كما عودناكم دوماً ان حديثنا لن يكون يوما ما تقليدياً، وانما يكتنف في طياته ما هو جديد وفريد ومعزز للفكر وكل ما هو ذي صلة بالموضوعية وما هو منار بالهدى، وليس ذلك زهوا ولا تفاخراً وانما هو من باب (وإما بنعمة ربك فحدث)
حديثنا اليوم عن جانب من الشعائر الحسينية، التي يتعرض أصحابها للنقد والتوهين، والقذف بشتى أصناف التهم والشتائم، إن من قبل أعداء المذهب والمتصيدين بالماء العكر، او حتى من بعض الأوساط الموالية التي لم تستنير بهدي الحسين عليه السلام، أو إنها أصيبت بالغفلة واستدرجها ألق الحضارة الغربية الزائفة، وعنفوان وزبارج العصر الحديث (ما خلا الفتاوى الخاصة بمكان ما او زمان ما يقتضيها الشرع المقدس) متناسية عظم المصيبة التي أصابت الأمر الإلهي والإسلام الحنيف والحضارة الإنسانية، بقتل الحسين وأولاده وأصحابه وسبي نسائه، ولعمري إنها الطامة بعد الطامة منذ رفض ابليس السجود لآدم عليه السلام، وسم النبي المصطفى صلوات الله عليه، ومن بعد ذلك طامة بني ساعدة، واقصاء الإمامة، وكسر الضلع المقدس واسقاط الجنين المشرف واحراق دارها ولطمها على وجنتها وعضدها والكلام الجارح الذي كسر قلب الإسلام والإنسانية بقول الوزغ ابن الوزغ (وإن)
ثم طبر الولي وسم الزكي وما جرى من بعد ذلك من ويلات تتبعها ويلات، وفتن مقبلات مدبرات، وهنات من بعدها هنات، حتى عصرنا الحاضر، ثم يأتي من بعد ذلك من ينتقد قلامة ما يبذل وفضالة ما يقدم في سبيل كل تلك الجرائم العظام والحوادث الجسام، تماما كما لو ان رجلاً يرى طفلا له يغرق في النهر، وثمة من يقول لوالده لا ترمي بنفسك خشية ان تغرق، بل ارتدي النجادة الفلانية، واختار اللون الفلاني، او استقل القارب، او انتظر حتى تأتي النجدة …الخ
صه يا هذا بل ليرمي بنفسه الى الماء وكفى.
ولعل ثمة من يقول ان تلك الأفعال؛ سواء التطبير، أو السير على الجمر، أو التطين، أو الزحف بين الحرمين الطاهرين، أو لطم الصدور وجلد الظهور، أو ما الى ذلك من الشعائر التي يبذل فيها جهداً مؤذياً للنفس بأنها أفعال غير حضارية وان من يقوم بها هم جهلة الناس، وان آثار تلك الأفعال سلبية وتوهن المذهب الشريف، وتقلل من شأن المذهب أمام العالم المتحضر وأمام المخالفين والنواصب!
والآن تعالوا معي لنسبر أغوار تلك الشعائر من الجوانب العلمية والأمنية والسياسية والحضارية والاجتماعية.
لقد اثبت العلم التجريبي الحديث مصدقاً لسنن الإسلام المحمدي الشريف المتوافقة والمتناغمة مع فطرة الخليقة واصل التكوين، ان اسالة الدماء سواء بالصورة الطبية عن طريق التبرع بالدم أو عن طريق الجرح كالحجامة وسواها، له من الفوائد الصحية الجمة، والتي تكون كفيلة بإعادة تنشيط الدورة الدموية لدى الانسان وتفعيل حيوية الجسم والتخلص من المواد السامة في الدم، وينطبق الأمر في ذلك على بقية الشعائر، كالتطيين الذي بات من مكتشفات التجارب الطبية الحديثة جداً، حيث اثبت الطب الحديث ان قيام الأطفال باللعب بالطين يعد أمراً ايجابياً يعمل على زيادة المناعة لدى اجسامهم ضد الامراض المختلفة، ويعزز من حالة الاستقرار النفسي وتصريف الطاقة الزائدة لدى الطفل بأسلوب طبيعي، وزيادة معدلات الذكاء، حتى اصبح اللعب بالطين في البيئة الاعتيادية حصة مدرسية في بعض ارقى مدارس الأطفال في البلدان الغربية المتحضرة، وسوف يكون من بديهيات الحضارة في المستقبل القريب، ولا يقتصر ذلك على الأطفال بل ينجر الى مختلف الفئات السنية.
كما ان عملية اسالة الدماء الطوعية سواء من الهامة او الظهر، لها من الفوائد الجمة من الناحية التدريبية والتأهيلية العسكرية، فالذي يخشى القتال والجراح ونزف الدماء في الحروب، حينما يجرب التطبير سوف يجد ان ما كان يخشاه من الهون بمكان، ما من شأنه أن يفصل بين الحالة الاعتيادية والفوبيا من الدم والجراح والألم!
وذلك الأمر ينجر الى حالات الزحف التي يقوم بها بعض الشباب، فإن عملية الزحف بين الحرمين مثلا، هي مثال تدريبي عسكري قد يشق على الكثير من الجنود تأديته حينما يكون فرضا من فروض التدريب في الجندية، بينما يقوم هؤلاء الشباب الحسينيون بأداء ذلك التدريب طوعاً وطاعة لذلك القائد المفدى الذي قدم اعز ما يملك فدائاً لشيعته ومحبيه.
اما بشأن شعائر اللطم وجلد الظهور وما الى ذلك، فإن شعور الانسان الموالي بالذنب والتقصير تجاه العطاء الحسيني لشيعته ومواليه، وما أحاط بالنفس البشرية من رين ورجز وخمول وكسل وتوان تجاه المنهج التشريعي والحياتي الذي سنه دين الفطرة، فإن الدستور الإسلامي بدوره شرع العديد من الحدود التي قد تبلغ عشرات الجلدات بالسياط، ككفارة موضوعية علمية سايكولوجية، تهدف الى احداث صحوة في نفس الانسان الذي اقترف ذنباً ما، شريطة ان لم يؤدي ذلك الذنب الى خراب وفساد اجتماعي يقتضي الرجم أو القتل بشتى صنوفه أو الحبس الإصلاحي على أقل تقدير، وينجر ذلك الى الوقاية من تلك الاضرار الاجتماعية، كضرب المرأة التي قد نشزت عن زوجها بعد النصح والإرشاد والهجران في الفراش، وسائر أفعال التأنيب العاطفي والمشاعري، فلا يبقى في نهاية المطاف سوى عامل الضرب الذي قد يؤدي الى الصحوة لدى تلك الزوجة الغافلة التي استغفلها الشيطان واتبعت هوى نفسها واحاطت مخيلتها بهالة من مشاعر الظلامة والإضطهاد والجور الوهمية والتي قد تسول لها نفسها بذلك تبرير ما سوف يوسوس لها الشيطان لاحقاً من أفعال الفساد، والا فإن الطلاق سيكون الحل الأخير، وانما يكون الضرب خشية أن يقع من تلك المرأة أي فعل من أفعال التخريب والافساد الاجتماعي التي توجب الرجم أو القتل أو الطلاق، ويكون حينها الضرب أهون تلك الأمور.
اكتشف بعض علماء الغرب ان الجلد بالسياط، له من الفوائد والمزايا التي لا تكاد تحصى، حتى ان بعضهم افتتح مراكزاً للعلاج النفسي بواسطة الجلد الطوعي في دول اوربية يرتادها الكثيرون من الناس، بغية تحصيل العلاج النفسي العاجل، إذ يضاهي ذلك العلاج الطبيعي العديد من الجلسات الطبية في عيادات الأطباء النفسيين، والذي قد يكلف الكثير من الأموال وهدر الوقت والجهد الذي يبذله كل من الطبيب النفسي والمريض على حد سواء، ولعل تلك الظاهرة مازالت في طور الاستغراب لدى المجتمعات الغربية، بيد انها كغيرها من الممارسات التي تعاب على المسلمين، حتى من كثير من أبناء الإسلام انفسهم، ويعدونها رجعية ولا إنسانية وجهلية وتخلفية وما الى ذلك من نعوت؛ ستكون من اكتشافات العلم الحديث إن حاضراً او مستقبلاً، وآخرها ما اشرنا اليه من فوائد للطم على الصدر من رفع للمناعة الذاتية في جسم الانسان مما يجعل الجسم يفرز المضادات الحيوية ويفعل الخلايا العاملة على طرد فايروسات مثل فايروس كورونا.
ان الانسان يألف تعرضه للألم العلاجي وقد يبذل في سبيله الأموال والجهد والسفر بغية تحصيل العافية وقد يجري العديد من العمليات الجراحية، بينما لا يكلف نفسه عناء التفكير حتى، في تحصيل الوقاية اليسيرة، فما بالك بالوقاية مع الألم، وكما يقال (درهم وقاية خير من قنطار علاج) ولعل الكثير منا ينسب الخير الذي هو اليوم فيه لنصيحة تلقاها من والده او معلمه عن طريق صفعة كف او ضربة عصا او ما الى ذلك، جعلته ينتفض على واقعه وينفض عن نفسه غبار الغفلة.
بالطبع نحن لا ندعو الى العنف، مع التذكير بأن العنف بصورة عامة ليس أمراً سلبيا كما يظنه الكثيرون، بل ان العنف السلبي هو ذلك المصحوب بمشاعر سلبية كالضغينة والانتقام والتشفي وما الى ذلك، والا فإن عصا المعلم المصلح ليست كعصا المعلم المفسد او عصا العابث والغاضب، لا يستويان.
اذن حينما يتطوع الانسان الحسيني لجلد نفسه او لطم صدره، انما يزيل عن نفسه كافة ادران الغفلة، ويصبح كما يعبر عنه؛ انساناً آخراً، غير الذي كان عليه، وما هو مطلوب منه لإلتماس ذلك، هو استشعار حالة الصحوة النفسية، والشحن الايماني، شريطة ان تكون حركاته خلال أدائه تلك الشعائر غير نمطية وغير باهتة، لذلك حينما تختار موكبا ما من مواكب العزاء للمشاركة فأنتخب أشدها صخباً، واستذكر قول المعصوم صلوات الله عليه: فعلى الأطائب من أهل بيت محمّد وعلي صلى الله عليهما وآلهما ، فليبك الباكون ، وإياهم فليندب النادبون ، ولمثلهم فلتذرف الدموع ، وليصرخ الصارخون ، ويضجَّ الضاجون ، ويعجَّ العاجون.
وحسبي أنه لولا شفقتهم صلوات الله عليهم على اشياعهم ومواليهم وخشية الافراط في ذلك، لزادوا فيه (ويثج الثاجون) والثج هو جرح الرأس، أي التطبير، فلو ان التطبير كان شعيرة منصوصة لزاد الموالي عن حد التطبير الى الهلاك، فلعله لم ينص على (الثج) لكي تكون ممارسة شعيرة التطبير وفق الحدود الطبيعية غير المؤدية الى الهلاك.
البكاء على الحسين لا يكفي لأنه نمطي، والندب لا يكفي وان اصطحب البكاء، وذرف الدموع هي حالة متقدمة من استثارة المشاعر ونتاج للبكاء المصاحب للندب، ومع ذلك لا يكفي حتى يبلغ الموالي مبلغ الخروج عن المألوف بالصراخ الذي هو عويل الثكالى في مجمع الناس، ثم الضجيج وهو ما بعد الصراخ والندب وذرف الدموع؛ فهو مصداق لقرع الطبول وترديد العزاء ولطم الصدور وطبر الهامات والضرب بالزناجيل، فالضجيج هو الصراخ عند الفزع، اما العجيج فهو اشتداد الصجيج الى حد الجزع.
وكما يقول أهل البيت عليهم السلام: كل الجزع مذموم الا الجزع على الحسين عليه السلام.
(أحد أصحاب الإمام الصادق عليه السلام يفد عليه، فيسأله الإمام الصادق عليه السلام: كيف رأيت الناس عند قبر جدي الحسين؟ يريد أن يعرف الواقع الذي يحدث في زمانه، قال: رأيتهم بين قاصٍ يقص «أي: يقص قصة كربلاء» وبين نادب يندب «يقرأ الشعر ندبةً» وبين باكٍ يبكي، فقال: الحمد لله الذي جعل من شيعتنا من يفد علينا ويندبنا)
ولك ان تتصور مدى شمول تلك المعاني لكل مفردات الشعائر الحسينية القديمة منها والمستحدثة، الحضارية منها أو المتهمة بالرجعية والجهل والتخلف، والعوامل المشتركة فيها هو الاستثارة القصوى للمشاعر، وقصد المواساة، ولتكن كيفما تكن، تطبيراً او سيراً على الجمر، أو لطما للصدور، أو ضربا بالزناجير والسياط ونحوها، او التطيين أو الزحف …الخ.
والمهم في ذلك كله، ان تشمل الشعائر كافة مستويات البشر، والالتفات الى انها تتعدد بتعدد تلك المستويات، فلعل رجل الدين يكتفي منها بالمحاضرات الدينية، والمثقف بالتوعية والإرشاد، والانسان البسيط باستثارة العاطفة، وعلى الجميع القيام بأداء الأفعال التي تستصحب الألم والتي تذل النفوس في محضر العزيز، وأنعم بعز كالذي ينجم باذلال النفوس في محضر قدسه؟! وهكذا كلٌّ يعمل على شاكلته، على ان الأصل والفضل انما يكون في ماذا؟
في (البكاء والندب وذرف الدموع والصراخ والضجيج والعجيج، والثجيج)
بعد ذلك كله، ماذا نقول لأولئك الذين يستهدفون الشعائر الحسينية بغفلتهم او بجهلهم او بغرورهم؟
والى الموالين نقول: لا تستنقصوا من أي شعيرة أو فعل أو قول في سبيل قضية الإمام الحسين عليه السلام، سيما ما استصحب منها الجهد والألم والعناء (غير تلك الأفعال التي فيها طرب ورقص وما الى ذلك من أفعال هي الى الراحة والدعة اقرب منها الى الحزن والأذى والمواساة، من أمثال ما يسمى ب (الشور)) وسواها من الأفعال المسيئة التي تكون مفسدة للنفس الإنسانية، ويتم تمييزها من خلال امتهانها من قبل فئات منحرفة من الناس، وقد يتورط فيها بعض الأشخاص المهتدين، لكن ذلك لا يشرعنها اطلاقاً وتبقى ممارسات منبوذة، بخلاف شعائر التطبير والسير على الجمر والتطين والزحف والسير على الاقدام وركضة طويريج والضرب بالزناجيل وسواها، فإنها مصداق لقوله تعالى: ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب.
اذ ان تعظيم الشعائر هو أدائها مع التكلف من تعب وعناء وأذى نفسي، مع ما يستشعره الانسان المؤمن من فيوضات روحية وشحن ايماني، وتنقية للنفس والقلب من ادران الدنيا الدنية.
ختاماً لابد من الإشارة الى أمر غاية في الأهمية، وهي ان موضوع الشعائر الحسينية قد يدخل في الفقه الذي هو من مختصات الفقهاء العدول، وقد يختلف المراجع في الحكم على بعض الشعائر، فللمقلدين ان يتبع كل منهم فتوى الفقيه الذي يقلده، وفي حال حصل تباين واختلاف بين فتاوى الفقهاء، فلا ينبغي ان يكون ذلك مدعاة للاختلاف بين المؤمنين والتنابز فيما بينهم، كما ان حديثنا هذا ان كان يخالف فتاوى بعض الفقهاء في بعض الشعائر، فلا يعني بالضرورة اننا نعارض ونضاد ونرفض تلك الفتاوى، كلا اطلاقاً، وانما حديثنا موجه لبيان تبريرات تلك الشعائر من الناحية العلمية والمجتمعية والحضارية والموضوعية، اذ ان الطاعنين بالشعائر غالبيتهم من اتباع الدين الجديد (العلمانية) بجميع فروعها؛ الليبرالية الانحلالية، والالحادية، واللاادرية، والجهلية…الخ
اللهم العن أول ظالم ظلم حق محمد وآل محمد وآخر تابع له على ذلك، اللهم العن العصابة التي جاهدت الحسين وشايعت وبايعت وتابعت على قتله، اللهم العنهم جميعا.
