بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، بحث الامريكان عن طريقة للانتقام من الالمان، فعمدوا الى صناعة الديكتاتورية في المانيا من اجل إنهاك تلك الإمبراطورية المخيفة واخضاعها الى الابد، فصنعوا لهم هتلر.
هكذا وعلى ذات المنوال سعت الامبريالية الامريكية الى صناعة الديكتاتوريات في البلاد العربية، وعمدت الى اختيار شخصيات ذات سمة قومية، لان القومية العربية تعتنق الأيديولوجيا العلمانية، وتلك القيادات القومية لا تتورع من ان تسن أي قانون مخالف للشريعة الإسلامية، بغية نشر الفكر العلماني المباين للإسلام، حيث ان صناعة القيادة الديكتاتورية هو خير سلاح لإنهاك الأمم من داخلها.
بعد انطلاق ما يسمى بالربيع العربي، سعت الامبريالية الامريكية الى صناعة القيادة الإسلامية الديكتاتورية الجدلية، حيث الاستفادة من النوازع النفسية لبعض القيادات الدينية بغية اختراق المنظومة الدينية القائدة للامة الإسلامية، والقضاء على الإسلام السياسي.
ان رجل الدين وفق الثوابت الإسلامية، ينبغي ان يكون متديناً ورعاً وزاهداً في الأمور الدنيوية، بيد ان هنالك شخوص دينية جدلية في الميدان القيادي يعدون من أصحاب الاهواء والنزعات النفسية المريضة، اذ لم يتمكن هؤلاء من التدرج وبلوغ قمة الهرم الحوزوي والشعور بلذة الوجاهة والسلطة، فشرعوا الى التطلع نحو انشاء مدرسة دينية لأجل تهافت الطلبة الغر عليهم، والجلوس تحت منابرهم والاستقاء من علومهم! وبالتالي الإشارة إليهم بالبنان، فذلك الطالب المجتهد المشهور درس في مدرسة ذلك الأستاذ، ومدرسة ذلك الأستاذ خرجت كذا وكذا من الطلبة، وهكذا يكون السعي نحو تسنم منصب المرجعية والتقليد ومن ثم الزعامة الدينية.
بعض أولئك المرضى من طلبة العلوم الدينية، لا يستطيعون بلوغ تلك الدرجات العلمية العالية، بسبب محدودية عقولهم وافهامهم، فيتجهون نحو ميادين أخرى كالسياسة، سيما مع اتاحة المجال لطلبة العلوم الدينية لممارسة القيادة تحت مظلة العقيدة السياسية، بمعنى تدين السياسة او السياسة المتدينة، وذلك ما جرى بعد قيام الثورة الإسلامية المباركة في إيران، وبعد سقوط نظام البعث في العراق وانخراط الأحزاب والتيارات الإسلامية في العمل السياسي.
ان نظرية هتلر والتي كانت عبارة عن مخطط امريكي، على أساس اختيار شخصية جدلية من داخل المجتمع المستهدف، وتمكين تلك الشخصية من بلوغ السلطة وفق منهجية مدروسة ومخطط لها جيداً، حيث تقوم تلك الشخصية الجدلية بالبحث عن فرصة مواتية للاستيلاء على السلطة، وذلك من خلال ذات الدستور والنظام الديمقراطي الذي يحكم البلد المستهدف، تماما كما جرى في مصر من تمكين الاخوان المسلمين.
تبدأ مسيرة الديكتاتور في المشاركة في العملية السياسية، والبحث عن فرصة مواتية للاستيلاء على السلطة، وتكرار المحاولات ولو على مدى عدة دورات انتخابية، والطريق المختصر يكون عن طريق المشاكسة السياسية، واستغلال ظروف الازمات الاقتصادية او افتعالها، ونقض الحكومات من خلال تظاهرات مناوئة للسلطة والأحزاب المنافسة، والضغط باتجاه اجراء عدة انتخابات مبكرة متتالية حتى بلوغ الأغلبية البرلمانية، وذلك من اجل اختصار الوقت وضمان نجاح المخطط.
مراحل مسيرة الديكتاتور:
1- المشاركة في العملية السياسية وتحشيد الاتباع تجاه المشاركة الفاعلة في الانتخابات، بغية حيازة أكبر عدد ممكن من المقاعد البرلمانية، ومن ثم التغلغل في الدولة وتحصيل الدرجات الخاصة (الوزارات، الوكلاء، المستشارين، المدراء العامين.. الخ)
2- المشاكسة في العملية السياسية، واتباع منهج التظاهرات الشعبية المسيّسة، او ركوب أمواج التظاهرات الشعبية الأخرى، والسعي لنقض العملية السياسية والسعي لتزوير الانتخابات لصالحه ومن ثم الطعن بنزاهتها والطعن بقانون الانتخابات والعملية الانتخابية برمتها، فإذا ما تمكن من تغيير قانون الانتخابات لصالحه، ودعى الى انتخابات مبكرة فعل ذلك وانتقل الى الخطوة اللاحقة.
3- إذا ما تمكن الديكتاتور من تحصيل عدد مقاعد برلمانية أكبر، تحول الى مرحلة (ام الولد) حيث يصبح المدافع عن الشرعية والعملية الانتخابية، ويسعى الى تحقيق الأغلبية البرلمانية لغرض تشكيل الحكومة، فاذا ما فشل في ذلك، عمد الى خلق أزمات سياسية واقتصادية والنزول الى الشارع، وتخريب العملية السياسية والمطالبة بحل البرلمان واجراء انتخابات مبكرة، وتتكرر هذه الحالة مرارا حتى يبلغ غايته.
4- بالإضافة الى المشاكسة السياسية وافتعال الازمات الاقتصادية في البلد او استغلال ظروف الازمات الاقتصادية العالمية، والقيام بكل عمل من شأنه الاضرار باقتصاد البلد، وفي المقابل الظهور بمظهر مغاير، واستخدام البروبوغاندا (التضليل الإعلامي) بالحديث عن تعزيز اقتصاد البلد! حيث يقوم الديكتاتور بانشاء ميليشيات إجرامية سمتها اثارة الفوضى والعنف المزدوج من خلال ترهيب الشعب تارة والدفاع عنهم أخرى، واستخدام سياسة العصا والجزرة، فتراه تارة يشرع الى استخدام العنف وأخرى يسعى الى السلام وحلحلة المشاكل العالقة، وذلك ضمن ممارسة سياسية جدلية مخطط لها، ظاهرها الفوضوية وباطنها التخطيط المتقن، مستنداً الى نظرية الذاكرة السمكية لدى المجتمع، حيث ان الاحداث الكثيرة والمؤثرة في المجتمع تؤدي الى تماهي اجرام المجرم واظهاره بمظهر المصلح!
5- قيام الديكتاتور بتوجيه اتباعه نحو القيام باعمال السلب والنهب والاغتنام والهيمنة على الأراضي العامة واستثمارها، بغية تحسين أوضاعهم المادية بأي صورة ممكنة، وكذلك إنجاز مشاريع التكافل الاجتماعي بين اتباعه، بحيث لا يعترض جمهوره على أفعال القيادة المضرة اقتصاديا بالبلد.
6- الإشادة الدولية بما يصدر من ذلك الديكتاتور السياسي، من حلول للازمات التي كان هو السبب الرئيسي في افتعالها! وكذلك اشادة الحكومة بما يقوم به من أفعال ظاهرها تعزيز قوة الحكومة وباطنها حفر الانفاق والدهاليز بغية انهيار الأرض من تحت اقدامهم.
7- السعي الدؤوب من اجل إيصال مرشح تابع للديكتاتور الى سدة الحكم بصورة مؤقتة في أوقات الازمات، من اجل تنفيذ بعض الاجندات الجزئية، وتمهيداً للقيام بخطوات متقدمة.
8- انتهاج نظرية حافة الهاوية في الصراع مع الخصوم السياسيين.
9- تقول النظرية السياسية: ان الأوقات الصعبة تكون ارضاً خصبة جداً للحلول الراديكالية، سواء كانت حلولاً يمينية او يسارية ليبرالية.
10- السعي نحو إيصال الأوضاع الاقتصادية الى حافة المجاعة.
11- السعي نحو تخفيض سعر العملة المحلية في قبالة العملات الدولية، والتلاعب بعملية بيع العملة الصعبة، وتوجيه الأمور باتجاه انهيار بعض البنوك المحلية، وكل ذلك يحصل على أثر السيطرة على البنك المركزي للدولة.
12- استغلال هاجس مواطني الدولة بحاجتهم الى قائد فريد لأجل عبور المرحلة الصعبة، وحيث يقدم الديكتاتور نفسه كقائد ضرورة.
13- لقد أدت الظروف الاقتصادية والأمنية لشعب ديمقراطي ذو تاريخ عريق مثل الشعب الالماني، شعب متعلم ومثقف، بلغت فيه نسبة الامية قرابة الصفر، وكان يمتلك أكبر اقتصاد في اوربا، الى ان يختار قائد شمولي وعنصري مثل هتلر في انتخابات حرة ونزيهة!
14- السعي نحو تحويل الدولة الديمقراطية الى دولة ديكتاتورية بالرغم من وجود دستور وانتخابات، وبرلمان وتعددية حزبية، وقوانين تحمي الانتخابات والحريات! فالديكتاتوريات فن وصنعة، بيد انها لا تنجح الا تحت مظلة الدعم الخارجي والاجندات الأجنبية.
15- نزول المليشيات التابعة للديكتاتور الى الشارع عدة مرات واستعراضها للقوة، كاجراءات تدريبية وجس نبض الشارع، والقيام باستهداف مقرات الأحزاب في أوقات المساء التي تخلو فيها هذه المقرات وتخريبها واحراقها، من اجل إزاحة الأحزاب المناوئة عن اعين الناس، واجبار بعضها على اغلاق مقراتها، اذ تعد هذه المقرات سورا من اسوار الحماية للأحزاب المناوئة للديكتاتور، ويعد استهدافها تمويهاً من قبل الديكتاتور على ما سيقوم به اتباعه مستقبلاً، اذ انهم سوف يجنحون نحو استهداف منازل القيادات وعوائلهم بعد ذلك، وهم في غفلة عن مخططات الديكتاتور.
16- قيام اتباع الديكتاتور باقتحام مقر البرلمان عدة مرات، والحط من مكانة البرلمان من خلال القيام بفعاليات ساخرة ومهينة، وتجربة ارعاب أعضاء البرلمان، وذلك من اجل التهيئة لتنفيذ الخطوات التالية، واثناء ذلك يقوم الديكتاتور باشراك ميليشياته في اعمال مسلحة ضد القوات الحكومية بداعي حماية المتظاهرين، ومن ثم قيام الديكتاتور بسحب المليشيات وانهاء التظاهرات وتوبيخ ومعاقبة بعض القيادات في ميليشياته، والتي يظهرها متورطة في اشعال فتيل الفتنة دون علمه! وإعلان تجميد بعض تشكيلاته السياسية والمليشياوية والاجتماعية والاقتصادية.
17- اذا اقتضى الامر في حال ابداء خصوم الديكتاتور أي ممانعة لمخططاته، يعمد الديكتاتور الى حرق مقر البرلمان عن طريق التظاهرات الشعبية التي يقوم بها أنصاره، والقاء تهمة الحرق على بعض اتباعه ومعاقبتهم! ويعد حرق مقر البرلمان طعنة في صدر الديمقراطية بغية التخلص من خطر البرلمان والأحزاب المناوئة الى الابد!
18- اجراء الانتخابات المبكرة وتزويرها لصالح حزب الديكتاتور، والسعي قبل ذلك الى تشويه سمعة الأحزاب والتيارات السياسية المناوئة، بغية تقليل مقاعد تلك الأحزاب والتيارات الى اقل عدد ممكن، بحيث لا يتمكنوا من بلوغ الثلث المعطل لتشكيل الحكومة، عن طريق خلف فتن متعددة ومتتالية، وإذا لم يتسنى له ذلك يقوم بسحب نوابه من البرلمان واتخاذ منهج المشاكسة السياسية.
19- المطالبة بتحويل النظام البرلماني الى نظام رئاسي.
20- في اخر انتخابات مبكرة وعقد الجلسة الأولى للبرلمان، يعمد نواب الديكتاتور الى طرد الأقلية البرلمانية من أعضاء الأحزاب والتيارات المناوئة لهم من مقر البرلمان باستخدام التهديد والعنف المفتعل، وابتزاز بعضهم وتشويه سمعة البعض من خلال نشر تسجيلات صوتية ومصورة لتسريبات تدين بعض أولئك الأعضاء وبعض قيادات تلك الأحزاب والتيارات المناوئة، لكي لا يشاركوا في تشكيل الحكومة، وذلك ما يجبر بقية أعضاء البرلمان على الانصياع لرغبات الديكتاتور والتصويت على القرار.
وإذا لم يتسنى له ذلك يقوم بافتعال فوضى جديدة واقتتال يدوم أيام، في حرب شوارع تشمل سائر محافظات البلد، يقوم من خلالها بقتل اعداد كبيرة من القيادات وعوائلهم من الأحزاب والتيارات المناوئة والمشاركة في العملية السياسية والحكومة، والايعاز الى ممثلين في الحكومة تابعين له وقادرين على اعلان حالة الطوارئ في البلاد وتفعيل الاحكام العرفية، وتعليق الحريات المدنية والسياسية، بحجة مواجهة الفوضى! وإصدار قرار بحل البرلمان وتنظيم انتخابات برلمانية جديدة وسريعة، وفي الوقت ذاته يقوم باعفاء بعض قيادات مليشياته، واغتيال واخفاء بعضهم، وبذلك يستقطب قطاعات واسعة من الشعب الى جنبه.
وقبل ذلك يقوم الديكتاتور بالمناورة في فك التجميد لبعض تشكيلاته، كالتشكيلات الاقتصادية والاجتماعية، وإعلان التطوع النفيري في ميليشياته، وازدياد اعدادهم ليتجاوز اعداد ميليشيات الأحزاب الأخرى، وعديد القوات الأمنية الحكومية.
٢١- اذا لم تنفع التظاهرات السلمية باسقاط الحكومة، يتم السعي باتجاه الانقلاب العسكري كما حصل في مصر بالانقلاب على مرسي، واذا لم ينفع ذلك تتم مواصلة تطبيق نظرية هتلر.
٢٢- قيام الدكتاتور بالايعاز الى مليشياته بقتل دبلوماسيين عراقيين (شعبويين او مستقلين) والقاء التهمة على ميليشيات الأحزاب والتيارات المناوئة.
٢٣- اقناع البرلمان الموجود بالرغم من تنوعه على التصويت لصالح تمكين الحكومة بإصدار القوانين دون الرجوع الى البرلمان، وإصدار الحكومة قرار حل جميع الأحزاب والفصائل المسلحة وحتى مليشيات الديكتاتور، وقيام الديكتاتور بتجميد ميليشياته غير الرسمية تماشيا مع القرار.
٢٤- عمل تصويت على رئاسة الجمهورية وقيام الديكتاتور بالترشيح بنفسه، مع عمل بروبوكاندا للديكتاتور.
٢٥- اصدار مجموعة من القوانين لتجريم التحزب، واعفاء كافة المدراء العامين والدرجات الخاصة من المنتمين الى الأحزاب السياسية.
٢٦- من الإجراءات التي يقوم بها الديكتاتورمن خلال الحكومة المؤقتة التابعة له بالإضافة الى ما مر بغية الفوز بقلوب وعقول الناس:
أ- الاهتمام بالبنية التحتية مثل (تبليط الشوارع) وتطوير طرق النقل البري، والانفاق على أمور يراها الناس امام اعينهم، مع استخدام البروبوكاندا.
ب- تشغيل العاطلين عن العمل، والسعي نحو تحسين اقتصاد البلد، واستغلال ظروف تحسن الاقتصاد العالمي وصعود أسعار النفط ووجود الوفرة المالية، وقد يسعى الى رفع سعر العملة المحلية في قبالة العملات العالمية الصعبة.
ج- الايهام بتعرض الديكتاتور الى محاولة اغتيال، وتعاطف الناس معه، واتهام الأحزاب والتيارات السياسية واجنحتها العسكرية بذلك.
د- تصريح الديكتاتور باتباع منهج الإصلاح ومحاربة الفساد والفاسدين!
هـ – مطالبة الحكومة بفرض ضرائب على القيادات والأحزاب المناوئة للديكتاتور والفصائل المسلحة التابعة لهم.
و- أصدر هتلر كتاباً عنوانه (كفاحي) بين فيه للشعب الألماني ولأتباعه مكامن القوة التي يمتلكها، وكتب فيه مذكرات كفاحه، ليبدي لهم قيمة قيادته للامة الألمانية، وكونه القائد الضرورة للأمة.
خاتمة: ان ما يظهره الديكتاتور هو بخلاف ما يبطنه، وجميع تصريحاته بالتهدئة وضبط النفس والدعوة الى حقن الدماء ونبذ العنف والابتعاد عن الفوضى، ما هي الا خطوات ضمن اجندات المؤامرة التي يقودها الديكتاتور للانقلاب على العملية السياسية، فالمسألة لدى الديكتاتور صراع وجود، إذ ان الديكتاتور اما ان يكون او لا يكون، ولا ينبغي الاغترار بالأوجه المتعددة التي يبديها الديكتاتور، فلا يطمئن للشيطان الا الغافل.
والسلام على من اعتبر.
