بحث السفياني (الجزء السادس عشر)

الموقف الإيماني العملي من السفياني (ج1)

تحدثنا في الجزء السابق من البحث عن الموقف الإيماني المعنوي من السفياني والذي ركزنا فيه على ثلاثة أمور رئيسية:

1- انحصار خطر جيش السفياني في مناطق محدودة جدا.
2- قصر الفترة الزمنية التي يمكثها جيش السفياني في المناطق الشيعية والتي قد لا تتعدى أياما معدودات.
3- ورود الرايتان المنقذتان: راية اليماني وراية الخراساني.

كما تجدر الإشارة الى ضرورة صياغة الموقف العملي للتخلص من خطر السفياني وفق المعطيات الواردة في الموقف المعنوي، سيما أن نفوس المؤمنين في ذلك الوقت عزيزة، لكون الفترة ما بين وصول السفياني الى مناطق الشيعة في العراق وبين ظهور القائم عج لا تتعدى بضعة اشهر، فلا ينبغي التفريط بنفوس المؤمنين الا بقدر الضرورة في صد جيش السفياني، وإبقاء الرجال المؤمنين المجاهدين لنصرة القائم عج، لذا نجد أن توجيهات أهل البيت عليهم السلام رسمت لنا خريطة جيوسياسية –عسكرية، ووضعت لنا تكتيكات أمنية حذرت من التصدي لجيش السفياني في مناطق معينة وحثت على مواجهته في مناطق أخرى، كما أنها حذرت من أي موقف عسكري تجاه السفياني بمعزل عن رايتي اليماني والخراساني، لان تلك المواقف ستبوء بالفشل وسيتعرض المؤمنون فيها الى القتل والهلاك بلا فائدة.

إذن فالموقف العملي للمؤمنين المنتظرين من جيش السفياني يختلف تماما عن الموقف العملي من حرب النواصب السابقة لحرب السفياني، حيث أن النواصب لا يمتلكون الأسلحة الثقيلة والطائرات، ويفتقرون الى التكتيكات الحاسمة سيما مع وجود حكومة قائمة في العراق آبان حرب النواصب، بخلاف حرب السفياني التي تكون الحكومة العراقية فيها قد سقطت على يد جيش السفياني ذاته.

ما هو دور المنتظرين في موقفهم العملي من جيش السفياني؟

طرحت توجيهات أهل البيت عليهم السلام ثلاثة خطوط عملية أساسية يختلف التعامل معها وفقا لطبيعة مكان المنتظرين، فالذين هم في المنطقة الفلانية لهم وظيفة تختلف عمن هم في المنطقة الأخرى، ومن هم في العراق في وقت الأزمة في الكوفة لهم وظيفة غير وظيفة إخوتهم في أمكنة أخرى وهكذا.. وهذه الخطوط هي:

1- الدعوة العامة للالتحاق بمناطق آل محمد صلوات الله عليه وآله.
2- موقف يخص مواقع الصدام المباشر مع جيش السفياني.
3- نصرة رايات الهدى المنقذة لأهل الكوفة.

اولاً: الدعوة العامة للالتحاق بمناطق آل محمد صلوات الله عليه وآله.

في هذا الصدد يقول احد الفضلاء:
(الروايات في هذا المجال عديدة، منها قول الإمام الصادق عليه السلام: السفياني لا بد منه، ولا يخرج إلا في رجب، فقال له رجل: يا أبا عبد الله إذا خرج فما حالنا؟ قال: إذا كان ذلك فإلينا” (1)

ومنها موثقة سدير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا سدير ألزم بيتك وكن حلسا من أحلاسه واسكن ما سكن الليل والنهار فإذا بلغك أن السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو على رجلك. (2)

وكموثقة الفضل بن يونس الكاتب وهو يروي موقف الإمام الصادق عليه السلام مع كتاب أبي مسلم الخراساني وردّه إياه فأخذ أصحاب الإمام الصادق صلوات الله عليه يتهامسون ويتسارّون فيما بينهم، وكأنهم كانوا يريدون الإمام بأبي وأمي أن يقبل ما عرضه عليه الخراساني ولا يرفضه فقال: أي شئ تسارون يا فضل؟ ان الله عز ذكره لا يعجل لعجلة العباد، ولا زالة جبل عن موضعه أيسر من زوال ملك لم ينقض أجله. ثم قال: إن فلان بن فلان حتى بلغ السابع من ولد فلان، قلت: فما العلامة فيما بيننا وبينك جعلت فداك؟ قال: لا تبرح الأرض يا فضل حتى يخرج السفياني، فإذا خرج السفياني فأجيبوا الينا – يقولها ثلاثا – وهو من المحتوم. (3)

وكرواية يونس بن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا خرج السفياني يبعث جيشاً الينا وجيشاً اليكم، فإذا كان كذلك فأتونا على كل صعب وذلول. (4)

وكما في رواية محمد بن شريح أنه قال لجعفر بن محمد (عليهما السلام): جعلت فداك إني أخاف ألا أحج، فأعلمني شيئا إذا كان، أستريح إليه وأمد إليه عنقي، قال: السفياني إذا ملك الكور الخمس، يعنى الشام، فإذا ظهر على كور الشام فاقبلوا إلينا، قال: قلت له: في السلاح؟ قال: في السلاح، ثم قال: أما إن له شرة على المصرين، وعظمة على مكة والمدينة. (5)

ومن ذلك قول الإمام الصادق عليه السلام لأبي بكر الحضرمي: فإذا ظهر على الأكوار الخمس فأنفروا الى صاحبكم. (6)

من الواضح أن الروايات تؤكد على الإقبال على مواقع نصرة أهل البيت عليهم السلام، والاقتراب من أراضي المعارك مع هذا الخبيث، والتهيؤ للدخول في المعارك، وهذا التهيؤ يتلازم معه كل ما يتعلق به من التدريب والتمرين على استخدام مختلف الإمكانيات القتالية أو تلك التي تدخل في العمليات القتالية بصورة أو بأخرى، إذ لا معنى للإقبال الا من أجل النصرة، والمعركة التي ستكون ليست معركة سياسية وإنما هي معركة عسكرية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، إذ تستخدم فيها الأسلحة وأدوات القتال بكل تفاصيلها وبكل مستلزماتها.
والتبكير بالحضور الى ساحة الصراع ما يكفي للانخراط في كل الأمور التي من شأنها أن تجعل الإنسان مستعداً للمعركة مع هذا الخبيث، إذ لا معنى للنفور الى الامام عج قبل تسعة أشهر من ظهوره وهي المدة المحددة ما بين ملك السفياني للكور الخمس وما بين ظهور الإمام بأبي وأمي، الا طلب الاستعداد والتهيؤ) (7)

ولعل سائل يسأل: اين ستكون مواقع نصرة أهل البيت عليهم السلام؟

يجيب الفاضل:
(إن الاستعداد سيكون لما يأتي في المرحلة التي تعقب خروج السفياني الى الكوفة. وهذا الموقف متعلق بجميع المنتظرين في العالم، والدعوة صريحة الى نصرة رايتي الهدى: راية اليماني وراية الخراساني، وإن كان التأكيد على نصرة اليماني وتعريفه بأنه أهدى الرايات يعطي ساحته أولوية خاصة، وهذا التكليف مقرون بالاستطاعة والتمكن.

وقد حددت الروايات ثلاث مواقع رئيسية:
فمن تمكن المكوث في مكة أو بالقرب منها من أجل النصرة المباشرة للإمام الحجة عج، فهو مؤد للتكليف ولا ريب، ومن لم يستطع وكان في منطقة النصرة اليمانية أو تمكن من الوصول اليها فهو أيضاً يؤدي التكليف، ومن لم يتمكن من ذلك وكان في ساحة الانتظار الخراسانية أو تمكن من المكوث فيها، فهو أيضا في دائرة التكليف والأصل فيها التفرغ للنصرة والاستعداد لها بشكل جدي وعملي، حتى وإن لم يتمكن من الوصول الى كل هذه المناطق) (8)

المصادر:
(1) غيبة النعماني ص302
(2) الكافي – الشيخ الكليني – ج 8 – ص 264
(3) الروضة ص 331
(4) غيبة النعماني 318 ب 18 ح17
(5) الأصول الستة عشر: 67، أصل جعفر بن محمد بن شريح الحضرمي.
(6) سرور اهل الايمان في علامات ظهور صاحب الزمان: 50
(7) كتاب علامات الظهور/ الشيخ جلال الدين الصغير ج2 ص282
(8) المصدر السابق ص284 بتصرف.

أضف تعليق