشعب الروسي، وعدم تمكن الامريكان من اختراقها.

عام الظهور الشريف (ج6) والأخير

المعطى الثالث عشر والرابع عشر:
خروج السفياني بعد عام 39.
ظهور الامام المهدي عج بعد 1184 سنة من سنين الفترة بعد الهجرة.

المعطى الثالث عشر: خروج السفياني بعد تسع وثلاثين.

ورد في الرواية عن أبي حبيب عن ابي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: خروج السفياني بعد تسع وثلاثين. (1)

ان خروج السفياني انما يكون في سنة وتر كما دلت عليه الحسابات الرياضية لخارطة الاحداث الروائية، ومن المعروف أن النبي المصطفى وأهل البيت صلوات الله عليهم اجمعين، يرمّزون الأزمان والأسماء في الروايات، لذا فإن سنة 39 حذف منها حساب القرون لغرض الترميز، فلعل المقصود عام 1439 كونه اقرب عام الى وقتنا الحاضر، فإذا كان ذلك ومع قرب الظهور الشريف فإن سنوات 1439،1437،1435،1433،1431 ستكون مورد ترصد من قبل المنتظرين للظهور الشريف، ولما لم يكن هنالك ظهور في تلك السنين وهو ما اراد مصدر الرواية قوله، فسوف يكون الظهور بعد ذلك اي في احدى السنين الوتر 1441، 1443، 1447،1445، ١٤٤٩
ومع ان النبي صلى الله عليه واله لا يوقت فإنه لم يذكر سنة الظهور الشريف وان ذكر احتمالية عدة سنوات وترية تعقب سنة 1439.

المعطى الرابع عشر: ظهور الامام المهدي عج بعد 1184 سنة من سنين الفترة بعد الهجرة.

ورد في الرواية عن الامام علي (عليه السلام) : فيظهر عند ذلك صاحب الراية المحمدية والدولة الاحمدية والقائم بالسيف الحال الصادق في المقال يمهد الارض ويحي السنة والفرض وسيكون ذلك بعد الف ومئة واربع وثمانون سنة من سني الفترة بعد الهجرة. (2)

تتحدث الرواية عن خروج الإمام المهدي عج بعد 1184 سنة من سني الفترة بعد الهجرة.

ان لفظ (الفترة) مشتق من الفتور، أي فتور الامامة بعد رحيل الامام العسكري عليه السلام عام ٢٦٠ للهجرة.

ويمكن اجراء الحسابات لمعرفة تلك السنة كالتالي:
1184+ 260 = 1444
والعام 1444 هو عام زوجي، فإذا ما قلنا بأن المراد بالظهور في هذه الرواية هو انكشاف الغيبة، فإن العام الذي يله وهو عام ١٤٤٥ قد يكون عام خروج السفياني.

خلاصة القول ان الرواية الأولى أعلاه هي رواية عامية، والرواية الثاني ضعيفة السند، وبالتالي لا يمكن الاستناد اليهما، وتبقى الأدلة غير كافية لتوقيت سنة الظهور الشريف.

خاتمة:
ان اهل البيت عليهم السلام ذكروا لنا توقيتات اجمالية وأخرى جزئية وثالثة مشفرة، وتلك الأصناف الثلاثة من التوقيتات لا تعد من التوقيتات الممنوعة، إذ انهم صلوات الله عليهم هم من وضعها.

التوقيتات الاجمالية: هي التي تشير الى قرب وقت الظهور الشريف من خلال تحقق بعض العلامات والاحداث الدالة على دنو زمان الظهور الشريف، ومنها احداث الربيع العربي وشروع فتنة الشام واحداث سقوط نظام البعث وحلول النظام الديمقراطي وموت عبد الله وكذلك العلامات الممهدة القريبة زمانا من تحقق العلامات الحتمية … الخ وهذا الصنف من التوقيت لا يعطي أرقاما معينة لسنة الظهور الشريف.

التوقيتات الجزئية: هي التوقيتات التي ترافق تحقق العلامات الحتمية، حيث ان السفياني يخرج في رجب وبين خروجه والصيحة 15 شهرا ثم من بعد ذلك ب 3 أشهر ونصف يخرج القائم عج وهكذا علامة مقتل النفس الزكية قبل 15 يوما من خروج القائم عج والخسف بالبيداء قبيل يوم خروج القائم عج.

التوقيتات المشفرة: هي توقيتات ضمنت في الروايات الشريفة لكنها اشارت الى التوقيت بصورة غير مباشرة، كما ورد في احدى الروايات بأن ظهور المهدي سيكون في سنة وتر ( تسعة خمسة ثلاثة واحد وبصورة التلميح الى سنة الظهور حينما اشارت احدى الروايات الى ان ظهور المهدي عج سيكون في يوم النيروز، أو ما اشرنا اليه في الاحتمال الثالث في شرح الرواية الأولى اعلاه.

في الختام نود التذكير بأن كافة الروايات التي ذكرت توقيتات لسنة الظهور الشريف، انما هي روايات اما عامية او ضعيفة السند او مجهولة المصدر، وبذلك يكون توقيت الظهور الشريف مجهولا.

بقي ان نشير الى ان اقرب موعد محتمل لانطلاق مشروع دولة العدل الإلهي عام 2025 ميلادي، 1447 هجري، 1404 هجري شمسي.


(1) الفتن/ نعيم بن حماد/ رقم الحديث -830

(2) کتاب بیان الائمة ج2 ص347.


عام الظهور الشريف (ج5)

المعطى الثاني عشر:

عام 204 بتوقيت العجم هو عام القيام الشريف.

ورد في احد النصوص التاريخية عن رشدين عن ابن لهيعة عن أبي قبيل قال: اجتماع الناس على المهدي سنة أربع ومائتين، قال ابن لهيعة بحساب العجم ليس بحساب العرب. (1)

يتحدث النص أعلاه عن اجتماع الناس للمهدي عج بمعنى قيامه الشريف، في سنة 204 بالتوقيت الاعجمي، ومن المعلوم ان المواقيت الإسلامية التي تعتمدها الدول الإسلامية في زماننا، وهو زمان الظهور الشريف، هما التوقيت الهجري القمري، وهذا التوقيت تستخدمه جميع الدول الإسلامية ما خلا الجمهورية الإسلامية الإيرانية والسعودية وافغانستان، والتوقيت الآخر هو التوقيت الهجري الشمسي والذي تستخدمه الجمهورية الإسلامية وأفغانستان بالإضافة الى السعودية.
بذلك يتضح لدينا ان المقصود بحساب العجم هو التوقيت الهجري الشمسي، ونحن اليوم في عام ١٤٤٣ هجري قمري ويقابله بالتوقيت الهجري الشمسي عام ١٤٠١

الرقم 204 المذكور في النص اعلاه لاريب انه رقم مجفر كما رأينا في طريقة تجفير الروايات سابقاً، حيث يتم حذف مرتبة الالاف والمئات، وهنا تم حذف مرتبة الالاف فقط، فإذا ما اضفنا هذه المرتبة يصبح الرقم (1204) ونظراً لكون هذا التاريخ الهجري الشمسي قد مر قبل قرابة 200 سنة، إذن يوجد تجفير آخر في مرتبة المئات (القرون) وهو كما يبدو لنا حذف قرون زوجية لكي لا يختل الحساب أي حذف 200 سنة، بمعنى ان الرقم 204 إشارة الى المئات الزوجية (600،400،200 …الخ) ونظرا لكوننا اليوم في عام ١٤٠١ هجري شمسي ومع ايماننا بقرب الظهور الشريف إذن فالمراد بالرقم ٢٠٤ هو عام (1404) هجري شمسي، إذن فالنص أعلاه جفر الرقم 1404 بالرقم 204.

لذلك فإن عام الظهور الشريف وفق النص أعلاه هو عام 1404 هجري شمسي.
وبحساب ما يصادف عام 1404 هجري شمسي بالتوقيت الهجري القمري يتبين لنا انه العام 1447 هجري قمري أو عام 2025 ميلادي، وهذا يعد ايضاً من المصادفات الغريبة!

تنويه: ان ما يعارض نتائج هذا الدليل، ان النص أعلاه هو عبارة عن رواية عامية لا يعلم مصدر نصها هل هي منقولة عن النبي صلى الله عليه وآله او انها من معلومات الراوي؟!

وعلى أي حال هو نص تاريخي عامي لا يمكن الاعتماد عليه اطلاقاً، فيكون بذلك هذا الدليل ساقط عن الدلالة على توقيت الظهور الشريف.

(1) كتاب الفتن – نعيم بن حماد المروزي – الصفحة


عام الظهور الشريف (ج4)

المعطى التاسع والعاشر والحادي عشر:
فتنة الشام تدوم 12 عاماً.
خروج السفياني في رجب.
خروج السفياني في سنة وتر.

ورد في رواية ان فتنة الشام تدوم 12 عاماً:
عن رسول الله (ص) قال: الفتنة الرابعة عمياء مظلمة تمور مور البحر، لا يبقى بيت من العرب و العجم إلا ملأته ذلا و خوفا، تطيف بالشام و تعشى بالعراق و تخبط بالجزيرة بيدها و رجلها، تعرك الأمة فيها عرك الأديم و يشتد فيه البلاء حتى ينكر فيها المعروف و يعرف فيها المنكر لا يستطيع ‫أحد يقول: مه مه، و لا يرقعونها من ناحية إلا تفتت من ناحية، يصبح الرجل فيها مؤمنا، و يمسي كافرا، و لا ينجو منها إلا من دعا كدعاء الغرق في البحر، تدوم اثني عشر عاما، تنجلي حين تنجلي، و قد انحسرت الفرات عن جبل من ذهب فيقتلون عليها، حتى تقتل من كل تسعة سبعة.‬‬‬ (1)‬‬‬‬‬‬‬

اندلعت فتنة الشام عام 2011 وتنتهي بعد مرور 12 عاماً وفق ما ورد في الرواية، أي في عام 2023، ومن المعلوم لدينا ان فتنة الشام لا تنتهي الا بخروج السفياني، وخروج السفياني لا يكون الا في رجب، وحيث ان خروج السفياني لا يكون الا في سنة وتر، حيث اشارت الروايات الى ان ما بين خروج السفياني وظهور القائم عج بالصيحة 15 شهراً، لذا فإن السفياني سوف يخرج في رجب من عام 1445 والمصادف نهاية عام 2023 أو مطلع عام 2024 ويكون خروج القائم عج في السنة الوتر اللاحقة 1447 والمصادف منتصف سنة 2025 ومطلع عام 1404 هجري شمسي..

هذا الدليل هو أيضا حالة غريبة ان تتم الإشارة فيه الى ذات السنة التي اشارت اليها الأدلة السابقة.

تنويه .. ما يعارض هذا التحليل ان الرواية أعلاه هي رواية عامية، لذلك يكون هذا الدليل كالادلة السابقة غير كاف للتيقن من هذا التوقيت.

(1) نعيم بن حماد الخزاعي في “كتاب الفتن” (676)


عام الظهور الشريف (ج3)

المعطى الخامس والسادس والسابع والثامن:
خروج القائم عج في فصل الصيف.
خروج القائم عج في يوم العاشر من المحرم.
خروج القائم عج يوم سبت.
القائم عج هو الخامس من ولد السابع.

ان الحديث عن ظهور القائم عج في يوم النيروز، ويوم 22 رمضان؛ يعني ان قيامه الشريف في يوم العاشر من المحرم سوف يصادف شهر تموز.
فالفترة من 22 رمضان والى 10 محرم قرابة 3 أشهر ونصف إذا ما أضيفت الى 21 اذار يكون القيام في شهر تموز.
كما ورد في الرواية عن علي بن أبي حمزة، قال: قال أبو عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام) : بينا شباب الشيعة على ظهور سطوحهم نيام إذ توافوا إلى صاحبهم في ليلة واحدة على غير ميعاد، فيصبحون بمكة (١)

ان نوم أولئك الموفقين فوق سطوح منازلهم وخروج القائم عج آنذاك؛ يعني بالضرورة ان ذلك الحدث يكون في فصل الصيف.

وفي الرواية عن ابي جعفر محمد بن علي عليهما السلام قال:
( كأني بالقائم يوم عاشوراء يوم السبت قائما بين الركن والمقام، بين يديه جبرئيل ينادي: البيعة لله، فيملؤها عدلا كما ملئت ظلما وجورا) (٢)

كما ورد في الرواية عن محمد بن الحنفية، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : (سمعت رسول الله (صلى الله عليه واله) يقول، في حديث طويل في فضل أهل البيت (عليهم السلام) : وسيكون بعدي فتنة صماء صيلم يسقط فيها كل وليجة وبطانة، وذلك عند فقدان شيعتك الخامس من السابع من ولدك) (٣)

وعن عبد الرحمان بن أبي ليلى، قال علي (عليه السلام): (كنت عند النبي (صلى الله عليه واله) في بيت أم سلمة… الى أن قال (عليه السلام): ثم التفت إلينا رسول الله (صلى الله عليه واله) فقال رافعاً صوته: الحذر إذا فقد الخامس من ولد السابع من ولدي. قال علي: فقلت: يا رسول الله، فما تكون هذه الغيبة؟ قال: الصمت حتى يأذن الله له بالخروج…) (٤)

وعن الإمام الكاظم (عليه السلام) انه قال لأولاده وأرحامه: (إذا فقد الخامس من ولد السابع فالله الله في أديانكم، لا يزيلنكم عنها أحد. يا بني إنه لابد لصاحب هذا الأمر من غيبة حتى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به؟ إنما هي محنة من الله عز وجل امتحن بها خلقه، لو علم أباؤكم وأجدادكم ديناً أصح من هذا لاتبعوه. قال: فقلت: يا سيدي من الخامس من ولد السابع؟ فقال: يا بني، عقولكم تصغر عن هذا، وأحلامكم تضيق عن حمله، ولكن إن تعيشوا فسوف تدركونه) (٥)

الروايات الشريفة اعلاه اشارت الى الرقمين (5) و(7) في قولهم صلوات الله عليهم: ان القائم عج هو الخامس من ولد السابع. وطالما كنت في حيرة من امري في الوقوع على سبب اختيار هذين الرقمين، فلماذا لم يقال ان القائم عج هو السادس من ولد السادس او الثامن من ولد الرابع او التاسع من ولد الثالث … الخ؟!

خلاصة:

بقدر تعلق الرقم 5 و7 بالظهور الشريف وخروج القائم عج في فصل الصيف، وخروجه الشريف يوم العاشر من المحرم يوم سبت، لم نعثر على تطابق لتلك المواقيت سوى في يوم خروج القائم عج في يوم 5-7 من عام 2025 والمصادف ليوم 10 محرم من عام 1447 هجري وهو يوم سبت، وهي مفارقة ثالثة عجيبة تنضم الى المفارقتين اللتين تطرقنا اليهما في الجزء الأول والثاني من البحث.

(1) كتاب الغيبة – محمد بن إبراهيم النعماني – ج ١ – الصفحة ٣٢٨
(٢) غيبة النعماني: ص ٢٦٢ ب ١٤ ح‍ ٢٢
(٣) كفاية الأثر: ص158.
(٤) بحار الأنوار: ج36 ص335.


عام الظهور الشريف (ج2)

المعطى الثاني والثالث والرابع:
ظهور الإمام المهدي عج يوم النيروز.
ظهور الإمام المهدي عج في ليلة 23 رمضان.
ظهور الإمام المهدي عج في ليلة جمعة.

المعطى الأول: يوم النيروز.
وردت في بعض الروايات احاديث عن خصوصية يوم النيروز، وعناية اهل البيت عليهم السلام به، حيث وردت فيه عدة اعمال عبادية كاستحباب صلاة يوم النيروز، والغسل فيه، والصوم، ولبس أنظف الثياب، والطيب، وتعظيمه، وصب الماء فيه.

فقد ورد عن المعلى بن خنيس عن الصادق (عليه السلام) ، في يوم النيروز قال: إذا كان يوم النيروز فاغتسل والبس أنظف ثيابك ، وتطيب بأطيب طيبك ، وتكون ذلك اليوم صائما ، فاذا صليت النوافل والظهر والعصر فصل بعد ذلك أربع ركعات ، تقرأ في أول كل ركعة فاتحة الكتاب وعشر مرات (إنا أنزلناه في ليلة القدر) ، وفي الثانية فاتحة الكتاب وعشر مرات (قل يا أيها الكافرون) وفي الثالثة فاتحة الكتاب وعشر مرات (قل هو الله أحد) ، وفي الرابعة فاتحة الكتاب وعشر مرات المعوذتين ، وتسجد بعد فراغك من الركعات تسجد سجدة الشكر وتدعو فيها بدعاء يغفر لك ذنوب خمسين سنة. (1)

يوم النيروز وظهور القائم عج:

ورد في بعض الروايات تصريح بظهور القائم عج في يوم النيروز:
فعن معلى بن خنيس قال: دخلت على الصادق جعفر بن محمد عليه‏ السلام يوم النيروز فقال عليه ‏السلام اتعرف هذا اليوم؟ قلت: جعلت فداك، هذا يوم تعظمه العجم وتتهادى فيه، فقال أبو عبد الله الصادق عليه ‏السلام والبيت العتيق الذي بمكة ما هذا الامر قديم أفسره لك حتى تفهمه. قلت: يا سيدي ان علم هذا من عندك أحب الى من ان يعيش امواتي وتموت اعدائي! فقال: يا معلى! ان يوم النيروز هو اليوم الذي اخذ الله فيه مواثيق العباد ان يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وان يؤمنوا برسله وحججه، وان يؤمنوا بالأئمة عليهم السلام وهو اول يوم طلعت فيه شمس، وهبت ‏به الرياح، وخلقت فيه زهرة الارض، وهو اليوم الذي استوت فيه سفينة نوح عليه السلام على الجودي، وهو اليوم الذي احيى الله فيه الذين خرجوا من ديارهم وهم الوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم احياهم وهو اليوم الذي نزل فيه جبرئيل على النبي صلى الله ‏عليه ‏وآله وهو اليوم الذي حمل فيه رسول الله صلى ‏الله‏ عليه ‏وآله اميرالمؤمنين علي عليه ‏السلام منكبه حتى رمى اصنام قريش من فوق البيت الحرام فهشمها، وكذلك ابراهيم عليه ‏السلام وهو اليوم الذي امر النبي صلى ‏الله‏ عليه ‏وآله اصحابه ان يبايعوا علياً عليه السلام بأمرة المؤمنين، وهو الذي وجه النبي صلى الله‏ عليه وآله علياً الى وادي الجن يأخذ عليهم بالبيعة له، وهو اليوم الذي بويع لأمير المؤمنين عليه ‏السلام فيه البيعة الثانية، وهو اليوم الذي ظفر فيه باهل النهروان وقتل ذا الثدية وهو اليوم الذي يظهر فيه قائمنا وولاة الامر وهو اليوم الذي يظفر فيه قائمنا بالدجال فيصلبه على كناسة الكوفة، وما من يوم نيروز الا ونحن نتوقع فيه الفرج، لأنه من ايامنا وايام شيعتنا، حفظته العجم وضيعتموه انتم …

وعن أحمد بن فهد في كتاب (المهذب) قال: حدثني السيد العلامة بهاء الدين علي بن عبد الحميد بإسناده إلى المعلى بن خنيس ، عن الصادق (ع): إن يوم النيروز هو اليوم الذي أخذ فيه النبي (ص) لامير المؤمنين (ع) العهود بغدير خم ، فأقروا له بالولاية ، فطوبى لمن ثبت عليها ، والويل لمن نكثها ، وهو اليوم الذي وجه فيه رسول الله (ص) عليا (ع) إلى وادي الجن ، وأخذ عليهم العهود والمواثيق ، وهو اليوم الذي ظفر فيه بأهل النهروان وقتل ذي الثدية ، وهو اليوم الذي فيه يظهر قائمنا أهل البيت وولاة الامر ، ويظفره الله بالدجال فيصلبه على كناسة الكوفة ، وما من يوم نيروز إلا ونحن نتوقع فيه الفرج ، لانه من أيامنا ، حفظه الفرس وضيعتموه ، ثم إن نبيا من أنبياء بني إسرائيل سأل ربه أن يحيي القوم الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فأماتهم الله فأوحى الله إليه أن صب عليهم الماء في مضاجعهم ، فصب عليهم الماء في هذا اليوم فعاشوا ، وهم ثلاثون ألفا ، فصار صب الماء في يوم النيروز سنة ماضية لا يعرف سببها إلا الراسخون في العلم، وهو أول يوم من سنة الفرس، قال المعلى: وأملى على ذلك فكتبت من إملائه .

وعن المعلى أيضا قال: دخلت على أبي عبد الله (ع) في صبيحة يوم النيروز فقال يا معلى أتعرف هذا اليوم؟ قلت: لا ، ولكنه يوم تعظمه العجم وتتبارك فيه ، قال: كلا والبيت العتيق الذي ببطن مكة ، ما هذا اليوم إلا لأمر قديم افسره لك حتى تعلمه ، قلت: تعلّمي هذا من عندك أحب إلي من أن تعيش أترابي ويهلك الله أعداءكم ، قال: يا معلى ، يوم النيروز هو اليوم الذي أخذ الله فيه ميثاق العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، وأن يدينوا لرسله وحججه وأوليائه ، وهو أول يوم طلعت فيه الشمس ، وهبت فيه الرياح اللواقح ، وخلقت فيه زهرة الارض ، وهو اليوم الذي استوت فيه سفينة نوح على الجودي ، وهو اليوم الذي أحيا الله فيه القوم الذين خرجوا من ديارهم وهم الوف حذر الموت فقال لهم الله: موتوا ، ثم أحياهم ، وهو اليوم الذي كسر فيه إبراهيم أصنام قومه ، وهو اليوم الذي حمل فيه رسول الله (ص) عليا (ع) على منكبيه حتى رمى أصنام قريش من فوق البيت الحرام وهشمها الخبر بطوله. (2)

بيان:

(وفق ما ورد في الروايات أعلاه فإن في يوم النيروز حصلت احداث رسمت منهاج الخليقة إذ أخذ الله تعالى فيه مواثيق العباد ان يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وان يؤمنوا برسله وحججه، وان يؤمنوا بالأئمة عليهم السلام.
وفي هذا اليوم اوجدت الحياة على الأرض بطلوع الشمس اول مرة بما تمثله الشمس من روح الحياة، وهبوب الرياح التي تمثل عنصري الاوكسجين الذي يتنفسه الانسان والحيوان وغاز ثنائي أوكسيد الكاربون الذي يتنفسه النبات، بالإضافة الى خلق زهرة الأرض وهي مظهر الحياة في الأرض.
وفي هذا اليوم استوت سفينة نوح عليه السلام بعد الطوفان، وبذلك بدأت مرحلة حياة جديدة على وجه الأرض.
وهو اليوم الذي احيا الله تعالى فيه قوم ذو الكفل النبي بعد ان اماتهم لمخالفتهم امر نبيهم بفرارهم من الموت بالطاعون، فأماتهم الله جميعا ثم احياهم وفي ذلك عبرة سنذكرها فيما بعد.
وهو اليوم الذي نزل فيه جبرائيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله فكان فاتحة البعثة النبوية والدين الإسلامي.
وهو اليوم الذي فتحت فيه مكة وحطمت فيه اصنام قريش.
وهو اليوم الذي حطم فيه نبي الله إبراهيم اصنام قومه.
وهو اليوم الذي اخذ لأمير المؤمنين عليه السلام الولاية في بيعة الغدير وبيعة الجن وبيعة الخلافة.
وهو اليوم الذي اقتص فيه أمير المؤمنين عليه السلام من الخوارج.
مع ملاحظة تلك الحوادث العظام التي خطت منهاج الخليقة، وسطرت كلمة التوحيد ونبذت كلمة الشرك وفي يوم النيروز حطمت الاصنام، وأطلقت فيه دعوة النبوة الخاتمة ودين الإسلام المحمدي، وأرسيت فيه دعائم الامامة والولاية التي اليها يصير إقامة دين الله تعالى وظهوره على الدين كله.
عندئذ لا غرابة في ان يكون ظهور القائم عج في ذلك اليوم المبارك، وكذلك ظهور ولاة أمره وهم أصحابه ال 313، وكذلك سيكون قتل الامام القائم عج للدجال.
ثم تختم الروايات بالقول: وما من يوم نيروز الا ونحن نتوقع فيه الفرج، لأنه من ايامنا وايام شيعتنا.

يوم النيروز وظهور القائم عج

يوم النيروز هو يوم 21 من شهر اذار من التوقيت الميلادي، وفي مقتضى علاقته بالظهور الشريف، لابد ان يحصل توافق ما بينه وبين يوم الظهور (يوم الصيحة) وهو يوم 22 أو 23 رمضان من التوقيت الهجري وهو يوم الصيحة الجبرائيلية، فينبغي وفق ذلك ان يوافق يوم النيروز 21آذار يوم 22 أو 23رمضان.

ورد في الرواية عن أبي عبد الله صلوات الله وسلامه عليه قال:
( الصيحة التي في شهر رمضان تكون ليلة الجمعة لثلاث وعشرين مضين من شهر رمضان) (3)

خاتمة:

ان حالة التوافق يوم معين من السنة الهجرية مع يوم معين من السنة الميلادية، احتمال ضعيف التحقق وفي مقتضى موضوعنا فلا اقل من احتمالية تحقق اجتماع يوم النيروز مع ليلة القدر كل 36 سنة، والتي يتوافق فيها شهر رمضان مع شهر آذار، وقد لا يتحقق توافق اجتماع يوم 21 آذار مع 22 رمضان حتى بمرور مئات السنين، مع الأخذ بعين الاعتبار ان تكون تلك السنة الهجرية زوجية لا وتر!

ومن خلال تحقيقنا بالاستعانة ببرنامج محول التأريخ المتوفر في المواقع الالكترونية، تبين لنا ان يوم النيروز من عام 2025م سوف يتوافق مع يوم ٢٢ رمضان في عام 1446 هجري على وجه التقريب ويكون يوم جمعة! مما يحدث لدينا تقارباً عجيبا مع الوصف الروائي:

يوم النيروز 21-3-2025 يصادف يوم 22 رمضان عام 1446
ويكون ذلك اليوم يوم جمعة!
بالنتيجة إذا كان الظهور الشريف عام 1446 فإن عام القيام هو عام 1447 للهجرة والمصادف عام 2025 ميلادي وعام 1404 هجري شمسي.
اذن سيكون يوم الظهور الشريف هو اول يوم في السنة الإيرانية والحجازية.

هذا التطابق العجيب منسجم تماما مع التوقيت الذي تحدثنا عنه في الجزء الأول من البحث، والذي تحدثنا فيه عن الرقم سبعة واشارته الى أقرب عام مرشح لظهور الامام المهدي عج، وهو عام 1447 للهجرة.

تنويه هام ..
في مقابل هذا التحليل، فإن بعض المحققين يقولون بأن روايات المعلى بن خنيس كلها موضوعة ولا يمكن الاستدلال بها، وبالتالي لم يثبت لديهم أي خصوصية ليوم النيروز.

على أثر اراء أولئك المحققين تكون الأدلة أعلاه غير كافية على توقيت الظهور الشريف.

(1) بحار الأنوار – العلامة المجلسي – (78: 21)
(2) بحار الأنوار – العلامة المجلسي – (56 / 100)
(3) كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق: ص652، الباب السابع والخمسون علامات خروج القائم.


عام الظهور الشريف (ج1)

تطرقت الأبحاث والاطاريح المهدوية التي جادت بها قرائح بعض الفضلاء والباحثين من المهتدين والادعياء على حد سواء؛ الى توقيتات مختلفة للظهور الشريف، ولعل المهتدين منهم لم يصرحوا بسنة الظهور الشريف وانما تحدثوا بالإجمال تحاشيا للتوقيت المذموم، بينما تحدث الادعياء عن توقيتات لعام الظهور الشريف مستندة على علوم ما انزل الله تعالى بها من سلطان، كحسابات الأرقام وغيرها.

من الإشكالات التي ترافق عملية توقيت سنة الظهور الشريف هي أمرين:

الأول: اتباع أساليب حسابية غير معتبرة.
الثاني: الجزم والقطع بصحة تلك التوقيتات من قبل مطلقيها.

بالتالي لو كانت تلك التوقيتات مستندة على أسس علمية رصينة فلا ضير في اطلاقها لا على نحو الجزم واليقين وانما على نحو الاستيناس وتحري الحقيقة، والاعتماد كليا على الروايات الشريفة في ذلك، لا على حسابات الأرقام وحروف الآيات القرآنية وما الى ذلك.

من خلال جولتنا البحثية في هذا المجال وجدنا ان علينا الادلاء بدلونا في هذه المسألة، فتوصلنا من خلال البحث الى توقيت عجيب، لعله يكون هو التوقيت الحقيقي للظهور الشريف، بيد اننا لا نجزم بصحته وانما نطرحه كأطروحة قابلة للنفي او الاثبات، وربما تمحصها السنون ويصدقها أو يعريها الدهر، والله تعالى العالم بحقيقة الأمور، حيث اننا سوف نذكر اطروحتنا بحيثياتها دون قصد التوقيت.

البحث الروائي عن عام الظهور الشريف:

ثمة معطيات روائية توقيتية لو اننا جمعناها لأعطتنا توقيتا بمنتهى الغرابة، وقد استخدمنا عبارة “بمنتهى الغرابة” بديلا لعبارة “بمنتهى الدقة” لأن العبارة الأخيرة تشير الى الجزم بذلك التوقيت ونحن ننأى بأنفسنا عن الجزم بالتوقيت.

هذا وقد أحصينا أربعة عشر معطى وسنبين في هذا الجزء المعطى الأول:

المعطى الأول: قيام القائم عج في سنة وتر (سبعة)

ورد في الرواية:
« عن أبي بصير، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: ” يقوم القائم (عليه السلام) في وتر من السنين: تسع، واحدة، ثلاث، خمس» (1)

ان ما خبرناه عن اهل البيت عليهم السلام انهم لا يوقتون، وانهم يجفرون بعض المعلومات المهمة في طي نصوصهم الروائية، فحينما تحدثت الرواية أعلاه عن سنة وتر أعطت توقيتاً جزئياً عنوانه: قيام القائم عج في سنة وتر، ومن ثم اشارت الى الآحاد بالقول: تسع، واحدة، ثلاث، خمس. وأهملت الرواية الرقم (7) وتلك من فنون التجفير لدى اهل البيت عليهم السلام عموماً، ومع ايماننا بقرب الظهور الشريف فلاريب ان المقصود بالسنين الوتر هي (1441،1443،1445،1449)
اما من جهة عدم التوقيت فإن الرواية أهملت الرقم (7) ولعل تجاهل هذا الرقم تحاشيا للتوقيت فمن المحتمل ان تكون سنة (7) هي سنة قيام القائم عج، أي سنة 1447 للهجرة.

في مقابل هذا التحليل فإن هنالك من الباحثين من يقول بأن هذه الرواية سقط منها الرقم (7) سهواً من النقال او الشراح سيما مع وجود رواية أخرى بذات المضمون تذكر الأرقام الوتر من الواحد الى التسعة كلملة ولم تسقط الرقم سبعة، وعموما هذا الرأي محترم ولكن اجمالا لا يمكننا القطع بأن الرواية أعلاه قد سقط منها الرقم (7) سهواً، كما لا يمكننا اثبات الموضوع بالأصل، أو دلالة عدم وجوده على توقيت سنة الظهور على سبيل القطع والجزم.
ملاحظة: عام 1447 هجري قمري يقابله عام 2025 ميلادي ويقابله عام 1404 هجري شمسي.

في الختام نقول ان هذا الدليل غير كاف على توقيت سنة الظهور والقيام الشريف، ويبقى في دائرة الاحتمال، والله تعالى العالم بحقيقة الأمور.

كما اننا في بحثنا هذا لسنا بصدد التوقيت للظهور الشريف، وانما اردنا ان نكشف ما تحدثت به الروايات بهذا الصدد، والغرض من ذلك هو الاطلاع والعلم لا أكثر، والله تعالى من وراء القصد.

(1) غيبة النعماني: ص ٢٦٢ ب ١٤ ح‍ ٢٢


توقيت الظهور الشريف (الجزء الثاني)

تحدثت الروايات الشريفة وكما بينا في الجزء الأول من البحث عن تكذيب الموقتين وعدم إعطاء اهل البيت عليهم السلام أي وقت، سيما بعد مقتل الامام الحسين عليه السلام، وتعذر قيام الامام الصادق عليه السلام في عام سقوط حكم بني أمية وتسلم السلطة من قبل بني العباس عليهم لعائن الله اجمعين، بيد ان الروايات الشريفة عللت اضمار توقيت الظهور الشريف الى العلل الخمسة التي اشرنا اليها في الجزء الأول من البحث ولا بأس بالتأكيد عليها وبيان تعلقها بقيام الامام المهدي عج من عدمه وذلك عند اقتراب قيامه الشريف:

1- تقييد التوقيت بقيد الاستعداد الموضوعي والتهيئة للقيام.
ان الاستعداد الموضوعي لنصرة الامام المهدي عج يقع على عاتق المنتظرين الممهدين لأن الامام عج غائب، لذلك لابد ان يكون هنالك توقيتاً للظهور الشريف بيد الممهدين، بخلاف الامام الحسين والامام الصادق، حيث كان الاستعداد الموضوعي يقع على عاتقهما صلوات الله عليهما.

2- الخوف على الامام القائم.
ان ذلك الخوف كان على الامام الحسين والامام الصادق عليهما السلام، اما الامام المهدي عج فهو في حال غيبة ولا يظهر الا بعد زوال علل الغيبة واهمها ضعف الطواغيت والظلمة في الأرض على اثر الحرب العالمية السابقة للظهور الشريف، وبالتالي لا ظهور للامام المهدي عج الا بعد توفر الأنصار والاقتدار وتكون عاقبة الطغاة والظالمين الضعف والانهيار، وبذلك ك تنتفي هذه العلة لانتفاء موضوعها.

3- الخشية من قسوة قلوب المؤمنين لاستطالتهم أمد الغيبة.
وهذه العلة تنتفي أيضا مع اقتراب الظهور الشريف، بل نظراً لقرب الظهور يكون العكس هو الصحيح، اذ لابد من تعريف الناس بذلك من اجل تبشيرهم وإزالة مشاعر اليأس والإحباط من انفسهم.
٤- علة المحو والاثبات (عدم ابطال العمل والتواكل على القدر)

ان مقتضي هذه العلة هو عدم التواكل على القدر وترك العمل بالتكليف الشرعي، وهذا الامر يكون معكوساً، حيث ان عدم كشف التوقيت قبيل الظهور الشريف يؤدي الى التواكل على القدر وابطال العمل التمهيدي فألتفت.

٥- بالإضافة الى ذلك كله يبدو لنا ان احد علل التأكيد على تكذيب الموقتين يتعلق بالسرائر السيئة والنوايا الخبيثة المبيتة لبعض الدجالين والمدعين، الذين يغررون بالناس بأن صاحبهم المدعي هو الامام المهدي عج او انه وكيل او سفير او ابن الامام عج، وان القيام سيكون في الشهر الفلاني وفي اليوم الفلاني، وعلى أنصار ذلك الدجال ان يخرجوا بالسلاح، حيث يتبين بعد ذلك انهم يقومون بتنفيذ اجندات معادية، وإذا بها فتنة تطول وتعرض وتؤدي الى تلف الأرواح والممتلكات، كما حصل مع دجال الزركة الكرعاوي الذي استهدف بخروجه قتل المرجعيات الدينية في النجف الاشرف، وكذلك دجال البصرة احمد كاطع وغيرهم.

اذن هذه العلة تتعلق بالدجالين والادعياء وليس بأهل الهدى.

بالإضافة الى ذلك كله فإن الروايات الشريفة اثبتت ما يلي:

1- ان العلامات الحتمية تضمنت توقيتاً دقيقاً للظهور الشريف.
حيث يبدو لنا مما مر ان الأصل هو اباحة التوقيت بل ضرورة وجوده، حيث ان التوقيت يكون مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالاستعداد الموضوعي والتهيئة لنصرة الامام القائم.

ورد في الرواية عن أبي حمزة الثمالي، قال:
” سمعت أبا جعفر الباقر (عليه السلام) يقول: يا ثابت، إن الله تعالى قد كان وقت هذا الأمر في سنة السبعين، فلما قتل الحسين (عليه السلام) اشتد غضب الله فأخره إلى أربعين ومائة، فحدثناكم بذلك فأذعتم وكشفتم قناع الستر فلم يجعل الله لهذا الأمر بعد ذلك وقتا عندنا (يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) قال أبو حمزة: فحدثت بذلك أبا عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: قد كان ذلك”
رغم ان الرواية تحدثت عن ان الله تعالى لم يجعل لهذا الامر – بعد فشل مشروع قيام الامام الصادق عليه السلام وقتاً – عند أهل البيت عليهم السلام، بيد إن مقصد الرواية ليس عدم إخبار الله تعالى أولياءه وخلفاءه وعيبة علمه بالوقت، وانما عدم اجازتهم بإذاعة وقت الظهور الشريف بالطريقة التي تتقاطع مع المقتضيات أعلاه.

2- وجود وقت معلوم ومحتوم وغاية ينتهي اليها الامر وذلك عند اقتراب الموعد النهائي للظهور الشريف وأمارته تحقق العلامات الحتمية.
ومن ذلك نستطيع القول ان سنة الظهور الشريف لم يخرج صريحا من الائمة صلوات الله عليهم، وذلك لعلل قاهرة ولأسباب موجبة ومقتضيات ملزمة، وليس هناك علة محضة لعدم التوقيت، فإذا ما زالت تلك الأسباب وانتفت تلك المقتضيات جاز التوقيت بل وجب.

٣- ان التوقيت للظهور الشريف لابد ان يكون معلوماً لدى أئمة اهل البيت عليهم السلام، بل انهم ربما كانوا قد ضمنوا توقيت الظهور الشريف في مروياتهم بطريقة ما، بحيث لا يمكن كشفه الا بعد زوال علل اضمار التوقيت، لأنه حينئذ “وفق وجهة نظرنا” لابد من وجود توقيت للظهور الشريف لكي لا يشتبه على المنتظرين أمر قيام الامام المهدي عج، إذ ان أمر خروج الامام المهدي عج قد تكتنفه بعض الظروف الموضوعية التي قد تجعل المنتظرين يغفلون عنه وبالتالي تخلفهم عن النصرة، سيما ان العلامات الحتمية حتى وان تحققت فعلا بيد انها قد تكون خافية على الكثير بسبب عدم اعتقادهم بها، وذلك نتيجة تحققها بصورة غير تلك الصورة التي رسموها في أذهانهم والتي تشكلت لديهم وفقاً لإعتقادات مسبقة! فيكون حينئذ لابد من وجود توقيت يجعل خواص المنتظرين على دراية وتثبت من أمرهم، وسيكون تحقق العلامات الحتمية زيادة في يقينهم بصحة ذلك التوقيت.

٤- ان الروايات الشريفة وقتت للظهور الشريف وكما اشرنا سابقاً، بفترة سابقة حتى للحرب العالمية، وهو توقيت اجمالي ورد في حديث الامام الصادق عليه السلام في ذكره لقيام قوم المشرق، وانه لو ادرك ذلك لابقى نفسه للمهدي عج، بمعنى ان قيامهم ذاك قريب من الظهور الشريف حيث لا يتعدى عمر الانسان، كذلك وقتت الروايات الشريفة للقيام الشريف بثمانية عشر شهراً ونصف من خروج السفياني المحتوم في رجب، بالإضافة الى وجود رواية عامية وقتت للقيام الشريف قبل ثلاثة عشر سنة ونصف، اذ تحدثت تلك الرواية عن استمرار فتنة الشام اثني عشر سنة وانتهائها بخروج السفياني.

خاتمة

مما مر يبدو لنا انه لا يوجد أي اشكال في التوقيت اذا كان حمله على سبيل تحري التوقيتات المتضمنة في الروايات الشريفة، وعدم القطع والجزم بتلك التوقيتات، مع سلامة النية في الطرح وافهام المتلقي، على ان هذه التوقيتات غير قطعية اما لعدم كفاية ادلتها، أو انها قد تخضع لحكم المحو والاثبات، أو ان الباحث الموقت ربما لم يكن دقيقا في تشخيصه للوقت، وبالنتيجة لا بأس بالاستيناس بتلك التوقيتات، وانتظار الفرج صباحا ومساء بتحقق اماراته شيئاً فشيء، وتحري السنين الوتر لخروج السفياني، وعدم الإصابة بالملل واليأس اذ مرت السنة الوتر القريبة منا ولم يخرج السفياني في رجب، مما يستدعي منا انتظار خروجه في رجب من السنة الوتر اللاحقة وذلك لأن الروايات الشريفة اشارت الى ان خروج السفياني في رجب من سنة وتر، ومن رجب ذاك والى حصول الصيحة المعلنة لظهور الامام الحجة عج بعد 15 شهراً أي في شهر رمضان من السنة الزوجية التي تليها، ومن ثم خروج القائم عج في العاشر من المحرم في السنة الوتر اللاحقة.

كما ينبغي عدم عطف فرج الامام المهدي عج على فرجنا الخاص، وانما تحري فرج عامة الناس، وسواء كان ذلك من الناحية المعنوية العاطفية أو المادية، كفرحتنا برجوع الحبيب الغائب، وإحداث التغيير العالمي وخلاص البشرية عموماً، فإن لم يكن الخلاص من نصيبنا فللأجيال اللاحقة من أولادنا واحفادنا، وكذلك إظهار دين الله تعالى على الدين كله، وتحقق حلم البشرية وفي مقدمتها انبياء الله تعالى واوصيائهم والصالحين على مر العصور والدهور، وانتهاء زمن الظلم والجور وحلول القسط والعدل … الخ.

ان أصحاب الحوائج الخاصة والمصالح الضيقة كصاحب المرض العضال عافه الله فإنه يرتقب ظهور الامام المهدي عج ليشفيه، والعاقر تنتظر الامام المهدي عج ليعافيها وليهبها الذرية، والشيوخ والعجائز تستطيل الامر لقصر ما بقي من أعمارهم، والجميع باتوا متناسين تعهدهم لصاحب الامر عج، بأن نظرة واحدة الى الطلعة الرشيدة والغرة الحميدة كافية لتكحل اعينهم، جزاء لما عانوه طيلة حياتهم السالفة، وكذلك تسويفهم لتعهدهم له بعدم التخلف عن الامر والصبر حتى لو حانت آجالهم، ونسيانهم تعهدهم لله تعالى ولوليه الحجة عج: بانه اذا جاء الاجل المحتوم المقضي فأخرجني من قبري مؤتزرا كفني شاهراً سيفي .. الخ، ومتغافلين عن ان الله تعالى اعد للمنتظر الذي لم تنظره الاقدار في المكوث الى زمان قيام الامام الحجة عج، بأن ثوابه عند الله تعالى كمثل المتشحط بدمه في فسطاط القائم عج، وان له في الاخرة ثواب الدارين “ان الدار الآخرة لهي الحيوان” فمن ظُلم فسوف يعوض في الجنة اضعافاً مضاعفة، ومن لم ترزق بولد سيهبها الله تعالى اولادا في الجنة من غير عناء ولا الم، وسيكون حبها لهم اشد من حب أمهات الدنيا لأولادهن، ومن لم تتزوج في الدنيا يزوجها الله تعالى من خيرة شباب الجنة ما لم تكن تأمله في حياتها الدنيا، وهكذا تنجز آمال المؤمنين ومطامحهم ورغباتهم التي حرموا منها في حياتهم الدنيا بما ابتلوا به من الحرمان، وابتلي غيرهم بالخير كابتلائهم بالشر، ومن يدري لعل بلاء الشر مع الصبر يؤدي بصاحبه الى العاقبة الحسنة، في حين ان المبتلى بالخير قد يغره الامل حتى يورثه سوء العاقبة (الهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر)

نختم حديثنا بمسألة مهمة جداً، وهي حديث الروايات عن حصول الظهور الشريف بغتة على كثير من الناس، حيث ان دعاة عدم التوقيت ودعاة الابتعاد عن القضية المهدوية ودعاة لا تمهيد، سوف يكون الظهور الشريف على بعض منهم معتماً وربما يستنكرونه ويقولون بدى لله في أوان ظهور المهدي، وهي الدعوات التي اشير اليها في الروايات الشريفة (مات، هلك، في أي واد سلك) كناية عن عدم الاهتمام بقضيته المباركة وعدها قضية ثانوية، في حين ان قلوب المنتظرين ستكون في قمة الشوق والترقب آنذاك، بينما هؤلاء سيكونون غير ملتفتين وغير مهتمين بتاتاً.

توقيت الظهور الشريف (الجزء الأول)

ورد في الروايات الشريفة عن أهل البيت صلوات الله عليهم نهيٌ عن التوقيت للظهور الشريف، وتكذيبٌ لأي وقت يقدمه الموقتون قبل حيان الوقت الواقعي الحقيقي المشفوع بتحقق علامات الظهور الحتمية الخمس وخروج السفياني على وجه التحديد، وتلك العلامات المحتومة تضمنت توقيتات صريحة وواضحة لسنة وشهر ويوم الظهور الشريف وكذلك ليوم القيام في العاشر من المحرم من سنة وتر، حيث وقتت تلك العلامات للظهور قبل حيانه بخمسة عشر شهراً، وذلك من اول خروج السفياني في رجب في سنة وتر وحتى ظهور الامام المهدي عج (الصيحة الجبرائيلية) في السنة اللاحقة، كما ان ثمة رواية عامية وقتت للظهور الشريف قبل حيانه بأربعة عشر سنة، بيد ان تلك الرواية العامية لا يمكن التوثق من صحتها حتى يصدقها الواقع، وهي الرواية التي تحدثت عن استمرار فتنة الشام لإثني عشر سنة والتي تنتهي بخروج السفياني، كذلك ثمة رواية تحدث فيها الامام الصادق عليه السلام عن خروج قوم المشرق وانه لو ادرك زمان خروجهم لابقى نفسه للمهدي عج، ويبدو لنا ان خروجهم يكون قبل الحرب العالمية، لذا فإن مؤدى هذه الرواية هو التوقيت الإجمالي للظهور الشريف حتى قبل تحقق علامة الحرب العالمية وهي علامة سابقة لعلامة السفياني.

علل النهي عن التوقيت (البحث الروائي) (1)

ورد في الروايات الشريفة الحديث عن غيبة الامام المهدي عج واسبابها والنهي عن التوقيت للظهور الشريف وعلله، وفيما يلي سوف نستعرض جملة من العلل الموجبة لتكذيب الموقتين، ولكن علينا في البدء معرفة ان علل النهي عن التوقيت انما هي شبيهة لعلل الغيبة من جهة كونها ترتفع بارتفاع موجباتها؟

العلة الأولى:

ورد في الرواية عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ” قلت له: ما لهذا الأمر أمد ينتهي إليه ويريح أبداننا؟
قال: بلى، ولكنكم أذعتم فأخره الله”

وفي الرواية عن إسحاق بن عمار الصيرفي، قال:
” سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قد كان لهذا الأمر وقت وكان في سنة أربعين ومائة، فحدثتم به وأذعتموه فأخره الله عز وجل”

وكذا ما ورد عن إسحاق بن عمار، قال:
” قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يا أبا إسحاق، إن هذا الأمر قد أخر مرتين”

وما ورد عن أبي حمزة الثمالي، قال:
” سمعت أبا جعفر الباقر (عليه السلام) يقول: يا ثابت، إن الله تعالى قد كان وقت هذا الأمر في سنة السبعين، فلما قتل الحسين (عليه السلام) اشتد غضب الله فأخره إلى أربعين ومائة، فحدثناكم بذلك فأذعتم وكشفتم قناع الستر فلم يجعل الله لهذا الأمر بعد ذلك وقتا عندنا (يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) قال أبو حمزة: فحدثت بذلك أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: قد كان ذلك”

تحدثت الروايات الأربع أعلاه عن أسباب تأخير فشل مشروع القيام الشريف في زمان الامام الحسين والامام الصادق عليهما السلام، وهي عدم وجود الناصر والذي تمثل بخذلان الامام الحسين عليه السلام، وقتله على يد عدو الله يزيد لعنه الله، وبالتالي انتفاء موضوع القيام بقتل القائم آنذاك وهو الامام الحسين عليه السلام على رأس السبعين وهو عام 61 للهجرة، وبالرغم من ان الرواية عزت تأخير القيام الى غضب الله تعالى على قتل الامام الحسين عليه السلام، بيد ان غضب الله تعالى ليس هو السبب وانما السبب هو عدم وجود الناصر وقتل الحجة.

بعد ذلك تم تأجيل فرج آل محمد الى ان يجتمع الناصر، ولما قوي عضد الشيعة وأصبحت اعدادهم كبيرة وآن للإمام الصادق عليه السلام أن يقوم بالأمر في فترة مواتية ضعف فيها سلطان بني أمية وهي السنة الأخيرة لحكمهم وهي سنة 131 للهجرة، لكن اختلاف الشيعة واتباعهم لعدة قيادات منحرفة دون الامام الصادق عليه السلام، وخروج تلك القيادات عن طاعة الامام المعصوم، وخروجهم على بني أمية بإجتهاد منهم وتحالف بعضهم مع ولد العباس الذين كانوا طامعين في السلطة، أدى ذلك الى ضعف قوة الشيعة وتشتتهم ومقتل الخارجين منهم على يد بني امية ومن بعدهم بني العباس والتضييق على الامام الصادق عليه السلام وتشتت آمال القيام، وذلك ما عبرت عنه الروايات الشريفة بإذاعة السر وكشف قناع الستر، وهو قيام بعض قيادات الشيعة واتباعهم في غير وقت القيام والبعض منهم خرجوا وهم يدعون لأنفسهم لا للإمام الصادق عليه السلام، وهذه أسباب أخرى بالإضافة الى خذلان الناصر أدت الى تأجيل القيام الشريف.

من المعلوم ان جميع أئمة اهل البيت عليهم السلام قائمون بالأمر، بشرط بسط اليد، وذلك ما لم يتحقق لهم واقعاً، لذا تم تأجيل أمر القيام الى الإمام المهدي عج.

من ذلك يتضح ان توقيت القيام كان معلوما قبل مقتل الامام الحسين عليه السلام، وقبل ان يستولي بنو العباس على السلطة في زمن الامام الصادق عليه السلام، وذلك عند حيان وقت انتقاض ملك بني أمية.

إذن فالأصل هو اباحة التوقيت مع العلم به يقيناً، ولكن ذلك التوقيت من قبل أئمة اهل البيت صلوات الله عليهم ليس مطلقاً وانما مقيداً بقيد الاستعداد الموضوعي للنصرة، أي ان التوقيت يصدر فقط من الامام العازم على القيام ويصدر فقط لانصاره لغرض التخطيط والاعداد الموضوعي والمباشر للقيام، غاية ما هنالك ان الروايات لم تحدثنا عن تفاصيل تلك التوقيتات لأنها كانت من الاسرار، بل ان التوقيت هنا يكون ركناً من اركان التهيئة والاستعداد للقيام.

ان تقييد التوقيت بقيد الاستعداد الموضوعي للنصرة، يكشف لنا سبب حديث الامام الصادق عليه السلام عن عدم وجود توقيت بعد ذلك.

إذاً فالعلة الأولى لنفي التوقيت هي: تقييد التوقيت بقيد الاستعداد الموضوعي والتهيئة للقيام.

ان إذاعة السر وكشف قناع الستر أدت الى افشال مشروع القيام الشريف، وكذلك بسبب قلة الناصر وخذلان الامام القائم (وهذه الاسباب كانت متعلقة بقيام الامام الحسين والصادق عليهما السلام) اذ ان الامام المهدي عج غائب ومستور بستر الله عز وجل، وقبيل انتهاء زمان الغيبة الكبرى وقتت له الروايات الشريفة بخروج السفياني وغيره من العلامات، بل ان الامام القائم عج حينما يخرج يكون لديه انصار واقتدار، كما ان غيبته عج جعلت امر الاستعداد الموضوعي للنصرة على عاتق أنصاره الممهدين له، لذا كان لابد ان يكون هنالك توقيتاً لقيامه الشريف صادراً عن أئمة الهدى صلوات الله عليهم ومتضمناً في مروياتهم الشريفة.

العلة الثانية:

ورد في الرواية عن أبي خالد الكابلي، قال:
” لما مضى علي بن الحسين (عليه السلام) دخلت على محمد بن علي الباقر (عليه السلام) فقلت له: جعلت فداك، قد عرفت انقطاعي إلى أبيك وأنسي به ووحشتي من الناس.
قال: صدقت – يا أبا خالد – فتريد ماذا؟
قلت: جعلت فداك، لقد وصف لي أبوك صاحب هذا الأمر بصفة لو رأيته في بعض الطرق لأخذت بيده.
قال: فتريد ماذا، يا أبا خالد؟
قلت: أريد أن تسميه لي حتى أعرفه باسمه.
فقال: سألتني والله – يا أبا خالد – عن سؤال مجهد، ولقد سألتني عن أمر ما كنت محدثا به أحدا، ولو كنت محدثا به أحدا لحدثتك، ولقد سألتني عن أمر لو أن بني فاطمة عرفوه حرصوا على أن يقطعوه بضعة بضعة”

يبدو لنا ان مقصد الامام الباقر عليه السلام بصاحب الامر في هذه الرواية هو ولده الامام الصادق عليه السلام، على اعتبار انه من المقرر ان يكون القيام منوطاً بالإمام الصادق عليه السلام، ويصف الامام الباقر عليه السلام وضع الشيعة في زمن الامام الصادق عليه السلام، بإختلافهم على هيئة جماعات تقودها قيادات علوية (بنو فاطمة) وان الخطر على القيام ما عاد مقتصراً على بني أمية بل أصبح بعض الشيعة اشد خطراً على القيام!
ويعضد هذا الرأي ان النبي والائمة المعصومين صلوات الله عليهم ذكروا لشيعتهم ان الائمة اثني عشر وسموهم باسمائهم، فلو كان المراد هنا بالقائم هو خصوص الامام المهدي عج لما كان ثمة حراجة من ذكر اسمه الشريف لما ينحصر القيام به.

إذاً فعدم التوقيت والنهي عن تسمية القائم بالأمر هنا؛ علته هو الخوف على الامام ذاته لا لمحض التوقيت والتسمية.

وهنا يتضح ان العلة الثانية لعدم التوقيت: هي الخوف على الامام القائم.
(وهذه العلة مخصوصة بقيام الامام الصادق عليه السلام) فالامام المهدي عج قد تم تعريفه بعد اجهاض مشروع قيام الامام الصادق عليه السلام على انه هو القائم من ال محمد وتسميته جارية على السن الشيعة والمخالفين، والدليل على ذلك انه حتى العباسيين يعرفون انه هو القائم لذا حرصوا على ان لا يولد أصلا، ولكن إرادة الله تعالى ماضية ولو كره المنافقون والظلمة.

العلة الثالثة:

ورد في الرواية عن علي بن يقطين، قال:
” قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) : يا علي، الشيعة تربى بالأماني منذ مائتي سنة.
وقال يقطين لابنه علي بن يقطين: ما بالنا، قيل لنا: فكان، وقيل لكم:
فلم يكن – يعني أمر بني العباس؟
فقال له علي: إن الذي قيل لكم ولنا كان من مخرج واحد غير أن أمركم حضر وقته فأعطيتم محضه، فكان كما قيل لكم، وإن أمرنا لم يحضر فعللنا بالأماني، فلو قيل لنا: إن هذا الأمر لا يكون إلا إلى مائتي سنة وثلاثمائة سنة لقست القلوب ولرجعت عامة الناس عن الإيمان إلى الإسلام، ولكن قالوا: ما أسرعه وما أقربه تألفا لقلوب الناس وتقريبا للفرج”

هذه الرواية عللت لإخفاء وقت الظهور الشريف بأن أهل البيت عليهم السلام بعد فشل مشاريع القيام قبل الامام المهدي عج، او لعلمهم بما يكون من تأجيل مشروع القيام الى الامام المهدي عج وفي آخر الزمان؛ قد اتخذوا سبيل التعليل بالاماني، كي لا تقسى قلوب المؤمنين المنتظرين فترجع عن الايمان!
وهنا جاء الحث على تقريب الفرج تألفاً لقلوب الناس، وهو سبب كاف لتجنب التوقيت، ولكن العقل يحكم بصحة ذلك حينما يكون الوقت بعيداً، فماذا لو كان الوقت قريبا؟!

كما ورد في الرواية عن محمد بن مسلم، قال:
” قال أبو عبد الله (عليه السلام): يا محمد، من أخبرك عنا توقيتا فلا تهابن أن تكذبه، فإنا لا نوقت لأحد وقتا”

وعن أبي بكر الحضرمي، قال:
” سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إنا لا نوقت هذا الأمر”

في الروايتين أعلاه يخبرنا الامام الصادق عليه السلام عن عدم صدور أي توقيت من قبله، وسواء كان ذلك التوقيت متعلقاً بقيام الامام الصادق او الامام المهدي صلوات الله عليهما، فإنه من الطبيعي ان لا يوقت لقيام الامام المهدي عج علناً في عهد الامام الصادق عليه السلام خشية ان يفقد الشيعة الامل ويصابون بالإحباط والملل فيضلون الطريق، بالإضافة الى ما اشرنا اليه في العلة الأولى بكون التوقيت للقيام منوطاً بالاستعداد والتهيئة الموضوعية المباشرة، فما كان التوقيت مخبراً عنه من غير الامام المعني بالقيام فهو توقيت كاذب، الا فيما يخص قيام الامام المهدي عج في آخر الزمان فإنه لابد من جعل توقيت لقيامه الشريف، وذلك التوقيت مختص بالقائمين على مشروع التمهيد له بأبي وأمي.

وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال:
” قلت له: جعلت فداك، متى خروج القائم (عليه السلام) ؟
فقال: يا أبا محمد، إنا أهل بيت لا نوقت، وقد قال محمد (صلى الله عليه وآله) : كذب الوقاتون، يا أبا محمد، إن قدام هذا الأمر خمس علامات: أولاهن النداء في شهر رمضان، وخروج السفياني، وخروج الخراساني، وقتل النفس الزكية، وخسف بالبيداء.
ثم قال: يا أبا محمد، إنه لا بد أن يكون قدام ذلك الطاعونان: الطاعون الأبيض، والطاعون الأحمر.
قلت: جعلت فداك، وأي شيء هما؟
فقال: أما الطاعون الأبيض فالموت الجارف، وأما الطاعون الأحمر فالسيف، ولا يخرج القائم حتى ينادى باسمه من جوف السماء في ليلة ثلاث وعشرين في شهر رمضان ليلة جمعة.
قلت: بم ينادى؟ قال: باسمه واسم أبيه، ألا إن فلان بن فلان قائم آل محمد فاسمعوا له وأطيعوه، فلا يبقى شيء من خلق الله فيه الروح إلا يسمع الصيحة، فتوقظ النائم ويخرج إلى صحن داره، وتخرج العذراء من خدرها، ويخرج القائم مما يسمع، وهي صيحة جبرئيل (عليه السلام)

في هذه الرواية يتحدث الامام الصادق عليه السلام عن قيام الامام المهدي عج، وذلك يدل دلالة صريحة على ان رواية الامام الصادق عليه السلام، انما صدرت بعد ان انتفت الظروف الموضوعية لقيامه وتم تأجيل القيام الى الامام المهدي عج، وهنا نسب عدم التوقيت الى عموم اهل البيت عليهم السلام، ولما كان القيام مخصوصاً بالامام المهدي عج، وقيامه يكون في آخر الزمان، فلا ريب ان أئمة اهل البيت عليهم السلام لن يوقتوا لأحد من أهل زمانهم، لأنهم غير معنيين بزمن الظهور الشريف، فلو انهم عليهم السلام أخبروا اهل زمانهم عن ان القيام يكون بعد عدة قرون لقست القلوب ولهلك الكثير من الشيعة بإنحرافهم عن جادة الحق، نتيجة علمهم بتأخر الفرج عن زمانهم كما بيناه آنفاً.
وعوضاً عن التوقيت استعاض الامام الصادق عليه السلام بذكر العلامات الحتمية لقيام الامام المهدي عج، كي يكون منهج الانتظار مستنداً على ترقب العلامات، وهي طريقة ناجعة من أجل تصبير الشيعة اعزهم الله وحثهم على ترقب الفرج وعدم اليأس، بالإضافة الى ضرورة تضمين رواياتهم الشريفة توقيتاً لقيام الامام المهدي عج، لأن الامام المهدي عج سيكون غائباً ولا يمكنه التواصل مع الممهدين له قبل تحقق أولى العلامات الحتمية الخمسة وهي علامة السفياني.

كما ورد في الرواية عن عبد الرحمن بن كثير، قال:
” كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) إذ دخل عليه مهزم، فقال له: جعلت فداك، أخبرني عن هذا الأمر الذي ننتظره متى هو؟
فقال: يا مهزم، كذب الوقاتون، وهلك المستعجلون، ونجا المسلمون”

تحدثت هذه الرواية عن تكذيب الوقاتين، كما وانذرت الرواية المستعجلين الذين يخرجون في غير أوان الخروج او الذين اذا علموا بطول امد الغيبة دب الملل واليأس الى أنفسهم نتيجة استطالة الأمر عليهم، وأشارت الرواية الى نجاة المسلّمون الذين لا ينظرون الى فرجهم الخاص ولا يعطفونه على فرج الامام المهدي عج، فلا يضرهم ان علموا ان الظهور الشريف سيكون في زمانهم ام انهم لا يدركونه، كمثل جابر بن يزيد الجعفي رضوان الله تعالى عليه الذي اخبره الامام الباقر عليه السلام في رواية عن علامات ظهور الامام عج واخبره انه لن يدركها، ولو علم الامام الباقر عليه السلام ان جابراً من المستعجلين لما اخبره بأنه لن يدركها، بل علم الامام الباقر عليه السلام ان جابراً من المسلّمين الصابرين، الذين لا يضرهم سواء تقدم هذا الامر او تأخر.

إذاً فقد اضمر وقت قيام القائم عج مخافة ان يهلك المستعجلون، اذ حذرأهل البيت عليهم السلام من هلاك المستعجلين الذين إذا أخبروا بالتوقيت واستطالوا امده، أصيبوا باليأس وضلوا عن الطريق واضلوا وأفسدوا، وكذلك ثمة تحذير من اؤلئك المستعجلين انهم يخرجون في غير وقت الخروج ويقومون في غير وقت القيام.

إذاً العلة الثالثة هي: الخشية من قسوة قلوب المؤمنين لاستطالتهم أمد الغيبة.

العلة الرابعة:

عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال:
” سألته عن القائم (عليه السلام) فقال: كذب الوقاتون، إنا أهل بيت لا نوقت، ثم قال: أبى الله إلا أن يخلف وقت الموقتين”

وعن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام) أنه قال:
” أبى الله إلا أن يخلف وقت الموقتين”

وعن علي بن الحزور، عن محمد بن بشر، قال: ” سمعت محمد بن الحنفية (رضي الله عنه) يقول: إن قبل رايتنا راية لآل جعفر وأخرى لآل مرداس، فأما راية آل جعفر فليست بشيء ولا إلى شيء فغضبت – وكنت أقرب الناس إليه – فقلت: جعلت فداك، إن قبل راياتكم رايات؟ قال: إي والله إن لبني مرداس ملكا موطدا لا يعرفون في سلطانهم شيئا من الخير، سلطانهم عسر ليس فيه يسر، يدنون فيه البعيد، ويقصون فيه القريب، حتى إذا أمنوا مكر الله وعقابه” صيح بهم صيحة لم يبق لهم راع يجمعهم، ولا داع يسمعهم، ولا جماعة يجتمعون إليها، وقد ضربهم الله مثلا في كتابه: (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا)
ثم حلف محمد بن الحنفية بالله إن هذه الآية نزلت فيهم، فقلت: جعلت فداك، لقد حدثتني عن هؤلاء بأمر عظيم فمتى يهلكون؟
فقال: ويحك يا محمد، إن الله خالف علمه وقت الموقتين، إن موسى (عليه السلام) وعد قومه ثلاثين يوما، وكان في علم الله عز وجل زيادة عشرة أيام لم يخبر بها موسى، فكفر قومه واتخذوا العجل من بعده لما جاز عنهم الوقت، وإن يونس وعد قومه العذاب، وكان في علم الله أن يعفو عنهم، وكان من أمره ما قد علمت، ولكن إذا رأيت الحاجة قد ظهرت، وقال الرجل: بت الليلة بغير عشاء، وحتى يلقاك الرجل بوجه، ثم يلقاك بوجه آخر.
قلت: هذه الحاجة عرفتها، فما الأخرى؟ وأي شيء هي؟
قال: يلقاك بوجه طلق، فإذا جئت تستقرضه قرضا لقيك بغير ذلك الوجه، فعند ذلك تقع الصيحة من قريب”

وعن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال:
” قال: قلت له: لهذا الأمر وقت؟
فقال: كذب الوقاتون، كذب الوقاتون، إن موسى (عليه السلام) لما خرج وافدا إلى ربه واعدهم ثلاثين يوما، فلما زاده الله على الثلاثين عشرا، قال له قومه: قد أخلفنا موسى، فصنعوا ما صنعوا، فإذا حدثناكم بحديث فجاء على ما حدثناكم به، فقولوا: صدق الله، وإذا حدثناكم بحديث فجاء على خلاف ما حدثناكم به، فقولوا: صدق الله، تؤجروا مرتين”

تشير الروايات الأربع أعلاه الى ان الله تعالى يأبى الا ان يخالف وقت الوقاتين، أو انه خالف علمه وقت الموقتين، ولا ريب لدينا ان المخالفة هنا ليست مخالفة عبثية حاشا لله تعالى عز وجل، وانما هي مخالفة حكيمة لمقتضىيٍ ما يستدعي المخالفة، أو انها مخالفة طبيعية لتعسر إصابة حقيقة التوقيت عموماً الا مع قرب الظهور الشريف، فالعقل يستفهم مِن من يوقت في تلك الأزمنة الغابرة سواء في زمن الامام الصادق عليه السلام او ما بعده: على أي أساس استند في توقيته؟!
لا ريب ان إذاعة توقيت ظهور الامام المهدي عج في تلك الأزمنة متعذر تماماً كما بينا أسبابه آنفاً، ولكن في زمان اقتراب الظهور الشريف هل سيكون التوقيت خاضعاً لحكم المحو والاثبات الإلهي؟ لقد اشارت الروايات أعلاه الى قصة النبي موسى عليه السلام، وكيف أخر الله تعالى ميقاته، وكذلك رفع العذاب عن قوم يونس عليه السلام، ومن الجلي ان مبدأ المحو والاثبات وفق المشيئة الإلهية الحكيمة هو العامل في مثل هكذا احداث.
كذلك قولهم عليهم السلام: (فإذا حدثناكم بحديث فجاء على ما حدثناكم به، فقولوا: صدق الله، وإذا حدثناكم بحديث فجاء على خلاف ما حدثناكم به، فقولوا: صدق الله، تؤجروا مرتين)

ما الذي يجعل حديث اهل البيت عليهم السلام يجيء على خلاف ما حدثوا به؟!
انه المحو والاثبات، ولكن سبب وقوع المحو والاثبات بالمقام الأول؛ ليس ان الله تعالى يقوم بتغيير الاحداث تلقائيا، وانما اسند التغيير الى علم الله تعالى، لأن في علم الله تعالى حصول تغيير من قبل البشر سلباً او ايجاباً يؤدي بالنتيجة الى تحقيق شرط السنة الإلهية القاضية بالتغيير الإلهي المتوقف على تغيير البشر: ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا.. فالمناط في مبدأ المحو والاثبات هو ان لا يتواكل الناس على القدر فيبطل العمل، لذلك نجد ان سبب عدم نزول العذاب على قوم يونس عليه السلام كان بفعل تطوع احد اصحاب يونس عليه السلام لهداية القوم اذا ما طلبوا التوبة قبيل نزول العذاب، وبالفعل ذلك ما حصل ورفع عنهم العذاب.
كما ان سبب وقوع المحو والاثبات في المقام الثاني؛ لآجل التمحيص والغربلة حيث كان تأخير النبي موسى عليه السلام عشرة أيام بفعل النية المبيتة لانقلاب قومه على اعقابهم، فكانت العشرة أيام الإضافية كفيلة بكشف نواياهم واسراعهم لعبادة العجل.

نستنتج من كل ذلك بأن الخشية من تواكل الناس على القدر وابطالهم العمل، هو احد علل عدم وضع توقيت للظهور الشريف، كما إن النوايا السيئة المبيتة للدجالين والادعياء، هي احدى علل التوجيه بتكذيب الموقتين، وعلى هذه الأسس يأبى الله تعالى بعلمه الا ان يخالف توقيتات الموقتين تطبيقاً لسنة التغيير وكذلك سنة التمحيص والغربلة وكشف زيف الادعياء، وهذا الامر لا يتعلق بموضوع قيام الامام المهدي عج في الفترة القريبة من ظهوره، لان ذلك التوقيت سيكون مقترناً بالعمل لا التواكل وايضاً سيكون هنالك اقتدار ممهد، كما ان توقيتات الدجالين والادعياء ليست ذات صلة بتوقيت ظهور الامام المهدي عج، وانما هي توقيتات كاذبة تتعلق بتنفيذ اجنداتهم المسيسة، وحيث ان سنة التمحيص والغربلة قد بلغت غايتها حينئذ.

إذاً فالعلة الرابعة: هي علة المحو والاثبات.

بقي ان نجيب على تساؤل يخص أصل الموضوع؛ هل للظهور الشريف وقت معين؟
ورد في الرواية عن إبراهيم بن مهزم، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال:
” ذكرنا عنده ملوك آل فلان، فقال: إنما هلك الناس من استعجالهم لهذا الأمر، إن الله لا يعجل لعجلة العباد، إن لهذا الأمر غاية ينتهي إليها فلو قد بلغوها لم يستقدموا ساعة ولم يستأخروا”

أكدت الرواية على ان لهذا الامر غاية ينتهي اليها فلو قد بلغوها لم يستقدموا ساعة ولم يستأخروا، أي ان الامر يثبت وقته آنذاك ويصبح محتوماً، وعلة ذلك الحتم هو ان الامر حينها يكون قد آن أوانه واصبح الناس على مقربة من الظهور الشريف اذ يجب ان يتم الاستعداد الموضوعي والتهيئة للنصرة، فلن تبقى هنالك خشية او خوف على الامام المهدي عج من الأعداء، كما انه لو كشف وقت الظهور الشريف لم يصاب الناس باليأس والملل بل العكس، ولن يكن هنالك تواكلاً وابطالاً للعمل، ويتبين ذلك من التوقيتات التي وضعها أئمة اهل البيت عليهم السلام في مروياتهم، حيث وقتوا للأمر بخروج السفياني، وبالصيحة وبمقتل النفس الزكية وبالخسف، واعطوا توقيتات اجمالية، كظهور الامام عج في ليلة 23 رمضان ليلة جمعة، وخروجه الشريف في يوم عاشوراء من سنة وتر من يوم الجمعة او السبت، وامثالها من التوقيتات.

خاتمة:

يبدو لنا من خلال الروايات الشريفة ان هنالك خمسة علل مانعة لتوقيت الظهور الشريف وهي:

1- تقييد التوقيت بقيد الاستعداد الموضوعي والتهيئة للقيام.
2- الخوف على الامام القائم.
3- الخشية من قسوة قلوب المؤمنين لاستطالتهم أمد الغيبة.
٤- علة المحو والاثبات.

٥- بالإضافة الى ذلك كله يبدو لنا ان احد علل التأكيد على تكذيب الموقتين يتعلق بالسرائر السيئة والنوايا الخبيثة المبيتة لبعض الدجالين والمدعين، الذين يغررون بالناس بأن صاحبهم المدعي هو الامام المهدي عج او انه وكيل الامام عج، وان القيام سيكون في الشهر الفلاني وفي اليوم الفلاني، وعلى أنصار ذلك الدجال ان يخرجوا بالسلاح، حيث يتبين انهم يقومون باجندة معادية، وإذا بها فتنة تطول وتعرض وتؤدي بتلف الأرواح والممتلكات، كما حصل مع دجال الزركة الكرعاوي الذي استهدف بخروجه قتل المرجعيات الدينية في النجف الاشرف، وكذلك دجال البصرة احمد كاطع وغيرهم.

أما أهل الهدى والصلاح والمعنيين بالدعوة الى الإمام الحجة عج، فهؤلاء قطعاً غير مشمولين بالتكذيب، لأن طبيعة العلامات الدالة على ظهور الامام المهدي عج، يحصل فيها التعتيم والاشتباه والشك والارتياب وربما التكذيب، فيكون لابد من وجود موقت ولو مع اشارته الى العلامات.

بالنتيجة نستدل على ان النهي عن التوقيت ليس مطلقاً، وانما هو نهي مقيد بقيود العلل الموجبة لإخفاء التوقيت، فمتى ما ارتفعت تلك العلل الموجبة؛ ارتفع معها النهي عن التوقيت ولو بصورة جزئية، ويكون ذلك مع اقتراب زمان الظهور الشريف، حيث ان الروايات الشريفة ذاتها اعطتنا توقيتات للظهور قبل حيانه بخمسة عشر شهراً على اقل تقدير، وكذلك حديث رواية عامية ان صحت فهي توقت للظهور الشريف قبل حصوله بقرابة أربعة عشر سنة، فهي توقت لفتنة الشام بإثني عشر سنة حتى خروج السفياني، كذلك هنالك رواية وردت عن الامام الصادق عليه السلام وقتت للظهور الشريف قبل حيانه بفترة لا تتجاوز عمر الانسان، كما في حديث الرواية عن قيام الرايات السود الخراسانية المناصرة، والتي أشار الامام الصادق عليه السلام فيها، بأنه لو ادركها لاستبقى نفسه للمهدي عج.


(1) الروايات الشريفة أعلاه جميعها من كتاب غيبة النعماني: باب ١٦: ما جاء في المنع والتوقيت والتسمية لصاحب الأمر (عليه السلام)

السياسة الانتظارية والمهدوية ما بين التمهيد والقيام..!

علاقة السياسة بالقضية المهدوية.
يتسائل البعض عن علاقة القضية المهدوية بالسياسة وجزئياتها كالانتخابات البرلمانية وحكم البلدان ونحوها، وعادة ما تكون مثل هذه التساؤلات استنكارية، وبالرغم من صعوبة الحديث في مثل هذه المواضيع، حيث انها من المسلمات التي لا تخفى على كل ذي لب، ولان ذلك يعد من صنف توضيح الواضحات، وتوضيح الواضحات من اشكل المشكلات كما يعبرون، بيد أننا مجبرون على بيان ان موضوع السياسة من الأهمية بمكان لا يمكن التهاون به، بل هو من أولويات قضايا الامة لتعلقه بإدارة شؤون البلاد والعباد، وكذلك التمهيد لاقامة دولة العدل والقسط على اطلال الدول والحكومات الطاغوتية وباسناد ودعم وتمهيد الدول والحكومات والقوى الموالية.

منجزات الامام المهدي عج قبيل الظهور.
بحكم قيادة الامام المهدي عج صاحب الولاية التكوينية لهذا الكون العظيم الذي خلقه الله سبحانه وتعالى، فقد اوكل الباري جل وعلا الى الامام الحجة عج إدارة شؤون التمهيد لقيامه الشريف، فهو المعني بذلك ابتداء وانتهاء.

في السبعينات من القرن المنصرم، قامت الثورة الإسلامية في ايران على يد الامام الخميني قدس سره الشريف، وقد مرت الثورة بعدة مراحل، تعرض فيها الثوار على يد ازلام الشاه الى القمع والاعتقالات والتقتيل، وفي المرحلة الاخيرة كان الطغيان في اشده حيث تم اعتقال وقتل الكثير من المتظاهرين الإسلاميين والقيادات المعارضة، حتى دب اليأس في قلوب العديد من القيادات الدينية، وأخذوا بالتواصل مع الامام الخميني ملتمسين منه ان يوقف الثورة، بيد ان الامام الخميني رد عليهم بعد برهة بأنه عازم على اتمام الثورة وان نجاحها قريب، وبالفعل كان ما قاله الامام الخميني ونجحت الثورة.

لعل البعض يتسائل: كيف سمحت أمريكا وحلفاء الشاه باسقاط الشاه والحكومة الإيرانية؟!
الواقع ان عنوان الثورة آنذاك لم يكن اسلامياً صرفاً، وانما كانت الثورة تضم تحالفا بين الإسلاميين والعلمانيين والقوميين والشيوعيين لاسقاط نظام الحكم الطاغوتي الفاسد، لذلك عندما كان الامام الخميني قده في منفاه في باريس، وفد اليه زعيم الجبهة الوطنية العلمانية كريم سنجابي للقائه، ووقع الجانبان اتّفاقا لمشروع دستور سيكون “إسلاميًا وديمقراطيًا” ويتضمن التحالف الرسمي بين رجال الدين والمعارضة العلمانية، ووضع الامام الخميني شخصيات علمانية (مثل صادق قطب زاده وإبراهيم يزدي) كناطقين باسم المعارضة العامة وعندما سأله الصحفيون الأجانب عمّا سيحل محل النظام الملكي، استخدم الامام الخميني مصطلح “الجمهورية الإسلامية” للمرة الأولى، بدلا من مصطلح “الحكومة الإسلامية” المعتاد استخدامه.

هكذا تمكن الامام الخميني من اقناع الرأي العام العالمي بأن الحكومة البديلة للحكم الملكي الشاهنشاهي ستكون حكومة إسلامية ديمقراطية توافقية، مما جعل الامريكان والصهاينة والاوربيين يسلمون للامر بعد ان بذلوا قصارى جهدهم لكي يساعدون الشاه على انهاء التظاهرات الشعبية، ولو أنهم علموا بأن الامام الخميني كان يخطط لاقامة حكومة إسلامية لما تركوه يقيمها ولو قُتل نصف الشعب الإيراني!

كان الكثير من المجتمع الإيراني يشعر بالفرح إزاء الثورة المقبلة، فقد ركز السياسيون العلمانيون واليساريون على الحركة أملا في الحصول على السلطة في أعقاب ذلك، متجاهلين حقيقة أن الامام الخميني كان يخطط لاقامة دولة إسلامية، وبينما كان من الواضح للإيرانيين العلمانيين أن الامام الخميني ليس ليبراليا، كان ينظر إليه على نطاق واسع على أنه رئيس صوري، وأن السلطة سوف تسلم في نهاية المطاف إلى الجماعات العلمانية.

كان مكر الله تعالى على يد الامام الحجة عج ومولاه الامام الخميني، قد دفع الأمور نحو نجاح الثورة الإسلامية في ايران، ومن بعد ذلك حصلت عدة أحداث أدت الى ان يتمكن الامام الخميني من السيطرة على زمام الجمهورية الإسلامية وتهميش بقية الفرقاء العلمانيين والقوميين والشيوعيين والليبراليين وسواهم، وجعلهم يخضعون للأمر الواقع.

في 1 شباط 1979، وبعد هروب الشاه وبقاء السلطة بيد رئيس الوزراء بختيار، عاد الامام الخميني إلى طهران محاطاً بحماس وتحية عدة ملايين من الإيرانيين، فهو بلا جدال قائد الثورة، وأصبح بالنسبة للكثير من الشعب الايراني شخصاً “مقدساً” استقبلته لدى ترجله من الطائرة الجموع الحاشدة بتحية: “السلام عليكم أيها الإمام الخميني” أوضح الامام الخميني في كلمة ألقاها في اليوم نفسه شدة رفضه لنظام رئيس الوزراء بختيار، وتوعد قائلاً: “سوف أركل أسنانهم لقلعها” وعين مهدي بازركان رئيساً مؤقتاً للوزراء، وفيما أخذت حركة الامام الخميني تكتسب مزيداً من الزخم، بدأ الجنود بالانضواء في جانبه، واندلعت مواجهات بين الجنود الموالين والمعارضين للامام الخميني، وكان الانهيار النهائي لحومة رئيس الوزراء بختيار في 11 شباط عندما أعلن المجلس العسكري الأعلى نفسه محايداً في النزاعات السياسية.

استثمر الامام الخميني احداثا متعددة منها قيام منظمة منافقي خلق ايران باستهداف رموز الثورة من الإسلاميين، وحادثة الرهائن الامريكان التي انقسمت اراء تيارات المعارضة الأخرى إزائها ما بين مؤيد ومعارض، مما سهل للامام الخميني استحصال موافقة اغلبية الإيرانيين في تصويتهم لصالح الدستور الإسلامي للجمهورية والذي اعده سلفاً، وبعد ذلك استثمر الامام الخميني الحرب العراقية الإيرانية من اجل وضع حد للمعارضين للحكومة الإسلامية، وآنذاك أصبحت الجمهورية الإسلامية بقيادة رجال الدين (الولي الفقيه) واقع حال، حيث ان حركة مجاهدي خلق اشيع انها مدعومة من انصار الشاه، وان ازمة الرهائن الامريكان كانت اضعافا لداعمي الشاه، وان الحرب العراقية الإيرانية اندلعت لكي تعيد حكومة الشاه!

بهذا التدرج قامت الجمهورية الإسلامية وأصبحت تدار من قبل الولي الفقيه كحكومة إسلامية وفرضت فيها الاحكام الإسلامية، لكن لم يتم تغيير العنوان العريض للدولة (الجمهورية الإسلامية) الى الدولة الإسلامية وذلك مراعاة للرأي العام العالمي والداخلي من المعارضة العلمانية.

هكذا انشأ الامام الخميني قوات الحرس الثوري والمؤسسات الحكومية الإسلامية وقوات التعبئة الشعبية (البسيج) واحكم السيطرة على زمام الجمهورية الإسلامية، وبهذا تشكلت اول دولة ممهدة للقائم عج وكان الحرس الثوري والبسيج اول قوة إسلامية مهدوية ممهدة.

من بعد ذلك نشأت قوات المعارضة الإسلامية العراقية واتخذت من الجمهورية الإسلامية ملاذاً لأجل اسقاط نظام البعث الصدامي، وبهذا تشكلت قوات بدر والمجلس الأعلى كأول تيار إسلامي سياسي ذو جناح عسكري مهدوي مقاوم وممهد ومنبثق من رحم المرجعيات الدينية، وبقيادة شهيد المحراب والنفس الزكية آية الله السيد المجاهد محمد باقر الحكيم قدس سره الشريف.

في العراق وعقب سقوط نظام البعث اقامت المرجعية الدينية في النجف الاشرف وبمعونة القيادات السياسية الشيعية العملية السياسية، حيث أصبحت العملية السياسية في العراق احدى اهم الاسوار الاستراتيجية الحامية للوجود والاقتدار الشيعي الممهد للقائم عج، وهنالك نشأت فصائل المقاومة الإسلامية العراقية بموازاة منظمة بدر، وفي عام ٢٠١٤ صدرت فتوى الجهاد الكفائي من قبل الامام السيستاني لتنشيء جيلا عقائدياً من المقاومة العراقية اسمي بالحشد الشعبي، وكانت فتوى الجهاد الكفائي الى جانب ابعادها السياسية والأمنية منارة هدى لكل من شذ عن الطريق في الفترة السابقة، حيث دعت المرجعية الدينية الجميع الى الانخراط في هذه الملحمة التاريخية لتصنع العديد من أمثال الحر وزهير بن القين ووهب النصراني، وليبرز فيها الكثير من أمثال حبيب بن مظاهر وبقية شهداء الطف الذين استشهدوا مع سيد الشهداء صلوات الله عليه (مع حفظ المقامات) ولتكون فتوى الجهاد الكفائي تعزيزا لفصائل المقاومة التي انشأتها الجمهورية الإسلامية، وليتقدم العراق خطوة الى الامام خشي الأعداء ان تكون باتجاه إقامة الجمهورية الإسلامية في العراق على غرار الجمهورية الإسلامية في ايران، ولذلك جن جنون الأعداء فصبوا جام غضبهم على العراق واطلقوا العنان لفتنة تشرين عام ٢٠١٩، ومن يدري لعل المجال سيكون متاحا لليماني الموعود وللمرجعية الدينية بعد طرد جيش السفياني من العراق بإعلان الجمهورية الإسلامية العراقية تمهيدا لقيام القائم عج.

في جنوب لبنان انشأ المجاهدون اللبنانيون بدعم من الجمهورية الإسلامية حزب الله ودعموه حتى بات اليوم قوة إقليمية مؤثرة وفاعلة في السياسة الاستراتيجية، تقف نداً للكيان الصهيوني وتفرض ارادتها على المعادلات الدولية، كما ان المعارك في الداخل السوري بين النظام وحلفائه ضد الجماعات الإرهابية المدعومة من قبل الامريكان والصهاينة والأتراك وطغاة الخليج، اتاحت تلك المعارك لانشاء قوات أفغانية مجاهدة عرفت باسم فاطميون، وهكذا تم دعم جبهة الحوثيين في اليمن من قبل الايرانيين.

لم يُعرف للامام الحجة الغائب عج قوات مسلحة مجاهدة ممهدة على الأرض سوى ما ذكرناه، ونعني قوات الحرس الثوري الإيراني والبسيج وفصائل المقاومة العراقية والحشد الشعبي وحزب الله في جنوب لبنان وفاطميون في أفغانستان، اذ ان هذا الاقتدار الشيعي هو الاقتدار الممهد والمسمى بالقواعد الشعبية المناصرة للامام القائم عج، كما ان لمشروع زيارة الامام الحسين عليه السلام ونعني هنا زيارة عاشوراء والاربعينية اثره السياسي والامني وفي تعزيز القيم الايمانية والعقائدية الثورية، وتقديم الرفد والمعونة للمجاهدين، وتطويق الازمات المجتمعية كاحتواء النازحين في المواكب الثابتة واطعامهم.

هذه القوى هي كل ما لدى الامام الحجة عج على ارض الواقع من اقتدار شعبي مناصر وممهد، وهذه القوى الحسينية المهدوية المرجعية هي معيار الهدى، لذا فإن مخالفتها والالتواء عليها ومقاومتها مجتمعة يعد انحرافاً عن جادة الهدى وركوناً الى الأعداء وخذلاناً للامام الحجة عج ومبارزة لله جل وعلا.

خاتمة:
لاحظنا في ما مر ان السياسة بجميع تفاصيلها متعلقة تعلقا مباشراً بقضية التمهيد للامام الحجة عج، فالامام القائم عج لا يمكنه القيام بلا وجود قواعد شعبية مجاهدة وممهدة، والقواعد الشعبية الممهدة لا يمكن تصور وجودها دون اقتدار سياسي، فالامام عج حينما يخرج ستكون أولى أولوياته هي السياسة، والا ماذا نسمي خروجه المسلح في مكة واسقاطه حكومة الحجاز واستيلائه على الحكم في الحجاز وتنصيب حاكم للحجاز، ومن ثم اخضاع دول الخليج لحكمه ومبايعة الجمهورية الإسلامية له وتسليمه مقاليد السلطة، واخضاعه العراق وأفغانستان، فهذه سياسة ام دروس فقهية؟! اليست سياسة استراتيجية على المستوى الإقليمي؟

ثم من بعد ذلك يفتح الامام القائم عج تركيا وسوريا وفلسطين وافريقيا، ويهدد امن اوربا وامريكا ويدخل في حروب معهم ويخضعهم لحكمه ويأتي بملوك الروم مقرنين بالاصفاد كما في بعض الروايات، وهكذا يخضع الامام القائم عج العالم كله في غضون ١٠ سنوات ويحكمه من بعد ذلك ٩ سنوات ونيف، اليست هذه سياسة استراتيجية على المستوى الدولي والعالمي؟

بعد هذا البيان لا يبقى من الغريب بمكان ان يعلم المنتظرون ضرورة زج انفسهم في المعترك السياسي وتفاصيل العملية الانتخابية في العراق، لضرورة تدعيم العملية السياسية والحشد الشعبي وتقوية الاقتدار السياسي الشيعي في العراق، والعراق كما حدثتنا الروايات سيكون عاصمة دولة العدل الإلهي عن قريب ان شاء الله تعالى (انهم يرونه بعيداً ونراه قريبا)

ان من يرى فصل الدين عن السياسة فهو واهم، وكنا منذ عقد من الزمن ونحن نثقف على ضرورة الاهتمام بالتمهيد السياسي للقضية المهدوية، وطالما كتبنا التحليلات السياسية وربطناها بالقضية المهدوية، حيث اننا بمجرد ان نقرأ روايات الظهور الشريف وعلاماته، نجد تفاصيل سياسية من الكثرة بمكان الى حد انها غطت على جميع الجوانب الأخرى، وهذه التفاصيل السياسية هي عماد الاحداث والعلامات الممهدة والدالة على قيام القائم عج، ونذكر منها امثلة في حديث الروايات عن رايات الميدان الاقليمي الثلاث، راية السفياني وراية اليماني وراية الخراساني وعن الحرب الإقليمية التي تحصل فيما بينهم على اثر احتلال جيش السفياني السوري للعراق، وتشكيل راية اليماني من الحشد العشائري والمجاهدين في جنوب العراق، واقبال الجيش الإيراني لطرد جيش السفياني من العراق، وكافة تفاصيل حركة هذه الرايات الثلاث من اقبال السفياني من بلاد الروم متنصراً في عنقه بيعة للغرب (تحالف سياسي وعمالة) وكيف انه يخرج من درعا ويستقبله ٧ من قيادات الجيش السوري المنشقين عن حكومة الاصهب، وان احدهم يكون معه لواء معقود (أي قطعات من الجيش) وكيف يقوم باخضاع سوريا لحكمه ويقاتل الترك والروم وبني قيس في قرقيسيا، وكيف يدخل الحدود العراقية، وكيف يكون على يديه استئصال من تسميهم الرواية بالمخيبين وهم فصائل من الاكراد وفصيل من المقاتلين يدعون بالشراة وذلك بين الرمادي وهيت، وكيف يستأصل الجماعات الإرهابية والعشائر المنتفضة ضده، وكيف يقتحم بغداد ويسقط حكومة الخضراء ومن ثم يقتحم النجف الاشرف.
وهنا نتسائل: ما كل هذه التفاصيل؟
اليست هي تفاصيل سياسية وعسكرية وامنية؟
وهل مشروع السفياني الا احد فصول مشاريع الأعداء الاستراتيجية الرامية الى تقويض الاقتدار السياسي الشيعي في العراق والجمهورية الإسلامية؟
اليس هذا الاقتدار هو الاقتدار الممهد والموطئ والممكن للامام الحجة عج والمناصر له قبل وبعد قيامه الشريف؟
اليست احداث البترية والشيصباني في الكوفة وقتالهم للقائم عج هي من المصائب التي يتوجب علينا نحن كمنتظرين ان نخفف من وطأتها قبل ان يقوم القائم عج وذلك بتعزيز العملية السياسية وموقف الأحزاب والتيارات والفصائل الشيعية المجاهدة والحشد الشعبي وحماية المرجعية تمهيدا للقيام الشريف، فلولا رايتي اليماني العراقية والخراساني الإيرانية، وهذا الاقتدار الشيعي العراقي الإيراني لبقي السفياني مسيطراً على العراق ولما تمكن الامام الحجة عج من القيام، وهذا الحديث ليس حديثنا وليس تحليلانا ولم نأت به من عندنا وانما هو حديث روايات اهل البيت صلوات الله عليهم.

الم تتحدث الروايات الشريفة عن عصب اهل العراق المجاهدة التي تناصر القائم عج، فمن هم هؤلاء؟ اليسوا من ذات الفصائل الحشدية والمقاومة المجاهدة ام ان ثمة ملائكة تنزل من السماء؟!
اليس شعيب بن صالح قائد راية الهدى الخراسانية سوف يعينه القائم عج قائداً لجيوشه؟!
اليس كل مجاهد في بدر والعصائب والكتائب ولواء علي الاكبر وكتائب الامام علي وسرايا العقيدة وسواهم من الفصائل المجاهدة، كل فرد فيهم وهو يمسك بثغر من ثغور العراق ويقدم دمائه وروحه فداء للمذهب الشريف ولتراب عاصمة دولة العدل الإلهي، وكلٌّ منهم يفتخر ويقول بأنني نذرت نفسي لاكون من جنود صاحب الزمان عج؟
اليس لهؤلاء المجاهدين في فصائلهم اجنحة سياسية تجاهد في الصعيد السياسي لحماية الحشد الشعبي من ان يتم حله او دمجه مع القوات الأمنية وبالتالي تجريده عن قيمته العقائدية؟

بل لماذا تتدخل المرجعية الدينية دوماً في تقويم مسار العملية السياسية في العراق؟ ولماذا تقوم مرجعية ولاية الفقيه في الجمهورية الإسلامية برفد الفصائل المقاومة في كافة دول محور المقاومة، ودعم العمليات السياسية في العراق ولبنان بغية تمكين وتقوية الشيعة.

هل بعد هذا البيان من يرى فصل الدين عن السياسة، وفصل القضية المهدوية عن السياسة؟
والى متى يبقى البعض ممن يحسب نفسه على الانتظار والمنتظرين، وهو يعيش عالم خيالي لا واقعية له، ويتنكر للتمهيد السياسي الموضوعي؟

في الختام نسأل الله تعالى ان يوفق الجميع الى مرضاته وان يجمع صفوف الشيعة المختلفة اهوائهم على حب صاحب العصر والزمان عج، والتمهيد له والتشرف برؤية طلعته الرشيدة وغرته الحميدة، والقتال تحت رايته واعانته في قيامته واقامته لدولة العدل والقسط الإلهي والتي ستقوم تحت الظروف الطبيعية والموضوعية بلا اعجاز، انه سميع مجيب الدعاء.

لماذا ننتخب كتلة الفتح؟ (ج٢)

في انتخابات عام ٢٠١٠ بدأ نوري المالكي بشق صفوف الكتلة السياسية الشيعية الموحدة والتي توحدت بدعوة واشراف مكتب المرجعية، وفي حينها ذهب المالكي لزيارة المرجع الأعلى، وفي يوم الصمت الانتخابي السابق ليوم الاقتراع، ظهر المالكي في تسجيل فيديوي يتحدث فيه عن دعم الامام السيستاني له، وان المرجع المفدى قال له: دعني اوصلك الى الباب الخارجي لكي ترى الناس اني ادعمك!
نقل لي احد الثقاة في مكتب الامام السيستاني دام ظله الشريف حقيقة ما جرى، وهي ان الامام السيستاني كان متضجراً من المالكي وقال له بعصبية: لماذا تشق صفوف الشيعة وتنفصل عن اخوتك؟
فأجاب المالكي: اريد ان أعرف حجم مقبوليتي في الشارع!
ثم خرج المالكي من براني السيد بدون استئذان او توديع غير آبه لمقام المرجع، وهذا الامر ليس غريباً على شخص مثل المالكي، فهو الذي رد على المرجع الشيخ بشير النجفي باعتقال الطلبة الباكستانيين، وهو من فرعن الصرخي ووضع له فوج حماية واطلق العنان لجماعة الدجال احمد الحسن نكاية بالمرجعية.
الشاهد في حديثنا أعلاه ان الذين يبحثون عن الشقاق، لا ريب انهم أصحاب نوايا سيئة الا ان يكونوا قد انحازوا الى الحق، فالوحدة الشيعية ضرورة من ضرورات الاقتدار الشيعي الممهد للامام الحجة عج، ومن يسعى الى شق صفوف الشيعة فهو من أصحاب الولائج والبطائن، ولا يمكن ان يستأمن على سياسة وامن المجتمع الموالي.
المعيار الأساسي في كل هذا هو المدرستين العظيمتين اللتين اجمع على حجيتيهما عقلاء الشيعة، وهما مدرسة الولاية الخاصة، ومدرسة ولاية الفقيه، ويتزعمهما في الوقت الحاضر الامام السيستاني والامام الخامنئي دامت تأييداتهما، فمن جمع بين طاعة هاتين المدرستين كان على الطريق المستقيم، ومن عادى احداهما او كلاهما فهو بتري.
في عام ٢٠١٤ عندما انطلق المشروع التكفيري في العراق انطلقت فتوى الجهاد الكفائي لصد العدوان التكفيري، فأنبرى لها أبناء مدرسة ولاية الفقيه ليتوحدوا مع اخوتهم في العراق تحت راية واحدة اسمها (ح. ش) فتحقق الانتصار الأعظم، ثم بعد ذلك تفرقت الأحزاب والتيارات بسبب بحث البعض منها عن المصالح الضيقة على حساب المصلحة العليا للمذهب الشريف، فأنفصلت احدى الجهات السياسية عن مكونها الاساسي واستبدلت ثوبها الإسلامي واتخذت طابع الوطنية باحثة عن المصالح الشخصية الضيقة كذلك على حساب المذهب الشريف، وكما اشرنا فإن من يسعى الى شق وحدة الصف الشيعي فلاريب انه من أصحاب النوايا السيئة ماداموا انهم انحازوا الى جهة الباطل، وهكذا اتخذت جهة أخرى طابع العداء لفصائل المقاومة متهمة إياهم بالمليشيات الوقحة ووقفت الى جانب الأعداء في سبيل تحصيل ذات المصالح الشخصية الضيقة!

اليوم ونحن مقبلون على انتخابات تشرين المصيرية، اصبح موقف الكتلة السياسية الجامعة والموحدة للفصائل الحشدية ضعيفاً، وغدى الحشد الشعبي وفصائل المقاومة مهددين بالحل والتحجيم ونزع السلاح، فأمسى موقف الوحدة من الضرورات الماسة والتي تعني للحشد العقائدي مسألة حياة أو موت، وما يترتب على ذلك من خطر على كيان المرجعية الدينية الرشيدة في النجف الاشرف، وبالتالي على جميع الاسوار الاستراتيجية العراقية الحامية للقيام الإيراني ومحور المقاومة والوجود الشيعي.

في الجانب الروائي من قضية قيام الامام المهدي عج تحدثنا الروايات عن ارهاصات الظهور الشريف، وعن الاقتدار الشيعي آنذاك والمتمثل بالخراساني (جيش ولاية الفقيه المظفر) واليماني (ذلك القائد العراقي المجاهد ذو الأصول اليمانية) الذي يقود الحشد العشائري في جنوب العراق، وكذلك تحدثنا الروايات الشريفة عن مشروع السفياني السوري الانقلابي وعن الغدر والخيانة التي سيبديها جيش السفياني باقتحامه لبغداد واسقاطه للعملية السياسية في العراق وتوجه جيشه نحو النجف الاشرف على أثر تصدي احد رموز الشيعة في النجف الاشرف بمطالبة جيش السفياني بالانسحاب من بغداد، وإلغاء المشروع السفياني القومي الهادف الى ضم العراق الى سوريا وتكوين ما يسمى بسوريا العظمى او الهلال الخصيب، وإقامة الدولة العلوية العظمى على غرار الكيان الصهيوني.

في النجف الاشرف تحدثنا الروايات الشريفة عن استباحة جيش السفياني للمدينة وقتلهم لرجل من مسمى اهل البيت صلوات الله عليهم، وفي رواية ان اسمه (علي) وسبي جيش السفياني لنساء وصفن بأنهن لم يكشف عنهن كف ولا قناع، ومن الواضح ان هوية تلكم النسوة معروفة لكل لبيب، وان كانت النساء تسبى فالعقل يحكم بقتل جيش السفياني لرجالهن، ناهيك عن مجازر السفياني بسواد الكوفة.
وانطلاقاً من هذه المعطيات ويقيننا بقرب الظهور الشريف ينبغي علينا ان نعي بأن من واجبنا كمنتظرين ان نعمل جاهدين على رفد الاقتدار الشيعي، والا فإن مفهوم المخالفة لهذا المنطوق يعني اشراكنا في تلك الدماء الزكية التي سوف تسيل على يد جيش السفياني وذلك السبي المقدس، ومن تخلف عن هذا فالاولى ان لا يقول يا ليتني كنت مع الحسين صلوات الله عليه، فمن تخلف عن هذا فتخلفه عن ذلك اولى.
ان الاقتدار المطلوب لتغيير ذلك القدر غير المحتوم هو بأيدي فصائل المقاومة والحشد الشعبي، بيد ان حديث الروايات يشير الى ان ثمة ما سيحصل ويؤدي الى تراجع ذلك الاقتدار، مما يمهد لجيش السفياني في ان يفعل ما يفعله بشيعة العراق!

لذلك نقول ان خطورة الانتخابات القادمة هي اشد واكبر من انتخابات عام ٢٠٠٥ لان نجاح مشاريع حل الحشد الشعبي، او دمجه مع القوات الأمنية والذي يهدف الى تجريده من صبغته العقائدية، يعني هيمنة المشاريع المعادية وتمكينها، ومنها مشروع إقليم عوف السلمي في المنطقة الغربية، ومشروع السفياني.

بعد هذا البيان فإن من نافل القول أن الأحزاب والتيارات السياسية الشيعية التي تسعى الى تحصيل مكاسبها الشخصية على حساب الاقتدار الشيعي، بدعوى الإصلاح تارة والقضاء على الفساد وتقديم الخدمات أخرى وما الى ذلك من ذرائع واهية متعددة؛ أساسها الحقيقي هو عدد المقاعد البرلمانية التي تبتغي جنيها والمحاصصة الحكومية التي سوف تكسبها، ففي كل عملية انشقاق كانت الذريعة هي عدم القبول بعدد المقاعد المعطاة لهم من قبل الكتلة الجامعة!

في الختام نقول: ان امل الحشد وضمان بقائه واستمراريته واحتفاظه بعقائديته، وحفظ كيان المرجعية الدينية الرشيدة، وحفظ امن وسلامة ووحدة تراب البلد، ودرء مشاريع الأعداء الرامية الى هدم اسوار العراق الاستراتيجية الحامية للقيام الإيراني المبارك ومحور المقاومة والاقتدار الشيعي، والمتمثلة بالمرجعية الدينية النجفية وثقلها الاستراتيجي، والعملية السياسية العراقية، والحشد الشعبي المقدس؛ كل ذلك متوقف على وجود كتلة برلمانية شيعية حكيمة قوية ومتماسكة، تقودها قيادات سياسية مخضرمة، يكون همها الأول واولويتها الاستراتيجية هو اسناد الحشد الشعبي برلمانياً، وهذه الكتلة بلا شك ولاريب، بل لا يوجد على ارض الواقع بديل او منافس لها، الا وهي كتلة الفتح، التي تضم عصب المقاومة وفصائل الحشد الشعبي والقيادة السياسية المحنكة.
وبالطبع فإننا هنا نتحدث عن الضرورة المرحلية لانتخاب كتلة الفتح، ولسنا معنيين فيما سيحصل فيما بعد وليس من تكليفنا الشرعي ان نستشرف مآل وعواقب المكونات المنضوية تحت هذا التحالف، فالاصل هو أداء التكليف وابراء الذمة.
من هذا المنطلق قلنا ونقولها الف مرة وبقوة وبلا تردد وعن بصيرة ورؤية ثاقبة وعن مسؤولية شرعية بأن من واجب الانسان العراقي الموالي المنتظر والممهد للامام الحجة عج، ان ينتخب كتلة الفتح لكي يبرئ ذمته امام الله تعالى وامام التاريخ، فولات حين مندم.

هذا وسوف ينال مقالنا هذا كما نال سابقه قسطاً من الاتهامات والسباب، ونحن قد ابرأنا ذمة من اغتابنا سلفاً من الموالين، وما ورد في هذا المقال يمثل وجهة نظرنا الشخصية، والله تعالى من وراء القصد، فليس لدينا أي انحياز الى فئة دون أخرى، وقد ابرأنا ذمتنا فيما نراه من تكليفنا تجاه اخوتنا المنتظرين الذين عملنا معهم منذ عقد من الزمن في مجال الانتظار والتمهيد للامام الحجة عج عبر التثقيف العقائدي والسياسي، كما نود التعليق على من اتهمنا بالتسقيط السياسي لبعض الجهات التي ذكرناها، فنحن لم نسقّط احداً وانما اسمينا الأشياء بمسمياتها، وسوف تنبئنا واياكم الأيام باخبارها، وتفصح لنا ولكم عن مكنوناتها، وسيُعلمنا واياكم الغربال عن سقطها، والله تعالى العالم بحقيقة الأمور.

لماذا ننتخب كتلة الفتح؟ (ج١)

بالإمكان حصر الأسباب المقتضية لانتخابنا كتلة الفتح في ما يلي:

1- ان الكتل البرلمانية الكبيرة هي المعول عليها في تحقيق الغايات السياسية الاستراتيجية للبلد ولمحور المقاومة الذي يمثل عز ومنعة الاقتدار الشيعي، وهذا ما اشارت اليه المرجعية الدينية في وقت سابق من ضرورة عدم تشتيت الأصوات بانتخاب الكتل الصغيرة والمستقلين، وهذا اذا دل على شيء فإنه يدل على النظرة الاستراتيجية الثاقبة للمرجعية الدينية الرشيدة.

2- ان كتلة الفتح تمثل الكتلة الشيعية العراقية الأكبر وتضم الاجنحة الولائية الاساسية، وهي تضم مجموعة من السياسيين المخصرمين كمثل قيادات المجلس الأعلى الإسلامي، وقيادات مجاهدة تمثل عصب الحشد الشعبي والمقاومة، وتمتلك تلك القيادات السياسية والجهادية من الحكمة ما يجعلها تتفوق على غيرها من القيادات، في حين ان كتل أخرى كدولة القانون وحقوق وغيرها لا تحظى بتلك الميزات.

3- دولة القانون أصبحت من الماضي والحديث عن عودة المالكي الى الحكم مجرد دعايات انتخابية رخيصة بغية ان تحصل دولة القانون على بعض المقاعد البرلمانية وبعض المناصب التنفيذية في الحكومة العراقية.
من جانب آخر فإن المرجعية الدينية كما هو معروف لديها موقف من المالكي وحزب الدعوة، لذلك فإن كتلة دولة القانون ستكون مستبعدة من قبل المنتظرين.

4- الكتل الصغيرة والمستقلين لا تلبي حاجة محور المقاومة لكتلة كبيرة وقوية تقف نداً بوجه القوى المعادية.

5- ان زيارة مصطفى الكاظمي الى الجمهورية الإسلامية في هذه الفترة، وتزامن زيارته مع اعلان عودة ٣٠ الف من الحشد المفسوخة عقودهم، يدل على امر في غاية الأهمية، وهو ليس بالجديد بل هو من المسلمات، وذلك بأن الجمهورية الإسلامية تدعم كتلة الفتح، حيث ان كتلة الفتح هي خلاصة جهود الحاج الشهيد واللواء العظيم قاسم سليماني، وان عودة هذا العدد الكبير من الحشد يمثل إضافة قوة واقتدار الى المقاومة الإسلامية ومحورها المبارك، وهذا ما يمثل ضربة للمصالح الامريكية والصهيونية، وهذا المكسب عرابه هو كتلة الفتح.

6- هنالك حملة إعلامية ضد كتلة الفتح يقودها خصومها من جهة، وبعض الجهلة من جهة أخرى، حيث ان حديث العامة عن الخدمات وما الى ذلك من قضايا ثانوية يقدمها اهل الجهل على انها القضايا الأساسية والمحورية في عملية الانتخابات، متجاهلين القضايا الاستراتيجية الاساسية للامة، وذلك ما يتناسب مع محدودية أفكارهم، وهؤلاء يمثلون قطاعات من الشعب العراقي الشيعي، وهم اخطر فئة من داخل المجتمع الشيعي وهؤلاء عادة ما ينسبون انفسهم الى المرجعية الدينية وهم ابعد الناس عن فكر المرجعية العميق، والذي يتنكرون له بسطحية فكرهم.

هؤلاء وصفهم القرآن الكريم بأنهم الذين يبتغون عرض الحياة الدنيا، حيث صنف القرآن الكريم قضايا المجتمع الإسلامي الى صنفين:
الصنف الأول: قضايا المعيشة البشرية، وهي بمقدار متطلبات المعيشة الضرورية بلا اسراف ولا تسريف، وما تجاوز ذلك عد من أمور الحياة الدنيا المذمومة، في مقابل الصنف الثاني، حيث يدعو اتباع الصنف الأول الى تجاهل قضايا الامة الاستراتيجية، والاهتمام بقضايا توفير الخدمات والماء والكهرباء والحصة التموينية وما الى ذلك، ومع ان هذه الأمور ليست ترفية، ولكن في الوقت ذاته فإن الحديث فيها يراد به ضرب كتلة الفتح، والا فإن توفير تلك الخدمات هو من مسؤولية جميع الفرقاء السياسيين شيعة وسنة واكراد، والشيعة فيهم ينقسمون الى ولائيين ومن ركب القطار الأمريكي، وكأن كتلة الفتح هي من منعت الحكومات المتعاقبة من تقديم الخدمات، او يراد القول بصورة غير مباشرة وخبيثة بأن تقديم الخدمات امر ذو أولوية وان المرشح النزيه والكفوء وان كان مستقلا فهو من سيعمل على تقديم الخدمات، وهنا يصورون للناس بطريقة ماكرة بأن كتلة الفتح هي المسبب في تردي واقع الخدمات وانها ليس فيها مرشحين كفوئين ونزيهين، وهذا الأسلوب من الحرب الناعمة صدره الأعداء الى اذهان جهلة الشيعة، ومع كل ذلك تغافل اؤلئك الجهلة عن حقيقتين اساسييتين وهما:
الأولى: ان كتلة القانون وتسنم المالكي لرئاسة الوزراء لدورتين انتخابيتين، ومن بعده العبادي لدورة انتخابية واحدة، لم يتم في هذه الدورات الثلاث تقديم الخدمات المرجوة، حيث لم تتحسن الكهرباء ولا الماء ولا الحصة التموينية…الخ بينما في حكومة السيد عادل عبد المهدي المنبثقة من الفتح كانت بصدد انطلاق ثورة استراتيجية في الاعمار والبناء وتقديم الخدمات عن طريق الشركات الصينية وميناء الفاو وطريق الحرير، لولا التدخل الأمريكي السافر كالعادة والذي يمانع تقدم وازدهار العراق.

الثانية: هي ان وظيفة أعضاء البرلمان تتمثل بالجانب التشريعي وليس التنفيذي، مع ان محاصصة الوزارات تعتمد على التمثيل البرلماني، بيد ان إرادة الأعداء وارادات الفساد مجتمعة حالت دون بلوغ الغايات المرجوة، فالحكومة تتكون من وزراء سنة ووزراء اكراد ووزراء للكتل الشيعية التي تركب القطار الأمريكي، وبالتالي فإن عملية الفساد تشاركية، ومن الظلم ان تنسب الى الأحزاب والتيارات الشيعية الولائية المجاهدة.

الصنف الثاني: قضايا الامة الاستراتيجية: وهذه القضايا عظمها الإسلام واهتم بها القرآن الكريم، فحث القرآن على الجهاد وبذل الانفس والأموال في سبيل دفع الضرر عن المجتمع الإسلامي، والحرص على تقوية دعائمه، وبالتالي صناعة مجتمع موالي يمتلك من الاقتدار ما يمكنه من البقاء والاستمرارية والتمهيد للامام الحجة عج.

7- ان العملية السياسية في العراق تمثل احد الاسوار الاستراتيجية للتشيع وللجمهورية الإسلامية ولمحور المقاومة، وبالتالي فإن حماية العملية السياسية لا يمكن توفيرها الا من خلال فصائل المقاومة الحشدية والتي تمثل سوراً آخر من الاسوار الاستراتيجية الولائية، فالحشد الشعبي ضمانة استمرار العملية السياسية، والعملية السياسية من الضروري ان تحمي الحشد، فالمسألة تبادلية وتكاملية بين الاثنين، ومن المعلوم ان الحديث عن فصائل المقاومة وعن الحشد يعني كتلة الفتح حصراً.

8- من الجانب الانتظاري البحت، فإن حديث الروايات عن عصب اهل العراق التي تنصر القائم عج، فإن مصداق تلك العصب هي الفصائل الجهادية التي تمتلك اجنحة سياسية رصينة تؤهلها لتحمل المسؤولية والبقاء والاستمرار.

خاتمة:
ان تحليلاتنا أعلاه تنطلق من أسس عقائدية، ونعتمد فيها على تحليلات السياسة الاستراتيجية والدلالات الروائية العلاماتية، ولا يتعلق الامر بفهم أبو شعيب العسكري او غيره، وانما باتباع المنهج العلمي الرصين في التحليل السياسي الاستراتيجي والممزوج بالروح العقائدية والمصدق بالمعلومات الروائية.
بعد ذلك نقول وفق المعطيات أعلاه، بأن انتخاب كتلة الفتح من قبل المؤمنين يعد ضرورة إسلامية ومذهبية ووطنية، وعامل تمهيد لتمكين وتوطئة الأرض للقائد المفدى الامام الحجة عج.

الحرب العالمية المرتقبة بين رؤية العقل السياسي البشري والعقل الرباني المعصوم..!

في مضمار التحليل السياسي للاحداث الاستراتيجية على المستوى الدولي، تتضح احدى تجليات عظمة اهل البيت صلوات الله عليهم، فهم المطلعون على غيب السماوات والارض بإذن الله جل وعلا، وبما يمتلكونه من ولاية تكوينية تحكم وتتحكم بصغائر الكون وفق علوم لم تنل البشرية الا النزر اليسير منها.

رغم تحليلات قماقمة الفكر السياسي العالمي بحتمية الحرب العالمية بين امريكا والصين، بيد ان اهل البيت صلوات الله عليهم قطعوا النزاع بشأن هذا الأمر وتحدثوا في مروياتهم بأن الحرب العالمية التي سوف تفني ثلث البشرية والتي نسميها اليوم (الحرب النووية) انما هي حرب تقع بين الروم انفسهم، حيث اسمتها الروايات (هرج الروم) ومن المعلوم ان الصين ليست من الروم فهي اذن ليست طرفا في الحرب العالمية ضد الغرب، ومع ذلك لابد من هلاك الصين، حيث ان حديث الروايات الشريفة عن ذهاب ثلثا الناس، يقتضي دخول الكتل السكانية الكبيرة في أتون ذلك الفناء إن بالموت الأحمر أو بالموت الأبيض، مع ان الصين كما اشارت الروايات انها سوف تخوض حرباً مع الجارة النووية الهند وتخرج منها منتصرة، الا ان ثمة إشارات روائية تحدثت عن هلاك الصين بطرق أخرى كالموت الأبيض والرمل.

في زماننا الحاضر نجد ان مراكز الأبحاث السياسية العالمية وهامات الفكر السياسي يتحدثون عن حلف روسي – صيني مرتقب اسموه بالحلف الأوربي- الاسيوي او (حلف الناتو الاوراسي) بين روسيا والصين، فهذا الحلف لديهم من المسلمات على المستوى المستقبلي القصير، ويعدونه في مقابل الاحلاف الغربية كحلف شمال الاطلسي الناتو والحلف الجديد (أوكوس) وحلف الانجلوساكسون (حلف الدول الناطقة باللغة الإنجليزية) وغيرها.

بخلاف جميع تلك التحليلات السياسية العالمية، فإننا نمتلك مرويات عمالقة البشرية الذين عاشوا قبل ١٣ قرناً من الزمن واطلعوا على اسرار المستقبل الى يوم القيامة، وهم أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم، ومع ان تحليلاتنا لمروياتهم الشريفة قد لا تكون بذلك القدر من الدقة، وذلك للفارق العلمي والمعرفي اللامحدود بين المعصوم وغير المعصوم، بيد اننا نتعكز في ذلك على التوفيق الإلهي اولاً، والإرادة الإلهية في ان تجري الأمور وفق سياقاتها ومساراتها الطبيعية ثانياً، وعليه جرت إرادة اهل البيت صلوات الله عليهم في جعل علومهم في متناول ادراكات البشر لكي تكون طيعة بيد اهل العلم الذين نستقي منهم ثالثاً.

بخلاف تلك التحليلات السياسية العالمية، فإننا نرى عدم تشكل أي حلف عسكري واضح المعالم بين روسيا والصين، وإن أي حديث عن تحالف بينهما، فهو غير ذي صلة بالواقع السياسي العالمي من الناحية الموضوعية، إذ أن أي تحالف روسي صيني يعني بالضرورة الغاء عشرات المشاريع الأمنية والاستخبارية الاستراتيجية لكل من روسيا والصين منفردة، والتي عملت عليها منذ ثلاثة عقود من الزمن، أي منذ انتهاء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بانهيار الأخير، وتلك المشاريع انفقت عليها عشرات المليارات من الدولارات وأثبتت نجاحها، ومن جانب آخر فإن أي تحالف روسي صيني في مجال الامن المشترك يعد اعلان حرب ضد الاحلاف الغربية، وهو ما سيؤدي وفق معايير السياسة الاستراتيجية الى بدء حرب باردة بين روسيا والصين مع الولايات المتحدة واوربا وحلفائهم، والحرب الباردة تعني تفعيل الصراع الاقتصادي وسباق التسلح على المستوى الاستراتيجي حتى تنهار القوة الأضعف.

كل من روسيا والصين تعلمان جيداً انهما لن تصمدا بوجه الغرب في الحرب الباردة، لذلك استبعدنا خيار الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والصين في مقالنا السابق عن ازمة الغواصات النووية الاسترالية، ونستطيع القول كما اشرنا في مقالنا السابق ان ثمة حرب من نوع آخر سوف تندلع، وهي حرب تقع في نطاق توازنات القوى والمصالح الدولية وتوازنات تدخلات القوى، وهي حرب استخدمتها روسيا اول مرة عام ٢٠١٤ حينما قضمت القرم من أوكرانيا على أثر استيلاء حلفاء الناتو على السلطة وطرد الحكومة الاوكرانية الحليفة لروسيا، ويمكن لنا تسمية تلك الحرب (حرب التوازن) وهي حرب تخوضها الدول العظمى بطرق متعددة سمتها المشتركة هو الرد السريع بالمثل النوعي، بحيث تعود موازين القوى والمصالح الى حالة الاستقرار الندي، وتكون تدخلات القوى فيها متعادلة الى حد كبير على المستوى الاستراتيجي، وبالتالي تفقه الأطراف المتنازعة التي ترزح تحت وطأة العقل السياسي الاستراتيجي والتي يقودها اشبه ما يكون بالروبوت السياسي او لنقل الدستور الحاكم على العقل السياسي المعاصر؛ ان إجراءات الطرف الآخر مشروعة وفق قواعد العقل السياسي الاستراتيجي تلك.

ان هذه السياسة تنم عن السخف والهزالة العقلية لدى من يعدون اساطين الفكر السياسي العالمي، حيث انها تفتقر الى المنطق البسيط وابجديات الفلسفة العقلية التي تحكم بالدور والتسلسل الباطل لمثل هكذا إجراءات لن تنتهي الا بالصدام المحموم الذي سيؤدي الى الفناء السريع، والذي يخلف ورائه جميع النظريات والاستراتيجيات السياسية المستخدمة في النزاعات غير المسلحة بين الدول العظمى والمندرجة تحت أطر وقواعد سياسية وضعها العقل الغربي في العصر الحديث، وبهذا تتماهى الحضارات الكبرى لتعود من جديد الى تحكيم العقل البشري غير المعصوم في انشاء حضارات جديدة ووضع نظريات ومعايير ونظم سياسية مصيرها انها تنتهي الى ذات القدر المحتوم.

ما يجري اليوم في مراكز ومعاهد الدراسات السياسية الاستراتيجية في الغرب وفي الولايات المتحدة على وجه التحديد، عبارة عن اجتهادات وتجارب بشرية توجدها بعض العقول المصابة بالغرور والنرجسية، والتي تبحث لها عن موطئ قدم في التاريخ البشري الذي ملأته أسماء لامعة لفقهاء الفكر السياسي في القرون الأخيرة المنصرمة، فهي تسطر افكارها وتضع خططها وتسلمها الى الجهات الاستخبارية والتنفيذية السياسية والعسكرية، والحاكم على اختيارها وتطبيقها هو العقل السياسي التنفيذي، وبالنتيجة فإن أمثال ترامب وبايدن وبوش واوباما واضرابهم من رؤساء الولايات المتحدة، هم العقول التي تجعل ما بلورته الأجهزة الاستخبارية والعسكرية من مخرجات مراكز ومعاهد الدراسات الاستراتيجية في حيز التنفيذ!

في ازاء كل ذلك يجري المكر الإلهي المتماغم والمساير موضوعياً لفطرة التكوين واصل الخليقة، والمدار من قبل الناحية المعصومة الحكيمة والباصرة، والتي تحكم الزمان والمكان ولا يحدها من حدود في هذا المجال الا بقدر قابلية البشر والمخلوقات المحدودة.
وبالنتيجة فإن ما يمكره طغاة الأرض سوف يرتد عليهم، وان الإرادة الإلهية هي المنتصرة في النهاية، وما نستطيع الجزم به، ان الحضارة الغربية قد بلغت مرحلة الاحتضار، وان دولة العدل الإلهي قد نجم قرنها في قبالة شمس الغرب التي باتت في طور الأفول.

صفقة الغواصات النووية الاسترالية واثرها على الصراع العالمي.

بعد ان فشلت غالبية مشاريع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، أخذت تتبنى خططاً واستراتيجيات جديدة سمتها المواجهة المباشرة مع الأعداء الاستراتيجيين والشركاء الضعاف، ونعني هنا روسيا والصين والاتحاد الأوربي.
كانت استراليا بصدد عقد صفقة ١٢ غواصة فرنسية تعمل بالديزل والكهرباء، وهي غواصات تكتيكية من النوع المتوسط، فهي اكثر تطوراً من الغواصات الموجودة لدى بعض الدول كالجمهورية الإسلامية الايرانية، واقل تطوراً من الغواصات الامريكية والبريطانية والروسية التي تعمل بالوقود النووي.
ميزة الغواصات التي تعمل بالوقود النووي انها استراتيجية، بمعنى انها تستطيع الغوص لعدة اشهر ولمسافات طويلة جداً، وبامكانها ان تحمل الصواريخ النووية وان تنفذ واجبات حربية استراتيجية، لذلك فإن هذا النوع من الغواصات يخل بتوازنات القوى والمصالح للاقطاب الدولية، ووجودها في حوزة الاستراليين على أثر التحالف بين كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا وهو التحالف المسمى (أوكوس) ضد المصالح الروسية والصينية والإيرانية والاوربية في المحيطين الهندي والهادي وفي بحر الصين الجنوبي، ويعد هذا الوجود العسكري تهديد صريح للتنين الصيني، وخرق لمعادلات تدخلات القوى، وهذا التحالف يمهد الى تحالف انجلوساكسوني جديد.

ان هذا التهديد الصارخ للامن القومي الصيني يعد لهم مسألة وجود، فالتفوق الجيوبولوتيكي للصين في منطقة بحر الصين الجنوبي، والندية الأمنية في المحيطين الهندي والهادي، واستراتيجية طريق الحرير سوف تصبح كلها مجرد أحلام فيما اذا مكُنت استراليا من حيازة تقنية الغواصات النووية الاستراتيجية الامريكية ، فالصين تعول على قدراتها العسكرية ونفوذها الاقليمي وبُعد الولايات المتحدة جغرافيا عن المنطقة، لذلك فإن هذا التطور في موازين القوى لا يكفي معه نشوب حرب باردة كما يتصور المحللون السياسيون، بل لابد للصين ان توسع من نطاق هيمنتها في العالم، وتشرع الى فتح جميع الملفات الأمنية مع الولايات المتحدة كالتدخل في مناطق لم تكن تخطط للتدخل فيها من قبل، كسوريا وأفغانستان واليمن وغيرها من مناطق الصراع مع الغرب، وكذلك سيكون لزاما على الصين التفكير الجاد والتحرك باتجاه احتلال جزيرة تايوان وضمها الى الصين والاستيلاء على منجم اشباه الموصلات الذي يمد الغرب بهذه التكنولوجيا، والسيطرة على منطقة بحر الصين الجنوبي وانشاء الجزر الصناعية العسكرية وتهديد الامن القومي لحلفاء أمريكا في المنطقة (اليابان وكوريا الجنوبية) والضغط عليهم اقتصادياً، والدعم المباشر لكوريا الشمالية في المجال النووي ومجال الصواريخ البالستية، وكذلك دعم باكستان ودعم ايران، واضرام ازمة كشمير بين الصين والهند وباكستان، والضغط الاقتصادي على حلفاء الولايات المتحدة في اوربا والشرق الأوسط.

من جانبها فإن روسيا يتحتم عليها التصعيد ضد دول شرق اوربا الحليفة للولايات المتحدة والمدعومة من حلف الناتو، فسيكون لجورجيا وأوكرانيا وبولندا ودول البلطيق وأذربيجان النصيب الأكبر، وسيكون لدول حليفة لروسيا مثل بيلاروسيا دورها في التصعيد ضد أوكرانيا من جهة الشرق وبولندا من جهة الغرب.

الاتحاد الأوربي سوف يدق ناقوس الخطر، كما ان فرنسا لن تكتفي بالسكوت، ومن المرجح ان تعلن تدخلها في شؤون الشرق الأوسط نكاية بالامريكان، فالضرر الذي منيت به فرنسا جراء الغاء صفقة الغواصات الفرنسية والتي تقدر ب ٥٠ مليار دولار، احدث شرخاً في العلاقة بين فرنسا وامريكا ودق ناقوس الخطر عند بلدان اليورو.

جميع ملفات الصراع الدولية سوف تفتح على مصراعيها وسوف تفعل جميع الملفات الأمنية الصغيرة والكبيرة، وسوف يقبل العالم على ازمة دولية لن تنتهي الا بحرب نووية ضروس تأكل الأخضر واليابس.
يبدو ان شهر سبتمبر/ أيلول عاد من جديد ليعلن عن رغبته في تغيير العالم، وهذه المرة لن يكون التغيير لصالح الولايات المتحدة، فالاخطاء الامريكية الاستراتيجية سوف تعود عليها بالخيبة والخسران.
ان لجوء الولايات المتحدة الى المواجهة الامنية الاستراتيجية، يعني فشل جميع مشاريعها الأخرى، فالمواجهة الامنية الاستراتيجية هي آخر المطاف للدول العظمى، والحكومة الامريكية بقيادة بايدن ضعيفة، مما يعني ان ثمة جهات متنفذة في الدولة العميقة سوف تملي اراداتها على القرار السياسي الاستراتيجي الأمريكي.
هكذا حينما تصل الحضارات الى ذروة طاغوتها وتجبرها فإنها تذوى لتحل محلها حضارات أخرى، وهذه المرة ومع الاقتدار الشيعي في منطقة الشرق الأوسط، فلن يسمح القدر لنشوء حضارات لا إنسانية جديدة كالحضارة العلمانية الغربية، بل سوف تنشأ حضارة الاسلام المهدوية وسوف تستولي على جميع بقاع الأرض، وتفرض هيمنتها على جميع ارجاء المعمورة، وتنشر فيها القسط والعدل بعد ان يملأها جبابرة الأرض ظلماً وجورا.

هل من الممكن أن يصبح الفرد على سبيل المثال “انا” من ال٣١٣ ام انهم فقط من القادة ؟وما هي مؤهلاتهم؟

الجواب:

سمات اصحاب القائم عج انهم:
١- شباب.
٢- لديهم ثقافة مهدوية انتظارية جيدة.
٣- لهم دور في التثقيف المهدوي قبيل الظهور الشريف، فالصاحب سمي صاحباً لانه يصحب الشخص، فإذا كان الشخص غائباً، فلابد ان يكون صاحبه ممن كان يلهج بذكره ويثقف الناس على امره، ليصدق عليه انه صاحب.
٤- لديهم الاستعداد لموافاة الامام الحجة عج الى الحجاز بعد الصيحة دون ان يمنعهم مانع، اي انهم بامكانهم ترتيب اوضاعهم للسفر الطويل مخلفين اهاليهم ومصالحهم ورائهم.
٥- يمتلكون صفة الطاعة للقيادة المهدوية لكي يتمكنون من طاعة الامام عج.
٦- من صفاتهم انهم اذا اجتمعوا مع اخوتهم المنتظرين لا يكون في قلوبهم كبر او غرور او تحامل على جمع اخوتهم المنتظرين، حيث تصفهم الروايات: كأنهم ابناء أم وأب، فكل فرد منهم يحب جماعة المنتظرين كأنهم اخوته، بل ربما يحصل بين الاخوة النسبيين بعض المشاحنات، اما الاخوة المنتظرين الاصحاب فلا يدعون مجالا للشيطان ان يدخل فيهم.
٧- من صفاتهم انهم اذا اجتمعوا تعاظمت قواهم الايمانية، وصلحت سيرتهم العملية، وحسنت عبادتهم، فجماعتهم خير لجميعهم.
٨- لا يكون لهم هم الا التمهيد للامام الحجة عج.
٩- لا تغرهم الحياة الدنيا الا بحدود ما تضعف فيه انفسهم ولا يضر بقضيتهم السامية، فهم اصحاب قضية، فلا يهرون هرير الكلب ولا يطمعون طمع الغراب.
١٠- يسكنون في اطراف الارض: اي انه غالبيتهم من المناطق الشعبية والاقضية والنواحي.
١١- هم اؤلئك الخفيض عيشهم المنتقلة دارهم: فهم بسطاء في معيشتهم.
١٢- الذين اذا حضروا لم يعدوا واذا غابوا لم يفتقدوا واذا مرضوا لم يعادوا واذا خطبوا لم يزوجوا: أي انهم مغمورون اجتماعياً، فبالرغم مما يمتلكونه من نور المعرفة بحقائق الامور المهدوية، ودراية بقضية الانتظار والتمهيد للامام الحجة عج، بيد انهم غرباء في مجتمعاتهم، يتكلمون فلا يستمع لهم الا بقدر. فالناس بانشغالها في تحصيل المكاسب الدنيوية لا وقت لديهم لكي يستمعوا لهؤلاء، ولتغير احوال الناس وانخراط المؤمنين في زخارف الدنيا، حتى ان احدهم اذا اراد خطبة الفتاة وهو كفؤ لها لا يزوجوه اياها، لأنه مغمور اجتماعيا ولأنه فقير ولأن طلبات اهل البنت او البنت ذاتها لا يتمكن من توفيرها، ولأن ظروفه الاجتماعية وسعيه للحفاظ على دينه جعلته غير مستقر، ولأن كثير من الاسر المؤمنة باتت تبحث عن الرخاء والدعة لبناتها!
١٣- الذين لا يتعدى صوتهم اسماعهم، فهم ليسوا من اصحاب اللجاجة والاختيال والمكر والخداع واللباقة الشيطانية.
١٤- هم شجعان في دواخلهم، فاذا ما اتيح لهم التصدي للامر في زمان قيام القائم عج، كشروا عن انيابهم وسحقوا اعدائهم باقدامهم، وتكون قوة الرجل منهم كقوة ٣١٣ رجلا من غيرهم، بزهو الروح الايمانية المعنوية التي تجتاحهم عند قيام صاحبهم، فتلك القوة التي كبتوها في زمان انتظارهم تكون متاحة للظهور دفعة واحدة.
١٥- كل شاب من شباب الشيعة لديه فرصة متساوية مع غيره ليتشرف بأن يكون من تلك الثلة الموفقة.
١٦- لكل قاعدة شواذ، ففي اولئك الاصحاب بعض الكهول، وفيهم بعض ميسوري الحال، وفيهم من يسكن مراكز المدن، وفيهم المتزوج وفيهم المشهور اجتماعياً.
١٧- يجد هؤلاء الاصحاب في انفسهم الغيرة والمروءة والحمية والنزاهة والتطلع الى تحقيق العدل والقسط في ارجاء الارض.
١٨- لدى هؤلاء الاصحاب تصور كافي عن قضايا الامة وهمومها ويقدمون مصلحة الامة على مصالحهم الضيقة.
١٩- لديهم بصيرة في تشخيص اعداء الامة، وتشخيص اقتدارها، والعمل وفق قدرتهم على ممانعة الاعداء ورفد ذلك الاقتدار.
٢٠- لعل غالبيتهم والله العالم يدورون في فلك اليماني وبعضهم يقبلون في جيش الخراساني، فهم من اهل الهدى ولا ينفكون عن رايات الهدى.
٢١- عقلاء ولائيون مرجعيون لا يفرقون بين المراجع الاعلام، وطنهم علي بن ابي طالب صلوات الله عليه، فأين ما كان علي بن ابي طالب كان ذلك وطنهم.

لقاحات كورونا آثار التكرار والطفرات الوراثية والاشارات الروائية.

الفايروسات في الاصل هي خلق الهي وهي كبقية المخلوقات لها ادوارها في الحياة، وعموماً تعتبر الفايروسات اسلحة او لنقل جنوداً الهية اوجدت لخدمة الانسان تارة وللانتقام من المسرفين تارة أخرى لكي يعود الانسان دوماً الى فطرة التكوين، ولله تعالى فيها مآرب أخرى.

فقد ورد عن الامام الصادق عليه السلام في وصف فايروس الزكام بأنه جند من جنود الله عز وجل:

عن بكر بن صالح، والنوفلي، و غيرهما يرفعونه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يتداوى من الزكام و يقول: ما من أحد إلا وبه عرق من الجذام فإذا أصابه الزكام قمعه.

وعن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) الزكام جند من جنود الله عز وجل يبعثه عز وجل على الداء فيزيله.

وعن محمد بن عبد الحميد باسناده رفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما من أحد من ولد آدم إلا وفيه عرقان عرق في رأسه يهيج الجذام وعرق في بدنه يهيج البرص فإذا هاج العرق الذي في الرأس سلط الله عز وجل عليه الزكام حتى يسيل ما فيه من الداء، وإذا هاج العرق الذي في الجسد سلط الله عليه الدماميل حتى يسيل ما فيه من الداء فإذا رأى أحدكم به زكاما ودماميل فليحمد الله عز وجل على العافية وقال: الزكام فضول في الرأس.

الكافي – الشيخ الكليني – ج ٨ – الصفحة ٣٨٢

ان الزكام هو احد الامراض الفايروسية التي تصيب الجهاز التنفسي العلوي، حيث تصيب الجسم بعض الفايروسات التي تسبب اعراضا شبيهة باعراض الانفلونزا وهذه الفايروسات لم تجد لها البشرية علاجاً نهائياً وذلك ما يدل دلالة واضحة على كونها جند من جنود الله جل وعلا، في مقابل ذلك قد يتم التلاعب البشري في المختبرات البايلوجية في جينات بعض الفايروسات فتتغير طبيعتها وتصبح وبائية كما حصل مع فايروس كورنا (كوفيد ١٩) ولا يقتصر الامر في موضوع جنود الله عز وجل على فايروس الزكام والذي يتكون من قرابة ٢٠٠ سلالة، وانما ينطبق ذلك على بقية الفيروسات، كفايروس الايدز الذي يصيب من يمارسون الاتصال الجنسي غير المشروع، وفايروس انفلونزا الخنازير الذي يصيب متناولي لحوم الخنازير، وفايروس انفلونزا الطيور الذي يصيب التجمعات الصناعية للطيور، وكذلك الفايروسات والفطريات التي تصيب البحيرات الصناعية للاسماك.

كل هذه الأفعال التي تخالف الطبيعة تؤدي الى حدوث مشاكل صحية، تماما كما ان آثار ثنائي أوكسيد الكاربون الناتج بكميات كبيرة من المصانع يؤثر على طبقات الجو العليا ويتسبب في ظاهرة الاحتباس الحراري.

لوحظ انه عندما تم قطع أشجار احدى الغابات، سرعان ما تجمعت الغيوم وامطرت السماء مطراً شديداً في تلك المنطقة، وبعد فترة وجيزة عادت الأشجار المقطوعة الى النمو! وذلك ما يدل على ان الله تعالى الخالق للطبيعة جعلها في حالة توازن، اذ تعيد نفسها الى الحالة الطبيعية كلما عبث بها البشر، وذلك ما يدل على ابداع الصانع سبحانه وتعالى.

وفي ذات السياق فإن تكرار ادخال مواد عضوية ولقاحات الى الجسم يؤدي الى مضاعفات تؤثر من جهة على الفايروسات انفسها فتحدث فيها طفرات وراثية، ومن جهة أخرى يتم التلاعب في نظام الجهاز المناعي للجسم، فيؤدي ذلك الى مضاعفات لا تحمد عقباها، فلو دققنا في اللقاحات الخاصة بالامراض الشائعة، نجد انه يتم تلقيح جميع الناس ولكن لمرة واحدة فقط في العمر، كلقاح الحصبة والجدري وشلل الأطفال وغيرها، وعادة ما يتم تلقيح الأطفال بها، اما مثل فايروس كورونا فمن المقرر ان يتم تكرار اللقاح سنوياً او موسمياً!

ان تكرار اللقاح قد يؤدي الى تغيير في طبيعة عمل الجهاز المناعي للجسم، حيث ان التعرض الاول للقاح قد يمر لدى غالبية الناس مرور الكرام ويعتبره الجهاز المناعي حادثة طارئة، لكن التكرار قد يؤدي الى تغيير في طبيعة الجهاز المناعي وبالتالي قد يؤدي ذلك الى مهاجمة الجهاز المناعي لخلايا الجسم معتبراً اياها فايروسات وهنا تكمن المشكلة، لذلك نكاد نقطع بإن التوسع باستخدام جرعات إضافية من اللقاح وتكرار اللقاحات أثره السلبي سوف يكون كارثياً.

من جانب آخر فإن التصدي لمثل فايروس كورونا عن طريق اللقاحات، قد يسبب طفرات وراثية خطيرة للفايروس، أو ان يضعف الفايروس فيحل محله فايروس جديد، او يتسبب ذلك في ظهور امراض بكتيرية كالعفن الأسود على سبيل المثال، وبالتالي فإن محاربة هذا الفايروس بطريقة تكرار اللقاحات سوف يسبب امراً خطيرة كالجذام والبرص.

قام فريق من المتخصصين في مجال مكافحة الزواحف، حيث كثرت أنواع اليفة من الافاعي غير السامة في احدى القرى الأوربية، فقام الفريق بجمع تلك الافاعي ووضعها في محميات صناعية، وبعد فترة انتشرت افاعي الكوبرا السامة في تلك القرية، فلم يتمكن فريق مكافحة الزواحف من إيجاد حل لها، وبعد دراسة معمقة وجدوا ان تلك الافاعي الغير سامة التي جمعوها، كانت تمنع افاعي الكوبرا الخطيرة من الاقتراب من القرية، فوجدوا ان افعى الكوبرا تخاف وتهرب من تلك الافاعي اذا ما وجدتا في مكان واحد، فقام الفريق بإعادة نشر تلك الافاعي غير السامة في القرية لتخليص أهالي القرية من خطر أفاعي الكوبرا.

تجربة بسيطة في المنزل، قم بجلب سائل قاتل الحشرات وحلله بالماء واسكب مقدارا كبيرا منه كأن يكون ٥٠ لتراً في مجاري المنزل، عندها ترى ان الصراصر الاليفة المعتاد وجودها في مجاري المنزل سوف تنفق، وبعد يوم واحد او يومين سوف ترى انتشار فصيلة من الديدان لونها اسود وحجمها كبير ولها مقدمة تشبه المقص قد تكون لم تراها من قبل، هذه الديدان سوف تخرج وتنتشر في المنزل، و لا يعرف ما هو تأثيرها، لكن ما نستطيع تأكيده انها اكثر خطراً من الصراصر التي تم ابادتها، ناهيك عن ان تلك الصراصر بعد نفوقها توقف عملها الذي كانت تعمله، والذي لا نعرف مدى أهميته للطبيعة، كذلك يبدو من خلال التجربة ان الصراصر كانت تمنع هذه الديدان السوداء من الظهور على سطح الأرض.

ورد في الروايات الشريفة الحديث عن المسخ قبيل الظهور الشريف، ومن المعلوم ان مثل هكذا امور لا تحصل في الوضع المعتاد لان الله تعالى خلق الكون وفق نظام متقن، فلا يمكن ان تحدث حالة المسخ الا من خلال التلاعب البشري واخشى ان يكون تكرار لقاح فايروس كورونا مسببا لحالات المسخ التي تحدثت عنها الروايات.

فعن أبي بصير قال: سئل أبو جعفر الباقر عليه السلام عن تفسير قول الله عز وجل ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ) فقال: يريهم في أنفسهم ( المسخ ) ويريهم في الآفاق انتقاض الآفاق عليهم ، فيرون قدرة الله في أنفسهم وفي الآفاق . وقوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ: يعني بذلك خروج القائم هو من الله عز وجل يراه هذا الخلق لا بد منه.

الكافي ج8 ص 780

وعن ابي بصيرر قال قلت لابي عبد الله قوله عز و جل ( لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) ما هو عذاب خزي الدنيا ؟ قال : و أي خزي يا أبا بصير أشد من أن يكون الرجل في بيته و اصحابه وعلى إخوانه وسط عياله إذ شق أهله الجيوب عليه و صرخوا فيقول الناس ما هذا ؟ فيقال : ( مسخ ) فلان الساعة ، فقلت : قبل قيام القائم أو بعده ؟ قال : لا ، بل قبله

غيبه النعماني ص277

طبيعة الفايروسات انها جنود من جند الله كما دلت الروايات الشريفة، وتعمل الفايروسات على قمع الانحرافات التكوينية التي يسببها البشر كما اشرنا آنفاً، لذا فإن فايروس كورونا ربما يكون قد تم التلاعب بجيناته، وتم نشره بصورة صناعية، وبهذا يكون كما اشارت الروايات بأنه (طاعون أغبر) والأغبر هو الباقي والذي يتمدد (يتطور عن طريق الطفرات الوراثية)

وعن أبي حمزة الثمالي عن الامام الباقر عليه السلام قال: يا أبا حمزة، لا يقوم القائم (عليه السلام) إلا على خوف شديد وزلازل وفتنة وبلاء يصيب الناس وطاعون قبل ذلك، وسيف قاطع بين العرب، واختلاف شديد بين الناس، وتشتت في دينهم وتغير من حالهم حتى يتمنى المتمني الموت صباحا ومساء من عظم ما يرى من كلب الناس، وأكل بعضهم بعضا، وخروجه إذا خرج عن الإياس والقنوط.

كتاب الغيبة – محمد بن إبراهيم النعماني – ج ١ – الصفحة ٢٣٨

لاحظ حديث الرواية عن خوف شديد يصيب الناس بعد الطاعون (فايروس كورونا) وفتنة وبلاء يصيب الناس، وتتزامن هذه المصائب مع الفترة القليلة التي تسبق قيام القائم عج، وهي ذات الفترة التي يتعرض فيها بعض الناس الى حالة المسخ!

لذلك نقول ان ثمة مخاوف من تكرار اللقاحات الخاصة بفايروس كورونا، والتي قد تؤدي الى اضطراب الجهاز المناعي لدى البعض وبالتالي تسبب تلف خلايا بعض أعضاء الجسم كالوجه مثلاً وتؤدي الى حالة المسخ لا سمح الله.

بعد ذلك نأمل بأن يخف أثر فايروس الكورونا قريباً ولا يحتاج الناس الى تكرار اللقاحات، وعلى اقل تقدير في منطقة الشرق الأوسط، ولعل الحرب العالمية سوف تتسبب في إيقاف تصدير اللقاحات الى بلدان الشرق الأوسط فيكفي الله المؤمنين شرورها، ولعل الحرب العالمية تؤدي الى توقف نشاطات الواقفين خلف انتشار سلالات الفايروس، اذ ان ثمة دلائل عديدة تشير الى ان الفايروس يتم نقله ونشره عن طريق الطائرات المسيرة في بعض البلدان، كما اشارت الى ذلك الحكومة الروسية، حيث اتهمت الولايات المتحدة بانشاء مختبرات وبائية في جورجيا وقيامها بنشر فايروس كورونا عن طريق الدرونات في مناطق حدودية مع روسيا، وذلك ما يعزز نظرية الحرب البايلوجية.

التمهيد السياسي لنصرة الامام المهدي عج (ج٣)

نحن في العراق مقبلون على انتخابات برلمانية، وهذه الانتخابات مهمة جداً، إذ ان استقراء خطط الأعداء الاستراتيجية يفضي الى انهم يعملون جاهدين من أجل حل الحشد الشعبي بكل الطرق المتاحة، وحيث ان محاولاتهم السابقة بائت بالفشل، فلم يألوا جهداً في استهداف قيادات الحشد وابناءه عسكرياً واستخبارياً واقتصادياً واعلامياً، وهذه المرة يحاولون استهداف الحشد سياسياً!

طيلة الدورات الانتخابية السابقة كنا كأفراد مؤمنين منتظرين، نبحث عن المرشحين النزيهين والكفوئين لكي ننتخبهم سعياً منا لابراء ذمتنا امام الله عز وجل، وكانت لدى بعضنا هواجس وأفكار تنحو باتجاه انتخاب من يخدم البلد وما الى ذلك، ولكن لو تأملنا قليلاً لوجدنا ان اصل انتخاب مرشحي البرلمان هي قضية سياسية بحتة، اذ ان مهام البرلمان هي مهام تشريعية تتعلق بالسياسة بالمقام الأول.

بعد معرفة ذلك علينا ان نغير المفاهيم التي كنا نعيها سابقاً، فيكون اختيارنا لمرشحنا الانتخابي لاهداف اسمى من تلك التي كنا نعتبرها أولوية كتقديم الخدمات من كهرباء وماء وتعيينات وما الى ذلك، إذ ان العاقل يعي جيداً ان حجم الفساد المستشري في البلد لا يمكن بأي حال من الأحوال القضاء عليه، وان الفشل الذي رافق الحكومات السابقة يعود الى عوامل عديدة داخلية وخارجية، سياسية ومجتمعية، وبالتالي لن يكون هنالك حل مرض للشعب في الفترة المنظورة، بل اننا جميعاً نتفق على ان مشاكلنا ومآسينا وما يمر بنا من فتن لن تحل الا على يد القائم عج.

بعد ذلك يترتب علينا ان نضع معايير جديدة لانتخاب مرشحي البرلمان وهذه المعايير ينبغي ان نستشفها من قضيتنا السامية، بإعتبارنا كمنتظرين نعد انفسنا أصحاب قضية الانتظار والتمهيد لقيام دولة العدل والقسط الإلهي.

تلك المعايير بالإمكان ايجازها في امرين:

الأمر الأول: هو اختيار من يخدم القضية المهدوية بصورة مباشرة (إن وجد) او الرجوع الى القيادات المهدوية لأجل تحديد المرشحين المناسبين.

الأمر الثاني: هو اختيار من يخدم القضية المهدوية ولو بصورة غير مباشرة.
وفي هذا المجال لدينا قوات الحشد الشعبي المقدس نتاج فتوى الجهاد الكفائي المرجعي التي اطلقها نائب الامام الحجة عج الامام السيستاني دام ظله الشريف ودعمها ورعاها الامام الخامنئي اعلى الله مقامه، وهذه القوات تتعرض كما اشرنا الى حملات محمومة من قبل الأعداء واعوانهم في الداخل العراقي، ويسعى هؤلاء الى حل الحشد الشعبي او دمجه مع القوات الأمنية لكي يفقد سمته العقائدية، وبالتالي يتمكنون من تمرير مشاريعهم الخبيثة كمشروع داعش الفوضوي وغيره، والاضرار بالمجتمع الشيعي واضعافه والهيمنة عليه وتعطيل شعائر الحسين صلوات الله عليه وتأجيل المشروع المهدوي، بإعتبار ان الاقتدار الشيعي هو عامل التمهيد الأهم في قضية ظهور الامام المهدي عج.

هنا يبرز لنا عنصر الحشد الشعبي كمعيار لاختيار مرشحي البرلمان، فمن نجده يخدم قضية الحشد الشعبي، وموصى بانتخابه من قبل قادة الحشد الشعبي والقيادات السياسية الداعمة للحشد الشعبي، فهو المعول على انتخابه بغض النظر عن الأمور الأخرى، سواء كان ضعيفاً او متهماً في نزاهته او غيرها من الأمور الأخرى، إذ ان المعيار كما اشرنا هو دعمه من قبل القيادات الحشدية والقيادات الداعمة للحشد الشعبي، ولا بأس باختيار الأفضل من بين هؤلاء.

وفي هذا الصدد نود ان نبين بأن كتلة الفتح السياسية باعتبارها ممثلاً وحيداً للقوى الحشدية والداعمة للحشد، قد اجتمع أعضائها من قيادات الأحزاب والتيارات السياسية وقيادات الفصائل، واتفقوا على تقديم مرشحين متفق عليهم سلفاً وادرجت اسمائهم في القوائم الانتخابية عن كتلة الفتح، وهؤلاء موزعون على الدوائر الانتخابية، وهم المعول عليهم في اسناد الحشد الشعبي برلمانياً والحيلولة دون المساس به، لذا من واجبنا ان نختار من هؤلاء المرشحين في اقضيتنا، وان لا نختار احداً من غيرهم مهما كانت تربطنا به من علاقات صداقة او علاقات مجتمعية او عشائرية او اسرية وما الى ذلك.

ان فصائل الحشد الشعبي هي امل العراق بل أمل الامة في الوقوف بوجه مخططات الأعداء الرامية الى إطالة امد غيبة الامام المهدي عج، وذلك بوقوفها جنباً الى جنب مع قوى محور المقاومة الممهد للامام القائم عج، وهذه الفصائل المجاهدة سوف تكون نواة لأنصار الامام الحجة عج وجيشه المبارك، لذا يتحتم علينا اسناد هذه الفصائل الحشدية سياسياً من خلال انتخابنا لمرشحي الفتح، وهذا الامر هو جزء من واجباتنا التمهيدية لنصرة القائم عج.

حركة طالبان وحماس في ميزان السياسة الإلهية الاستراتيجية الفائقة.

جرى المكر الإلهي في التاريخ الإسلامي كفاعل أساسي في تطبيق الخطة الإلهية الاستراتيجية المتمثلة في استدامة نور الله تعالى في الخليقة وإقامة دولة العدل والقسط الإلهي وإزالة الظلم والجور وبالتالي تحقيق الخلافة الإلهية في الأرض، المكر الإلهي او السياسة الإلهية الاستراتيجية الفائقة، أوكلت مهام تطبيقها رؤية ورسالة واهدافاً وغاية الى النبي المصطفى محمد وآله الطيبين الطاهرين صلوات الله عليهم اجمعين، فبعد رحيل النبي المصطفى تبناها وصيه العظيم علي بن ابي طالب صلوات الله عليهما، أمير المؤمنين ذلك الامام الشجاع الذي جندل صناديد العرب وقتل ابطالهم وناوش ذؤبانهم، حيث ظنوا انهم غلبوه بمؤامرة سخيفة بني ساعدة، وشبه لهم انهم انهوا اسطورة السيدة الزهراء صلوات الله عليها وانسوا ذكر النبي المصطفى بكسرهم ضلعها واسقاطهم جنينها، وحيث كانوا يخططون بمكرهم قتل أمير المؤمنين وسبي فاطمة الزهراء صلوات الله عليهما، ومن بعد ذلك قتلوا أئمة اهل البيت صلوات الله عليهم الواحد تلو الآخر.

ظن مشركوا قريش انهم بمؤامرة الجمل قد كسروا شوكة الإسلام، وبتحكيم صفين انهم قد ازاحوا الامامة الإلهية عن مقامها، وبمكرهم في النهروان انهم قلبوا سحر اهل البيت عليهم، لكنهم لم يعوا ولم يدركوا انهم في كل خطوة مكر خطوها وجعالة كيد كادوها، كان مكر الله محيطاً بهم، ومكرهم محيقاً بهم، فقد كان حبل مكرهم قصير في حدود زمانهم ومكانهم وافق فكرهم الضيق مقارنة بما تكتنفه القيادات الإلهية الحاكمة على الزمان والمكان.

تغافل اهل المكر والخداع من عبيد الدنيا واتباع الشيطان، اصنام قريش ووطغاة بني أمية وبني العباس ان قيامة الله جل وعلا انما هي في آخر مطاف الدنيا، وان قيامة أهل البيت صلوات الله عليهم في آخر الزمان على يد صاحب الامر القائم من آل محمد صلوات الله عليهم اجمعين، هذه الحقيقة لم يعيها اؤلئك الجبابرة، فلو انهم آمنوا بالمعاد والحساب لكانوا قد آمنوا بدولة القائم عج في آخر الزمان، فلقد ظن اؤلئك انهم بالسجن والتنكيل والنفي والسم والقتل لن يبقوا لأهل هذا البيت من باقية!

لقد ادار أئمة اهل البيت صلوات الله عليهم الخطة الإلهية الاستراتيجية بأنفسهم وبتوجيه من الله تعالى عز وجل والنبي المصطفى صلوات الله عليه، فقد وضع الله تعالى خطته التي كانت مضمونة النتائج سلفاً، فهي من الحتم المحتوم والميعاد الذي لا يتخلف، غاية ما هنالك انها تسير وفق الأسباب الطبيعية، بيد انها محسوبة حساباً دقيقاً من قبل عالم الغيب والشهادة، الذي يرى الغايات والاهداف كما يرى الرؤية والرسالة، مجرداً عن الزمان والمكان ومترفعاً عن مجانسة مخلوقاته سبحانه وتعالى عما يصفون، كما انه عز وجل جعل من يدير تلك الاستراتيجية رجال الهيون معصومون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون.

لقد كانت كل حركة وسكنة من اهل بيت العصمة والطهارة بقدر، فقد قاتل علي بن أبي طالب الناكثين لهدف وقاتل القاسطين لهدف وقاتل المارقين لهدف، وكل هذه الاهداف بقدر معلوم، وكل هذه الاهداف انما هي اهداف ضمن استراتيجيته الإلهية التي تتعلق أخيراً بإقامة دولة العدل الالهي، كما ان الامير صلوات الله عليه كلف بمهمة لا تنبغي لغيره واعني هنا معركة خيبر، اذ يحدثنا التاريخ عن تصدي فلان وفلان للفتح، والحقيقة انهما ما كانا ليحققا النصر في خيبر قط، فتصدى لها صاحبها، لان فتح خيبر كان احد اهداف الاستراتيجية الإلهية، واي شخص غير امير المؤمنين لم يكن معنياً بالامر، وانما وافق النبي صلى الله عليه وآله على تصدي فلان وفلان لانه علم يقيناً انهما سيفشلان! فقد كان فتح خيبر من اقتلاع الباب بالاعجاز الى قتل الحارث ومرحب، عبارة عن هدف الهي لنقل دولة اليهود من الحجاز الى فلسطين والتي قامت هناك في آخر الزمان.

كما ان تدريس الامام الصادق عليه السلام لابي حنيفة النعمان ومالك وظهور الشافعي على الساحة السنية بعدهما، كل ذلك كان في زمان السلطنة العباسية وكان عبارة عن تكتيكات قام بها الامام الصادق عليه السلام بهدف تحييد المذهب الحنبلي المتشدد والذي سيقوم فيما بعد، والذي بذل بنو العباس قصارى جهدهم ليبعدوا الامام الكاظم والامام الرضا صلوات الله عليهما عن التأثير عليه، اذ سجن الامام الكاظم ونقل الرضا الى بلاد خراسان، اذ علم الامام الصادق عليه السلام ان ذلك المذهب الحنبلي سوف ينتج في آخر الزمان أمثال ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وال سعود والقاعدة وداعش! ولك ان تتخيل لو ان المذهب السني كان كله حنبليا وهابياً داعشياً كيف ستكون الأمور؟! بيد انه بعد يأس الامام الصادق عليه السلام من هداية أئمة المخالفين وتحت ظروف سلطة بني العباس الطاغوتية، عمل الامام الصادق عليه السلام على توجيه ابي حنيفة ومالك باتجاه بعيد عن التشدد الحنبلي، وهو اقصى ما يستطيع فعله بالاسباب الطبيعية، فكان مما تمكن منه ان يقنعهما ببعض الاحكام الشرعية لتحييدهما عن التشدد والنصب لأهل البيت صلوات الله عليهم، ومن بعدهما نشأ الشافعي ليكون عاشقاً لهم صلوات الله عليهم رغم مخالفته التشريعية، فكانت نتاجات عمل الامام الصادق صلوات الله عليه انه جعل السنة أربعة مذاهب متفرقة، ثلاثة منها تم تحييدها عن النصب وجعلت في مقابل المذهب الحنبلي المتشدد!

في آخر الزمان فقط فهمنا أسباب تقبل الامام الصادق عليه السلام لتلاميذ أمثال مالك وابي حنيفة وتحملهم ورعايتهم، فقد انتج مالك سنة شمال افريقيا، وانتج أبو حنيفة طالبان، وانتج الشافعي الصوفية المسالمين والمحبين لاهل البيت، ولم يتوقف أثر هذه المذاهب الثلاثة على تحييدهم عن النصب بل انهم طالما وقفوا مع الشيعة ضد مذهب النصب الحنبلي وضد الاستبداد العالمي المعادي للاسلام والمسلمين.

مع انتقالنا الى زمن الغيبة الكبرى، اخذ الامام المهدي عج على عاتقه إدارة الخطة الإلهية الاستراتيجية، اذ انه عاصر مختلف الأزمنة وشهد تقلبات العصور حتى بلغنا عصر التطور التكنولوجي، وبالطبع فإن إدارة شؤون الخطة الإلهية في عصرنا الحاضر تقع على عاتق الامام الحجة عج، فكل لحظة من لحظات هذا العصر وكل حركة وسكنة وكل حرف يكتب في مراكز الأبحاث العالمية وكل خطة معادية تنسج خيوطها وكل قرار يصدر من الأعداء وكل فكرة تخطر في مخيلاتهم وكل عمل سياسي او امني او اقتصادي او ثقافي او اعلامي وسواها يقدم عليه الأعداء سواء من قوى الاستكبار العالمي او الصهاينة او طغاة الخليج والجماعات الإرهابية وغيرهم، وكل ما يجري في المجتمع الموالي والمجتمعات الحليفة، وما يجري لدى المخالفين، وكل ما يتعلق بشؤون الكون هو من ضمن أولويات الامام الحجة وتجري متابعته بدقة واتخاذ القرارات المناسبة له ووضع خطط التنفيذ والشروع بها ومراقبتها وتقييمها (وكل شيء احصيناه في إمام مبين) ومصاديق ذلك الإمام هم الائمة المعصومون صلوات الله عليهم.

ان هذه الحقائق العميقة لا يعيها طغاة الأرض وجبابرتها لأنهم لا يؤمنون بالإمامة الإلهية والعصمة الربانية للأئمة الاثني عشر المعصومين صلوات الله عليهم اجمعين، فلم يعلم اهل الكفر والنفاق بأن أهل البيت صلوات الله عليهم هم من نسجوا خيوط المكر الإلهي واسسوا لدولتهم الموعودة في آخر الزمان، فكل شيء كان لديهم بقدر، من زراعة القمح في ينبع الى إرساء علوم آخر الزمان!
كل واحد من أئمة أهل البيت العظماء صلوات الله عليهم، مجرد عن الزمان والمكان، ومطلع على جميع عوالم الإمكان في ذات الآن، ولديهم حاضر علم ما كان وما يكون الى آخر الزمان، فإن علمهم ببني أمية آنذاك كعلمهم بالعلويين في آخر الزمان فهم الصناع، وعلمهم ببني العباس آنذاك كعلمهم بآل سعود والقاعدة وداعش واخوان الترك وحماس وطالبان، فهم صلوات الله عليهم الحاصدون وهم الزراع، فهب ان صاحب مشروع ما عليم حكيم بصير قدير قد ارسى قواعد مشروعه، وخط خطته الاستراتيجية، فكانت الرؤيا لديه واضحة والرسالة جلية والاهداف محتومة والغاية مرصودة، وهو ينظر بعين اليقين الى جنى مشروعه وهو ينجز قبل ١٤٠٠ عام من انطلاقته! هم اؤلئك العظماء الاثني عشر الحاكمين بأمر الله على الزمان والمكان، وسائر عوالم الإمكان، أفتراهم يغفلون عن أمر ما في آن من الأوان؟

علي العظيم صلوات الله عليه هو من انهى اسطورة خيبر ونقل إسرائيل من الحجاز الى فلسطين، وتلك معجزة الوصل بين الماضي والمستقبل، والحسين العظيم صلوات الله عليه حصر بدمائه نسل بني أمية في الشام، وجعلهم يتماهون في بني كلب، ثم احالهم جميعهم علويين! والصادق العظيم اوجد الضد النوعي لمكر بني العباس من داخل اوكارهم، فكان الشافعي سلف الصوفية والاخوان، وكان أبو حنيفة سلف طالبان، وقيد المذهب الحنبلي بقيود المذاهب الثلاث الأخرى، وهكذا كان للحسن والسجاد والباقر والكاظم والجواد والهادي والعسكري صلوات الله عليهم ادوارهم الأساسية في انجاز تلك الخطة الكونية الإلهية الاستراتيجية.

صنع المكر العباسي أبو مسلم الخراساني، وصنع المكر الإلهي الجمهورية الإسلامية في آخر الزمان، وصنع قوى الاستكبار العالمي خيبر الجديدة، وصنع المكر العباسي القاعدة وداعش، وصنع مكر الإيرانيين حماس وطالبان، وكل مكر مكره اهل الايمان كان فرع المكر الإلهي وبرعاية صاحب المشروع وصاحب الإنجاز وصاحب القيام الامام الحجة عج.
وهنا نلحظ بأن حركة التاريخ بين ثورة العباسيين للطلب بثأر الحسين عليه السلام والرضا من آل محمد، وبين تسلطهم وتجبرهم ونصبهم لأئمة أهل البيت صلوات الله عليهم حتى غيبة الامام المهدي عج، انما هي حركة لولبية أعاد الزمان تشكيلها ولكن بالمقلوب حيث عادت بعض الأمور الى المربع الأول، فالخطوط المستقيمة لحركة الطغيان العباسي التاريخي، جعلها أهل البيت صلوات الله عليهم تسير في منحنى بزاوية ٣٦٠ درجة كما يعبر أهل الرياضيات، لتعيد بعض الطغيان العباسي الى نقطة الصفر، وكأنك يا زيد ما غزيت، او كالتي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثا، او كبيت العنكبوت، فمن أغراك أيها الإنسان الضعيف الذي تنتنك العرقة وتقتلك البقة؟ ولو كان اهل زمان علي صلوات الله عليه يفقهون حديثاً لقال لهم البكتريا والفايروسات، بدلاً من العرقة والبقة! ما أغراك أيها الذرة ان تمكر بالكون العظيم بل بمن يقلب الكون كما يقلب التاجر الدرهم بكفه؟

بالأمس نشأت دولة بني العباس الداعشية ووقفت خلفها جميع قوى الشيطان، مراكز أبحاث علمية تحلل، وأقمار صناعية ترصد، ومحطات فضائية تبث سمومها، وأجهزة استخبارية عملاقة تخطط، وكيان صهيوني يحرض، وحكومات خليجية عباسية تمول، ولم يدخر الشيطان جهداً الا وبذله لكي يعلي شأن بني العباس، بيد ان قصاصة ورق كتبت بأيدي الإيمان العلوي من قبل شاهد من الشهداء على عظمة أهل البيت صلوات الله عليهم في زقاق ضيق من أزقة النجف الأشرف، احالت مكر الشيطان هباء منثورا، إذ أصبحت أحلام بني العباس هشيماً تذروه الرياح، ثم قال المكر الإلهي قولته، سوف نقضي على ارهابكم وتطرفكم، ونوجد منكم عباسيون مسالمون كما فعلنا ببني أمية من قبل!
ها هم طالبان أفغانستان يقيمون بمكر الله دولتهم العباسية الثانية بعد دولة داعش المنهارة، بيد انها ذات رايات بيضاء عوضاً عن رايات بني العباس السوداء، ويضع طالبان أيديهم بيد إخوانهم الشيعة ليقفوا بوجه الاستكبار العالمي، نعم قد تحدث خروقات هنا او هناك من بعض المتشددين، بيد ان ذلك لا يخل بالتفاهم السياسي الاستراتيجي بين طالبان والجمهورية الإسلامية، كما لم تحدثنا الروايات الشريفة المعتبرة عن قتال بين الشيعة وطالبان، اذ لا قرينة على انطباق أي من الجماعات المعادية على جماعة طالبان وراياتهم البيضاء، ومن الجدير بالذكر ان حديث الروايات عن فتح القائم عج لكابول شاه بعد فتح الكوفة انما يشير الى سهولة الفتح، اذ من الممكن والله العالم ان تدخل جماعة طالبان تحت حكم الامام الحجة عج بلا قتال، سيما بعد ان ترى أمارات حكمه العادل وهيمنته على البلدان الإسلامية والعربية وتوحيدها وخضوع البلدان والحكومات له طوعاً وكرها، وأعني هنا الحجاز ودول الخليج والعراق والجمهورية الاسلامية، واعلانه لدستور الدولة الإسلامية الجديدة المتمثل بكتاب الله وسنة نبيه ومنهج أهل البيت صلوات الله عليهم وازالته للظلم والجور واحلاله للقسط والعدل، والحال ذاته بالنسبة الى جماعة حماس في فلسطين، وعلى أي حال فإن تحييد الجهات المخالفة عن النصب والعداء لهو انجاز كبير، ناهيك عن كسبهم في تحالف سياسي وامني إسلامي مع الجمهورية الإسلامية ضد الأعداء.

هذه هي نهاية المطاف لبني العباس فلم تبق لهم سوى محاولات يتيمة هنا وهناك، وسوف توئد على يد المؤمنين في رايتي اليماني والخراساني وعلى يد القائم عج، ولم تبق لجند الشيطان سوى جولة أموية في مشروع السفياني، فحال جنود الشيطان اليوم كمن يرمي النخيل الباسقات بالحجر، وكمن يهم لنقض الجبال الرواسي بالمعاول، فليعلم جند الشيطان بأن مشروع العدل والقسط الإلهي الذي اطلق قبل ١٤٠٠ عام، كان هو المرحلة الأخيرة لعشرون الف عام منذ ان خلق الله تعالى ابينا آدم عليه السلام، وقد تناوب على انجاز هذا المشروع اثنا عشر إماماً معصوما، وها هو المشروع الإلهي في سنيه الأخيرة، يسير بخطى حثيثة نحو الغاية الكبرى والقيام المنيف.

هكذا يغلب المكر الإلهي لانه مكر استراتيجي فائق، عابر للزمان والمكان، ومقاد من قبل قيادات الهية معصومة، في قبال مكر الشيطان الضعيف.
قال تعالى: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) سورة النساء ٧٦

الاستبصار الاستراتيجي.. نتاج العدل والقسط ونصرة المستضعفين.

يروي مالك الاشتر رضوان الله تعالى عليه عن سيرة الامام علي صلوات الله عليه في معركة صفين ان الأمير كلما قتل رجلاً من جيش معاوية كبّر، فأحصى مالك له الف تكبيرة، وكان مالك حينها قد قتل تسعمائة ونيف، فدخل في نفس مالك شيء من ذلك لهنيهة معتداً بشجاعته التي اقتربت مفاعيلها من مفاعيل شجاعة أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وما ان انتبه مالك رضوان الله تعالى عليه الى الميدان حتى رأى غبرة قد حجبته عن العدو وما ان انجلت الغبرة حتى رأى الوحدة العسكرية التي أرسلها معاوية قد انقلبت ميسرتها على ميمنتها وقتلوا جميعهم، واذا بأمير المؤمنين صلوات الله عليه يشق الغبرة مقترباً من مالك الاشتر، فقال له: ها يا مالك من الاشجع؟
وعلل أمير المؤمنين بطئه في التنكيل بالقوم بأنه صلوات الله عليه كان ينظر الى اصلاب الرجل، ان خرج منه موال الى يوم القيامة لم يقتله!

كذلك ورد في روايات علامات الظهور الشريف؛ الحديث عن (ودائع القوم) فقد ورد في الروايات الشريفة عن علل غيبة القائم عج انه لا يظهر حتى تخرج ودائع القوم، والمراد بالودائع هنا هو عين ما أشار اليه أمير المؤمنين صلوات الله عليه في حديثه مع مالك الاشتر.

ففي الرواية عن محمد بن أبي عمير عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له ما بال أمير المؤمنين ” ع ” لم يقاتل فلانا وفلانا وفلانا؟ قال لآية في كتاب الله عز وجل: (لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما) قال قلت وما يعني بتزايلهم؟ قال ودائع مؤمنين في أصلاب قوم كافرين وكذلك القائم ” ع ” لن يظهر ابدا حتى تخرج ودائع الله تعالى فإذا خرجت ظهر على من ظهر من أعداء الله فقتلهم.
علل الشرائع – الشيخ الصدوق – ج ١ – الصفحة ١٤٧

وعن إبراهيم الكرخي قال: قلت لأبي عبد الله ” ع ” أصلحك الله ألم يكن علي ” ع ” قويا في دين الله عز وجل؟ قال بلى، قال فكيف ظهر عليه القوم وكيف لم يدفعهم وما منعه من ذلك؟ قال آية في كتاب الله عز وجل منعته قال: قلت وأي آية؟ قال: قوله تعالى: (لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما) انه كان لله عز وجل ودائع مؤمنين في أصلاب قوم كافرين ومنافقين فلم يكن علي ” ع ” ليقتل الآباء حتى تخرج الودائع فلما خرج الودائع ظهر علي على من ظهر فقاتله وكذلك قائما أهل البيت لن يظهر ابدا حتى تظهر ودائع الله عز وجل فإذا ظهرت ظهر على من ظهر فقتله.
علل الشرائع – الشيخ الصدوق – ج ١ – الصفحة ١٤٧

وعن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله ” ع ” قال، في قول الله عز وجل: (لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما) لو أخرج الله ما في أصلاب المؤمنين من الكافرين وما في أصلاب الكافرين من المؤمنين لعذب الذين كفروا.
علل الشرائع – الشيخ الصدوق – ج ١ – الصفحة ١٤٧ – ١٤٨

الاستبصار الاستراتيجي:
يعرف الاستبصار بصورته المشهورة باكتساب المخالف البصيرة في دينه، اذ يهديه الله تعالى الى مذهب الحق، مذهب اهل البيت صلوات الله عليهم، فيقال للفرد الذي تحول من المذاهب الضالة الى مذهب الشيعة انه مستبصر.
والاستبصار على مستويات متعددة، منها الاستبصارالعقدي الايماني وهو ما عرفناه أعلاه، والمستوى الثاني هو استبصار الولاء الإسلامي السياسي، وهو الولاء الذي يجمع المسلمين تحت خيمة الإسلام وخيمة العدل والقسط والتحالف السياسي ضد قوى الظلم والجور في الأرض.

ان المستوى الأخير من الاستبصار هو ما نعبر عنه بالاستبصار الاستراتيجي، وهذا المستوى هو الذي أشار اليه امير المؤمنين صلوات الله عليه، فقد كان نزال الأمير في صفين نزالا استراتيجياً كاد ان يغير مجرى التاريخ لولا غدر اليمانيين وعلى رأسهم الاشعث بن قيس في حادثة التحكيم.
في المستوى العقدي الايماني يمثل الاستبصار مورداً فردياً للهداية قد يتحول الى مورد جماعي في حالات نادرة، ومع ذلك فإنه لا يقاس باستبصار الإسلام السياسي فهو استبصار استراتيجي كفيل بقلب المعادلات السياسية رأساً على عقب، وتحقيق المنجزات التي ما كانت لتحصل لولا تلك التحالفات والتوالفات التي جمع شتاتها عنوان الإسلام العريض وشعبت صدعها ممارسات الاستضعاف التي مارسها الاستكبار العالمي والصهيونية والتكفيريين ضد الشعوب الإسلامية الساعية الى رفع الحيف والظلم والتائقة الى العيش تحت مظلة العدل الإسلامي.

من يصنع الاستبصار الاستراتيجي؟
ان من يضع نفسه في مقام الحجة على البشر هو من يصنع ذلك المستوى السامي من الاستبصار، ونعني هنا قم وأهلها، الجمهورية الإسلامية الإيرانية المظفرة بقيادة ولاية الفقيه الظافرة، وتحت شعار نصرة المستضعفين في الأرض وتحقيق عدالة الإسلام المحمدي الأصيل.

لهذا تهافتت الأمم والشعوب المستضعفة لتقف جنباً الى جنب مع الجمهورية الإسلامية في مسيرتها نحو نبذ الظلم والجور وإقامة القسط والعدل، ولتقف الجمهورية الإسلامية الى جنب تلك الأمم والشعوب، فنرى اليوم زيدية اليمن واخوان فلسطين (حماس) وعلويي سوريا وطالبان أفغانستان؛ جميعهم يقفون كتفاً الى كتف مع الجمهورية الإسلامية لمقاومة قوى الاستكبار العالمي المتمثل بالولايات المتحدة والصهيونية العالمية.

ماذا وجد زيدية اليمن في الإيرانيين؟ وماذا وجدت حماس فيهم؟ وماذا وجد العلويون؟ وماذا وجدت طالبان؟

ان الامام القائم عج يُبعث رحمة للعالمين ونصيراً للمستضعفين ومعزاً للاسلام والمسلمين، ومذلاً للمستكبرين ومبيراً للظالمين ونكالاً للكافرين والمنافقين، فمن طلب في ذاته العدل والقسط وطلبهما للناس كان مع القائم عج ولو كان من عبدة الشمس والقمر، ومن كان يحيا في غيابة الظلم والجور فلن يدرك الفتح ولو كان ممن يقول بهذا الامر، وما ودائع القوم الا امثلة حية على ذلك.

ورد في الرواية: عن إبراهيم بن عبد الحميد، قال:
” أخبرني من سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا خرج القائم (عليه السلام) خرج من هذا الأمر من كان يرى أنه من أهله ودخل فيه شبه عبدة الشمس والقمر.
كتاب الغيبة – محمد بن إبراهيم النعماني – ج ١ – الصفحة ٣٣٠

ان الفتح المهدوي على مستويين؛ فتح داخلي يقيمه الامام الحجة عج على عاتق أنصاره من المؤمنين، وفتح خارجي يشترك معهم فيه اهل الاستبصار من المستضعفين من سائر المسلمين ودعاة العدل والقسط.
نعم لعلنا نتحدث بملأ الأمل والتفاؤول، بيد ان الشيطان واعوانه لايزالون يبذولن قصارى جهدهم لتمزيق ذلك الاستبصار الإسلامي الاستراتيجي، وما قضية السفياني الا جولة من جولات الأعداء الذين يدعمون عملائهم من الداخل لكي يخرقوا جدار الاستبصار والمسمى اليوم (محور المقاومة) في محاولة بائسة لايقاع الخلاف بين العلويين والشيعة، ولا يستبعد ان يقوم اتباع الشيطان بمحاولة مماثلة لايقاع الفتنة بين طالبان والجمهورية الإسلامية، بيد ان حديث الروايات لا يشير الى ذلك، وكما سنبينه في الجزء الثاني ان شاء الله تعالى.

التمهيد السياسي لنصرة الامام المهدي عج (ج٢)

تعد السياسة من انبل واشرف القضايا بعد القضية الدينية، اذ ان الدين لا يكاد ينفك عن السياسة الا في حالات التقية القصوى التي يمتنع معها تصدي القيادة الدينية للسياسة كما حصل مع أمير المؤمنين صلوات الله عليه طيلة ٢٥ عاماً من حكم صنمي قريش ونعثلة، هذا وقد كانت القيادات السياسية لدولة أمير المؤمنين صلوات الله عليه لرجال أمثال: عمار بن ياسر وميثم التمار ومالك الاشتر وآخرين، وفي عصرنا الحاضر نجد ان مرجعياتنا الدينية في العراق لم تنفك عن التصدي للامور السياسية رغم الظروف القاهرة وذلك منذ انطلاقة ثورة العشرين وحكم الملكية مروراً بحكم عبد الكريم قاسم والقوميين وحكم حزب البعث حتى انطلاق النظام الديمقراطي بعد سقوط حكم البعث الأموي، وفي الجمهورية الإسلامية فإن ولاية الفقيه قد مثلت عنواناً عريضا للقيادة الدينية السياسية.

في تأريخ المرجعيات الدينية النجفية المعاصرة نلحظ انه مهما رأت المرجعية عدم أهمية خوضها في الشأن السياسي للأمة، فإنها تقحم نفسها مضطرة في هذا الشأن السياسي أو ذاك، فالاحتلال الانكليزي اجبر المراجع العظام آنذاك على اطلاق فتوى الجهاد ضد الاحتلال، وكذلك تفشي ظاهرة الشيوعية وتلمس خطرها على الامة في زمن حكم عبد الكريم قاسم أدى الى صدور فتوى (الشيوعية كفر والحاد) وفي زمن البعثيين صدرت احكام عديدة منها (لو كان اصبعي بعثياً لقطعته) اما بعد سقوط نظام البعث فإن تدخل المرجعية الدينية في الشؤون السياسية فحدث ولا حرج.

قلنا في الجزء الأول بأن عملية ظهور وقيام الامام المهدي عج سوف تجري بالاسباب الطبيعية وليس بالاعجاز، ولذا فإن عملية إقامة دولة العدل الإلهي ستكون بحاجة الى جميع الكوادر الكفوئة والنزيهة والمهنية ومن جميع التخصصات لكي تدير شؤون الدولة.

من هذه التخصصات المهمة بل والاهم، والتي لها أولوية في مجال إدارة شؤون الأمة؛ هو التخصص السياسي، أي القيادات السياسية ذات الخبرة والنزاهة، اذ ان عجالة إقامة دولة العدل المهدوية تحتاج الى قيادات سياسية ذات خبرة في مجال قيادة الدولة، سيما في مراحل اقامتها الأولى، حتى يتسنى للدولة وبمرور الزمن وتعاقب الأجيال انشاء قيادات سياسية لا تعرف سوى العدل والقسط.

نعم في المرحلة الأولى لاقامة دولة العدل الإلهي سوف يتم اختيار بعض القيادات السياسية المشهورة اليوم في بلدانها، كاليماني الموعود في العراق على سبيل المثال، وكذلك بعض القيادات السياسية الأخرى، ولنعطي مثالاً العراق، فإن العراق تتعرض قياداته السياسية الى حملات تشويه وتسقيط بلا هوادة، حتى ما عاد المواطن العراقي عموما والمؤمنين والمنتظرين خصوصاً يستطيعون التمييز بين الصالح والطالح من القيادات السياسية، اذ ان الفساد المستشري والفشل في العراق، جعل من لغة التعميم هي السائدة في اتهام العملية السياسية برمتها.

لاريب ان هنالك ثلة من القيادات السياسية العراقية سوف يكونون في طليعة قيادة دولة العدل الإلهي مع الامام القائم عج، ولعل بعض من اؤلئك القادة السياسيين اليوم متهمون بالفساد رغم نزاهتهم ولأسباب عديدة منها: لغة التعميم الظالمة، وجهل وغفلة الكثير من المؤمنين مما يجعلهم ينجرون خلف العقل الجمعي الذي يصنعه العدو عادة للايقاع بوعي الجماهير المؤمنة، وكذلك وجود جهات عراقية مناوئة همها الأول هو تسقيط الآخر.

عندما يقوم الامام الحجة عج ويدعوا أولئك القادة السياسيين لاعانته على إدارة شؤون العراق، سوف تنتفض العديد من الجهات السياسية والشعبية ويقولون للامام القائم عج، لماذا اخترت هؤلاء الفاسدين الفاشلين…الخ؟ فإننا قد اختبرناهم وخبرناهم ولم نجد فيهم خيراً سوى الفساد والفشل، وكما يقال اليوم (المجرب لا يجرب)

هؤلاء الحمقى اجلكم الله يقدمون ارائهم واستحساناتهم وامزجتهم وجهلهم على رأي المعصوم عج، هؤلاء بعض منهم جهلة صنميون، وبعض منهم فاسدون مفسدون، وبعض منهم عملاء لاعداء المذهب الشريف، اما المؤمنون المنتظرون المسلمون للقائم عج، فهم يدركون جيداً ان الامام الحجة عج احسن الاختيار بمقتضى الحال ومراعاة للظروف الموضوعية واستناداً الى السنن الإلهية وكذلك كشفاً لحقيقة بعض اؤلئك القيادات السياسية الموفقة التي حظيت بنصرة الامام القائم عج.

مع ذلك كله لن تتوقف سنة التمحيص والغربلة، فلعل بعض المؤمنين المنتظرين سواء من القيادات السياسية او الدينية او الجهادية ونحوها او من عامة المؤمنين والمنتظرين، يمضون حياتهم على الصراط المستقيم وينحرفون في فترة ما بعد قيام دولة العدل الإلهي، وهذا امر طبيعي وفق سنن الحياة الدنيا، بيد ان ما ينبغي ان نعيه جيداً، ان اختيارات الامام المعصوم هي اختيارات صحيحة على كل حال، ولها مبرراتها الصحيحة مهما كانت نتائجها، وان تكليفنا الشرعي يقتصر على الحاضر لا على العواقب التي هي من اخبار الغيب والمستقبل.

بعد هذا البيان وختاماً للمقال، نقول بأن من واجبات المنتظرين الممهدين لقيام دولة العدل الإلهي، التحري عن القيادات السياسية النزيهة التي تخدم القضية المهدوية والعمل على دعمها وتمكينها وانتخابها في الانتخابات البرلمانية او من ترشحه تلك القيادات، والغاية كما اشرنا في ختام الجزء الأول من المقال؛ هي ليست تقديم الخدمات وما الى ذلك، فالظروف الموضوعية اليوم في العراق بوجود ثلاثة جهات متخالفة فيما بينها (السنة والاكراد والشيعة) حيث ان القيادات السياسية السنية والكردية يغلب عليها طابع الفساد والفشل بطبيعة الحال، وكذلك القيادات السياسية الشيعية فيها الكثير من الفاسدين والفاشلين، ناهيك عن ان هذه الظروف تؤدي الى فشل حتى القيادي السياسي النزيه والكفوء، كما جرى مع السيد عادل عبد المهدي على سبيل المثال، وهذا ما اشارت اليه الرواية الشريفة بفشل كل من يحكم قبل قيام القائم عج لكي لا يقول من يرى عدل القائم عج: لو حكمت لسرت بسيرة هذا، وأسباب الفشل من الواضح ان بعضها يعود الى الظروف الموضوعية وتكالب الأعداء على العراق، وبعض منها يعود الى الفشل الذاتي لبعض القيادات السياسية وفساد بعضها الآخر، وارجو التركيز هنا على عبارة “البعض”

التمهيد السياسي لنصرة الامام المهدي عج (ج١)

تحدثنا الروايات الشريفة عن اتباع الامام المهدي عج منهج وسنة نظام الأسباب والمسببات في فترة ظهوره الشريف وقيامه المنيف وعدم استخدامه صلوات الله عليه للاعجاز الا في موردين فقط وهما:
المورد الأول: عند تعرضه للخطر الذي يفقده حياته الشريفة قبل ان يتم تكليفه في إقامة دولة العدل الالهي.
المورد الثاني: اثبات إمامته لالقاء الحجة على الناس.

ان هذا المنهج الذي سيتبعه الامام الحجة عج والسيرة التي سوف يسير بها لاقامة دولة العدل الإلهي، سيكون معها بحاجة الى التمهيد الاستراتيجي الموضوعي من قبل القواعد المنتظرة في شتى المجالات؛ العقائدية والأمنية والاقتصادية والثقافية والمعرفية والإعلامية، وفي مقدمة هذه المجالات التمهيد السياسي.

ان التمهيد على الصعيد السياسي امر في غاية الاهمية، اذ ان القوة السياسية هي اللاعب الأساسي في عملية التمهيد، فالحديث الروائي عن الاحتلال السفياني للعراق وعن الأهداف التوسعية للسفياني، ووجود قوة سياسية جبارة ممهدة متمثلة بدولة الخراساني (الجمهورية الإسلامية) وبزوغ نجم راية اليماني في العراق، وكذلك حديث الروايات عن تحكم أبناء البغايا في السلطة في العراق آبان الاحتلال السفياني، وكذلك تسلط الشيصباني؛ كل هذه الجهات السياسية هي الفاعلة ان في مجال التمهيد للامام الحجة عج اوالممانعة النوعية لظهور الامام المهدي عج.

على مر التاريخ كانت القوة السياسية هي المتحكمة والمهيمنة على كافة المجالات الأخرى للحياة، وسوف تبقى هذه القوة هي المتحكمة على الدوام، لذا فإن عملية التمهيد للامام الحجة عج ينبغي ان تهتم اهتماماً أساسياً بالعمل السياسي، بل تجعل له الأولوية ضمن منهاجها الاستراتيجي.

في العراق لدينا قوات الحشد الشعبي المباركة، وهي القوات التي وصفت في روايات اهل البيت عليهم السلام ب (عصائب او عصب أهل العراق) والتي نأمل ان تكون كثيراً من فصائلها من انصار رايتي الهدى الممهدة للامام القائم عج (راية اليماني العراقية والخراساني الإيرانية) ومناصرة للامام القائم عج، وهذه القوات المجاهدة التي نشأت على أثر فتوى الجهاد الكفائي المرجعية، تحتاج الى غطاء سياسي برلماني وقوة فاعلة في الحكومة التنفيذية، وهذه القوة السياسية سوف تضمن لفصائل الحشد الشعبي المقدس الاستمرارية كقوات عقائدية دون حلها او دمجها مع القوات المسلحة النظامية والذي سوف يكون كفيلاً بفقدانها عقائديتها، وذلك ما لا ترتضيه المرجعية الدينية ولا نرتضيه نحن كمنتظرين ممهدين للامام الحجة عج، ففي الوقت الذي يخسر فيه الحشد الشعبي ذلك الغطاء السياسي سوف تتعرض المسيرة الانتظارية التمهيدية الى فشل ذريع لا سمح الله.

من هذا المنطلق ومع يقيننا بقرب الظهور الشريف، يترتب علينا كمنتظرين ممهدين جادين ان نهتم اهتماماً كبيراً بالعملية الانتخابية لاختيار أعضاء البرلمان العراقي كونها سوف تحدد مصير العملية السياسية في العراق، وبالتالي مصير الحشد الشعبي المقدس، وان لا نكرر الخطأ الذي وقعنا فيه عام ٢٠١٨ عندما تركنا قوانا السياسية تصارع لوحدها، وكانت لدينا رؤية استشرافية ثاقبة للمستقبل، وكنا قد اشرنا الى ان ثمة جهة معينة سوف يترشح منها رئيس الوزراء وان علينا ان ننتخب من نراه عوناً لتلك الحكومة، لكن مع شديد الأسف لم يحصل ذلك، وترك السيد عادل عبد المهدي بعد تنصيبه رئيساً للوزراء يصارع المد التشريني الجوكري ورعاته من قوى الاستكبار العالمي والصهيونية وطغاة الخليج، واضطر أعضاء البرلمان الشيعة الى خذلانه بسبب الظروف التي كانت تعصف بالبلد.

نحن اليوم كمنتظرين وأصحاب قضية مطالبون بأن نهتم بجانب التمهيد السياسي، وان ننتخب من نراه يخدم قضيتنا، ولكي لا نعيد الخطأ الذي وقعنا فيه عام ٢٠١٨ فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، سيما وان هذه الانتخابات المرتقبة تم فيها توحيد الجهود السياسية لفصائل الحشد الشعبي والتوافق ما بين قوانا السياسية على مرشحين محددين في كل قضاء من اقضية محافظاتنا العزيزة.
من أجل ذلك ينبغي ان نعمل منذ اليوم على تحديد المرشحين المناسبين والذين يخدمون قضية التمهيد المهدوي، ومن لا يتمكن من ذلك بامكانه الاستعانة باخوته المنتظرين أصحاب الوعي والدراية السياسية لاختيار المرشح المناسب لخدمة القضية المهدوية واسناد الحشد الشعبي لا شيء آخر، لأننا نعلم جيداً ان عضو البرلمان لا دخل له في موضوع الخدمات والكهرباء والماء وما الى ذلك من الأمور التي تخص حياة المواطن العراقي.

ملتقى المرجعيات في مكة… المبادرة والنتائج!

عقد ما يسمى بمؤتمر المرجعيات الدينية العراقية يوم الرابع من شهر آب من العام الحالي ٢٠٢١ في مكة المشرفة، وكان المؤتمر برعاية ومباركة الحكومتين العراقية (حكومة الكاظمي) والحكومة السعودية.
حضر المؤتمر من الجانب السني فئتين من رجال الدين؛ الفئة الأولى: هم رجال الدين الذين لا ينتمون الى التسنن الصوفي ولا الى الاخوان المسلمين وليسوا من السلفية الوهابية، فهم سنة مكيوا الهوى، او لنقل من السنة الذين تهفوا انفسهم الى السعودية، اما الفئة الثانية من رجال الدين السنة: فهم وعاظ الحكومة العراقية، ومن الجانب الشيعي فقد حضر المؤتمر ثلة من الخطباء الشيعة، ولا علاقة لأي احد منهم بمكاتب المرجعيات الدينية الرشيدة في النجف الاشرف، وبخلاف ما اشيع عن ذلك.

بعد هذا البيان اود ان اشير الى عدة أمور:

الامر الأول: ان هذا المؤتمر والذي سمي بملتقى المرجعيات؛ لا شأن للمرجعيات الدينية النجفية الرشيدة به جملة وتفصيلا، وان ما اشيع بشأن مشاركة ممثلي مكاتب بعض المرجعيات الدينية النجفية الرشيدة لا أساس له.

الامر الثاني: ان إيجابيات هذا المؤتمر اكثر من سلبياته، وبالامكان إحصاء إيجابيات المؤتمر بما يلي:

١- يمثل عقد هذا المؤتمر ادانه لارادة وفكر السلفية الوهابية التكفيرية ومجاميعها الإرهابية التي عاثت في الأرض الفساد وشوهت سمعة الدين الإسلامي.

٢- ان ادانة الوهابية بحضور ممثلين عن الطائفة الرافضية سيكون ذريعة لايقاع الخلاف والصراع بين ال سعود وبين الوهابية التكفيرية (اللهم اجعل بأسهم بينهم)

٣- ان هذا المؤتمر سوف يعزز من مكانة شيعة الحجاز والخليج عموماً ويفسح لهم المجال لرفع بعض القيود التي فرضتها عليهم ظروف الحكم هناك والتي كان مهيمناً عليها الفكر الوهابي.

٤- ان اصل المبادرة في عقد هذا المؤتمر كانت بتفاهم شيعي سني لايجاد مرجعية سنية يمكن لها ان تمسك بالزعامة السنية ولو بحدود وتدفع باتجاه السلم الاهلي والوقوف امام حملات التباغض، ومن الجدير بالذكر ان هذه المبادرة لا علاقة لها بالسيد جواد الخوئي اطلاقاً.

٥- ان هذا المؤتمر جرى على أساس استغلال اتفاق مكة الذي عقد عام ٢٠٠٧ والذي كان يهدف فيه الشيعة الى تحجيم الفكر التكفيري.

٦- بشكل عام الشيعة رابح اساسي في حركات من هذا القبيل حتى لو كانت لدينا ملاحظات على شخوصها، فنحن من يكفرنا الاخر، وحينما يتحدث عنا الاخر بما نريد انما نحبط مساعيه وان كان منافقا.

٧- لم تُلزم المرجعيات والقيادات الشيعية الرسمية دينيا وسياسيا بأي الزام، فالمشاركين واغلبهم من الخطباء لا تمثيل لهم على المستويين الديني او السياسي، وان وضع كلمة المرجعيات يفي بالغرض السني الذي نريده منهم.

٨- من حيث الاصل لا نجد في مثل هذه الامور ما تحتاج الى تهويل وتخوين لرجال الدين الشيعة المشاركين في المؤتمر.

٩- نحن مع الاستفادة من الحدث للازراء بالسعودية والتكفيريين والتذكير بجرائمهم، ولكن لسنا مع التخوين للاخوة الذين ذهبوا.

١٠- ان هذه التجربة هي تجربة بشرية يعتريها الخطأ تارة والصواب أخرى والفشل ثالثة، ولا بأس بالاستفادة من التجارب واتخاذها دروسا لمواجهة الحوادث المشابهة في المستقبل، ولتوسيع مدارك العقل وتحصيل الحكمة.

الأمر الثالث: سلبيات المؤتمر ونلخصها بما يلي:

١- ان وسم المؤتمر بمؤتمر المرجعيات هو امر خاطئ، لان مكاتب المرجعيات الدينية لم تشارك في المؤتمر، ولعل مفهوم المرجعيات في الأصل هو أوسع من المعنى الاصطلاحي ذاته، اذ يشمل المصطلح بالمعنى الاعم المرجعيات الفقهية والعقائدية والحوزات والمعاهد الدينية، سيما وان ثلة من المعممين الشيعة الذين حضروا المؤتمر هم أصحاب مدارس ومعاهد حوزوية، ومع انهم أشاروا صراحة بأنهم يمثلون انفسهم ورؤائهم الشخصية، وهذا امر يحسب لهم، بيد ان العنوان العام للمؤتمر جاء بذلك الشكل.

٢- ان راعي المؤتمر (محمد العيسى) معروف بتوجهه التطبيعي مع الكيان الصهيوني.

٣- كان عنوان المؤتمر (المرجعيات الدينية) بيد انه لم يشار فيه الى اسم أي من مراجع الشيعة في النجف الاشرف، ولم يرد اي ذكر لادوارهم في رأب الصدع الطائفي في العراق والعالم الإسلامي كافة، وهذا ما يؤاخذ على المؤتمر الذي كان اسم المراجع في حصاده لكن مناجلهم مكسورة، اذ لم يتضمن البيان الختامي للمؤتمر أي ذكر للمراجع العظام.

٤- تضمن البيان الختامي تقديم الشكر للملك سلمان وابنه محمد وهذا امر طبيعي فلابد ان تجر الحكومة السعودية نار المؤتمر الى قرصها، وفي الوقت ذاته وصف الملك وابنه بصفات ونعتوا بنعوت كانت من الاجدر ان توصف بها مرجعيات السلام النجفية.

٥- لم يذكر في المؤتمر اسم سماحة السيد السيستاني صاحب المقولة المشهورة (السنة انفسنا) وصاحب فتوى الجهاد الكفائي التي صانت ارض وعرض سنة العراق، وكفت المنطقة شرور تنظيم داعش الإرهابي الذي لو قدر له ان يتمدد لا سمح الله لكان قد افنى جميع البلدان العربية والإسلامية.

٦- لم تتضمن مخرجات المؤتمر أي ادانة كلامية لفتاوى التكفير الوهابية ضد الشيعة، وان كان انعقاد المؤتمر بحضور رجال دين شيعة وفي مكة المشرفة يعد ادانة واضحة وصريحة لفتاوى التكفير.
٧- البيان الختامي للمؤتمر اهمل بعضاً من الأمور المهمة ومنها ادانة الإرهاب التكفيري، وسبب ذلك يعود الى عدم إرادة رجال الدين الشيعة الظهور بمظهر التشدد امام الجماهير الإسلامية، وتركوا تلك الادانات الى مقاماتها.

٨- ان احتضان السعودية لهذا المؤتمر الراعي للسلام بين المسلمين في العراق، أراد ال سعود ليواروا سؤاتهم به والتي تلطخت بعار رعاية ودعم الإرهاب التكفيري، وهم يؤملون انفسهم بسرقة مجهودات ونتاجات فتوى الجهاد الكفائي التي وحدت بين المسلمين في العراق ونسبتها الى انفسهم، ولكن هيهات ان ما اخذ بالدماء الزاكيات لا تسرقه المؤتمرات.

٩- ان هذا المؤتمر فيه إرادة من قبل رجال الدين الشيعة المشاركين فيه، وهي موازية لمؤتمرات الحوار الإيرانية السعودية، في محاولة غير متوازنة ليكون هذا المؤتمر مكافيء لنظيراته الإيرانية، ولكن أين هذا من ذاك؟!

١٠- لم يجيد الشيعة المشاركين في المؤتمر تمثيل الخطاب الشيعي المرجعي العقائدي لاسباب عديدة منها ظروف انعقاد المؤتمر؛ الزمان والمكان وحيثيات أخرى، حيث دعي الجميع الى نبذ العنف والتطرف والطائفية وكأن الشيعة متساوون مع السنة في ذلك، مع ان الغاية هي تحييد التطرف الإسلامي الوهابي عن السنة والشيعة على حد سواء.

في الختام نقول:
ليس من الصواب التخوف من كل حدث يحصل، وكما ان اعدائنا يبذلون قصارى جهدهم في تقحم صفوفنا، فعلينا نحن أيضا ان نتقحم أوضاعهم في جميع الصعد والمستويات، فنحن اصبحنا ذوو اقتدار، وان مكافيء ذلك الاقتدار يحتم علينا التقحم.
لذلك أرى ان ما كسبناه من ذلك المؤتمر هو اكثر مما خسرناه، كما ان وجهة نظر الشيعة المشاركين في المؤتمر تمثل زاوية واحدة من زوايا المنظور، وعلينا فهم وجهة نظرهم من منطلق كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، وتقييم النتائج العملية للمؤتمر، مع اجتناب لهجة التخوين، طالما لا يوجد في فعلهم تجاوزاً للثوابت التشريعية والعقدية.

الحرب المرتقبة على الجمهورية الاسلامية وفق ميزان السياسة الاستراتيجية.

ان ما يجري اليوم من توترات امنية بين الجمهورية الاسلامية وقوى الاستكبار العالمي هو ما نسميه بحرب الناقلات، وهي حرب سياسية اكثر من كونها امنية، وتندرج هذه الحرب ضمن اللعبة الاستراتيجية الاشمل في السياسة والامن وهي لعبة حافة الهاوية.

حافة الهاوية هي لعبة استراتيجية لا تؤدي عادة الى الحرب، فهي لعبة سياسية بنسبة ٧٥٪؜ والأطراف التي تلعب هذه اللعبة لا تفضل خيار الحرب اطلاقاً، وفي الوقت ذاته فإن حرب الناقلات هي ايضاً لعبة سياسية بنسبة ٧٥٪؜ رغم طابعها الأمني ظاهراً، لذا فإن احتمالية وقوع حرب بين الجمهورية الاسلامية وبين تحالف الاعداء حاليا نسبتها ٢٥٪؜ وهي نسبة ضئيلة، وهذه النسبة قابلة للنزول، بيد ان احتمالية حصول احداث طارئة من قبل جهة ثالثة تؤدي الى نشوب الحرب؛ هي احتمالية كبيرة جداً.

في لعبة حافة الهاوية صعّد الامريكان والصهاينة من لهجة التهديد والوعيد بعد استهداف السفن الصهيونية، فرد عليهم الإيرانيون بتهديد دول الخليج والكيان الصهيوني، وايضاً مصالح الامريكان في المنطقة، وبذلك سوف يكون السعوديون والاماراتيون وكذلك القطريون اكثر حرصاً على عدم ضرب ايران من قبل التحالف الدولي، من جانب آخر فإن الصواريخ التي اطلقت من جنوب لبنان تجاه بعض مناطق فلسطين المحتلة، كانت مجرد اطلاقات تحذيرية، اذ ان الصهاينة ومن خلال معركة سيف القدس ودقة صواريخ حماس والجهاد الاسلامي، فإنهم يعلمون جيدا ان صواريخ حزب الله والإيرانيين ادق واقوى.

بالنتيجة سوف تنخفض نسبة احتمالية نشوب حرب مع الايرانيين الى ما دون ال ٢٥٪؜
وهذه النسبة تؤكد عدم حصول اي حرب حالياً، ونزيد على ذلك المناورات التي اجراها الحرس الثوري الايراني مؤخراً باطلاق الف طائرة مسيرة في وقت واحد من خلال الف خبير متحكم بالدرونات، وذلك ما جعلهم متقدمين على الامريكان في هذا المجال، ولك ان تتخيل كم سوف تصبح النسبة؟!

ان تحليلنا هذا هو وفق قواعد السياسة الاستراتيجية، ولعلنا نخالف من يقول بأن الحرب سوف تنشب استناداً الى المعطيات السياسية والامنية الحالية، وهي الصورة التحليلية العامة والسائدة اليوم لدى المحللين السياسيين، بيد اننا نؤكد من خلال تحليلنا عدم وجود اي حرب وفقاً لهذه المعطيات الا في حالة واحدة؛ وهي ان تحصل تطورات جديدة متهورة وسرية من قبل البريطانيين حصراً لانهم هم الجهة الوحيدة التي لن تتضرر اذا نشبت الحرب، ومن مصلحتها نشوب تلك الحرب بغية إعادة تنسيق مصالحها في المنطقة.

المروق البريطاني كفيل بنشوب الحرب على ايران، بيد ان الولايات المتحدة سوف تعاقب بريطانيا اذا ما اكتشفت قيام البريطانيين بفعل متهور يؤدي الى اندلاع تلك الحرب، لذا يمكن توقع عدة سيناريوهات في هذا المجال؛ منها ان تقوم بريطانيا بتسيير ناقلاتها في المياه الإقليمية (الخليج الفارسي وبحر العرب وخليج عمان) وتقوم باستهدافها بنفسها والالقاء بالتهم على الايرانيين، ومن ثم تستهدف الجمهورية الاسلامية من اجل توريط الامريكان والصهاينة في الحرب.

لا الامريكان ولا الصهاينة ولا حتى طغاة الخليج يرغبون بالصدام المسلح مع الجمهورية الإسلامية، فالقوة والاقتدار الإيراني تمنعان من تورط قوى الاستكبار العالمي في هذه الحرب، والاموال الخليجية لن تتدفق هذه المرة نحو الخزينة الامريكية، وأسعار النفط سوف ترفعها السعودية من خلال توافقات أوبك بلاس وخفض انتاج البترول، والتلويح بإيقاف الحرب على اليمن سيكون مخيماً على المشهد، والدبلوماسية الخليجية سوف تتهافت على الجمهورية الإسلامية، اما الضربات الصاروخية للمقاومة في سوريا ضد الصهاينة فقد أحدثت هزات في عقر دار الحكومة الصهيونية الجديدة مما جعلها متخوفة من الصدام العسكري والذي سوف يطيح بها حتماً اذا ما وقع.

النصر في هذه المعركة سوف يكون حليف الإيرانيين، وانسحاب القوات الامريكية من المنطقة سوف يكون واقع الحال، والكيان الصهيوني سوف يذل ايما اذلال، ولا عجب ان نرى تحرير مزارع شبعا والجولان، نعم ان المعركة بين قوى الاستكبار العالمي والايرانيين واقعة لا محالة، بيد انها لن تستمر سوى بضعة أيام، الى حد وسمها بالاشتبكات دون مصطلح الحرب، وذلك ما سيجعل روسيا وحلفائها يطمعون بانسحاب حلف الناتو من مناطق شرق اوربا، والاستيلاء على مناطق متنازع عليها على غرار القرم، وحتماً سوف تؤدي تلك التطورات الى نشوب الحرب العالمية.

استراتيجية صناعة العدو من الداخل فكراً وممارسة!

شكّل قيام الأيديولوجيا القومية وتأسيس احزابها عقب الحرب العالمية الثانية، انطلاقة استراتيجية صناعة العدو للبلدان والشعوب الإسلامية من الداخل فكراً وممارسة، بمعنى آخر ان يتم صناعة العدو من داخل بيئة الجهة المستهدفة، وان يتم صناعته بصورة دائمية وذلك ما يتطلب ان يكون هذا العدو صاحب أيديولوجيا بديلة للفكر الاسلامي الاصيل، وكما انه قد ثبت فشل الدعوة الالحادية القادمة من الخارج، فقد تم صناعة الالحاد الداخلي ليكون أكثر موضوعية وأشد اقناعاً، فلكي تقوم بالقضاء على فكر او عقيدة ما، قم بصناعة ممانعيها من داخلها!

هذه الاستراتيجية هي من اهم وانجع الاستراتيجيات المعادية، والتي شيدت على أساسها كافة استراتيجيات الظلم والجور التي منيت بها البلدان الإسلامية في عصرنا الحاضر، وتشرع هذه الاستراتيجية باستهداف الفكر الحاكم للامة، والعقيدة التي تعتقدها شعوب الامة، ومن ثم تطرح رحلها في حكم البلدان بالنار والحديد، وهكذا فعلت القومية فعلتها بوضعها لمنهجها المقابل للنظرية الإسلامية والمضاد للعقيدة الحقة.

لم تحز الملكية في العراق في النصف الأول من القرن العشرين مقومات الاستمرارية لانها لا تستند على فكر معين بإمكانه ترسيخ جذوره في ذهن الامة، وكذلك كانت مرحلة الانقلاب العسكري بقيادة عبد الكريم قاسم مرحلة مؤقتة، وهكذا صنعت الامبريالية الامريكية استراتيجيها الجديدة في مراكز صناعة الاستراتيجيات (معاهد ومؤسسات الدراسات الاستراتيجية) وهي النظرية القومية العفلقية ذات الفكر الالحادي المسوف للنظرية الإسلامية، فعمدت الى استبدال الممارسة والتطبيق الإسلامي بالمشروع القومي البعثي الجديد!

بلغت الايديولوجيا القومية اوجها في عهد نظام البعث بشقيه العراقي والسوري، ومثيله في الجانب الشرقي من الخليج والمتمثل بحكومة الشاه الالحادية، حتى جائت الصحوة الإسلامية على يد ثلاثي الولاية العلوية (الامام الخميني والسيد محمد باقر الصدر والسيد موسى الصدر) لتنقذ ما تبقى من الجسد الإسلامي وتنفخ في جذوة النور الإلهي الذي اراد ان يطفئه الظالمون، حيث شرع الامام الخميني العظيم بثورته المسددة وازاح حكومة الشاه واقام الجمهورية الإسلامية، وتحرك الصدر الكبير ليقوم بدوره التاريخي، بيد ان شيعة العراق خذلوه بتخلف وعيهم فلقي حتفه على يد طاغية العراق الصهيوني صدام، ومن قبلهما كانت حركة السيد موسى الصدر قد أدت الى تغييبه ومصرعه على يد القذافي الذي يمثل احد أدوات الاستكبار العالمي في المنطقة.

بعد قيام الثورة الإسلامية في ايران أطلقت قوى الاستكبار العالمي كلابها في الخليج بغية نقض أسس الجمهورية الاسلامية ، فكانت حرب الثماني سنوات بين العراق وايران والتي لم تؤدي غرضها وانتهت بنصر إيراني مؤزر، ونسفت جميع مخططات الأعداء، وفي خضمها نشأت المقاومة الإسلامية العراقية بقيادة القائد العظيم آية الله السيد محمد باقر الحكيم، حتى اختلفت إرادة الأعداء فيما بينهم وجرى غزو الخليج من قبل البعث الصدامي، وقابله رد تحالف الاستكبار العالمي وفرض الحصار الاقتصادي على العراق حتى إزاحة نظام البعث عام ٢٠٠٣ على يد الامريكان وحلفائهم، وكذلك في الجانب السوري انقلب البعث على صانعيه.

هكذا اخذ المكر السيء يحيق بأهله، وإرادة البغي ترتد على أصحابها، وبدأ الأعداء يفقدون حلفائهم في المنطقة واحداً تلو الآخر، مما حدى بالقوى العظمى الى رعاية المجاميع الإرهابية وتنميتها فبدأوا بالقاعدة وانتهوا الى صناعة داعش، وهذه الجماعات هي الأخرى ذات نظرية مقابلة للنظرية الإسلامية الحقة وذات فكر وهابي راسخ في عقيدة المخالفين، وتمت صناعتهم من قبل الاحتلال النكليزي للبلدان العربية، ولدى هذه الجماعات ممارسات وتطبيقات مقابلة ومضادة للممارسة والتطبيق الإسلامي الأصيل.

ما بين النظرية القومية والنظرية الوهابية، أخذت استراتيجية صناعة العدو من الداخل تترنح، فما بين تسويف الإسلام بالفكر القومي وبين تقمص النظرية الإسلامية بالفكر الوهابي، وما بين جبروت وطغيان النفس الإنسانية والسعي نحو التجبر والعظمة كما حصل في تمرد شخصيات كبيرة من عملاء الاستكبار العالمي كصدام والأسد والقذافي واسامة بن لادن وغيرهم؛ بدء العدو يفقد زمام المبادرة في احكام قبضته على المنطقة، فأخذ يترنح هو الآخر، بيد ان استراتيجيته مازالت فاعلة ولن يتخلى عنها مطلقاً، غاية ما في الأمر ان العدو يبذل قصارى جهده في إعادة الأمور الى نصابها، فأخذ بتطوير استراتيجيته تلك من خلال جعلها اكثر مرونة وفاعلية وموضوعية والتعامل مع كل حالة على حدة، وذلك باستبدال العملاء المتمردين بعملاء آخرين لعلهم يكونون اكثر وفاء لعمالتهم، والعمل على ان لا يحوزوا تلك القوة التي وهبت لسابقيهم لكي يعيشوا حالة متواصلة من القلق والحاجة الى اسيادهم، فكانت حكومات الصبيان سمة ذلك التطوير في استراتيجيتهم، وهكذا كانت حالة امراء السعودية من خلال إزاحة متعب وبن نايف وتولية الصبي محمد بن سلمان، وما فعلوه بحكومة قطر بتولية تميم بدلا من ابيه وتهديد كيان دولة قطر ومن ثم اعادتها الى سكة العمالة، وسعيهم الحثيث الى اضعاف حكومة تركيا الاخوانية، وكذلك إدارة الازمات الأمنية في المنطقة من خلال توجيه التنظيمات الإرهابية كالقاعدة وداعش.

ثمة حالة مشابهة تفشت في قطاعات من شيعة العراق تمثلت في استقطاب الأعداء لقيادات صبيانية ناشئة من رحم المقاومة والممانعة الإسلامية ومن ذات البيوتات صاحبة الشأنية في التأسيس، كما حاولوا ذلك من قبل في استمالة أبناء واحفاد الامام الخميني المؤسس للثورة الإسلامية في ايران، ولم ينجحوا في اغتيال القائد الخامنئي، بيد انهم تمكنوا من اعدام السيد محمد باقر الصدر واغتيال السيد محمد باقر الحكيم، وهكذا أخذ الأعداء بدراسة واقع المجتمع الشيعي العراقي، فجعلوه يعيش في دوامات عديدة منها دعم او تأمير بعض الشخصيات الدينية والسياسية الصبيانية من أبناء واتباع قيادات المقاومة والممانعة واستمالتهم الى جانبهم، ومنها نشأت تيارات الدجل والادعاء كحركة احمد الحسن والقحطاني والصرخي والمولوية وغيرهم الكثير، واستمالة بعض الشخصيات العلمائية التي تعاني من امراض أخلاقية كمثل كمال الحيدري وغيره، وصناعة شخصيات علمائية وهمية وهي شخصيات عميلة جعلت ترتدي عمامة العلماء!

هكذا صنف الأعداء فئات المجتمع الشيعي العراقي على أسس اجتماعية ودينية وسياسية وشعبية، وجعلوا لكل صنف منها مراكز ابحاث متخصصة تكتب تقاريرها وتضع مخططاتها وتنشيء استراتيجياتها وتكشف مواطن القوة والضعف في كل مفصل من مفاصل المجتمع الشيعي العراقي، وثمة فرق خاصة تنفذ اجنداتها وتراقب أهدافها وتقيم تطورات الاحداث وتضع البدائل، فكانت استرتيجية الجوكر الشعبي على سبيل المثال احدى تلك الاستراتيجيات التي استهدفت بشكل مزدوج العملية السياسية في العراق والحشد الشعبي المقاوم.

كانت فتوى الجهاد الكفائي السيستانية سكينة خاصرة في جسد مخططات الأعداء، لذا بذل الأعداء قصارى جهدهم من أجل تشويه سمعة المرجعية الدينية الرشيدة والحشد الشعبي المبارك، وبالتالي محاولة افشال فتوى الجهاد الكفائي ومصادرة النصر الذي تكللت به، كما استهدفت العملية السياسية في العراق، واستهدفت قيادات الحشد والمقاومة.
مازالت استراتيجية صناعة العدو من الداخل هي الاستراتيجية الأكثر فاعلية ونجاحاً بما تمتلكه من ديناميكية متوافقة ومتناغمة مع تطورات الاحداث، وما مشاريع مثل مشروع دجال البصرة وعوف السلمي والشيصباني والكاهن الساحر واولاد البغايا ومشروع السفياني؛ الا مصاديق واضحة وجلية لاستراتيجية صناعة العدو من الداخل واستبدال العملاء بآخرين اكثر عمالة وتنفيذاً لاجنداتهم المسيسة، والملاحظ ان صناعة العدو من الداخل غالباً ما تكون فكراً وممارسة، لكي لا تكون صناعة مؤقتة وانما تكون دائمية يستفيد منها العدو في وضع خططه البديلة وضمان استمرارية هيمنته وادارته للازمات والصراعات في المنطقة.

نحن نصنع العلامات..!

عبارة قالها سيد المنتظرين الممهدين في عصر التمهيد للامام الحجة عج، عصر الظهور الشريف والقيام المنيف، ذلك هو الإمام العظيم روح الله الخميني قدس الله نفسه الزكية، عبارة موغلة في العمق القاها الامام الخميني في معرض الإجابة على سؤال احد المؤمنين حول علامات الظهور الشريف للامام المهدي عج والاهتمام بها وترصدها.
قال الامام الخميني: نحن نصنع العلامات.
والسؤال الذي يطرح هنا؛ من نحن؟!
نحن؛ أي القيادات الدينية الحوزوية العلمائية في قم المقدسة والنجف الاشرف، ولاية الفقيه العزيزة ومرجعية النجف الأشرف، القيادات السياسية العقائدية والقيادات المجاهدة المقاومة، والقواعد الشعبية المنتظرة.

عندما تتحدث الروايات الشريفة عن رايات الهدى الممهدة للظهور الشريف (رايتا اليماني والخراساني) فهي انما تتحدث عن الجمهورية الإسلامية الإيرانية العزيزة وعن العراق، بما يمثله هذان البلدان من ابعاد جيواستراتيجية.

لو تفحصنا علامات الظهور الشريف التي تحصل في الجمهورية الإسلامية، لوجدناها تتحدث عن راية الخراساني وعن شعيب بن صالح التميمي وعن نفر من أصحاب القائم عج في جيش الخراساني، وعن طلب قوم المشرق للحق حتى يضعوا سيوفهم على عواتقهم ويسلموها الى القائم عج وعن عمود النار المشرقية وفرج الناس، وعن قتال راية الخراساني لجيش السفياني وطرده من العراق وتمهيد ارض العراق لاستقبال القائد المفدى عج، كل هذه العلامات والاحداث والاقتدار الذي سوف يذل الطغاة والمتكبرين في الأرض؛ انما هي من نتاجات ثورة الامام الخميني قدس سره الشريف وديمومة الثورة الإسلامية على يد الامام الخامنئي دامت بركاته، وعلى ايدي القواعد الشعبية المؤمنة في الجمهورية الإسلامية.

كذلك الحال بشأن راية اليماني الموعود العراقية، والنابعة من رحم المرجعية الدينية النجفية الرشيدة، وفتوى الجهاد الكفائي الحشدية، والدعم الإيراني تدريباً وتسليحاً وتخطيطاً وقيادة ميدانية لمعارك الجهاد ضد تنظيم داعش الإرهابي.

ان شخصيات مرجعية كالشهيد محمد باقر الصدر قدس سره الشريف مفجر الانتفاضة العراقية ضد الظلم والجور البعثي الصدامي، والشهيد محمد باقر الحكيم قدس سره الشريف صانع المقاومة العراقية، وقائد جيش الغضب، وصاحب النفس الزكية المقتول في ظهر الكوفة في سبعين من الصالحين؛ فإن هذه الشخصيات الفذة هي من نتاج مرجعية النجف الاشرف؛ مرجعية الامام الحكيم والامام الخوئي ومرجعية الشهيد الصدر قدست اسرارهم الشريفة.

ان هذه العلامات كلها هي من صنع الخط المرجعي بشقيه القمي والنجفي، وهذه حقيقة موضوعية واقعية لصناعة العلامات وليست مجرد شعار اطلقه الامام الخميني قدس سره الشريف، بل اننا نجد ان بعض العلامات الأخرى المهمة انما هي صناعة مباشرة او غير مباشرة من قبل الجمهورية الإسلامية، صاحبة حقوق صناعة العلامات! مثال ذلك علامة رجفة الشام، ودخول الرايات الصفراء لحزب الله المظفر من مغرب الشام لأجل حسم صراع الوجود في بعض المناطق السورية الجيواستراتيجية وقلب المعادلة الأمنية لصالح الشيعة وتحقيق الفتح للمؤمنين، جميع هذه الاحداث كانت صناعة إيرانية، فالضربة الصهيونية على جبل قاسيون كانت موجهة لصواريخ إيرانية في طريقها الى حزب الله، وحزب الله ذاته هو صناعة إيرانية.
علامات أخرى كعلامة انفصال اكراد سوريا ما كانت لتحصل لولا التدخل الإيراني في سوريا، وعلامة الحرب العالمية ما كنت لتقع لولا الاقتدار الإيراني في المنطقة والذي اعان روسيا لتكون قطباً دولياً ونداً للولايات المتحدة، وهكذا لنتمعن في كثير من علامات الظهور الشريف الاساسية سنجدها من نتاج تفاعل الجمهورية الإسلامية والمرجعية الدينية النجفية في مساحات متعددة في العالم وفي مجالات مختلفة كالسياسة والامن والاقتصاد والعلم والثقافة…الخ.

من الجدير بالذكران صناعة العلامات ليست حكراً على القيادة الدينية والسياسية والمجاهدة، بل ان القيادة لوحدها وبلا ادواتها البشرية المساعدة لن تتمكن من فعل شيء، لذا ومن منطلق صناعة القيادة المتمثلة بالقائد والقواعد الشعبية المطيعة للقيادة والمنجزة لتوجيهاتها، فإنه يتعين على المؤمنين المنتظرين ان يقوموا بأدوارهم المتعلقة بتكاليفهم تجاه التمهيد لصاحب الامر عج، وفي اعانة القيادات على صناعة العلامات، حيث ينبغي على كل منتظر ان يفجر الطاقات الخلاقة المكنونة في جوهر نفسه وايمانه، ويطور من إمكاناته، ويوسع من مداركه، ويسعى جاهداً لكي يجعل لنفسه مقاماً متقدماً في ميدان الانتظار والتمهيد لصاحب الأمر عج وفي صناعة علامات الظهور.

من مقولات الامام الخميني قدس سره الشريف:
(إن ثورتنا هي مقدمة لثورة وانتفاضة الإمام المهدي، لذلك علينا أن نهيئ مجتمعنا في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية حتى يمهد الأرضية لظهور المهدي)

ومن توجيهات الامام الخامنئي دامت بركاته:
(من خلال انتخاب المرشح الأصلح للرئاسة سوف نقترب خطوة من ظهور الإمام الحجة عج، ولذلك يجب أن نصوت بنية أن هذا الانتخاب سيمهد الطريق لظهور الإمام المهدي منقذ البشرية)

علامة الحرب العالمية (ج٦)

توقيت الحرب العالمية الثالثة السابقة للظهور الشريف

تحدثنا في الأجزاء الماضية عن الحرب العالمية الثالثة والسابقة للظهور الشريف، وذكرنا الروايات التي تدل عليها، بيد اننا لم نتحدث عن توقيت الحرب العالمية، وفي هذا الجزء سوف نتحدث عنه بتفصيل.

ثمة عوامل تعيق عملية الوقوف على توقيت الحرب العالمية السابقة للظهور الشريف، قد لا يستطيع الباحث مهما كان فطنا ان يلم بها، ومن هذه العوامل خلو الروايات الشريفة من التوقيت الفعلي للحرب العالمية، لذا فإن اهم عامل لدى الباحث وهو النقل الروائي قد سقط عن الدلالة على توقيت تلك الحرب، الا في جزئيات بسيطة، وهي سبق علامتي خسف حرستا وانفصال اكراد سوريا عن دمشق، وهما علامتان تسبقان الحرب العالمية بقليل وتدلان على قرب تحققها، فلم يتبق سوى عامل التحليل السياسي والسنني، مع الاخذ بعين الاعتبار موقع تلك الحرب من تسلسل العلامات!

المسألة الأخرى التي ينبغي على القارئ ان يلتفت اليها جيدا، هو ما تحدثنا به من قبل، من ان النظام العالمي أصبح ثنائي الأقطاب، وأعني هنا بالطبع القطبين الدوليين والقوتين العظمتين؛ الولايات المتحدة وروسيا، بعد ان كان النظام الدولي أحادي القطب منذ سقوط الشيوعية العالمية وانهيار الاتحاد السوفيتي.
عقدان من الزمن خلتا منذ عام 1991 وحتى عام 2011، عقدان بالتمام والكمال، ولكن ماذا حصل على رأس العقد المتوسط بينهما، وأعني عام 2001؟!
عام 1991 انهيار الاتحاد السوفيتي، وتحول العالم الى نظام القطب الواحد.
عام 2001 احداث برج التجارة العالمي والهيجان الأمريكي الذي تبعها.
عام 2011 احداث الربيع العربي والتدخل الروسي الذي افضى الى النظام القطبي الثنائي البسيط.
فماذا سيحصل عام 2021 يا ترى؟!
ربما ستكون شرارة الحرب العالمية الثالثة والسابقة للظهور الشريف..!
ليس الامر عبثيا ولا هي مجرد صدفة حصلت اتفاقا، وليس الامر مجرد ترتيب ارقام متطابقة، وليست هي لعبة العقود أبداً.
هي سنة العقود ان صح التعبير، فعلى رأس كل عقد يحصل حدث ما على المستوى الاقليمي، وعلى رأس كل عقدين يحصل ما يغير المعادلات الدولية.

بالإمكان القول، ان ما يجري على رأس العقد والعقدين، انما هو اشبه بما يكون بخطط استراتيجية عشرية الهية متضمنة في سنن الخليقة وفطرة التكوين!

كما أشرنا الى ان ابجديات السياسة الدولية وفق هذا النظام أي النظام القطبي الثنائي البسيط، تقضي بتكتل القطبين ضمن تحالفات دولية، وتتضمن تلك التحالفات دول ذات حكومات غير مرنة وغير متزنة، وستكون تلك الدول سببا في نشوب الحرب العالمية، إذ ان النظام القطبي الثنائي البسيط هو أكثر الأنظمة العالمية حراجة واقربها الى نشوب الحرب العالمية.
تلك قاعدة سياسية استراتيجية وليست مجرد رؤية “ان المتسبب بالحرب العالمية ليست الدول العظمى التي تمثل الأقطاب بالضرورة، وانما قد تكون بعض الدول الحليفة”
ومن امثلة تلك الدول ذات القيادات غير المرنة وغير المتزنة، حكومات الكيان الصهيوني والسعودية وكوريا الشمالية وأوكرانيا وأذربيجان والهند وباكستان وحكومة ترامب وغيرها.
ولا بأس بأن نذكّر بما استشهدنا به من قبل مرارا بقوله تعالى:
(وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) المؤمنون:91

هكذا افترق الالهين الدجالَين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وعلت الولايات المتحدة وانفردت بالقطبية عام 1991.

وقوله عز وجل:
(لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) الأنبياء الآية 22

سوف يفسد الدجالين الأرض في عام ٢٠٢١ وما بعده ان شاء الله تعالى.

كما ورد في الأثر: عن مكحول في تفسير قوله عز وجل لتركبن طبقا عن طبق قال: في كل عشرين سنة تكونون في حال غير الحال التي كنتم عليها.
الفتن لنعيم بن حماد: رقم الحديث 42

أحداث مهمة في تأريخ العالم المعاصر والشيعة على رؤوس العقود السابقة

1911 اندلاع حرب البلقان مع العثمانيين وبداية انهيار الإمبراطورية العثمانية.

1921 انتهاء ثورة العشرين وقيام الملكية في العراق.

1931 استقلال العراق، واكتشاف البترول.

1941 اندلاع ثورة رشيد عالي الكيلاني وإعادة الاحتلال البريطاني مرة أخرى، وبداية انهيار الحكم الملكي في العراق.

1951 إقرار القانون المدني في العراق، واسقاط الجنسية العراقية عن يهود العراق، وتصنيع الاتحاد السوفيتي للقنبلة النووية والتي غيرت مجرى العالم وأرست معالم التوازن الدولي الاستراتيجي، وتوقيع الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين في الأمم المتحدة، وافشال محاولات توحيد سوريا والعراق.

1961 تولي الامام الحكيم المرجعية بعد وفاة الامام البروجردي.

1971 تولي الامام الخوئي المرجعية بعد وفاة السيد محسن الحكيم واختلاف الناس برهة من الزمن بعد مبايعتهم للسيد يوسف الحكيم والذي بدوره أشار الى مرجعية الامام الخوئي قدست اسرارهم.

1981 اندلاع الحرب العراقية الإيرانية وتوجهها نحو عدم الحل واستمرارها لمدة 8 سنوات.
1991 انهيار الاتحاد السوفيتي، واندلاع حرب الخليج على اثر احتلال صدام للكويت، واندلاع الثورة الشعبانية، وخروج الدجال الأول بوش الاب.

2001 احداث برج التجارة العالمي، وخروج الدجال الثاني بوش الابن، والذي أدى بعد عامين الى اسقاط نظام البعث في العراق واحتلاله من قبل الامريكان.

2011 انسحاب الامريكان من العراق، واندلاع ما يسمى بالربيع العربي.

2021 هل سيخرج الدجال والذي سيدمر الأرض بالحرب العالمية الثالثة؟ وهل سيكون ذلك الدجال هو ترامب؟ لسنا نعلم الغيب كي نجيب عن هذا التساؤل ولسنا مسلطين على السنن الإلهية وقواعد التأريخ، ولكننا ننتظر ما سيحصل بترقب العارف ونأياً عن غفلة الجاهل.

من هو الدجال الأخير؟

ورد في الروايات الشريفة: إذا اصفر الريحان فترقبوا خروج الدجال.

الريحان هو النبتة المعروفة والتي تنبت بصورة طبيعية في نهاية فترة الصيف، وتصفر وتذبل عند اقبال الشتاء وتحديدا في الشهر الحادي عشر الميلادي تشرين الثاني.
ومن الامر الغريب العجيب في الاسرار العلوية ربط خروج الدجال باصفرار الريحان، فالشهر الحادي عشر الميلادي هو الشهر الذي تحصل فيه الانتخابات الامريكية..!
والحديث عن ترقب خروج الدجال هو تنصيبه كرئيس، والانتخابات الامريكية القادمة ستكون في نهاية عام 2020 وتنصيب الرئيس المنتخب سيكون في مطلع عام 2021، كما ان الحديث عن خروج الدجال هو ليس عن توليه السلطة وانما عن خروجه المسلح أي قيامه بالحرب.

فهل سيعاد انتخاب ترامب يا ترى، ام ان الشعب الأمريكي سيقدم لنا مسخاً جديداً اشد وطأة من ترامب؟!


كتب بتاريخ ٢٠-٥-٢٠١٨

علامة الحرب العالمية (ج٥)

حسابات الحرب العالمية الثالثة:

تحدثت الروايات الشريفة عن ذهاب ثلثي الناس نتيجة الحرب العالمية التي سوف تندلع قبيل الظهور الشريف، وفي رواية انه يقتل من كل خمسة سبعة، وثمة رواية ثالثة تتحدث عن ذهاب تسعة أعشار الناس.

عن زرارة قال: (قلت لأبى عبد الله (عليه السلام) النداء حق؟ قال: إي والله حتى يسمعه كل قوم بلسانهم. وقال: لا يكون هذا الامر حتى يذهب تسعة أعشار الناس) وفي بعض النسخ (حتى يهلك تسعة أعشار الناس) (1)

سواء كانت الحرب العالمية المرتقبة شاملة، أو أنها عبارة عن مجموعة حروب بين دول متجاورة كما أشارت بعض الروايات، تبقى النتيجة واحدة وهو الدمار الذي سيحل في الأرض وانهيار حضارات كبرى، بيد أن تفاوت عدد القتلى (ثلثا الناس، خمسة من كل سبعة، تسعة أعشار الناس) وكما اشرنا سابقا انه يشير الى قتلى الحروب، فثمة حرب بين جهتين يقتل فيها خمسة من كل سبعة، وحرب أخرى بين جهتين أخريين تكون أشد، حيث يقتل فيها تسعة أعشار، أما الحصيلة النهائية فتكون ذهاب ثلثا الناس وبقاء ثلث، وهذا الاحتمال هو الأرجح لأجل حل مشكلة تقاطع النسب المتفاوتة.

اما الدليل على ذلك فإن رواية مقتل خمسة من كل سبعة ورواية مقتل تسعة أعشار الناس لم يذكر فيها نجاة منطقة الشرق الأوسط كما حصل في رواية ذهاب الثلثين وبقاء الثلث، فيكون حديث ذهاب الثلثين هو المعول في تحديد عدد القتلى الكلي من سكان الارض، سيما إن استحضرنا الروايات التي تتحدث عن اصطراع الرايات الثلاث الإقليمية (اليماني والخراساني والسفياني) ومن بعد ذلك عن حرب الإمام القائم عج مع الروم، وقتاله للسفياني في سوريا، وقتاله الأفغان وغيرهم، وفتحه لتركيا، والاهم من ذلك كله حديث الثلث الناجي وهو حاسم في هذا المجال، لذا فإن الحديث عن مقتل تسعة أعشار الناس بمعناه الشمولي هو أمر مستبعد جداً.

ومن الأمور المستفادة من تلك النسب المذكورة، هو الإشارة الى ضرورة عودة المغتربين الى منطقة الشرق الأوسط قبل اندلاع الحرب العالمية، إذ ان بعض المناطق الاوربية او الامريكية او الشرق آسيوية والتي ستكون نسبة الفناء فيها مرتفعة جدا، انما يعود ذلك الى سقوط صواريخ نووية على مراكز سكانية بحيث لا ينجو الا النسبة القليلة جداً منهم، وربما يكون هؤلاء الناجين في ضواحي المدن!

ماذا يعني ذهاب ثلثا الناس؟

(تشغل قارة آسيا أكثر من 60% من عدد سكان العالم، حيث تشكل الصين والهند معاً لوحدهما حوالي 40% من عدد سكان العالم، تأتي بعدها قارة أفريقيا بتعداد يزيد عن مليار نسمة مشكلة بذلك 15% من عدد سكان العالم، وتمثل قارة أوروبا التي يقطنها قرابة 750 مليون نسمة حوالي 11% من تعداد السكان حول العالم.

بينما تعتبر أمريكا الشمالية موطن 360 مليون نسمة (5%) وتشغل أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي ما يمثل 590 مليون نسمة (9%) ويبلغ عدد السكان في أوقيانوسيا 38 مليون نسمة مشكلين بذلك أقل من 1% من تعداد سكان العالم.

في عام 1804 تعدى عدد سكان الأرض 1 مليار وبدأوا تزايدًا سريعًا، حتى أنهم ازادوا إلى نحو أربعة أضعاف خلال القرن العشرين.

عام 1927 أصبح سكان العالم (2 مليار نسمة) وفي عام 1960(3 مليار نسمة) وفي عام 1974 (4 مليار نسمة) وفي عام 1987 (5 مليار نسمة) وفي عام 1999 (6 مليار نسمة) وبلغ عدد سكان العالم عام 2015 (7.3 مليار نسمة) ويبلغ عدد سكان العالم في عام 2021 (7.8 مليار نسمة) وتقدر الأمم المتحدة تعداد سكان العالم عام 2025 بنحو 8 مليار نسمة) (2)

على اعتبار ذهاب ثلثا الناس، أي نسبة 66%، فان مجموع نسب سكان الصين والهند وامريكا الشمالية وأوربا وافريقيا = 40%+15%+ 11%+5% = 71%

وهو ما يقدر ب (5.3 مليار نسمة)

ولو دخلت امريكا اللاتينية والكاريبي وأوقيانوس في ضحايا الحرب، ستكون النسبة: 81%

وحيث ان الحرب العالمية سوف تقع في هذه الدول فإنه سوف يفنى الثلثين منهم ويبقى قرابة 15% أي ما يصل الى مليار و200 مليون نسمة!

ولكن لو احتملنا قتل (300مليون) من دول أخرى في آسيا وافريقيا قد ينالها شيء من الحرب كباكستان التي ستدخل حربا مع الهند على سبيل المثال، فسوف يكون عدد البشرية الناجية من الدول التي خاضت الحروب تقدر بمليار وخمسمائة مليون نسمة، وهي النسبة المتبقية من سكان العالم ما خلا منطقة الشرق الاوسط، والتي تشكل 15% من سكان العالم أي ما يزيد عن مليار نسمة.

بالنتيجة سيكون الثلث الناجي من البشرية على الأرض قرابة (2.6 مليار نسمة) نصفهم عددهم من الناجين من الدول التي خاضت الحرب العالمية، والنصف الآخر من سكان الشرق الأوسط.

اما نسبة الشيعة اليوم وفق آخر الاحصائيات فتقدر بـ 400 مليون نسمة وهي تمثل 5% من عدد سكان العالم و25% من عدد المسلمين في العالم والبالغ عددهم مليار و600 مليون نسمة، ولو افترضنا مقتل 100 مليون شيعي في العالم، سيما في الهند وباكستان وغيرها من الدول، فإن المتبقي 300 مليون نسمة وهو يمثل 11% من البشرية الناجية من الحرب العالمية.

بالرغم من مضاعفة نسبة الشيعة بعد الحرب العالمية الا ان نسبة 11% هي التي ستحكم العالم خلف قيادة الامام القائم عج.

خاتمة:

أن ذهاب ثلثا الناس لا يعني توقف الحياة في تلك الدول التي تعرضت لكارثة الحرب العالمية، بل ينبغي الأخذ بنظر الاعتبار استمرار الحياة والتناسل والتكاثر، حيث ان القتل المباشر في الحرب العالمية سيطال ثلث الناس فقط، والثلث الثاني يموت تدريجياً على أثر مخلفات الحرب العالمية، وهذا الثلث الثاني يرافقه التناسل والتكاثر، مما يعني أن عدد سكان العالم بعد التعافي من الحرب العالمية وآثارها سوف يعاود الصعود، وبلحاظ أن حرب الإمام الحجة عج لفتح بلاد الغرب، إنما ستكون من بعد عدة سنين من الحرب العالمية، اذ تحدثت الروايات عن حروب شرسة بين جيش الامام القائم عج وجيوش الروم، وليس هنالك ما يفسر قوة الروم بعد الظهور الشريف من حيث العدد والعُدة، سوى استعادتهم لعافيتهم شيئاً فشيء، لكنهم في النهاية يبقون في مستوى من الضعف أمام إمبراطورية الإمام الحجة عج، بالشكل الذي يتمكن الإمام القائم عج من بناء ترسانته الحربية وغزو العالم كله.

بالنتيجة ربما يصل عدد سكان العالم في فترة قيام القائم عج الى 3 مليار نسمة او ما دون ذلك.

وفي الختام يمكننا القول: أن انهيار بعض القيادات العالمية وضعف الأخرى، يجعل الأنظار تترقب ظهور قيادة عالمية جديدة، وستكون هي القيادة الإلهية المتمثلة بشخص القائم ودولته السامية أرواحنا وارواح العالمين لتراب مقدمه الفداء.

المصادر

(1) غيبة النعماني/383 ب 14 ح54

(2) الموسوعة الحرة ويكبيديا

علامة الحرب العالمية (ج٤)

الحرب العالمية الثالثة وصراعات الدول المتجاورة

شهد العالم الحديث صراعات بين مجموعة دول متجاورة مختلفة فيما بينها في جوانب عدة، منها سياسية واقتصادية، وقد يصل الإختلاف حد الصراعات المسلحة، ومناشئ تلك الإختلافات متعددة، أشهرها الخلافات الأيديولوجية والصراعات حول مناطق جيوسياسية أو أراض متنازع عليها بين دولتين أو أكثر، كما يحدث بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية وبولندا وبيلاروسيا وخلافاتهم سياسية، وكذلك ما يحدث بين الهند وباكستان، وأرمينيا وأذربيجان، وروسيا وأوكرانيا، وخلافاتهم حول الأراضي المتنازع عليها فيما بينهم.

وقد جاء في الروايات الشريفة الحديث عن صراعات بعض تلك الدول في آخر الزمان، ففي الحديث عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: (خراب السند من الهند وخراب الهند من الصيّن وخراب الصيّن من الرمل .. وخراب الزوراء من السفياني وخراب الروحاء من الخسف وخراب العراق من القحط) (1)

تشير الرواية الى حرب تحدث بين الهند والسند (باكستان)، تنتصر فيها الهند، وحرب من جهة أخرى بين الصين والهند ينتصر فيها الصينيون، أما الصين فبعد حربها مع الهند يكون خراب الصين من الرمل فتهلك الدول الثلاث، أما الزوراء والروحاء فهما منطقتان في بغداد، إذ تخرب الأولى على يد السفياني والثانية بالخسف وهاتان المنطقتان تمتدان من منطقة العلاوي وتشملان منطقة كرادة مريم والمنطقة الخضراء والجادرية والكرادة، وتكون تلك الأحداث في زمان قحط يحصل في العراق.

ومع ان هذه الرواية عامية بيد ان حديثها عن صراع البلدان المتجاورة هو حديث الواقع الذي لابد منه، سيما حين ترفع الدول العظمى المتناحرة في الحرب العالمية أيديها عنها.

هذا وقد ذكرت الرواية خراب الزوراء من السفياني وهو امر مسلم به.

كما جاء في رواية أخرى: (وغلبة الهند على السند، وغلبة الروم على الشام، وغلبة أهل أرمينية على أرمينية .. وصرخ الصارخ بالعراق .. ثم ذكر خروج القائم عليه السلام) (2)

أكدت الرواية على مسألة غلبة الهند على باكستان، كما تحدثت عن غلبة أهل أرمينية على أرمينية، ويبدو أن المقصود من غلبة أهل أرمينية، هو في نزاعها مع الأذربيجان حول إقليم كاراباخ المتنازع عليه، ويبدو والله العالم أن أحداث أرمينيا ستجري على غرار ما جرى في القرم، وذلك بإنضمام كاراباخ الى أرمينيا، كون إقليم كاراباخ ذو اغلبية أرمينية مطلقة، لذا عبرت الرواية بالقول (غلبة أهل أرمينية على أرمينية)

أما غلبة الروم على الشام، فلم تذكر الروايات دخول الروم الى أراضي الشام، فربما يكون المقصود بالغلبة الحرب غير المباشرة، من خلال دعمهم للسفياني الذي يستولي على حكم الشام، حيث أن مأوى السفياني في بلاد الروم، وذلك قبل مجيئه الى سوريا وفي عنقه بيعة للروم.

وتتحدث الرواية عن أحداث العراق، وربما المقصود بها أحداث السفياني، لأن العراق هو أول الدول التي تتعرض للخطر عقب الحرب العالمية، إذ أن السفياني سيكون خروجه رحمة لأهل الشام بما فيهم الشيعة، ونقمة على النواصب، حتى يصل مشارف بغداد، وتتعارض مصالحه السياسية والتوسعية مع الشيعة.

وقد تحدثت بعض الروايات عن طبيعة الحرب العالمية السابقة للظهور الشريف بالإجمال، وأشارت الى أنها ستكون على هيئة عدة حروب متفرقة:

فقد ورد في الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: (إن دولة أهل بيت نبيكم في آخر الزمان، ولها إمارات فإذا استثارت عليكم الروم والترك، وجهزت الجيوش. ويتخالف الترك والروم، وتكثر الحروب في الأرض) (3)

وما ورد في الرواية عن جابر الجعفي حيث قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: (يا جابر ألزم الأرض ولا تحرك يداً ولا رجلاً حتى ترى علامات اذكرها لك إن أدركتها: أولها اختلاف ولد فلان .. وستقبل مارقة الروم حتى تنزل ألرملة، فتلك السنة يا جابر فيها اختلاف كثير في كل ارض من ناحية المغرب فأول ارض تخرب هي الشام – يختلفون على ذلك ثلاث رايات هي راية الأصهب وراية الأبقع وراية السفياني ..) (4)

كما ورد في الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام قال: (يختلف أهل الشرق وأهل الغرب، نعم وأهل القبلة، ويلقى الناس جهداً شديداً مما يمر بهم من الخوف، فلايزالون بتلك الحال حتى ينادي مناد من السماء، فإذا نادى فالنفر النفر) (5)

خاتمة:

بعد ان ترفع الدول العظمى – بسبب الاقتتال فيما بينها – ايديها عن بعض تلك الدول المتجاورة والمتخاصمة، سوف تندلع بينها الحروب، إذ ان صراعات الدول المتجاورة غير متعلقة فقط بارادات حكومات تلك الدول، وانما بإرادات ومصالح الدول العظمى، لذا نلاحظ انه ما تكاد ان تندلع حرب بين دولتين حتى تتدخل الدول العظمى وتفض النزاع!

وتجدر الإشارة الى ان حديث الحرب العالمية السابقة للظهور الشريف عن مقتل ثلث وموت ثلث وبقاء ثلث، إنما هو حديث عن مقتل ثلث الناس، وبقاء ثلثين، فيموت ثلث آخر على أثر مخلفات الحروب، إذ أن بعض الأمراض كالأيدز والإنفلاونزا الوبائية كادت أن تفتك بالعالم اليوم وهو في أشد قوته ومنعته، فكيف به في أحداث الحروب العالمية وما يعقبها؟!

ان رحيل ثلثا الناس وكما اشرنا مراراً يقتضي دخول الدول ذات الكثافة السكانية العالية في اتون الحرب العالمية مثل الصين والهند على سبيل المثال بالاضافة الى الدول الرومية، وان كانت الحرب العالمية هي عبارة عن هرج بين الروم أساساً، بيد انها سوف تنتشر كالنار في الهشيم لتنتقل عدوى الحرب الى تلك الدول المتجاورة، وفي النهاية يبقى الثلث الأخير ممن ينجو من الحروب ومن لا يدخل فيها في الأصل، وهم سكان الشرق الأوسط.

المصادر

(1) أبو الفرج الجوزي/ كتاب روضة المشتاق.

(2) (البحار:41/319)

(3) (البحار:52/208)

(4) الشيخ المفيد، الاختصاص، طبعة إيران، 1379 هجرية، الصفحة 255.

(5) (البحار:52/235).

علامة الحرب العالمية (ج٣)

مظاهر وتجليات الحرب العالمية الثالثة والسابقة للظهور الشريف

ثمة عدة مظاهر وتجليات للحرب العالمية الثالثة والسابقة للظهور الشريف أشارت اليها الروايات الشريفة، فمن مظاهر الحرب العالمية كثرة القتل والدمار نتيجة استخدام الأسلحة الفتاكة التقليدية منها وغير التقليدية، وكذلك كثرة الموت نتيجة الأوبئة والأمراض الناتجة عن التلوث البيئي الذي يعقب الحرب.

كما ان ثمة تجليات للحرب العالمية الثالثة من أهمها موقتات الحرب العالمية، فقد تحدثت الروايات عن هرج الروم الذي يحدث بعد حصول عدة علامات، وكذلك تحدثت إحدى الروايات عن قيام الحرب في شهر صفر وإنها تمتد لسنة واحدة، وأهم تلك العلامات هي أحداث فتنة الشام والتي تعد السبب الأساسي لحدوث الخلاف بين القوى العظمى والذي يؤدي بهم في نهاية المطاف الى الحرب العالمية، ومن أحداث الشام علامتي (خسف حرستا) و (مارقة تمرق من ناحية الترك) وهما العلامتين ذواتا السبق المباشر للحرب العالمية.

موقتات الحرب العالمية:

ورد في الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال لجابر الجعفي رحمه الله: يا جابر الزم الارض ولا تحرك يدا ولا رجلا حتى ترى علامات أذكرها لك إن أدركتها وما أراك تدرك ذلك، ولكن حدث به من بعدي عني، أولها اختلاف بني العباس، ومناد ينادي من السماء ويجيئكم الصوت من ناحية دمشق بالفتح، وتخسف قرية من قرى الشام تسمى الجابية، وتسقط طائفة من مسجد دمشق الايمن، ومارقة تمرق من ناحية الترك، ويعقبها هرج الروم، وسيقبل إخوان الترك حتى ينزلوا الجزيرة، وستقبل مارقة الروم حتى ينزلوا الرملة، فتلك السنة يا جابر اختلاف كثير في كل أرض من ناحية المغرب فأول أرض تخرب أرض الشام، يختلفون عند ذلك على ثلاث رايات: راية الأصهب، وراية الأبقع، وراية السفياني. (1)

وفي الرواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام): إذا اختلف الرمحان بالشام لم تنجل إلا عن آية من آيات الله. قيل: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: رجفة تكون بالشام يهلك فيها أكثر من مائة ألف يجعلها الله رحمة للمؤمنين، وعذابا على الكافرين، فإذا كان ذلك فانظروا إلى أصحاب البراذين الشهب المحذوفة والرايات الصفر تقبل من المغرب حتى تحل بالشام، وذلك عند الجزع الأكبر والموت الأحمر، فإذا كان ذلك فانظروا خسف قرية من دمشق يقال لها حرستا، فإذا كان ذلك خرج ابن آكلة الأكباد من الوادي اليابس حتى يستوي على منبر دمشق، فإذا كان ذلك فانتظروا خروج المهدي (عليه السلام) (2)

ورد في الرواية أعلاه عبارة (هرج الروم):

ه ر ج : الهَرْجُ الفتنة والاختلاط وبابه ضرب وفسَّره النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم في أشراط الساعة بالقتل. (3)

هَرَجَ الْجُمْهُورُ: وَقَعَ فِي فِتْنَةٍ وَتَقَاتُلٍ وَهَرَجٍ وَاخْتَلَطَ أَمْرُهُ.

[ هـ ر ج ] (مصدر هَرِجَ) “وَقَعَ الْقَوْمُ فِي هَرَجٍ” أي فِي فِتْنَةٍ وَاخْتِلاَطٍ وَفَوْضى ” (4)

هَرْج القوم: أصوات تحدثُ من وقوعهم في اختلاط وتقاتل. (5)

من خلال المعاني أعلاه، يتبين ان معنى الهرج هو الحرب والاقتتال الشديد، وكثرة القتل وحدوث اصوات عالية نتيجة الاقتتال، ومن أقرب مصاديق الأصوات العالية المدوية في الحرب العالمية المرتقبة هي اصوات الانفجارات النووية وغيرها، حيث تحدث فوضى واستنزاف وإنهاك للقوى العظمى.

أما توقيت الحرب العالمية السابقة للظهور الشريف، فإنه توقيت نسبي الى أحداث وعلامات أخرى، فإن ما يسبق الحرب العالمية من أحداث مهمة هي: اختلاف بني العباس، وحدوث رجفة الشام، فإذا كان ذلك فانظروا خسف قرية من دمشق يقال لها حرستا، وتسقط طائفة من مسجد دمشق الايمن، والعلامة الأخيرة التي تسبق الحرب العالمية الثالثة هي: مارقة تمرق من ناحية الترك، وهو حدث انفصال أكراد سورية عن حكومة دمشق، كما ورد في تحليل أحد الفضلاء (6)

ولم تذكر الروايات أي قرينة عن عليّة انفصال أكراد سوريا لحدوث الحرب العالمية، ولكن اختلاف القوى العظمى في الشام، وما أسمته الرواية فتنة الشام؛ هي بلا ريب تعد المقدمة الأساسية لحصول الحرب العالمية، وإن كان تأثيرها على نشوب الحرب العالمية غير مباشر، الا أنها تعد بذرة الخلاف، فهي التي أست لتشكل التوازن القطبي الثنائي البسيط.

والجدير بالذكر أنه حسب رصدنا للعلامات، فقد حدثت علامة اختلاف بني العباس وعلامة رجفة الشام، ونحن بانتظار حدوث علامة خسف حرستا، ومن ثم انفصال أكراد سوريا، وبعدها مباشرة تحدث الحرب العالمية.

كما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (إذا رأيت الفتنة في بلاد الشام فالموت حتى يتحرك بنو الأصفر فيسيرون إلى بلاد العرب، فتكون بينهم الوقائع) (7)

بنو الاصفر كما هو معروف في المصادر التاريخية هم الروم، أي البلاد الصليبية، وتشمل أوربا وامريكا، وتخبرنا الرواية ان بني الاصفر يسيرون الى بلاد العرب خلال أحداث فتنة الشام فتحدث بينهم الوقائع، أي بمعنى أن جيوش الغرب تتحرك نحو عدة بلاد عربية، كالعراق وسوريا ومصر وليبيا واليمن وغيرها من البلدان التي تشهد صراعات، وعند ذلك تحدث الحروب فيما بين الروم.

كما ورد في الحديث المرسل: (إذا أراد الله أن يظهر آل محمد بدأ الحرب من صفر إلى صفر، وذلك أوان خروج المهدي) (8)

تحدد الرواية توقيت الحرب العالمية في شهر صفر وتمتد الى سنة كاملة.

مظاهر الحرب العالمية الثالثة:

——————————

كثرة القتل والتدمير:

من أهم مظاهر الحرب العالمية هو كثرة القتل والتدمير، نتيجة استخدام مختلف الأسلحة الفتاكة لاسيما السلاح النووي، حتى ان مظهر كثرة القتلى يمكن عده حشر عظيم أو قيامة صغرى، إذ يحشر خلال الحرب العالمية ما يزيد عن (2,5 مليار من البشر) ويموت على أثر الحرب نتيجة الإشعاعات والأوبئة والجوع ما يقارب ذلك العدد، والذي يكون بمجموعه ثلثا الناس.

فقد ورد في الرواية عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام، وقال: قدام هذا الأمر بيوح، قلت وما البيوح؟ قال: قتل دائم لا يفتر. (9)

وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: (إن دولة أهل بيت نبيكم في آخر الزمان، ولها إمارات فإذا استثارت عليكم الروم والترك، وجهزت الجيوش، ويتخالف الترك والروم، وتكثر الحروب في الأرض) (10)

هذه الرواية تتحدث عن تحرك الأتراك والغرب، واستثارتهم على المسلمين، حيث يحدث خلاف بين الترك والغربيين، وتكثر الحروب في الارض. ويتجلى ذلك الخلاف بين الترك والغرب، من خلال دعم الغرب للسفياني، وقتال السفياني للترك في معركة قرقيسيا، وذلك يعني عدم موافقة تركيا على بقاء نظام الأصهب، بينما يعمل الغرب على بقاء ذلك النظام واستبدال الأصهب فقط، ويكون استبداله بالسفياني الذي هو من قوم الأصهب ذاتهم لكنه عميل للغرب بخلاف الاصهب، بينما يرغب الترك بتولي الإخوان المسلمين الحكم كما هو يجري اليوم.

كما ورد في الرواية عن كيسان الرواشي القصار، قال حدثني مولاي قال: سمعت علياً رضي الله عنه يقول: لا يخرج المهدي حتى يقتل ثلث، ويموت ثلث، ويبقى ثلث) (11)

هذه الرواية تتحدث عن قتل ثلث الناس، وهو مقدار القتل الذي يحدث في الحرب العالمية، حيث تتوقف الحرب على إثره بعد ان تستفيق قادة الدول العظمى المتقاتلة من غفلتها لما يرونه من عظم الدمار الذي خلفوه في الأرض وفناء ثلث البشرية على أيديهم! ويكون موت ثلث آخر نتيجة آثار الاسلحة الكيميائية والبايلوجية والاشعاعية – والتي تترك بعضها آثاراً قاتلة تدوم طويلا، وكذلك بسبب المجاعة والأمراض والأوبئة التي سيخلفها التلوث، وعديد القتلى الذين سيكون من الصعب بمكان التخلص من جثثهم في وقت قصير.

الموت الأحمر والأبيض:

ورد في الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام انه قال: (بين يدي القائم موت أحمر، وموت أبيض وجراد في حينه، وجراد في غير حينه، أحمر كالدم. فأما الموت الأحمر فبالسيف وأما الموت الأبيض فالطاعون) (12)

الموت الاحمر: هو الموت بإخراج الدم، كالقتل بالانفجارات وسائر الاسلحة التقليدية وغير التقليدية الحديثة.

والموت الابيض: هو الناتج عن الاسلحة الكيمياوية والبيولوجية وبعض تأثيرات الاسلحة النووية، وهو قتل لا تسيل فيه الدماء، وكذلك نتيجة الأوبئة والأمراض وما الى ذلك من مخلفات الحروب.

خاتمة:

استعرضنا في هذا الجزء من بحث الحرب العالمية السابقة للظهور الشريف، أهم مظاهر وتجليات تلك الحرب، والجدير بالإشارة الى ان لدى المؤمنين أناس من أقاربهم واصدقائهم في بلدان الروم، وهؤلاء لابد لهم من العودة الى ديارهم قبيل نشوء الحرب العالمية، لا أقل بعد حصول علامتي خسف حرستا وانفصال اكراد سوريا، وذلك لتجنب القتل هناك، وعلى اقل تقدير لمن لم يتمكن من العودة لأي سبب كان فعليه ان يتخذ من المناطق الريفية سكناً له بعيداً عن المدن الآهلة بالسكان وعن المدن الصناعية المعرضة للضربات النووية.

المصادر

(1) غيبة النعماني 288 ب14 ح67

(2) كتاب الغيبة – محمد بن إبراهيم النعماني – ج ١ – الصفحة ٣١٥

(3) المعجم: مختار الصحاح

(4) المعجم: الغني

(5) المعجم: اللغة العربية المعاصر

(6) الشيخ جلال الدين الصغير/ علامات الظهور: م2: ص204

(7) (الملاحم والفتن ص 107)

(8) الصراط المستقيم:2/258، مرسل عن كتاب عبد الله بن بشار رضيع الحسين عليه السلام، وعنه إثبات الهداة:3/578

(9) قرب الإسناد/170

(10) (البحار:52/208)

(11) ابن حماد/91، والداني/94، عن كيسان الرواسي، حدثني مولاي علي بن أبي طالب، كما في ابن حماد، وعقد الدرر/63، والحاوي:2/68، عن ابن حماد، وجمع الجوامع:2/103، الخ.

علامة الحرب العالمية (ج2)

أسباب اندلاع الحرب العالمية الثالثة وموجباتها العلاماتية

ثمة أسباب مختلفة لنشوب الحرب العالمية الثالثة والسابقة للظهور الشريف، وثمة موجبات تجعل تلك الحرب العالمية علامة حتمية مهمة في مجال تمهيد الأرض لظهور الامام المهدي عج وإقامة دولة العدل الالهي، تلك الأسباب عادة ما تكون ذات ابعاد سياسية واقتصادية وامنية تتحدث عن الجانب الموضوعي للحرب، اما الموجبات العلاماتية فهي عبارة عن سنن تاريخية تتحدث عن ضرورة نشوب الحرب العالمية لإضعاف قوى الاستكبار والكفر العالمي، وتمكن دولة العدل الإلهي من القيام لشغل الفراغ السياسي في العالم، وكيف أن خراب العالم يكون على أيدي المفسدين الذين ينقضون كياناتهم بأنفسهم ويهدمون ما بناه علمائهم من حضارة نتيجة أفعالهم السيئة.

الابعاد السياسية والأمنية والاقتصادية

في الابعاد الثلاثة الأساسية التي تتمحور حولها مشاكل العالم وهي الابعاد السياسية والأمنية والاقتصادية، ثمة نظرية سياسية يخبرها أهل السياسة، تدعى (نظرية توازن القوى والمصالح) وهذه النظرية وإن كانت معالمها حديثة، بيد أن مضمونها وتطبيقه ضارب في عمق الوجود البشري على وجه البسيطة، فذلك ما دعى قابيل لقتل أخيه هابيل، بالرغم من رحابة الأرض وقلة ساكنيها، إذ أراد قابيل أن يستعرض قواه ليبين نفسه هو الأفضل، وبعد أن وجد نفسه مبتلى بمشكلة اقتصادية من قلة ريع زراعته وهزالة مواشيه، والذي زاد الطين بلة هو المكر الإلهي الذي اوجد تلك الازمة الاقتصادية لدى قابيل، أو بسبب قبول قربان هابيل ورفض قربان قابيل، حيث رأى قابيل أن يحقق مصالحه بالقوة فافتعل مشكلة أمنية وقتل أخيه!
الذي حصل بين قابيل وهابيل هي مشكلة سياسية اضافت اليها التداعيات الاقتصادية ثقلا نوعيا لتتطور الى مشكلة امنية أدت بالنهاية الى قتل الخصم، فكانت حادثة قتل قابيل لأخيه هابيل هي عملية فرض قوة وتحقيق مصالح!

تتحدث نظرية (توازن القوى والمصالح) عن وجود قوى عظمى في الأرض تدعى الأقطاب، تعمل تلك الأقطاب على التحكم بمقدرات الدول والشعوب في العالم، وتقول النظرية: أن وجود عدة أقطاب “ثلاثة فما فوق” يؤدي الى نظام عالمي أكثر استقراراً، وأكثر بُعداً عن الصراع المسلح، وكذلك وجود قطب واحد يؤدي الى ذات النتيجة، والسبب في ذلك ان وجود عدة اقطاب من شأنه أن يؤدي الى تفاهمات من الممكن ان تعمل على حل المشاكل العالقة فيما بينها، الا في حالات نادرة كوجود شخصية او نظام دكتاتوري على رأس احد الأقطاب العالمية كما حصل في زعامة النازي هتلر لألمانيا، وكذلك لو كان هنالك قطب واحد فإنه لا يجد من ينافسه فتكون الأطراف الاخرى خاضعة لهيمنة ذلك القطب، ويكون هو الحاكم والمهيمن على المصالح.
أما ما تسميه النظرية: “التوازن الثنائي البسيط” والذي يتألف من قطبين، فهو يعد أخطر التوازنات على الإطلاق، وهو الأقرب الى حدوث الصراع المسلح.

ونجد تجليات ذلك التوازن في قصص القرآن الكريم، حيث يضع الله تعالى بين أيدينا فرضاً، في سياق تنزله في النقاش الجدلي مع المشركين فيما لو كان هنالك في الوجود إلهين مستوفيين لكل صفات الإله:
قال الله تعالى: ((لَو كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا)) (1)
وقوله عز وجل: ((مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إله ۚإِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ)) (2)
ان قوى الاستكبار العالمي، تعد اليوم العدو الأول المانع لقيام دولة العدل الإلهي التي استحق قيامها، ولم يتبق سوى اليسير لإشراقة انوارها، تلك القوى تشكلت في قطبين في الفترة الأخيرة، وهما الولايات المتحدة وروسيا الإتحادية، وبهذا أصبح العالم في خطر قد يداهمه في أي وقت.

الموجبات العلاماتية وسنن التاريخ

إن اختيار الله عز وجل لتوقيت ظهور الإمام المهدي عج عقب الحرب العالمية الثالثة لم يكن مصادفة، وإنما قد حدث مثله عند بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله، إذ كانت بعثته في زمان قيام حرب عالمية بين الفرس والروم، حيث سنحت الفرصة لقيام الدولة الإسلامية، في ظل انشغال تلك القوى العظمى في الحرب فيما بينها.
وقد بدى جلياً اهتمام الله عز وجل بالحرب العالمية آنذاك، حتى إنه تعالى ذكر خبرها في القرآن الكريم في مستهل سورة الروم.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الم () غُلِبَتِ الرُّومُ () فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ () فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ () بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ () وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ () يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (*) (3)

كانت المنطقة العربية في زمان البعثة النبوية محكومة من قبل دولتين، الأولى هي دولة الغساسنة في الشام وهي دولة عميلة للروم، والثانية هي دولة المناذرة في العراق وهي دولة عميلة للفرس، وفي ظل وجود هاتين الدولتين كانت الدول العربية بين فكي كماشة، او ما بين المطرقة والسندان، فكان من العسير على دولة الإسلام المحمدية القيام، وذلك لأن قيام أي كيان سياسي آنذاك سوف يشكل تهديدا للأمن القومي الرومي والفارسي على حد سواء ولا يمكن لهم السكوت عنه اطلاقاً، لذا كانت غلبة الفرس على الروم في بادئ الامر قد أدت الى زوال دولة الغساسنة في الشام، ومن ثم بعد سنين أدت غلبة الروم على الفرس الى زوال دولة المناذرة في العراق، وبذلك ازدانت فرحة المؤمنين بزوال تلكما الدولتين الطاغوتيتين وتمهيد الأرض لقيام دولة الإسلام، فكانت تلك الحروب العالمية بين الروم والفرس احداثاً ممهدة لقيام الدولة الإسلامية، وهي المعبر عنها في الآية القرآنية الكريمة بنصر الله عز وجل، وهو وعد الله تعالى بقيام دولة الإسلام المحمدي، ولكن اكثر الناس لا يعلمون بهذه التأويلات، ولا يعلمون بأن امر قيام الدولة الإسلامية المحمدية مرهون بتلكما الحربين العالميتين بين الفرس والروم، وان امر قيام دولة العدل الإلهي المهدوية سوف يكون مرهوناً بقيام حرب عالمية تؤدي الى اضعاف قوى الاستكبار العالمي وزوال ثلثا الناس، وحيث ترفع ايدي قوى الاستكبار العالمي عن حلفائهم في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما طغاة الخليج، فتنهار قواهم ويتمكن الامام عج من القيام بثورته في مكة المكرمة والاطاحة بهم وإقامة دولته المباركة.

كما تتطابق الحالتان في كون الحرب العالمية وقت البعثة النبوية لم تشمل بلاد العرب الا بحدود اسقاط دولتي الغساسنة في الشام والمناذرة في العراق، وكذلك فإن الحرب العالمية الثالثة لن تشمل البلاد العربية فيما خلا ما يسبقها من خراب الشام ويلحقها من انهيار الدولة العراقية على يد جيش السفياني، وبالتالي لن يكون للحرب العالمية الثالثة والسابقة للظهور الشريف آثار مباشرة على المنطقة، فقد ورد في الرواية (أما تريدون أن تكونوا في الثلث الباقي)
إذاً فالحرب العالمية ضرورية لتمهيد الأرض للظهور الشريف، وهي وإن لم تُعد علامة حتمية، لكن على ما يبدو ان حتميتها مفروغ منها، بل ان الإشارة الى الحرب العالمية باستخدام الجملة الشرطية (لا يكون هذا الأمر حتى يذهب ثلثا الناس) فإنها من مفاهيم الحتمية، بل وتشير الى ان علامة الحرب العالمية هي أحد شرائط الظهور الشريف الموضوعية.

لقد تحدث لنا القرآن الكريم عن الأمم السالفة، والعذابات التي نزلت بهم جراء ظلمهم وطغيانهم وكفرهم بالأنبياء والرسل، بالطوفان تارة، وبالصيحة أخرى، وبالريح والجراد والدم.. الخ، حيث ورد ذكر أسباب نزول العذاب في القرآن الكريم، ونُسب الى أفعال الناس أنفسهم:

قال تعالى:
(أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (4)

وقال عز وجل:
(ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏) (5)

وقال جل وعلا:
(قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ) (6)

وقال سبحانه:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (7)

من الغريب في الامر ان الآيات القرآنية التي استشهدنا فيها مصادفة من رقم (3) الى (7) كلها من سورة الروم! وكأن الله تعالى يرسم لنا صورة لنهاية الظلم والجور البشري بانهيار حضارة الروم في آخر الزمان وقيام دولة العدل والقسط الإلهي!

كما ورد في الحديث المرسل: (إذا أراد الله أن يظهر آل محمد بدأ الحرب من صفر إلى صفر، وذلك أوان خروج المهدي) (8)

مع ان هذا الحديث مرسل، لكن لا يستبعد ان يكون صحيحاً، وعموماً يبقى توقيت الحرب العالمية السابقة والممهدة للظهور الشريف مبهماً اجمالاً لعدم وجود مستند واضح وصريح في تحديد وقت نشوب الحرب العالمية.

المكر الإلهي:
ان عنصر المكر الإلهي هو اهم أسباب نشوب الحرب العالمية الثالثة والسابقة للظهور الشريف والممهدة له، ولكن مكر الله تعالى لا يكون مكراً آنياً أو مباشراً بالضرورة وانما هو مكر استراتيجي قد جعل في أصل الخليقة وفطرة التكوين، ولذلك المكر الإلهي عدة جوانب:

الجانب الأول: الكنوز التي اودعها الله تعالى في الأرض.
عندما خلق الله تعالى الكون أودع الأرض كنوزاً من مختلف العناصر الطبيعية التي ان استثمرت بصورة صحيحة فإنها تؤدي الى رفاه وسعادة البشرية (في جنة عرضها السماوات والأرض) (9) ومن هذه العناصر عنصر اليورانيوم وسواه من العناصر التي تستخدم اليوم في صناعة السلاح النووي، في حين ان الأغراض الحقيقية الذي اودعت من اجلها تلك العناصر هي الاستخدامات السلمية للطاقة.

الجانب الثاني: العلوم التي اودعها الله تعالى في العقول البشرية، واختيار النفس البشرية.
أودع الله عز وجل العلوم التطبيقية في عقول البشر ومنهم علماء الغرب، فكانوا امام أنفسهم مخيرين في استخدام تلك العلوم وتطويع تلك العناصر الطبيعية للأغراض السلمية، أو صناعة سلاح مدمر كالسلاح النووي (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها) (10) وكحال أي شيء في الوجود بالإمكان استخدامه لخدمة البشرية او لدمارها.

الجانب الثالث: منهج الفطرة الإلهية.
الأمر الآخر الذي يدخل في معادلة المكر الإلهي هو النظام الأخلاقي والتشريعي الذي جعله الله تعالى للبشرية كمنهج متناغم مع الفطرة ومتسق مع منهج السعادة الانسانية، بيد ان الغرب سلكوا طريقا آخر واتخذوا مناهج للحياة مجانبة تماماً للفطرة البشرية والإنسانية، فعمدوا الى تعطيل التشريعات الإلهية التي تحرم شرب الخمر واكل لحوم الخنزير وما الى ذلك، كما انهم اخلوا بتشريعات العلاقات الإنسانية بين الرجل والمرأة فأضاعوا شرف المرأة وامتهنوها في البغاء وتنكروا للعلاقات الشرعية واصبح الزنا والفجور ديدنهم ومنهجهم في الحياة فأضاعوا الانساب ثم اباحوا المثلية الجنسية، فأصبحت حياتهم عبارة عن عهر وفجور وانعدام للحياء والمروءة والشرف، وتحولت اجناسهم من الجنس الإنساني الى الجنس الحيواني ولكن بصورة البشر!

مع انعدام الشرف والمروءة وتفشي اخلاقيات الظلم والطغيان في دول الاستكبار العالمي، فإنهم بذلك قد شطوا كثيرا عن سواء السبيل وعن فطرة الخليقة فأدخلوا أنفسهم ضمن دائرة المكر الإلهي، اذ قاموا بأفعال طاغوتية يندى لها جبين الإنسانية، كالاستعمار واذلال الشعوب وقتلها والهيمنة على مقدراتها، وصناعة السلاح النووي، وبذلك سوف يعملون يوما ما قريب على تدمير حضارتهم بأنفسهم وملئ الأرض ظلما وجورا.

اما موقف ابليس لعنه الله من الحرب العالمية، فإن دول الاستكبار العالمي وان كانوا اتباعه واعوانه، لكن على ما يبدو انه قد تحسس اقتراب ذلك الوقت المعلوم الذي قد انظره الله تعالى اليه، فلن تجد لإبليس محاولات لإيقاف تلك الحرب العالمية، بل انه سوف يقف مستمتعاً بما الحقه بالخليقة التي اوجدها الله عز وجل من دمار، ليكون سببا في افشال مشاريع ثلثا الناس باعتبار ان كل فرد منهم هو عبارة عن مشروع إلهي اريد له ان يتقدم باتجاه الجنة، وكضربة أخيرة من قبل ابليس اللعين للوجود البشري الذي خلقه الله جل وعلا.

قال تعالى: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (11)

وقال عز وجل: (وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا) (12)

الأسباب المباشرة للحرب العالمية

ذكرت الروايات الشريفة عدة أسباب مباشرة لاندلاع الحرب العالمية السابقة للظهور الشريف:

السبب الأول: اختلاف صنفين من العجم.
فقد ورد في ذكر علامات الظهور في حديث طويل جاء فيه: واختلاف صنفين من العجم- وسفك دماء كثيرة فيما بينهم. (13)

هذان الصنفان من العجم قد يكونان بعض الدول المتجاورة كروسيا وأوكرانيا أو بولندا وبيلاروسيا أو أذربيجان وأرمينيا أو كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية أو الهند وباكستان أو الهند والصين أوغيرها من الدول المتجاورة والمتصارعة فيما بينها.

السبب الثاني: الصراع بين القطبين العالميين الولايات المتحدة وروسيا.
ان اس الصراع العالمي واهم أسباب الحرب العالمية الثالثة هو الصراع السياسي والاقتصادي وصراع الهيمنة على العالم، صراع فرض القوى وتحقيق المصالح بين القطبين العالميين الولايات المتحدة وروسيا، وان أي صراعات أخرى انما هي متعلقة بوجود وهيمنة ذلكما القطبين.

السبب الثالث: نار أذربيجان.
تحدثت احدى الروايات عن نار من أذربيجان لا يقوم لها شيء، فربما تكون هي النار المتسببة باندلاع الحرب العالمية.

خاتمة:
غير معلوم بالتحديد مكان وزمان اندلاع شرارة الحرب العالمية الثالثة، لكن ما يبدو لنا وفقاً لعبارة (هرج الروم) فإن وقوع الحرب العالمية سوف يكون بين الروم أنفسهم ثم تتوسع الحرب لتشمل قارات أخرى ودول مرتبطة بالروم، ونظراً للمعطيات الموضوعية فإن روسيا سوف تتعرض الى ضغوطات شديدة من دول اوربا الشرقية المجاورة لها، مما قد يؤدي ذلك الى رد روسي عنيف وتدخل الناتو وحصول حرب تقليدية تتقدم فيها احدى الجهتين مما يدعو الجهة الثانية الى استخدام السلاح النووي فتبدأ مرحلة الدمار الشامل من الحرب العالمية.

كما تجدر الإشارة الى ان عديد القتلى الهائل في الحرب العالمية، والذي يكون ثلثا الناس، يشير الى أن القوى المتصارعة هي قوى عظمى، وأن الحرب سوف تشمل الكتل السكانية الكبيرة في العالم، كالصين والهند وأوربا والأمريكيتين.

المصادر

(1) (الانبياء:22)
(2) (المؤمنون:91)
(3) (الروم: 1-7)
(4) (الروم‏:9)‏
(5) (الروم‏:41)‏
(6) (الروم‏:42)‏
(7) (الروم‏:47)‏
(8) الصراط المستقيم:2/258، مرسل عن كتاب عبد الله بن بشار رضيع الحسين عليه السلام، وعنه إثبات الهداة:3/578
(9) سورة آل عمران الاية 133
(10) سورة الشمس الآية 8
(11) سورة الانفال الآية 30
(12) سورة الرعد الآية 42
(13) بحار الانوار ج52ص219، الارشاد ج2ص368، روضة الوعظين ج2ص262

علامة الحرب العالمية (ج1)

الحرب العالمية الثالثة والسابقة للظهور الشريف.

تحدثت الروايات الشريفة عن أوضاع العالم قُبيل ظهور الامام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، وأشارت الى حصول حرب عالمية يذهب فيها ثلثا الناس أو أكثر من ذلك، ووصفتها بالموت الأحمر الذي يكون بالسيف والموت الأبيض الذي يكون بالطاعون، حيث يُستخدم في تلك الحرب أشد أنواع الأسلحة فتكاً آنذاك فيقتل فيها ثلث الناس وتكون آثار ومخلفات تلك الحرب كارثية بحيث يموت ثلث آخر جراء الأوبئة والامراض التي ستصيب من تبقى من البشر هناك، وعلى أثر ذلك تتمهد الظروف الموضوعية لقيام دولة العدل الإلهي، وسوف نبين دلالات تلك الحرب فيما سيأتي من الحديث.

البحث الروائي:
ورد في الرواية عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قدام القائم موتان: موت أحمر وموت أبيض، حتى يذهب من كل سبعة خمسة، الموت الأحمر السيف، والموت الأبيض الطاعون) (1)

كما ورد في الأثر عن ابن سيرين، قال:
لا يخرج المهدي حتى يقتل من كل تسعة سبعة. (2)

وفي الرواية عن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: النداء حق؟ قال: إي والله، حتى يسمعه كل قوم بلسانهم، وقال أبو عبد الله عليه السلام: لا يكون هذا الامر حتى يذهب تسعة أعشار الناس. (3)

كما ورد في الرواية عن أبي بصير قال سمعت أبا عبد الله (الإمام الصادق عليه السلام) يقول: (لا يكون هذا الأمر حتى يذهب ثلثا الناس، فقلنا: إذا ذهب ثلثا الناس فمن يبقى؟ قال: أما ترضون أن تكونوا في الثلث الباقي) (4)

الموت الاحمر: هو القتل المتعارف بإخراج الدم كالقتل بالانفجارات وسائر الاسلحة التقليدية وغير التقليدية الحديثة.

والموت الابيض: هو الطاعون وهو الموت الناتج عن الاسلحة الكيمياوية والبيولوجية وبعض تأثيرات الاسلحة النووية، وهو قتل لا تسيل فيه الدماء، ومن مصاديقه أيضا ما تخلفه الحروب من أوبئة وامراض.

تحدثت الرواية الأولى عن نسبة الخمسة الى السبعة وهي أكثر من الثلثين بقليل، ولو اريد الثلثين بالتحديد لقيل (يذهب من كل ستة اربعة) ونسبة خمسة الى سبعة تقدربـ (71%) وتحدثت الرواية الثانية عن نسبة السبعة الى التسعة وهي نسبة (77.7%) وهي اعلى من النسبة الأولى، كما ان الرواية الثالثة تحدثت عن مقتل تسعة اعشار الناس، ونرجّح ان يكون تخصيص هذه النسب لمناطق معينة من الدول التي ستخوض تلك الحرب العالمية حيث تتفاوت شدة الفناء بين منطقة وأخرى، والنسبة الأشد فتكا هي الواردة في الرواية الثالثة والتي تخص مناطق معينة يكون فيها الدمار والفناء شاملاً بحيث لا ينجو منها الا ما نسبته (1%)
اما الرواية الرابعة فتحدثت عن نسبة الثلثان وكما يبدو لنا انها هي النسبة العامة التي تحدد اعداد القتلى الاجمالية في الحرب العالمية حيث يقتل ثلث البشرية بالموت الأحمر، أي خلال اندلاع الحرب العالمية، فتلتفت القيادات المعنية الى حجم الكارثة والدمار الذي حل في الأرض فيقررون إيقاف الحرب كي لا تفنى البشرية، ولكن تبعات وآثار الحرب العالمية تؤدي الى موت ثلث آخر بالموت الأبيض وهو الطاعون (الأوبئة) حيث تستمر الحرب فترة ليست بالطويلة نظرا للتأثير المدمر للأسلحة النووية، ولكن فترة ذهاب الثلث الثاني بالأوبئة والامراض سوف تمتد الى عدة سنوات، وسوف يكون فيها النمو السكاني مستمرا ولو بنسبة اقل بكثير مما ستحصده الأوبئة.

يذهب ثلثا الناس اي انهم يفنون سواء بالقتل او الموت، وقوله عليه السلام (أما ترضون أن تكونوا في الثلث الباقي) يعني به منطقة الشرق الأوسط والتي كانت تمثل البلاد الإسلامية في زمان صدور الرواية، وفيما يخص شيعة اهل البيت صلوات الله عليهم والذين يعدون أصحاب المشروع المهدوي في المنطقة، فإنهم سوف يكونون في الثلث الناجي ومعهم اناس من المذاهب والاديان الاخرى.

كما سوف يكون عدد الناس من غير الشيعة، من الناجين من تلك الحرب العالمية اضعاف الشيعة كما سنبينه لاحقا، حيث ان الشيعة اليوم يقدرون بـ (ثلاثمائة مليون نسمة) بينما عدد سكان العالم يقدر بـ (ثمانية مليار نسمة) وحيث ان الحرب العالمية تقضي على ما يقارب (خمسة مليار نسمة) وهو مقدار ثلثا الناس، فالمتبقي من البشرية (قرابة ثلاثة مليارات نسمة) وتكون الشيعة عشر عدد سكان العالم تقريبا.

المصادر

(1) كمال الدين:2/655
(2) اخرجه السيوطي في الحاوي عن نعيم بن حماد ج2 ص147.
(3) غيبة النعماني ص146
(4) (البحار:52/ 133)

صاحب السفياني وصاحب البرقع

ورد في احدى الروايات الشريفة مصطلح (صاحب السفياني) ومصطلح (صاحب البرقع) وذلك في مضمون سرد الرواية لاحداث اجتياح جيش السفياني للكوفة وتنكيله بشيعة علي فيها، فصاحب السفياني هو قائد الجيش السوري السفياني المرسل الى العراق حيث يحتل الكوفة بعد اسقاطه بغداد، وصاحب البرقع هو احد رموز الكوفة وعميل للسفياني.

عن الامام الصادق عليه السلام قال: ( كأني بالسفياني أو بصاحب السفياني قد طرح رحله في رحبتكم بالكوفة فنادى مناديه : من جاء برأس من شيعة علي فله ألف درهم ، فيثب الجار على جاره ويقول هذا منهم، فيضرب عنقه ويأخذ ألف درهم! أما إن إمارتكم يومئذ لاتكون إلا لأولاد البغايا، وكأني أنظر إلى صاحب البرقع! قلت: من صاحب البرقع؟ قال: رجل منكم يقول بقولكم، يلبس البرقع فيحوشكم فيعرفكم ولا تعرفونه، فيغمز بكم رجلاً رجلاً أما إنه لايكون إلا ابن بغي ) (١)

نلاحظ في مطلع الرواية عبارة (كأني بالسفياني أو بصاحب السفياني) وفيها ترديد غريب لا يمكن نسبته الى اهل البيت عليهم السلام على أي حال من الأحوال، والمشكلة تكمن في ان بعض الباحثين الذين لا يمتلكون باعاً في البحث العلمي يستندون الى هذه النسخة من الرواية، ونتيجة عدم ادراكهم لاساليب البحث العلمي الرصين، يعمدون الى تحليل الرواية متغاضين عن الإشكالات العقائدية الواردة فيها، فالباحث العقائدي لا يرتضي ابدا تمرير مثل هذه العبارة التي تكتنف الترديد، ثم ينسبها الى أهل البيت عليهم السلام، وبالنتيجة رأينا كثيراً ممن تصدوا لتحليل هذه الرواية وقد ساد التحليل الحشوي على آرائهم، فقالوا ان المقصود بشيعة علي هم جميع الشيعة في النجف الاشرف وان السفياني ناصبي، وقالوا ان صاحب السفياني هو من قيادت حزب البعث العراقي او احد قيادات الحكومة العراقية من الشيعة، وهكذا استندت تلك النتائج الخاطئة على التحليلات الحشوية!

فما هي الحقيقة اذن؟

الحقيقة هي وجود نسخة أخرى للرواية، وتلك النسخة لم يرد فيها ذلك الترديد، انما ورد فيها تفصيل وتأكيد يزول من خلاله ذلك الابهام.

والآن لنطلع على النسخة الثانية:

ورد في الرواية عن أبي عبد الله عليه السّلام قال: كأنّي بالسفياني أي بصاحب جيش السفياني قد طرح رحله في رحبتكم بالكوفة، فينادي مناديه: من جاء برأس رجل من شيعة عليّ فله ألف درهم، فيثب الجار على جاره فيقول: هذا منهم، فيضرب عنقه ويأخذ ألف درهم. أما إنّ غمّازيكم يومئذ لا يكونون إلاّ أولاد بغايا، فكأنّي أنظر إلى صاحب البرقع. قلت: وما صاحب البرقع؟ قال: رجل منكم يقول بقولكم يلبس البرقع فيخونكم، فيعرفكم ولا تعرفونه، فيغمز بكم رجلا رجلا، ألا إنّه لا يكون إلاّ ابن بغيّ. (٢)

نلاحظ في النسخة الثانية من الرواية وهي نسخة سرور اهل الايمان انتفاء الترديد الذي كان واضحاً في النسخة الأولى.

الفرق بين نسختي الرواية:

في النسخة الأولى وهي نسخة غيبة الطوسي ورد الترديد بين السفياني وصاحب السفياني، لكن النسخة الثانية وهي نسخة سرور أهل الايمان حسمت الامر وبينت ان المقصود هو قائد جيش السفياني المرسل الى العراق.

هذا الجيش يقوم باحتلال النجف الاشرف، ويستهدف رمز من رموز الهدى في النجف اسمه (علي) ويقتله ويرصد جوائز لمن يأتيه برأس من القيادات من اتباع علي، فيخرج المنافقون واتباع الدجالين والادعياء والبترية وتسميهم الرواية (الغمازين) أي الوشاة وتصفهم بأنهم (أبناء البغايا) لإن مثل هذه الأفعال لا يقوم بها الا أبناء البغايا عديمي الشرف والغيرة والمروءة، الذين لا دين لهم، حيث يقوم أولئك الغمازين من أبناء البغايا بارتداء اللثام والوشاية بأتباع علي عند جيش السفياني واخذ الجوائز المالية على هذه الأفعال الدنيئة!

وتتحدث الرواية بنسختيها عن رجل يبدو انه رمز من رموز الدجل والانحراف في الكوفة تدعوه (صاحب البرقع) والبرقع هو لثام يوضع على الرأس لإخفاء الوجه لكي لا يتم التعرف عليه، وتصفه الرواية بأنه منكم ويقول بقولكم، أي انه شيعي ويعرف القيادات من اتباع علي، وانه يلبس البرقع فيراكم ولا ترونه، وفي ذلك دلالة على انه يرتدي لثام على وجهه، ومن أمثال هؤلاء الدجالين والادعياء واتباعهم الكثير في مدينة النجف الاشرف وغيرها من المدن، وما صورة الجوكرية التي شهدناها في تظاهرات فتنة تشرين الأخيرة وما قام به الملثمون المندسون من أتباع الدجالين والادعياء كالدجال الصرخي وأتباعه وجماعة المولوية واتباع احمد كاطع وغيرهم، ممن قتل ونهب وأحرق الممتلكات العامة والخاصة وما الى ذلك من الأفعال المشينة التي قاموا بها بحجج واهية كالقضاء على الفساد وهم كانوا افسد خلق الله عز وجل؛ ما هي الا صورة واقعية لأولئك الوشاة من أبناء البغايا الذين تحدثت عنهم الرواية، بل يبدو لنا ان أولئك هم انفسهم هؤلاء.

بقي ان نشير الى ان نسخة غيبة الطوسي قد ذكرت عبارة (أما إن إمارتكم يومئذ لاتكون إلا لأولاد البغايا) بخلاف نسخة سرور الايمان والتي استعاضت عنها بعبارة (أما إنّ غمّازيكم يومئذ لا يكونون إلاّ أولاد بغايا) وفي هذه العبارة الأخيرة إشارة الى ما قبلها من قيام الوشاة بالوشاية على اتباع علي عند جيش السفياني لغرض اخذ الجوائز! ويبدو لنا ان عبارة سرور اهل الايمان هي الاوثق، فالحديث عن الوشاية وليس عن الإمارة، وأي امارة تكون والسفياني قد احتل النجف الاشرف؟!

الخطأ الثالث الذي وقع فيه بعض الباحثين بعد اهمالهم لمعالجة الترديد في النسخة الأولى، وعدم معرفتهم بوجود نسخة ثانية؛ هو جهلهم بوجود منظومة روائية تتحدث عن (صاحب جيش السفياني) حيث ان تجاهل المنظومة الروائية يوقع الباحث في مطبات الجهل ويجعله يتيه في خرائط مجانبة للخارطة الروائية الحقيقية.

من هو قائد جيش السفياني؟

عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: ( يبعث السفياني على جيش العراق رجلا من بني حارثة له غديرتان، يقال له نمر (أو قمر) بن عباد، رجلا جسيما على مقدمته رجل من قومه قصير أصلع عريض المنكبين، فيقاتله من بالشام من أهل المشرق، وفي موضع يقال له البنية (الثنية) وأهل حمص في حرب المشرق وأنصارهم، وبها يومئذ منهم جند عظيم تقاتلهم فيما يلي دمشق، كل ذلك يهزمهم. ثم ينحاز من دمشق وحمص مع السفياني، ويلتقون وأهل المشرق في موضع يقال له المدين مما يلي شرق حمص، فيقتل بها نيف وسبعون ألفا، ثلاثة أرباعهم من أهل المشرق. ثم تكون الدبرة عليهم، ويسير الجيش الذي بعث إلى المشرق حتى ينزلوا الكوفة، فكم من دم مهراق وبطن مبقور، ووليد مقتول، ومال منهوب، ودم مستحل. ثم يكتب إليه السفياني أن يسير إلى الحجاز، بعد أن يعركها عرك الأديم) (٣)

وعن محمد بن جعفر قال قال علي بن أبي طالب يخرج رجل من ولد حسين اسمه اسم نبيكم يفرح بخروجه أهل السماء والارض فقال له رجل يا أمير المؤمنين فالسفياني ما اسمه قال هو من ولد خالد بن يزيد بن أبي سفيان رجل ضخم الهامة بوجهه آثار جدري وبعينه نكتة بياض خروجه خروج المهدي ليس بينهما سلطان هو يدفع الخلافة إلى المهدي يخرج من الشام من وادي من أرض دمشق يقال له وادي اليابس يخرج في سبعة نفر مع رجل منهم لواء معقود يعرفون في لوائه النصر يسير بين يديه على ثلثين ميل لا يرى ذلك العلم أحد يريده إلا انهزم يأتي دمشق فيقعد على منبرها … ويولي جيش العراق رجل من بني حارثة يقال له قمر بن عباد رجل جسيم له غديرتان على مقدمته رجل من قومه قصير أصلع عريض المنكبين يقاتله من بالشام من أهل المشرق وبها يومئذ منهم جند عظيم يقاتلهم فيما بين دمشق وفي موضع يقال له البنية وأهل حمص في حرب أهل المشرق وأنصارهم كل ذلك يهزمهم السفياني ثم ينحاز من بدمشق وحمص مع السفياني ويلتقون وأهل المشرق في موضع من أرض حمص يقال له البدين إلى جانب سليمة يقتل من الناس نيف وستون ألفا ثلثة أرباعهم من أهل المشرق ثم تكون الدبرة عليهم ويسير الجيش الذي يوجهه إلى المشرق حتى ينزل الكوفة فيكون بينهم قتال شديد يكثر فيه القتلى ثم تكون الهزيمة على أهل الكوفة فكم من دم مهراق وبطن مبقور ووليد مقتول ومال منهوب وفرج مستحل … (٤)

وعن محمد بن جعفر بن علي قال :

( السفياني من ولد خالد بن يزيد بن أبي سفيان ، رجل ضخم الهامة ، بوجهه آثار جدري ، وبعينه نكتة بياض. يخرج من ناحية مدينة دمشق من واد يقال له وادي اليابس. يخرج في سبعة نفر، مع رجل منهم لواء معقود ) (٥)

نلاحظ في الروايات اعلاه ان السفياني وبعد اقباله من بلاد الروم ينزل الأردن، ونزوله الأردن كونها البلاد الوحيدة المحادة لسوريا والتي يمكن من خلالها الولوج الى سوريا، حيث انه لا يمكنه الولوج من لبنان لان فيها حزب الله ولا من إسرائيل خشية ان يتهم بالعمالة ولا من العراق لان فيها محور المقاومة ولا من تركيا لانها عدوته.

فيدخل السفياني الى سوريا عن طريق درعا وهناك يستقبله ٧ ضباط كبار في الجيش السوري منشقين عن الحاكم الاصهب، أحدهم هو القائد الأعلى برتبة لواء او ان معه لواء من الجيش السوري.

ذلك الضابط الكبير يدعى نمر بن عباد او قمر بن عباد، حيث ان الترديد هنا من الراوي، وذلك الضابط هو قائد كبير في الجيش السوري وليس عراقيا كما يدعي البعض، حيث ان جيش السفياني ذاته الذي يقاتل في الشام ويقاتل في قرقيسياء هو الذي يقبل نحو العراق وكما في الرواية التالية:

عن جابر الجعفي قال : قال لي أبو جعفر عليه السلام : يا جابر إلزم الأرض ولا تحرك يداً ولا رجلاً حتى ترى علامات أذكرها لك إن أدركتها :

أولها اختلاف ولد فلان، وما أراك تدرك ذلك ولكن حدث به بعدي ، ومناد ينادي من السماء ، ويجيئكم الصوت من ناحية دمشق بالفتح ، ويخسف بقرية من قرى الشام تسمى الجابية وتسقط طائفة من مسجد دمشق الأيمن ، ومارقة تمرق من ناحية الترك ، و يعقبها مرج الروم ، وستقبل إخوان الترك حتى ينزلوا الجزيرة ، وستقبل مارقة الروم حتى تنزل الرملة ، فتلك السنة يا جابر فيها اختلاف كثير في كل أرض من ناحية المغرب فأول أرض المغرب [أرض] تخرب الشام يختلفون عند ذلك على ثلاث رايات راية الأصهب وراية الأبقع ، وراية السفياني فيلقي السفياني الأبقع فيقتتلون فيقتله ومن معه ويقتل الأصهب ، ثم لايكون همه إلا الإقبال نحو العراق ويمر جيشه بقرقيسا فيقتلون بها مائة ألف رجل من الجبارين ، ويبعث السفياني جيشاً إلى الكوفة وعدتهم سبعون ألف رجل فيصيبون من أهل الكوفة قتلاً وصلباً وسبياً.

فبيناهم كذلك إذ أقبلت رايات من ناحية خراسان تطوى المنازل طياً حثيثاً ومعهم نفر من أصحاب القائم. (٦)

خاتمة:

ان ما تحدث عنه البعض من كون صاحب جيش السفياني هو فلان او فلان من القيادات العراقية البعثية او القيادات السياسية العراقية، فهو محض افتراء لا صحة له، اذ لا دليل روائي عليه، ولا يقبله الواقع السياسي ولا السنني، فإما الأدلة الروائية كما بيناها فتشير الى ان صاحب جيش السفياني هو ضابط سوري كبير يدعى نمر أو قمر، والواقع السياسي يتحدث عن خلاف كبير على الملك بين القوميين السوريين وبين حزب البعث العراقي، فكيف يتحالف النظام السوري مع عدوه اللدود؟ مع ان كليهما يطلب الملك والملك عقيم كما يقال، ولو ان الملك تصارع عليه آلهتان لفسدتا، ولعلا بعضهما على بعض، ولذهب كل اله بما خلق كما عبر القرآن الكريم، فكيف يتحالف عدوان من البشر في قضية أساسية تتعلق بالملك؟!

ناهيك عن ان مشروع البعث في العراق والمتمثل بحركة عوف السلمي سيتم القصاء عليه على يد جيش السفياني.

اما الحديث عن احد القيادات السياسية العراقية، فلا ادري ما علاقة السياسي بقيادة الجيش، سيما ان السياسي عراقي والجيش سوري محتل للعراق!

اما بشأن صاحب البرقع فيبدو انه احد الرموز الدينية او السياسية النجفية ولديه اتباع كثر، وهؤلاء اتباعه وجماعات أخرى من أولاد البغايا يقمون بإعانة جيش السفياني على الفتك بقادة المقاومة والممانعة في النجف الأشرف، وبطبيعة الحال فإن تفشي الثقافة الغربية والابتعاد عن الدين والسعي وراء الدنيا وزخرفها واكل المال الحرام، ما خلع عن الكثيرين ثوب الحياء والغيرة والمروءة والتقاليد والأخلاق الإسلامية الحميدة، ليكثر الفساد والفسق والفجور في هذه المدينة المقدسة، لتقدم لنا اجيالاً من أبناء البغايا ليكونوا سكينة خاصرة في جسد المقاومة الإسلامية والممانعة العقائدية ضد جيش السفياني اللعين، وبالطبع فإن هؤلاء لا يمثلون صورة النجف الاشرف وانما هم اقلية لكنها فاعلة، سيما مع وجود الجيش السفياني المحتل، وهنا ترتسم لنا صورة عن خطورة الابتعاد عن الدين وارتكاب المعاصي والآثام، والتي من شأنها ان تشكل عدواً عقائدياً لا يقل بأساً وخطراً على الإسلام كما كان عليه خطر يزيد بن معاوية بقتله للإمام الحسين عليه السلام، فقديماً شارك فساق أهل الكوفة مع جيش يزيد في قتل الامام الحسين عليه السلام في واقعة الطف، وهؤلاء الغمازين أولاد البغايا يعاونون حفيد يزيد السفياني على قتل انصار الامام المهدي عج، بل وقتل الامام المهدي عج ان استطاعوا، ولكن يأبى الله تعالى الا ان يتم نوره ولو كره الكافرون والمشركون والمنافقون والسفيانيون والبتريون واولاد البغايا.

ومن الملاحظ ان اؤلئك الغمازين أولاد البغايا، انما هم يشون بأهل الطهارة والانساب الشريفة والأسر العفيفة، والتي وصفت عند سبي جيش السفياني لنسائهم بأنهن (لم يكشف عنهن كف ولا قناع) أي لم يرى وجوههن او اكف ايديهن أحد من الغرباء! فمن الطبيعي ان يعمل أولاد البغايا بالضد من منهم، اذ يعتمل الحقد والغل في قلوبهم والحسد في نفوسهم وعقد الدنائة في ذواتهم فلا يهدأ لهم بال الا باستئصال أهل الدين والهدى والصلاح، وقبض الأموال في مقابل قطع رؤوسهم وسبي نسائهم!

ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: (إنا وآل أبي سفيان أهل بيتين تعادينا في الله، قلنا صدق الله وقالوا كذب الله. قاتل أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وآله وقاتل معاوية علي بن أبي طالب عليه السلام، وقاتل يزيد بن معاوية الحسين بن علي عليه السلام، والسفياني يقاتل القائم عليه السلام) (٧)

المصادر:

(١) ( البحار : ٥٢/٢١٥ ) والغيبة – الشيخ الطوسي – ج ١ – الصفحة ٤٧٠

(٢) سرور اهل الايمان مجلد١ ص٥٥

(٣) ابن حماد: 81ـ 82

(٤) الفتن لنعيم بن حماد ج: 2 ص: 699

(٥) وفي مخطوطة ابن حماد ص ٧٥

(٦) الإختصاص للشيخ المفيد ص ٢٥٥

(٧) (معاني الأخبار / 346).

الكاهن الساحر

ورد لفظ الكاهن الساحر كعلامة من علامات الظهور الشريف في خطبة المخزون المنسوبة الى أمير المؤمنين عليه السلام في ما نصه:

(ويبعث السفياني مائة وثلاثين ألفاً إلى الكوفة فينزلون بالرَّوحاء والفاروق، وموضع مريم وعيسى عليهما السلام بالقادسيّة، ويسير منهم ثمانون ألفاً حتّى ينزلوا الكوفة موضع قبر هود عليه السلام بالنخيلة فيهجموا عليه يوم زينة وأمير الناس جبّار عنيد يقال له الكاهن الساحر فيخرج من مدينة يقال لها الزَّوراء في خمسة آلاف من الكهنة، ويقتل على جسرها سبعين ألفاً حتّى يحتمي الناس الفرات ثلاثة أيّام من الدِّماء ونتن الاَجساد، ويسبي من الكوفة أبكاراً لا يكشف عنها كفٌّ ولا قناع، حتّى يوضعن في المحامل يزلف بهنَّ الثويّة وهي الغريّين) (1)

تحدثت الخطبة عن خروج السفياني وارساله مائة وثلاثين الفا من جنده الى العراق قاصدا الكوفة، والكوفة كما هو معروف تمثل الثقل الديني لشيعة العراق، واحد اهم مراكز الممانعة لمشروع السفياني التوسعي.

وينزل ذلك الجيش في بغداد بعد احتلاله مدن الموصل وتكريت والانبار، وينزل الروحاء والفاروق، وهما كما اشرنا في أبحاث سابقه، منطقة الحكم ومطار بغداد، ثم يبعث السفياني ثمانون الفا الى الكوفة من جيشه الذي ببغداد ويبقي في بغداد خمسون الفا.

ثم يأتي الحديث عن خروج رجل من الزوراء ومعه خمسة الاف من اتباعه، وتخبرنا الرواية بأنه امير الناس، ويبدو لنا ان ذلك الرجل من القيادات الشيعية إذ انه يكون من أصحاب الوجاهة لدى اهل العراق سيما بغداد، وبالطبع فإن السفياني الذي يقتص من السنة في مدن غرب العراق والذي يسعى لحكم المناطق الشيعية وادخال الشيعة تحت طاعته لا يمكن بأي حال من الأحوال ان ينصب حاكما سنيا على بغداد.

كما انه لا بد ان يكون لذلك الرجل مقبولية نوعا ما لدى اهل بغداد، ودخول ذلك الرجل تحت طاعة السفياني يعني بالضرورة انه قد قبل بمشروع السفياني او انه تفاوض معه دبلوماسياً من اجل ان يتصدى لحكم بغداد تحت ولاية السفياني، ومن ذلك يتبين عدم وضوح الرؤية لدى ذلك الرجل، فهو بذلك يتنكر لقضية ان ذلك الجيش المحتل هو جيش السفياني اللعين، بل انه بعد ان يطرح مشروعه التفاوضي ويقبل به السفياني ويقدم نفسه للشعب على انه بطل وطني، يقوم جيش السفياني باحتلال النجف واحداث مجازره فيها، فيبهت الكاهن السحر!

معاني الفاظ الجبار العنيد الكاهن الساحر

—————————-

الجبار: صيغة مبالغة من جبَرَ : قاهر ، متسلِّط ، متكبِّر ، متعالٍ عن قبول الحقّ ، لا يرى لأحد عليه حقًّا ، مستبدّ برأيه.

العنيد: هو الذي لا يستمع للنصيحة.

الكاهن: رجل دين منحرف، يقوم بتقديم التبريرات لمفاوضته للسفياني فهو يتكهن بأفضلية الحل الدبلوماسي للازمة لا المقاومة.

الساحر: هو الذي يقلب الحقائق بتزييفها.

وصفت الخطبة ذلك الرجل بأنه جبار عنيد، ويبدو انه مستبد برأيه لا يقبل بالنصح والتنبيه من قبل رايات الهدى، سيما وانه يرى بأم عينه خروج اليماني والخراساني ضد السفياني وسفك الدماء الزكية على يد جيش السفياني، لكنه يقبل بمفاوضة السفياني؟!

كما وسمته الروايات بأنه كاهن ساحر، ويبدو انه رجل دين وسياسي يقدم تكهناته السياسية كدليل على رجاحة رأيه، ويقدم من التبريرات والاعذار ما يجعله يعاند كل من يقدم له النصيحة والتحذير!

كما انه وصف بالساحر، أي انه يقوم بتزييف الحقائق معتدا برأيه، فيقدم التخاذل والخنوع للسفياني على انه ممانعة سياسية لابد منها وانها هي الحل الوحيد لايقاف نزف الدماء، وان الازمة سوف تنتهي بالحلول الدبلوماسية! وبذلك يكون الكاهن الساحر قد التوى هو واصحابه على رايات الهدى.

خاتمة:

———-

يخرج ذلك الجبار العنيد الكاهن الساحر من بغداد ومعه خمسة الاف من اتباعه، يدعوهم النص بالكهنة، مما يعني انهم من اتباع الكاهن الساحر وانهم جميعا ممن يروج لذلك الكاهن كهانته، أي انهم نخبة ممن يروجون لرؤية ذلك الجبار العنيد، مما سيعمل ذلك على تخذيل الشيعة عن خيار المقاومة ضد السفياني، أي تخذيلهم عن نصرة رايتي الهدى اليماني والخراساني وبالتالي يكون ذلك الكاهن الساحر سببا في الاضرار بحركة رايات الهدى.

يبدو لنا ان الكاهن الساحر لا يمتلك جناحاً مسلحاً، فهو ليس من قادة الفصائل المجاهدة، وقرينة ذلك عدم خروجه بالسلاح وانما يخرج بأتباعه المروجين له ولمشروع التفاوض الدبلوماسي مع السفياني، فهو ربما يؤمن بالمدنية ولا يعتقد بالسلاح والمقاومة خياراً.

اما الحديث عن سفك الدماء على جسر الفرات فهو يعود الى جيش السفياني عليه لعائن الله تعالى، والمراد بالفرات هو فرات الديوانية أي مناطق قادسية النجف وضواحيها.

والله تعالى العالم بحقائق الأمور.

المصادر

(1) البحار 52: ص272 حديث 167 ومثله في بصائر الدرجات ونهج البلاغة.

عوف السلمي

ورد اسم عوف السلمي كعلامة من علامات الظهور الشريف في رواية واحدة أوردها الشيخ الطوسي بشكل مرسل عن حذلم بن بشير، عن الإمام زين العابدين عليه السلام قال: قلت لزين العابدين عليه السلام: صف لي خروج المهدي وعرّفني دلائله وعلاماته. فقال: يكون قبل خروجه خروج رجل يقال له عوف السلمي بأرض الجزيرة، ويكون مأواه تكريت، وقتله بمسجد دمشق، ثم يكون خروج شعيب بن صالح من سمرقند، ثم يخرج السفياني الملعون من الوادي اليابس وهو من ولد عتبة بن أبي سفيان، فإذا ظهر السفياني اختفى المهدي ثم يخرج بعد ذلك. (1)

تشير الرواية إلى أن خروج عوف السلمي يكون من منطقة الجزيرة، ويبدو أن الجزيرة هنا هي جزيرة الموصل، وليس جزيرة الشام ولا جزيرة العرب بدلالة ما أشير إلى محل اقامته في تكريت، والرواية تشير إلى أن عوف السلمي هذا سيقوم بحركة سياسية أو عسكرية في هذه المنطقة، ويقيم كياناً سياسياً أو أمنياً قبل خروج السفياني.

كما وإن وجود الإشارة إلى مقتله في مسجد دمشق، يعزز الإعتقاد بأن مقتله سيكون بعد دخول جيش السفياني إلى العراق واجتياحه لتكريت، وحيث ان الشام واضطرابها لا ينتهي إلا على يد السفياني حال انتهائه من معركة الكور الخمس، ولأن السفياني سيقتحم تكريت، مما يؤكد أن اعتقاله في تكريت من قبل جيش السفياني، ويتم ارساله إلى دمشق ليتم إعدامه من بعد ذلك، والله العالم.

يحكم عوف السلمي في تكريت، ويكون خروجه على أثر حرب الشيعة مع الرايات السود الناصبية في تلك المناطق، حيث أنه وبمرور الزمن تحصل فتن وأحداث تؤدي بالنتيجة الى الإنفصال السياسي والأمني لتكريت عن المركز، ويبدو لنا ان عوف السلمي ذاك هو أما ان يكون احد الوجهاء الاجتماعيين او السياسيين لقبيلة متنفذة في تلك المناطق أو انه أحد ازلام حزب البعث المقبور، إذ أن سيطرة رجل ما على تكريت تقتضي اما ان يكون حاكما محليا لتكريت وهو ممكن بحد ذاته، أو انه أحد القادة السياسيين من تلك المناطق، أو أنه من قادة حزب البعث والذي لو تهيأت له الظروف الموضوعية من غياب القوات الأمنية العراقية، فإنه سوف يستولي على تكريت خلال ساعات فقط.

يخرج عوف السلمي في منطقة الجزيرة التأريخية والتي هي اليوم ضمن التقسيم الإداري لمحافظة صلاح الدين (الشرقاط ونواحيها) ويعظم امره حتى يعلن قيام كيانه في تكريت، ومن ثم بخروج السفياني واقبال جيشه نحو العراق يتم القضاء على حركة عوف السلمي.

مؤدى اسم عوف السلمي

ان اسم عوف السلمي اسم رمزي يوحي بأنه شخصية تأريخية، وبالقياس على شخصية عثمان بن عنبسة واقترانها بشخصية السفياني الملعون، فربما ثمة رابط ما بين شخصية عوف السلمي التأريخية وبين عوف السلمي الذي يخرج بجزيرة الموصل ومأواه تكريت ويكون خروجه قبل خروج شعيب بن صالح والسفياني.

بعد البحث والتقصي عثرنا على شخصية تأريخية تحمل هذا الاسم، وقد يكون تطابق الأسماء دلالة على اقتران اسم عوف السلمي التأريخي بذلك الرجل الذي يعد علامة من العلامات!

من هو عوف السلمي الشخصية التأريخية؟

عوف السلمي الشخصية التأريخية: هو عوف بن بهثة بن سليم بن منصور من قبيلة الحربية العدنانية القيسية المضرية الحجازية، وكان لقبيلة بني سليم اجداد عوف، صولات في مساندة سلاطين ولد العباس ضد بني أمية وأنصارهم من بني كلب وتغلب في الشام.

إذن فالحديث عن عوف السلمي انما هو حديث عن شخصية مناوئة للأصهب حاكم الشام، مع ان عوف السلمي يخرج بأرض جزيرة الموصل وسلطته تكون في تكريت، ولذلك يأسره جيش السفياني ويقوم بإعدامه في دمشق.

لذا فإن تصور امتداد عمل عوف السلمي من غرب العراق الى مناطق الشام، هو اما ان يكون من خلال تحالف بين عوف السلمي وجهات مناوئة للسلطة هناك، كالاخوان المسلمين على سبيل المثال، فيكون قتال السفياني لهم في سوريا وقضاءه على الابقع يحفزه ويضفي عليه الشرعية للدخول الى الأراضي العراقية وقتاله لجماعة عوف السلمي.

والاحتمال الاخر هو ان يكون عوف السلمي من بني سلمة احد بطون قبيلة الجبور، حيث تمتد مضارب قبيلة السلمية الجبورية في مناطق دير الزور وحتى جزيرة الموصل وتكريت، فيكون قتال السفياني لبني سليم في دير الزور وامتداده لأبناء عمومتهم في الأراضي العراقية.

وقد رجح هذا الاحتمال الأخير أحد الفضلاء بقوله:

(تشير الرواية إلى أن الرجل من منطقة الجزيرة، ويبدو أن الجزيرة هنا هي جزيرة الموصل، وليس جزيرة الشام بدلالة ما أشير إلى محل اقامته في تكريت، كما وأن السلميين في هذه المنطقة هم الجبور، والرواية تشير إلى أن عوف السلمي هذا سيقوم بحركة سياسية أو عسكرية في هذه المنطقة، ويقيم كياناً سياسياً أو أمنياً قبل ظهور السفياني الموعود) (2)

ويقول سماحته: (من خلال قوله عليه السلام: “بأرض الجزيرة ومأواه تكريت” يبدو أن الرجل من جنوب الموصل ولربما من الشرقاط، أو مما يليها من جنوب الموصل وشمال تكريت، لأنها أحد المعاقل الرئيسية للجبور، أما مأواه فلإن مقره السياسي والإداري سيكون في تكريت … وإن فلول المنهزمين من معركة قرقيسيا تلتحق بما خلفها من الحدود العراقية، ولهذا ستشمل معارك السفياني بدايات محافظات الأنبار وتكريت والموصل لاحقاً، لأن الجبور سيستهدفون في المحافظتين الأوليين كحال أولاد عمومتهم في دير الزور وما يليها من الجبور، مما قد يجر كل ذلك جبور الموصل أيضاً وعددهم كبير فيها) (3)

خلاصة:

قد يكون عوف السلمي من قبيلة عوف السلمي الحربية، أو من قبيلة بني سلمة الجبور، فإما قبيلة عوف السلمي الحربية فهي قبيلة لا أثر لها في مناطق دير الزور ولا جنوب الموصل وتكريت، وحينها يكون عوف السلمي أحد قيادات حزب البعث الكبار والذي لا يحتاج للسيطرة على جماهير تلك المحافظات السنية التي رزحت ردحاً من الزمن تحت حكم البعث المقبور سوى بارتدائه للزيتوني والقاء خطاب على الناس يستحثهم للخروج واستعادة امجاد البعث! ومن خلال تقصي انساب بعض قيادات حزب البعث المقبور، وجدنا ما يشير الى ان نسب المجرم عزت الدوري يعود الى قبيلة عوف السلمي الحربية كما تشير بعض المصادر، مع ان مصادراً أخرى تشير الى ان الدوري يعود نسبه الى ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله.

او قد يكون عوف السلمي من قبيلة الجبور وحينها سيكون من وجهائها وقادتها السياسيين، وقد يكون مرتبطا بحزب البعث او غير مرتبطاً به كحال بعض السياسيين السنة اليوم من الجبور في محافظة صلاح الدين، فقد يكون جبورياً من القادة السياسيين، وربما يكون رئيساً للحكومة المحلية أو انه يقوم بتأسيس كيان جديد له في تلك المناطق ومركزه تكريت.

تحدثت الرواية آنفة الذكر عن تزامن خروج عوف السلمي مع خروج شعيب بن صالح، وكنت أظن فيما سبق ان خروج عوف السلمي يكون متزامنا مع خروج شعيب بن صالح الأول، أي قبل ستة سنين من الظهور الشريف، بيد انني أرى اليوم ان خروج عوف السلمي انما يكون قبيل خروج السفياني، وقد تكون ذات الظروف التي تؤهل السفياني للخروج هي التي تؤهل عوف السلمي للخروج، أي بعد الحرب العالمية.

وتبقى هنالك اسرار لا يمكن لأحد فك رموزها، فلو لحظنا ترتيب خروج الشخصيات الثلاثة في الرواية لوجدنا ان خروج عوف السلمي يكون قبل خروج شعيب بن صالح، ومن بعد خروج شعيب بن صالح يكون خروج السفياني، وللاقتراب من فهم تلك الاحداث فإن ثمة سيناريوهات محتملة:

الأول: ان يكون خروج شعيب بن صالح ذاك غير خروجه لدفع خطر السفياني، وانما يكون خروجه في مقابل خروج عوف السلمي، وبقرينة خروج شعيب بن صالح من منطقة سمرقند في محافظة واسط العراقية، فقد يكون ثمة تمرد سني أو ناصبي في واسط يهدف الى إقامة كيان مستقل على غرار كيان عوف السلمي، او ما شاكل ذلك من أمور تهدد الأمن القومي الإيراني فتستدعي تدخل شعيب بن صالح، او ان يكون خروج شعيب بن صالح كردة فعل لخروج عوف السلمي لسبب ما نجهله اليوم.

الثاني: ان يكون خروج عوف السلمي يتبعه خروج شعيب بن صالح والسفياني وفق سيناريو خروجهما المعروف، أي ان الرواية تريد اخبارنا عن سبق خروج عوف السلمي لخروج شعيب بن صالح والسفياني، بمعنى ان خروج عوف السلمي انما يكون في فترة خروج السفياني.

الثالث: ان تكون أداة (ثم) تعني التوجيه لا التبعية، فيكون المعنى هو خروج عوف السلمي بعد خروج شعيب بن صالح والسفياني مباشرة.

خلاصة القول ان مشروع عوف السلمي لن يكتب له البقاء طويلاً بعد تحركه، فسرعان ما ينقض عليه جيش السفياني ويقتلعه من جذوره، كما لم تشر الروايات الى وجود خطورة مباشرة من حركة عوف السلمي على المناطق الشيعية، وتبقى علامة عوف السلمي مجرد دلالة على خروج شعيب بن صالح وتأكيداً على ان الجيش الذي سينهي كيان عوف السلمي انما هو جيش السفياني.

المصادر:

(1) غيبة الشيخ الطوسي: 444 ح437.

(2) الشيخ جلال الدين الصغير: الموقع الإليكتروني.

(3) الشيخ جلال الدين الصغير: علامات الظهور: م2 ص256