استنكارات كثيرة تثار حول المعاجز والكرامات التي ذكرتها بعض الروايات المشهورة وغير المشهورة على حد سواء، بلغت بعض تلك الاستنكارات حد الجحود، حيث اتهم رواة بعض الاحاديث التي تروي حقيقة مقامات اهل البيت صلوات الله عليهم، وترشح بعبق مكنونات سرهم، وتفوح باريج فضائلهم ومواهبهم، وتتكلل بكنه كمالاتهم وسمو قدسهم، اذ اتهمت تلك الاحاديث بالاسطورة وبالغلو وتأليه أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم!
غالبية تلك الاستنكارات اذا لم تكن جميعها ناجمة عن تخلف الوعي البشري، وعدم مواكبته لتطورات العلوم الحديثة، وما وهبه الله تعالى لأساطين بعض العلوم كالفيزياء والفلك والكيمياء والرياضيات والطب وغيرها من العلوم التجريبية، والتي بلغت في السنين الأخيرة فقط شأواً بعيداً ينبغي على المؤمنين عدم اهماله والاستهانة به، لأن تلك الاكتشافات العلمية قدمت الأدلة القاطعة واليقينية على صحة سائر تلك المعاجز والكرامات التأريخية لأئمة اهل البيت صلوات الله عليهم بما فيها غيبة الامام المهدي عج الطويلة وحياته المديدة، وكذلك تأويل الاخبار المستقبلية عن معالم دولة العدل الإلهي والرجعة والمعاد والقيامة والحساب والجنة والنار، وكذلك بعض الاخبارات القرآنية كحديث القرآن الكريم عن الجواري الكنس والنجم الطارق على سبيل المثال.
كيف عرج النبي محمد صلى الله عليه واله وبلغ زمكان القيامة في لحظات من الزمن؟ وما هو سر ذلك البراق الذي حمله الى عرش الله عز وجل وسدرة المنتهى؟
وكيف ردت الشمس لعلي بن ابي طالب صلوات الله عليه في اكثر من موقف؟
وكيف طوى أمير المؤمنين عليه السلام الأرض مرات عديدة؟
وكيف جرى ما جرى مع الامام المرتضى صلوات الله عليه في احاديث معرفته بالنورانية من بلوغه أسباب السماوات، وارتقائه بالسحاب، وحديثه عن السير بالسرعة اللحظية وخرقه لاقطار السماوات في لحظة بل دونها بل دون ذلك؟!
وكيف كان بإمكان السيدة فاطمة الزهراء صلوات الله عليها ان تفني الكون بمجرد ان تكشف عن رأسها، بعد ما كان من التعدي على حرمتها واحراق دارها وكسر ضلعها وترويع حسنها وحسينها واسقاط جنينها وغصب فدكها واعتقال أميرها.
وكيف لها صلوات الله عليها ان تحضر جميع مجالس ولدها الحسين صلوات الله عليه التي تعد بعشرات اللاف سيما في أيام محرم وصفر في ذات الوقت؟
وكيف لرأس الحسين المقدس صلوات الله عليه ان ينطق في اكثر من موقف؟
كيف كان للامام السجاد اين يطوي الأرض من الشام الى العراق ليدفن الأجساد المقدسة في كربلاء؟
وكيف كان للامام الصادق وكافة أئمة اهل البيت عليهم السلام والنبي المصطفى صلوات الله عليهم اجمعين ان يطلقوا ويديروا المشاريع الإلهية ذات الخطط الاستراتيجية الفائقة (Super strategy) والتي يمتد امدها وتستمر مفاعيلها الى قيام الساعة؟!
ثمة تساؤلات استفهامية لا نقول استنكارية اطلقها اعاظم الملائكة يوم خلق الله تعالى ابينا آدم عليه السلام وأمر جميع الموجودات ان تسجد له حباً وكرامة لمحمد وآل محمد صلوات الله وسلامه عليهم، فسجد الخلق كلهم اجمعون الا ابليس ابى واستكبر؛ كيف تجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟
كيف جعل الله تعالى ما اوجده من سماء مبنية وارض مدحية وقمر منير وشمس مضيئة في محبة محمد وال محمد صلوات الله عليهم؟
كيف جعل الله تعالى أسباب الكون في يد محمد وال محمد صلوات الله عليهم، فأوقع علي بن ابي طالب العذاب على الاقوام السالفة التي حق عليها القول كقوم لوط وعاد وثمود وفرعون وخسف الأرض بقارون، وانجى موسى من كيد فرعون، ويونس من بطن الحوت، ونوح من الطوفان؟
كيف ان ميت آل محمد لم يمت، وغائبهم لم يغب، وقتيلهم لم يقتل؟!
كيف يصلي الامام من آل محمد صلوات الله عليهم اجمعين في اليوم والليلة الف ركعة ويختم القرآن كذا مرة؟ وكيف كان يومٌ عند ربك مقداره الف سنة بل خمسين الف سنة مما تعدون؟
كيف يجعل الله تعالى ما ينفق المرء كحبة وتلك الحبة تنبت سبعة سنابل وفي كل سنبلة مائة حبة، ثم يضاعف الله تعالى لمن يشاء بمشيئته الحكيمة؟!
وكيف يجعل الله تعالى الخطوة التي نخطوها الى زيارة المولى ابي عبد الله صلوات الله عليه بالف حجة وعمرة، وان ثوابها سبعون الف الف قصر في الجنة في كل قصر سبعون الف الف منزل في كل منزل سبعون الف الف بيت في كل بيت سبعون الف الف سرير وعلى كل سرير حورية من الحور العين، فيبلغ بذلك ترليونات الترليونات من الحور العين، التي قد لا يعقلها البعض بل يصل الامر بهم الى انكار صحة مثل هكذا روايات؟!
وكيف تكون شفاعة محمد وال محمد لذنوب اقترفها العباد ودونها الكرام الكاتبون ووثقت صوتاً وصورة لدى امام مبين لديه علم الكتاب وما كان وما يكون؟
وكيف جعل الله تعالى وفق رأي العلم الحديث أربعة قوى فقط تتحكم بالطبيعة، وهي قوة الجاذبية والقوة الكهرومغناطيسية والقوة النووية الضعيفة والقوة النووية القوية، وكيف لهذه القوى ان تمثل النعم الاستراتيجية التي ما ان جحد بها الناس فسوف ترفع عنهم بواسطة السنن الإلهية التي جعلها الله تعالى في اصل الايجاد وفطرة التكوين، فتكون النار وتكون الجنة وما جعله الله تعالى للسابقين من الارائك التي هم عليها متقابلين والولدان المخلدون والحور العين كأمثال اللؤلؤ المكنون وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون، وكذا السرر الموضونة لاصحاب اليمين، والعرب الاتراب والفاكهة الكثيرة التي لا هي مقطوعة ولا هي ممنوعة، والانهار والظلال، وكيف للجنان ان بعضها ثابتة يقتطف المرء منها ما يشاء ومنها قد ذللت قطوفها تذليلا، وما بين من يسقى بكأس كان مزاجها كافورا باكواب واباريق يطوف بها الولدان المخلدون، وبين من ينزل الأنهار لكي يستقي منها، وبين من يطير في سماء الجنان بلا جناحين، وبين من يسير على الأرض لا يرتفع منها الا بسبب، فإما ان يثبت العباد نعم الله تعالى بالشكر، بل تزداد وتربو، وانما ان يغيرونها بالذنوب والمعاص والآثام!
روى الصفّار في بصائر الدرجات، عن أحمد بن محمد, عن الحسين بن سعيد, عن الحسين بن برده, عن أبي عبد الله (عليه السلام) وعن جعفر بن بشير الخزاز, عن إسماعيل بن عبد العزيز, قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا إسماعيل, ضع لي في المتوضاء ماء. قال: فقمت فوضعت له. قال: فدخل. قال: فقلت في نفسي: أنا أقول فيه كذا وكذا, ويدخل المتوضاء يتوضاء. قال: فلم يلبث أن خرج فقال: يا إسماعيل, لا ترفع البناء فوق طاقته فينهدم. اجعلونا مخلوقين, وقولوا بنا ما شئتم؛ فلن تبلغوا. فقال إسماعيل: وكنت أقول: إنّه وأقول وأقول.
(البصائر: 256 الجزء الخامس، الباب 10، الحديث 5)
وما رواه الصّدوق في (الخصال) من حديث الأربعمائة المعروف, قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (إيّاكم والغلوّ فينا. قولوا: إنّا عبيد مربوبون, وقولوا في فضلنا ما شئتم)
وما نقله صاحب (كشف الغمّة) من كتاب (الدلائل) للحميري, عن مالك الجهني, قال: كنّا بالمدينة حين أُجلبت الشيعة وصاروا فرقاً, فتنحينا عن المدينة ناحية, ثمّ خلونا فجعلنا نذكر فضائلهم وما قالت الشيعة, إلى أن خطر ببالنا الربوبية. فما شعرنا بشيء, إذا نحن بأبي عبد الله (عليه السلام) واقف على حمار, فلم ندرِ من أين جاء. فقال: (يا مالك ويا خالد, متى أحدثتما الكلام في الربوبية؟) فقلنا: ما خطر ببالنا إلاّ الساعة. فقال: (إعلما: أنّ لنا ربّاً يكلأنا بالليل والنهار نعبده. يا مالك ويا خالد, قولوا فينا ما شئتم, واجعلونا مخلوقين) فكرّرها علينا مراراً, وهو واقف على حماره.
وما في (غرر الحكم) قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : (إيّاكم والغلوّ فينا قولوا: إنّا مربوبون, واعتقدوا في فضلنا ما شئتم)
ونقل الشيخ الطبرسي في كتابه (الاحتجاج) عن أمير المؤمنين أنّه قال: (لا تتجاوزوا بنا العبودية, ثمّ قولوا فينا ما شئتم, ولن تبلغوا. وإيّاكم والغلو كغلوِّ النصارى؛ فإنّي بريء من الغالين)
وقد ورد في الزيارة الجامعة عن الإمام الهادي (عليه السلام): مواليّ, لا أحصي ثناءكم, ولا أبلغ من المدح كنهكم, ومن الوصف قدركم. وأنتم نور الأخيار, وهداة الأبرار.
كما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حق أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال له: (لا يعرفك يا عليّ إلاّ الله وأنا) فمعرفة علي بن ابي طالب صلوات الله عليه حق معرفته، وبيان فضله وكرامته، واحصاء مواهبه وكمالاته، وادراك كنهه وقدسيته، وبلوغ ارب محامده وثنائه، الا بعلم يوازي علم محمد صلى الله عليه واله وعلم الله تعالى عز وجل!
وما رواه الصفار في (بصائر الدرجات) عن الحسن بن موسى الخشاب, عن إسماعيل بن مهران, عن عثمان بن جبلة, عن كامل التمار, قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) ذات يوم فقال لي: (يا كامل, اجعل لنا ربّاً نؤب إليه, وقولوا فينا ما شئتم) قال: قلت: نجعل لكم ربّاً تؤبون إليه, ونقول فيكم ما شئنا, قال: فاستوى جالساً ثمّ قال: (وعسى أن نقول: ما خرج إليكم من علمنا إلاّ ألفاً غير معطوفة)
نقول: بل ونقطة من باء بسم الله التي هي غرفة من كلمات الله تعالى عز وجل التي لو جعل البحر مداداً له ومن خلف البحر سبعة ابحر وسواها ما شاء الله لنفذت بحار الكون كلها ولم تنفد كلمات الله جل وعلا.
وقال أبو شاكر الديصاني للصادق (عليه السلام): ما الدليل على أن لك صانعا؟ فقال: وجدت نفسي لا تخلو من إحدى جهتين: إما أن أكون صنعتها أنا فلا أخلو من أحد معنيين: إما أن أكون صنعتها وكانت موجودة أو صنعتها وكانت معدومة، فإن كنت صنعتها وكانت موجودة فقد استغنيت بوجودها عن صنعتها، وإن كانت معدومة فإنك تعلم أن المعدوم لا يحدث شيئا، فقد ثبت المعنى.
الثالث: أن لي صانعا وهو الله رب العالمين فقام، وما أجاب جوابا.
وفي التوقيع الصادر عن مولانا صاحب العصر والزمان صلوات الله عليه المروي في غيبة الشيخ الطوسي، وفي كتاب إحتجاج الطبرسي باب التوقيعات كتب (عليه السلام) – إلى أن قال: – فلن يوحشنا من قعد عنا ونحن صنائع ربنا والخلق بعد صنائعنا.
وفي نهج البلاغة، الإحتجاج: إحتجاج أمير المؤمنين (عليه السلام) على معاوية في جواب كتاب كتبه إليه وهو من أحسن الحجاج وأصوبه: أما بعد، فقد بلغني كتابك تذكر اصطفاء الله تعالى محمدا لدينه وتأييده إياه بمن أيده من أصحابه، فلقد خبأ لنا الدهر منك عجبا إذ طفقت تخبرنا ببلاء الله عندنا ونعمته علينا في نبينا – إلى أن قال: – فإنا صنايع ربنا والناس بعد صنايع لنا.
قال العلامة المجلسي في بيان ذلك القول: فإنا صنايع ربنا هذا كلام مشتمل على أسرار عجيبة من غرائب شأنهم التي تعجز عنها العقول، ولنتكلم على ما يمكننا إظهاره والخوض فيه فنقول: صنيعة الملك من يصطنعه ويرفع قدره، ومنه قوله تعالى:
* (واصطنعتك لنفسي) * أي اخترتك وأخذتك صنيعتي لتنصرف عن إرادتي ومحبتي. فالمعنى أنه ليس لأحد من البشر علينا نعمة، بل الله تعالى أنعم علينا فليس بيننا وبينه واسطة، والناس بأسرهم صنائعنا فنحن الوسائط بينهم وبين الله سبحانه، ويحتمل أن يريد الناس بعضهم، أي المختار من الناس نصطنعه ونرفع قدره.
وقال ابن أبي الحديد: هذا مقام جليل، ظاهره ما سمعت وباطنه أنهم عبيد الله والناس عبيدهم.
وفي جواب لبعض فضلائنا: يمكنُنا أن نقولَ إنَّ أهلَ البيتِ (عليهم السلام) هُم وسائطُ فيضِ اللهِ في الخلقِ والإيجادِ والعِلمِ والرّزق، وهناكَ الكثيرُ منَ الرواياتِ التي تؤكّدُ هذا المعنى، ففي الكافي عن الإمامِ الصّادقِ (عليهِ السلام) قالَ: (إنَّ اللّهَ خلقنا فأحسنَ خلقنا، وصوّرَنا فأحسنَ صورَنا، وجعلَنا عينَه في عبادِه، ولسانَه الناطقَ في خلقِه، ويدَه المبسوطةَ على عبادِه بالرّأفةِ والرحمة، ووجهَه الذي يؤتى منه، وبابَه الذي يدلُّ عليه، وخزّانَه في سمائِه وأرضِه، بنا أثمرَت الأشجارُ وأينعَت الثمارُ وجرَت الأنهارُ، وبِنا ينزلُ غيثُ السماءِ ونبتَ عشبُ الأرض، وبعبادتِنا عُبدَ اللّه، ولولا نحنُ ما عُبدَ اللّه)
فاللّهُ تعالى هوَ الفاعلُ الذي منهُ الوجود، والإمامُ هوَ الفاعلُ الذي بهِ الوجود، وقد أشارَ المرجعُ السيّدُ صادقٌ الروحاني لهذا المعنى في تفسيرِه لهذهِ العبارةِ بقولِه: (المرادُ منَ الروايةِ الشريفةِ إجمالاً: أنَّ المعصومينَ (عليهم السّلام) قد أنعمَ اللهُ تعالى عليهم نعمةَ الوجودِ مِن غيرِ واسطةٍ بينَه وبينَهم، فهُم (عليهم السلام) صنائعُ اللهِ تعالى، بينَما قد أنعمَ (جلَّ جلالُه) نعمةَ الوجودِ على سائرِ خلقِه بواسطةِ الأئمّةِ (عليهم السلام) فالخلقُ صنائعُ لهم)
وقال الامام الخوئي فيه: ثم إن كلامه هذا فوق كلام البشر، وفوق ما يحوم حوله العبارة عليه، مسحة من العلم الإلهي، ولعمري أنه يجري مجرى التأويلات السماوية.
ويؤيده في الجملة النبوي المنقول عن رسالة بعض العلماء: أنا من الله والكل مني، وما في كتاب السلسبيل في حديث النبي (صلى الله عليه وآله): باسمي تكونت الكائنات وباسمي دعي الأنبياء.
بيان ابن عباس صنائع الأنبياء.
وهذه المنزلة الّتي قالها الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) في حق أنفسهم صرّح بها عميد البيت النبوي الرسول المصطفى (صلى الله عليه وآله) حين قال: (نحن أهل البيت لا يقاس بنا أحد)
والحاصل: أنّ المراد من هذه الأحاديث: ابتعدوا بنا عن مقام الربوبيّة ثمّ انسبوا لنا كلّ كمالٍ يليق بنا؛ مما وردكم عنا ومما ادركته اذهانكم ووما لم تعه عقولكم، فلا تردوا حديثهم مما لم تفهموه، بل جدوا واجتهدوا في معرفة كنه حقائقهم القدسية.
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه سيدنا وحبيب قلوبنا وقرة اعيننا وشفيع ذنوبنا صاحب الاسم الاجمل والوصف الأكمل ابي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

















































