بحث علامة السفياني (الجزء الثاني)

السفياني من المحتوم الذي لا بداء فيه

السفياني هو أحد علامات الظهور الحتمية، فقد ورد في حتمية السفياني العديد من الروايات الشريفة، بيد ان بعض الروايات الاخرى التي تكلمت عن السفياني؛ بدى لبعض الفضلاء والباحثين انها تقلل من شأن حتميته كالرواية التي تخبرنا بإمكانية البداء فيه، والتي لابد من تأويل مرادها لغرض رفع التعارض فيما بينها وبين الروايات الأخرى التي تثبت قطعاً عدم إمكانية البداء في اصل علامة السفياني، ناهيك عن سفسطة بعض ارباب الجهل والمتطفلين على البحث العلمي، الذين شرقوا وغربوا بشأن علامة السفياني، كمثل ذلك الشخص الذي ادعى ان السفياني هو الرئيس الأمريكي السابق أوباما، وافرد بحثا مطولاً قام فيه بلي عنق الروايات واخضاعها كي تنطبق شخصية السفياني على اوباما، فلما أفل نجم أوباما قال: ان السفياني هو ترامب، فلما قرر ترامب سحب قواته من سوريا، قال: لا سفياني، ولدعم رأيه الأخير أورد نصا عاميا ورد عن اليهودي كعب الاحبار، ومع ذلك قام ذلك الشخص بتحريف النص وأضاف اليه عبارة (لا سفياني ولا خسف)
وهذا هو النص:
(عن كعب قال لا يزال للناس مدة حتى يقرع الرأس فإذا قرع الرأس يعني الشام هلك الناس قيل لكعب وما قرع الرأس قال الشام يخرب) (١)
هذه رواية كعب الاحبار ينقلها نعيم بن حماد في فتنه، وليس فيها عبارة (لا سفياني ولا خسف) مع ان النص عامي وينقله يهودي ومن الواضح سقوط النص عن الدلالة.
وسنبين من خلال بحثنا ان السفياني محتوم لابد منه وعدم وجود أي وجه للبداء فيه.

حتمية السفياني:


عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (قبل قيام القائم خمس علامات محتومات: اليماني، والسفياني، والصيحة، وقتل النفس الزكية، والخسف بالبيداء) (٢)

اذاً فالسفياني هو أحد خمس علامات محتومات فيهن توقيت لظهور القائم عج وهن العلامات اللاتي يتصلن بالقيام الشريف.

وعن الامام الصادق عليه السلام قوله:
(من الأمرِ محتومٌ ومنه ليس بمحتوم ومن المحتوم خروج السفياني في رجب) (٣)

لم تذكر هذه الرواية مسألة حتمية علامة السفياني فحسب؛ بل تعرضت الى تفاصيلها بذكرها لحتمية خروج السفياني في رجب، مما يعني انها تجاوزت القطع بحتمية السفياني الى حتمية توقيت خروجه أيضا.
كذلك فأن علامة الخسف بجيش السفياني والتي تعد من العلامات الحتمية، هي الأخرى تؤكد حتمية السفياني.

كما ورد في الرواية عن الامام السجاد عليه السلام: إن أمر القائم حتم من الله، وأمر السفياني حتم من الله، ولا يكون قائم إلا بسفياني) (٤)

وهذه الرواية بالإضافة الى اخبارها بحتمية السفياني؛ فأنها تخبرنا بضرورة وجود السفياني كركن من اركان قضية الظهور الشريف، وكشخصية اساسية في انجاز التخطيط الالهي في الملحمة الاخيرة بين الايمان والمتمثل بالمهدي عج وبين الالحاد والوثنية المتمثلين بالسفياني، فلولا الظلام ما عُرف النور.

الامور الموقوفة والامور المحتومة:


ورد في غيبة النعماني عن الباقر عليه السلام قوله:
(إنّ من الأمور أموراً موقوفة وأموراً محتومة وإنّ السفياني من المحتوم الذي لا بدَّ منه) (٥)

ان هذه الرواية تصنف العلامات والاحداث الى صنفين:
1- الامور الموقوفة.
2- الامور المحتومة.

وتؤكد الرواية إنّ السفياني من المحتوم الذي لا بدَّ منه.
واللابدية هنا تأكيد على الحتم ترتقي به الى مقام الشرطية.

وفي الرواية عن عبد الملك بن أعين، قال: ” كنت عند أبي جعفر(عليه السلام) فجرى ذكر القائم (عليه السلام)، فقلت له: أرجو أن يكون عاجلا ولا يكون سفياني، فقال: لا والله إنه لمن المحتوم الذى لابد منه ” (٦)

تعريف الموقوف والمحتوم:


ورد في الرواية عن الامام الباقر عليه السلام في تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ) قال: (إنّهما أجلان أجل محتوم وأجل موقوف)
فقال له حمران: ما المحتوم؟
قال عليه السلام: (الذي لا يكون غيره)
قال: ما الموقوف؟
قال عليه السلام: (الذي لله فيه المشيئة)
قال حمران: إني لأرجو أن يكون السفياني من الموقوف.
فقال أبو جعفر عليه السلام: (لا والله إنّه لمن المحتوم) (٧)

وجاء في تفسير العلامة الطباطبائي للآية أعلاه :(فهذا الأجل أجلٌ محفوظ في اُمِّ الكتاب وليس من الأجل الموجود في لوح المحو والإثبات الذي يمكن أن يتخلّف بتخلّف شرائطه) (٨)

الموقوف : كما في تعريف الامام الباقر عليه السلام (الذي لله فيه المشيئة)
ان هذه المشيئة هي المشيئة الالهية الحكيمة وليست مشيئة عبثية حاشا لله، فهي تجري في مجرى السنن الالهية التي قضاها الله تعالى في خلقه.

المحتوم : كما في تعريف الامام الباقر عليه السلام (الذي لا يكون غيره)
فالمحتوم هو جزء ضروري من قضية الظهور الشريف، فلا يمكن ان تتم القضية في حال فقده، إذ ان وجود عدة علامات محتومات يفضي الى وجود فلسفة معينة في التخطيط الالهي لواقعة الظهور الشريف، وبفقدان أحد المحتومات يتغير سيناريو التخطيط الالهي لواقعة الظهور الشريف.
وبالعودة الى شرح العلامة الطباطبائي؛ فأن المحتوم هو الاجل المحفوظ في ام الكتاب والذي لا يمكن ان تتخلف شرائطه لذلك هو حتمي التحقق، فشرائط المحتوم حسب منطق العلامة الطباطبائي حتمية كحتمية مشروطها.

اذن لدينا وصف لعلامة السفياني بأنه (محتوم) (محتوم لابد منه) (حتم من الله) (لا يكون غيره) (لا قائم بلا سفياني)

امكانية البداء في المحتوم :


ورد في الرواية عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري قال:
كنّا عند أبي جعفر محمّد بن علي الرضا عليه السلام فجرى ذكر السفياني وما جاء في الرواية من أن أمره من المحتوم، فقلت لأبي جعفر عليه السلام: هل يبدو لله في المحتوم؟
قال: (نعم)
قلنا له: فنخاف أن يبدو لله في القائم؟
فقال: (إنّ القائِمَ مِنَ الميعَاد وَالله لا يُخْلِفُ المِيعَادَ) (٩)

ان ظاهر هذه الرواية يتعارض مع الرواية أعلاه والتي تحدثت عن ان المحتوم (هو الذي لا يكون غيره) وانه (لا يخضع للمشيئة الإلهية بالبداء) وايضاً يتعارض مع الروايات التي تؤكد ضرورة تحقق علامة السفياني، وكذلك يتعارض ظاهر هذه الرواية مع ما ذهب اليه العلامة الطباطبائي، من كون المحتوم هو الاجل المحفوظ في ام الكتاب والذي لا يمكن ان تتخلف شرائطه.
لرفع التعارض نقول بأن البداء في الرواية أعلاه ان صح فهو بداء جزئي أي البداء في بعض تفاصيل العلامة لا اصل العلامة، فالسفياني حتم لابد منه ولا يكون غيره، لكن تفاصيل حركته من الممكن ان يطرأ عليها البداء.
وبذلك ينتفي احتمال البداء في اصل علامة السفياني وينتفي معه احتمال البداء في جميع العلامات الحتمية الأخرى.

بقي ان نؤكد على ان تفاصيل المحتوم انما هي أمور موقوفة، فالسفياني خروجه من المحتوم، وخروجه في رجب من المحتوم، ولعبه دور الظالم المتسلط السائر بالظلم والجور، في مقابل الامام الحجة عج الداعي الى القسط والعدل، هو أيضا من المحتوم.
بل ودخوله الى مكة والمدينة أيضا من المحتوم، لتعلق ذلك بعلامة الخسف بجيش السفياني المحتومة.
اما بقية تحركات جيشه ومجازره التي يرتكبها، فهي ليست محتومة، وذلك لأنها تدخل ضمن اطار سنة (المحو والاثبات)
فلو تناولنا الاجزاء المهمة من حركة السفياني وهي:
1- دخول جيش السفياني الى العراق.
2- ارسال السفياني جيشاً الى مكة عقب حركة النفس الزكية عند الكعبة المشرفة.
حيث ان هذين المكانين هما اهم الاماكن التي ينبغي تمهيد الارض فيهما للظهور الشريف، فالعراق سيكون مقر اقامة الامام عج بعد ظهوره ومركز انطلاقته للفتوحات، أي ان العراق سوف يكون عاصمة دولة العدل الإلهي، اما مكة المكرمة فإنها محل الظهور الشريف.

اما العراق فاليماني والخراساني سيكونان مقتدرين في الانتصار على جيش السفياني وتحطيم وحداته العسكرية وتمهيد ارض العراق لاستقبال القائد المفدى، فالبداء هنا مكفول بعزم المجاهدين ان تمكنوا من ردع جيش السفياني قبل دخوله بغداد والكوفة، فلابد من بقاء باب البداء مفتوحاً والا اصبح الامر جبراً وبطل العمل.

اما مكة المكرمة فإن السفياني وبعد حركة النفس الزكية يرسل جيشه الى المدينة ثم مكة، وهنا يكون حدث دخول جيش السفياني الى مكة مفروغا منه، فليس هنالك من رادع لجيشه من الوصول الى مكة، لذلك تقتضي الضرورة بالتدخل الالهي بالبداء في ذلك الحدث، فيأمر الله تعالى جبرائيل عليه السلام بالخسف بجيش السفياني بين المدينة ومكة المشرفة، حفاظا على حياة بقيته في أرضه (عج)

السفياني اذن من المحتوم، وانه حتم من الله، وهو حتم لابد منه، ولا يكون قائم إلا بسفياني، والسفياني لا يكون غيره، وخروج السفياني في رجب حتمي هو الآخر، والخسف بجيشه بين مكة والمدينة أيضا من المحتوم، كما اكدت الروايات الشريفة على ذلك، انما بعض تفاصيل حركته ومجازره ليست بمحتومة.

خلاصة :


مما مضى من البحث نستطيع ان نؤكد ما يلي:

1- ان شرائط السفياني لا يمكن ان تتخلف عنه، فالسفياني خارج لا محالة.
2- ان الاحداث المرتبطة بحركة السفياني والتي لا تعد كشروط من شرائط تحقق خروج السفياني هي ليست حتمية اي انها موقوفة، وهي تخضع كما هو حال الموقوف من الاحداث الى امكانية تخلف او عدم تخلف شرائطها، وذلك على خلاف الاحداث والعلامات التي تعد شرائط لتحقق خروج السفياني.

بقي ان انوه الى امر مهم وهو في تصوري ان الامل منعدم في تخلف الاحداث الموقوفة المرافقة لحركة جيش السفياني في العراق وذلك لامرين:
1- عدم وجود داع للتدخل الالهي في ترجيح عدم تحققها لتواجد رايتا اليماني والخراساني.

٢- لما يعيشه المجتمع الشيعي من مصائب ونكبات ودسائس ومؤامرات مما يجعله غافلا عن مثل هذه الامور وفاقدا للعزم على التحرك لترجيح كفة تخلف الاحداث المؤسفة، حيث ان هذه الأمور قد تقيد من تحركات رايتي اليماني والخراساني الى حد ما قد يتمكن معه جيش السفياني من الولوج الى بغداد والكوفة، لكن بالنتيجة نحن موعودون بنصر رايات الهدى وسحق جيش السفياني في نهاية المطاف، وتحرير ارض العراق وتمهيدها لإستقبال القائد المفدى روحي وارواح العالمين لتراب مقدمه الفدا.
وهذا الامر يعني بالمجمل احتمالية تحقق غالبية العلامات والاحداث غير الحتمية كما وردت في الروايات.
والله تعالى العالم بحقيقة الامور.

المصادر:


(١) الفتن لنعيم بن حماد: رقم الحديث (668)
(٢) (البحار: 52 /204)
(٣) غيبة النعماني: 417/ باب 18/ ح 3.
(٤) (البحار:53/182)
(٥) غيبة النعماني: 416/ باب 18/ ح 6.
(٦) غيبة النعماني ب18 ص301
(٧) غيبة النعماني ب 18 ص301 والبحار الأنوار 52: 249/ ح 133.
(٨) تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي قدس سره 7: 6، في تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ قَضَى …) الآية.
(٩) غيبة النعماني: 421/ باب 18/ ح 10

أضف تعليق