بحث علامة السفياني (الجزء التاسع)

هذا هو السفياني:

عطفاً على ما اوردناه في الجزء السابق من البحث، فإن ثمة إشارات تأخذ بنا نحو تشخيص هوية السفياني، وتلك الإشارات ضمّنها أهل البيت عليهم السلام في مروياتهم، وقد تمكنا من التوصل الى مجموعة منها نوردها لكم:

1- رمزية السفياني كما في الرواية: (عثمان وابوه عنبسة)

ورد في الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: (يخرج ابن آكلة الأكباد من الوادي اليابس، وهو رجل ربعة ، وحش الوجه ، ضخم الهامة ، بوجهه أثر الجدري. إذا رأيته حسبته أعور، اسمه عثمان وأبوه عنبسة وهو من ولد أبي سفيان. حتى يأتي أرض قرار ومعين فيستوي على منبرها) (1)

اشارت الرواية أعلاه الى ان اسم السفياني هو عثمان وابوه عنبسة، وبطبيعة الحال فإن هذا الاسم هو اسم رمزي، وبالامكان تفكيك هذه الرمزية من خلال اتباع بعض الأساليب المنهجية لتحليل روايات العلامات وفك رموز شيفراتها، وإذ ان الحديث عن اسم عثمان انما هو إشارة الى أشهر شخصية تاريخية معروفة بإسم عثمان، حيث ان منهجية اهل البيت صلوات الله عليهم في صياغة روايات العلامات، تتبع أسلوب القياس على شخصيات تأريخية، اذن فالمراد بعثمان هنا هو عثمان بن عفان الخليفة الثالث، ولهذا قد يكون في ذلك اشارة الى ان السفياني هو ثالث حاكم يحكم سوريا من نمط حكم معين او من اسرة تحكم سوريا في آخر الزمان، مما يعني وجود حاكمين قبله، ويعضد هذا الاحتمال الرواية الواردة في فتن ابن حماد عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: وَفِي وِلايَةِ السُّفْيَانِيِّ الثَّانِي وَخُرُوجِهِ عَلامَةٌ تُرَى فِي السَّمَاءِ. (٢)

وفي الرواية عن أرطأة بن المنذر عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: في زمان السفياني الثاني تكون الهدة حتى يظن كل قوم أنه قد خرب ما يليهم. (٣)

تشير الروايات أعلاه الى انه في زمن حكم السفياني الثاني تكون الهدة، اذاً فالحاكم الاصهب هو السفياني الثاني، والسفياني الثالث هو السفياني الموعود.

اما معنى اسم ابيه (عنبسة) فالعنبس من اسماء الاسد وإذا خصصت باسم قلت: عنبسة.
وهذا يعني ان عنبسة هو اسم ابي السفياني، والمرجح ان يكون اسم الاسرة التي ينتسب اليها السفيانيون الثلاثة.
حيث أن السفياني لن يُعرف بلقب (السفياني) عند خروجه.

2- السفياني يرتبط بعلاقة مصاهرة مع عبد الله حاكم الحجاز في زمان الظهور الشريف:

صفة أخرى نستفيدها من رمزية اسم السفياني (عثمان بن عنبسة) اذ ان ثمة شخصية تأريخية من آل ابي سفيان اسمه عثمان بن عنبسة، وبطبيعة الحال فإن اهل البيت عليهم السلام وكما اشرنا آنفاً انهم في صياغتهم لمرويات الظهور الشريف يقومون بالقياس على شخصيات تأريخية، لغرض قياس صفات تلك الشخصيات التأريخية على صفات شخصيات الظهور الشريف، فعثمان بن عنبسة هو رجل من آل ابي سفيان، كان مرشحاً لخلافة معاوية بن يزيد بن معاوية بن ابي سفيان في الشام، الا انه رفض الخلافة بسبب خلاف آل مروان مع خاله عبد الله ابن الزبير لأنه كان يميل الى خاله ابن الزبير.
وهذه الرمزية قد تدل على وجود علاقة مصاهرة بين السفياني الملعون وبين حاكم الحجاز عبد الله صاحب ضمانة الامام الصادق عليه السلام.

3- السفياني رجل علماني ملحد:

ورد في الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام قال: (إنك لو رأيت السفياني لرأيت أخبث الناس، أشقر أحمر أزرق، لم يعبد الله قط، لم ير مكة ولا المدينة، يقول يا رب ثاري والنار) (٤)

يستفاد من الرواية عدة امور منها:
1- ان عبارة لم ير مكة ولا المدينة لم تأتي منفردة في سياق الكلام، وانما جاءت تحت عنوان خبث السفياني فكونه لم ير مكة ولا المدينة هو تصور لا ينفك عن خبثه.

2- لكون السفياني صهر عبد الله آل فلان ملك الحجاز يجعلنا نجزم بأن السفياني قد رأى مكة والمدينة او أحدهما على اقل تقدير، فلابد انه حضر العيد لمعايدة الملك عبد الله وما الى ذلك من المناسبات، فلعله قد زار مكة والمدينة، لكنه لم يرهما بعين الاعتبار.

3- ان تحديد مكة والمدينة في الرواية اشارة الى الاعمال العبادية في المدينتين المقدستين ويعضد هذا الرأي سبق العبارة (لم ير مكة ولا المدينة قط) بعبارة (لم يعبد الله قط) اذن عبارة لم ير مكة ولا المدينة) تعني انه بالرغم من كونه صهر الملك عبد الله، وربما بالرغم من زيارته لمكة والمدينة وتأديته للحج او العمرة، الا انه خبيث لم يزر مكة والمدينة رغبة منه ولم يؤدي الحج والعمرة رغبة بالعبادة لأنه لم يقصد عبادة الله قط، فهو يؤدي الحج والعمرة صوريا من اجل الرياء السياسي، واثناء قيامه بتأدية تلك العبادات لا ينوي تأديتها قربة لله تعالى، لأن السفياني ملحد.
اذن فالرواية تريد ان تخبرنا بمدى خبث السفياني، وكونه رجل علماني ملحد، وليس كونه رأى مكة والمدينة او لا.

4- للسفياني ثأر في سوريا:

في الرواية آنفا: (يقول -اي السفياني- يارب ثأري والنار)
هذه الرواية تخبرنا بأن للسفياني ثأر في سوريا، وهذا الثأر بطبيعة الحال يكون مع من اخرجه من سوريا وغمطه حقه او امتيازات كان يتمتع بها، وذلك الثأر لا ريب مع حاكم سوريا الاصهب، فيكون اندفاعه لإسقاط الاصهب، واعتلاء منصة السلطة، مما يعني انه كان يتمتع بمنصب عال في السلطة السورية قبل ان يقوم حاكم سوريا بابعاده عن الحكم، وتجريده من صلاحياته، مما دعاه الى النزوح الى بلاد الروم كما تشير الرواية التي تتحدث عن اقبال السفياني من بلاد الروم قبيل خروجه، او ان الحاكم ذاته قام بنفيه اليها، فيعود لينتقم من حاكم سوريا او خليفته الأصهب.

5- السفياني من بني كلب:

اشرنا في الأجزاء السابقة من البحث الى ان اخوال السفياني هم بني كلب، كذلك فإن أبيه ظاهراً من بني كلب، بيد أن نسب السفياني الحقيقي يعود الى ابي سفيان.

كما لا يخفى وقوف اخواله من كلب معه في حركته ومعاركه كما دلت الروايات، والمهم في هذه الصفة هو معرفة ان السفياني من قبيلة بني كلب السورية ظاهرا.

6- وصف السفياني بالفاسق:

عن الإمام الباقر عليه السلام قال: (وكفى بالسفياني نقمة لكم من عدوكم، وهو من العلامات لكم، مع أن الفاسق لو قد خرج لمكثتم شهراً أو شهرين بعد خروجه لم يكن عليكم منه بأس، حتى يقتل خلقاً كثيراً دونكم ..) (٥)

لقد وصف السفياني في الرواية أعلاه بالفاسق، وهذا الوصف لا ينطبق بطبيعة الحال على النواصب المعروفين اليوم بالوهابية، بل ان وصفهم أكبر من ذلك فالرواية آنفة الذكر (وكفى بالسفياني نقمة لكم من عدوكم ….) تخبرنا ان مشكلة السفياني مع المنتظرين لن تتمثل في كونه من النواصب المعروفين بالوهابية، فهو يقوم بالقضاء على الجماعات التكفيرية وجماعة الاخوان المسلمين (عدوكم) وهو كما يعبر عنه اليوم بأنه (رجل علماني) ولكي لا نجور على العلمانيين، فأن السفياني بالإضافة الى كونه رجل علماني فهو طاغية.

7- قوم الاصهب هم ذاتهم قوم السفياني:

ورد في الرواية عن جابر بن يزيد الجعفي عن الامام الباقر عليه السلام: فأول ارض تخرب ارض الشام (ثم) يختلفون عند ذلك على ثلاث رايات، راية الاصهب، وراية الابقع، وراية السفياني، فيلتقي السفياني بالأبقع فيقتتلون، فيقتله السفياني ومن معه (تبعه) ثم يقتل الاصهب. (٦)

تخبرنا هذه الرواية ان السفياني يقوم بتصفية الابقع واتباعه، ثم يقوم بقتل الاصهب، لكنه لا يقتل اتباع الأصهب، وتلك اشارة الى ان اتباع الاصهب هم أنفسهم اتباع السفياني، وهذا يؤكد ما توصلنا اليه انفا من ان الاصهب والسفياني من نفس القوم فكلاهما من قبيلة كلب وكلاهما من أسرة (عنبسة)

8- السفياني كان قائدا كبيرا في الحكومة السورية:

عن محمد بن جعفر بن علي قال: (يخرج – السفياني – من ناحية مدينة دمشق من واد يقال له وادي اليابس، يخرج في سبعة نفر، مع رجل منهم لواء معقود، يعرفون في لوائه النصر يسيرون بين يديه على ثلاثين ميلا، لا يرى ذلك العلم احد الا انهزم. (٧)

بهذا يقول احد الفضلاء تعقيباً على مضمون هذه الرواية:
((مما يعني ان -السفياني- يأتي ولديه اتفاق مسبق مع هؤلاء السبعة ومن بينهم قائد كبير في الجيش واللواء المعقود هو اللواء الذي اديت له الطاعة والحديث عن الثلاثين ميلا اشارة لحجم القوة العسكرية التي تنصاع له والسبعة المشار إليهم هم القادة السياسيين او الاجتماعيين وليسوا مجرد اشخاص عاديين.
وهذه الرواية تؤكد ما تطرقنا اليه من انه كان قبل مجيئه الى الشام ضمن قادته ولكن لسبب ما ابعد عنها والا ما رأينا هذا الاستعداد له من قبل هؤلاء القادة اذ من المعلوم ان ثمة ما يدعوهم لكي يؤدوا الطاعة له وبالطريقة التي عرضت لها الرواية المتقدمة فاذ ما كانوا من القادة العسكريين الكبار فانه سيكون بموضع اعلى منهم بحيث يدينون له بالولاء وبهذه الطريقة التي يأتي بها قائد عسكري كبير هو المشار اليه بصاحب اللواء المعقود ليقدم له الولاء والطاعة)) (٨)

9- السفياني يملك كور الشام الخمس:

في رواية عبد الله بن ابي منصور البجلي قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن اسم السفياني؟ فقال: وما تصنع باسمه إذا ملك كور الشام الخمس: دمشق وحمص وفلسطين والاردن وقنسرين فتوقعوا بعد ذلك الفرج. (٩)

وفي رواية هشام بن سالم عن الامام الصادق عليه السلام قوله: (اذا استولى السفياني على الكور الخمس فعدوا له تسعة اشهر وزعم هشام ان الكور الخمس: دمشق وفلسطين والاردن وحمص وحلب) (١٠)

يقول الفاضل تعقيباً على مضمون هاتين الروايتين:
((ان المقصود بالكور الخمس محافظات الشام وهي عين اجناد الشام في ذلك الوقت وتخرج منها محافظتي الحسكة ودير الزور الواقعة اساسا بيد الاتراك.
ان قنسرين التاريخية هي حلب وحماة وادلب الحالية، والمراد بالأردن هي مدينة درعا ومحيطها اذ من المسلم انها كانت تحسب تاريخيا على الاردن ضمن اقليم حوران، وبذا يكون المراد بفلسطين جزؤها من الاراضي السورية ولعل المقصود هو محافظة القنيطرة الحالية ومناطق الجنوب السوري)) (11)

ان هذه الكور الخمس هي المدن التي يستولي عليها السفياني ولا يعني انه لا يملك غيرها لأنه من الممكن ان تكون مواطن اخرى تحت سيطرته وهي الحاضنة له وهو لا يحتاج الى دخولها عنوة والاستيلاء عليها، لذلك نحد ان الروايات اهملت ذكر بعض مدن سوريا مثل مدينة اللاذقية ومناطق الساحل السوري، والتي لم تذكر ضمن الكور التي يسيطر عليها السفياني بالقوة، فالسفياني لابد ان يتحرك من موضع يعتمد عليه في حركته، ومنطقة اللاذقية ومحيطها فيها مضارب بني كلب، اما مناطق شمال شرق سوريا فهي بيد الاكراد.

بطبيعة الحال فإن الجغرافيا السياسية لسوريا تتألف من ثلاث مناطق:
١- اللاذقية ومناطق الساحل السوري.
وهذه مناطق كلبية صرفة.
٢- الكور الخمس.
وهذه الكور ستكون متنازع عليها.
٣- مناطق شمال شرق سوريا (الرقة ودير الزور والحسكة والقامشلي)
وهذه المناطق ستكون بيد الاكراد.

المصادر:
(1) (البحار:52/205)
(٢) الفتن لنعيم بن حماد ص١٥٩ وقريب منها في ص1٣٠
(٣) الفتن لنعيم بن حماد ص١٢٧ وقريب منها في ص١٨٦ والملاحم والفتن – السيد ابن طاووس – ج ١ – الصفحة ١١١
(٤) (البحار:52/354)
(٥) (البحار:52/141)
(٦) الغيبة للنعماني ص149
(٧) مخطوطة ابن حماد ص75
(٨) كتاب علامات الظهور الشيخ جلال الدين الصغير ج2 ص٢٤٣
(٩) (كمال الدين وتمام النعمة : 651)
(١٠) غيبة النعماني : 316 ب18 ح13
(11) علامات الظهور للشيخ جلال الدين الصغير ج2 ص244

أضف تعليق