بحث علامة السفياني (الجزء الثالث عشر)

السفياني في بغداد

في الجزء السابق من البحث ختمنا عند وصول جيش السفياني الى مشارف بغداد وفق خارطة سير جيش السفياني التي رسمها اهل البيت عليهم السلام، اذ بعد وصول جيش السفياني عقرقوفاء، وهي منطقة عقرقوف الاثرية الواقعة غرب بغداد، يقرر السفياني اقتحام بغداد واسقاط الحكومة العراقية.

ينقسم جيش السفياني القادم الى العراق من الشام الى قسمين: قسم يدخل العراق من ناحية الموصل نحو سامراء للقضاء على مركز قوة الإقليم الغربي في تكريت بإلقاء القبض على عوف السلمي، والقسم الثاني يدخل من ناحية البو كمال نحو المدن الأنبارية الفراتية، ولشدة تنكيله بالناس، تحدثت الروايات عن كفر السفياني، ومحو الإيمان من قلبه، فقد ورد في الرواية:

(عن رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله أنه قال: إذا عبر السفياني الفرات، وبلغ موضعاً يقال له عقرقوفا محا الله تعالى الإيمان من قلبه، فيقتل بها الى نهر يقال له الدجيل سبعين الفاً مقلدين سيوفاً محلاة، وما سواهم أكثر فيظهرون على بيت الذهب، فيقتلون المقاتلة والأبطال، ويبقرون بطون النساء يقولون لعلها حبلى بغلام، وتستغيث نسوة من قريش على شط الدجلة الى المارة من أهل السفن يطلبن إليهم أن يحملوهن حتى يلقوهن الى الناس، فلا يحملوهن بغضاً لبني هاشم) (1)

وفي الرواية (لا يعبر السفياني الفرات إلا وهو كافر) (2)

ينحدر جيش السفياني نحو بغداد فيدخلون المنطقة الخضراء ويقتلون بها ثلاثة الاف من أهلها، ويقتلون ثلاثمائة من السياسيين والقيادات العراقية ويقتلون ثلاثمائة امرأة ويغتصبون مائة.

فقد ورد في الرواية:
(من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه (واله) و سلم : و ذكر فتنة تكون بين أهل المشرق و المغرب فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم السفياني من الوادي اليابس في فوره ذلك حتى ينزل دمشق ، فيبعث جيشين جيشاً إلى المشرق و جيشاً إلى المدينة ، فيسير الجيش نحو المشرق حتى ينزل بأرض بابل في المدينة الملعونة و البقعة الخبيثة يعني مدينة بغداد، قال: فيقتلون أكثر من ثلاثة آلاف و يفتضون أكثر من مائة امرأة، و يقتلون بها أكثر من ثلاثمائة كبش من ولد العباس، ثم ينحدرون إلى الكوفة فيخربون ما حولها) (3)

تتحدث الرواية أعلاه عن جيش السفياني الذي في العراق، حيث أنه بعد معاركه في المنطقة الغربية ينزل في المدينة الملعونة والبقعة الخبيثة (ارض بابل) والمراد بأرض بابل هو (منطقة الحكم) حيث ان الأصل الاصطلاحي لكلمة (بابل) هو (بيت أيل) أو (بيت الحاكم) وذلك الشاهد الذي سميت به مدينة بابل العراقية، ما هو الا آثار قصر الحاكم البابلي، لذا فالمراد بأرض بابل التي في بغداد هي المنطقة الخضراء الحالية، وتسمى بالزوراء لإزورار النهر عليها، أي التفافه عليها، وقد تشمل بعض المناطق المجاورة لها، وهي ذاتها البقعة التي تحدث عنها أمير المؤمنين عليه السلام، عندما جاز بالجيش بعد عودته من حرب النهروان، ذاهبا بإتجاه براثا فلما مر بهذه المنطقة وحان وقت الصلاة، لم يصلي فيها حتى وصل الى موقع مسجد براثا فردت له الشمس هناك. فقد ورد في الرواية:

(أنّ أمير المؤمنين عند مكوثه في موضع مسجد براثا، صاح فقال: يا بئر (بالعبراني) أقرب إليّ، فلمّا عبر إلى المسجد وكان فيه عوسج وشوك عظيم، فانتضى سيفه وكسح ذلك كلّه وقال: إنّ هاهنا قبر نبيّ من أنبياء الله، وأمر الشمس أن ارجعي، وكان معه ثلاثة عشر رجلا من أصحابه، فأقام القبلة بخطّ الاستواء وصلّى إليها) (4)

والرواية التالية تشير ايضاً الى كون تلك البقعة الملعونة في بغداد:
(يخرج السفياني حتى ينزل دمشق، فيبعث جيشين إلى المدينة خمسة عشر ألفا ينتهبون المدينة ثلاثة أيام ولياليهن، ثم يسيرون متوجهين إلى مكة وذكر الحديث، وقال: ثم يسير جيشه الآخر في ثلاثين ألفا وعليهم رجل من كلب حتى يأتوا بغداد، فيقتلون بها ثلاثمائة كبش من ولد العباس، ويبقرون بها ثلاثمائة امرأة، قال ثوبان: فسمعت رسول الله صلى الله عليه (واله) وسلم يقول: وذلك بما قدمت أيديهم وما الله بظلام للعبيد) (5)

كما ورد في رواية طويلة، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: .. ويبعث السفياني مئة وثلاثين ألفاً إلى الكوفة فينزلون بالروحاء والفاروق، وموضع مريم وعيسى بالقادسية، ويسير منهم ثمانون ألفاً حتى ينزلوا الكوفة. (6)

تتحدث الرواية عن احتلال جيش السفياني لبغداد، وإرساله جيشاً الى الكوفة بعد ذلك، وفي بغداد ينقسم جيش السفياني الى ثلاث أفواج، فوج يحتل (الروحاء) والروحاء كما حققناها تنطبق على المنطقة الخضراء وكما اشارت الرواية السابقة، والفوج الثاني يحتل (الفاروق) والفاروق كما حققناه هو المطار، اذ هو مشتق لغوياً من مفترق الطرق بين المسافر والعائد، والمظنون أنه مطار بغداد، وبالطبع فإن لأي احتلال عسكري ينوي السيطرة على بغداد؛ ستكون المنطقة الخضراء ومطار بغداد منطقتين إستراتيجيتين بالنسبة له، أما الفوج الثالث فسوف يحتل موضع مريم وعيسى في المنطقة المقدسة في بغداد، والتي تسمى بالقادسية.

وقد أشار فضيلة الشيخ علي الكوراني في كتابه عصر الظهور في تحديد موضع مريم وعيسى في القادسية الى مسجد براثا بقوله (ويوجد بعض روايات تذكر أو تشير إلى أن مريم وعيسى عليهما السلام قد زارا العراق ونزلا القادسية، وبقيا مدة في مكان مسجد براثا قرب بغداد، والله العالم) (7)

إذن المنطقة الثالثة هي مسجد براثا، وقد يكون ذلك بسبب إستراتيجية المسجد في مجاهدة وممانعة السفياني، او ان وحدات من جيش السفياني تتخذ من موضع مسجد براثا مستقراً لها.

وتتحدث الروايات عن أن خراب الزوراء وهي منطقة الحكم والمناطق المجاورة لها على يد جيش السفياني ، فقد ورد في الرواية:
(عن أمير المؤمنين عليه السلام: تبنى مدينة بين الفرات ودجلة يكون فيها شر ملك بني العباس وهي الزوراء يكون فيها حرب مقطعة تسبى فيها النساء ويذبح فيها الرجال كما تذبح الغنم قال أبو قيس فقيل لعلي رضي الله عنه يا أمير المؤمنين: قد سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم الزوراء ، فقال : لأن الحرب تزور في جوانبها حتى تطبقها أما هلاكها على يد السفياني كأني بها ، والله قد صارت خاوية على عروشها)(8)

تؤكد الرواية أعلاه والروايات التالية على أن خراب منطقة الحكم في بغداد سيكون على يد جيش السفياني، حتى لا يبقى منها الا السور، وحتى يمر المار فيقول ها هنا كانت الزوراء.

فعن المفضل بن عمر عن الإمام الصادق عليه السلام، قال المفضل: (يا سيدي فالزوراء التي تكون في بغداد ما يكون حالها في ذلك الزمان؟ فقال: تكون محل عذاب الله وغضبه .. بعد ذلك يخرجها الله تعالى بالفتن، وعلى يد هذه العساكر حتى إن المار عليها لا يرى منها إلا السور (وقد يعني بقاء السور، رغم شدة المعارك، ان ثمة سور سوف يبنى على منطقة الحكم ويكون سوراً قوياً منيعاً) (9)

تؤكد هذه الرواية أن الزوراء هي منطقة من مناطق بغداد، وتخرب على أيادي العسكر، وهم عسكر السفياني كما أشارت الرواية السابقة، ويبدو أن معاركاً ضارية تحدث فيها، حتى تخرب فلا يبقى شاهقاً فيها سوى السور.

وفي رواية عن الإمام الصادق عليه السلام واصفاً ما يجري على الزوراء قال: حتى لو مر عليها المار فيقول: ها هنا كانت الزوراء. (10)

وقد أشار أحد الفضلاء الباحثين في القضية المهدوية الى تلك الرؤيا بقوله:
(القرائن الحافة ككلمة المدينة الملعونة أو البقعة الخبيثة لا يعقل أن تطلق على مدينة بغداد، وفيها ما فيها من مواطن الهدى ومكامن الإيمان، فهي أما أن تطلق على خصوص المنطقة القديمة من بغداد، أو ما يرمز للعاصمة من الناحية السياسية، وعندئذ ستكون منطقة الزوراء التي يطلق عليها المنطقة الخضراء هي المقصودة …) (11)

على إثر إسقاط جيش السفياني للحكومة العراقية في بغداد، يخرج رجل من النجف الأشرف تسميه إحدى الروايات (علي) حيث يتخذ ذلك الرجل موقفاً صارماً من الاحتلال السفياني، فيبعث له السفياني فوجاً عسكريا فيقتله، فتثور عشائر النجف على جيش السفياني فيقتل منهم جيش السفياني ستون الفاً في ساعة من النهار.

المصادر:

(1) الفتن 171
(2) عقد الدرر في أخبار المنتظر عقد الدرر: ص ٧٩ ب‍ ٤ ف‍ ٢، السنن» بَابُ مَا جَاءَ فِي السُّفْيَانِيِّ وَأَهْلِ الْمَغْرِبِ ص92 رقم الحديث: 548
(3) تفسير الطبري22: 72، وذكرها الثعلبي في تفسيره 8: 95
(4) مناقب ابن شهر آشوب، باب إخباره (عليه السلام) بالغيب 2: 265
(5) الخطيب البغدادي -المصدر: تاريخ بغداد -الصفحة أو الرقم: 1/65
(6) البحار:53/ 82
(7) عصر الظهور/ الكوراني ص29
(8): التذكرة للقرطبي -الصفحة أو الرقم: 597
(9) (بحار الأنوار ج53 ص14 و15، بشارة الإسلام ص143، يوم الخلاص ص701).
(10) الهداية الكبرى: 403
(11) علامات الظهور للشيخ جلال الدين الصغير ج2 ص 262

أضف تعليق