بحث السفياني (الجزء الخامس عشر)

الموقف الإيماني المعنوي للمنتظرين من السفياني:

عندما يطلع بعض الاخوة المؤمنين وللمرة الاولى على خارطة الاحداث الروائية، والتي تبين لنا مسار جيش السفياني والمجازر التي يرتكبها والجرائم التي يجترحها، فإنه قد تصدر من هؤلاء الاخوة ردود أفعال سمتها الهلع والتخوين والبداء وما الى ذلك من تعبيرات معنوية تدل على القلق والخوف من أحداث حركة جيش السفياني، لذا رأينا انه لابد من التنويه الى أمر في غاية الأهمية، الا وهو الموقف الإيماني المعنوي للمنتظرين من السفياني آنذاك والذي اشارت اليه الروايات الشريفة.

تحدث في هذا الصدد أحد الفضلاء البارعين في مجال تحليل علامات الظهور الشريف بحكم تخصصه الثلاثي الذي يضم الدين والسياسة والجهاد معاً، ففي واقع علامات وأحداث الظهور الشريف، عندما تتحدث الروايات عن الجيش السوري السفياني انه يحتل العراق، والجيش الإيراني انه يدخل العراق لصد جيش السفياني؛ فإن تلك الأحداث برمتها أحداث سياسية أمنية. (١)

يقول الفاضل تحت عنوان: الموقف الإيماني المعنوي من السفياني:
(حرصت الروايات الشريفة على عدم ترك المؤمنين أمام وحشية السفياني وجرائمه لوحدهم، وكل هذه الأحاديث والتفاصيل والعلائم التي ذكرتها الروايات لعصر السفياني إنما هي توجيهات للاحتياط والحذر والتهيؤ، ولذلك يمكننا تلمس عدة خطوط لهذه التوجيهات في هذه الروايات، ومنها:

1- حرصت الروايات على تحديد مواقيت دقيقة لأحداث السفياني، فهو يخرج في رجب، والمسافة الزمنية بين حركته وبين ظهور الإمام بأبي وأمي خمسة عشر شهراً، وهو يستولي على الكور الخمس خلال ستة أشهر من أول يوم شروع حركته، ثم يكون ما بينه وبين ظهور الامام صلوات الله عليه بعد ذلك حمل امرأة، ثم يقضي مراحل حركته بامتدادات زمنية يمكن تحديدها موضوعياً، وهو يبقى في حرب قيس مدة تزيد قليلا عن الشهرين، من بعد مدة مقاربة لذلك يقضيها في معركة قرقيسياء وما قبلها .. ما يهمنا أن هذا التحديد الزمني الدقيق، من الممكن ان يخفف من وطأة فتنته على المنتظرين الى حد كبير، لأنهم لن يكونوا أمام آفاق مظلمة من اليأس والإحباط، وإنما يرون في كل ذلك ما يقربهم من يوم الفرج الموعود، مهما كان عتو جرائم السفياني وظلمه، كما أنه يتيح لهم خيارات التخلص من الأزمة، ويخرجهم من شعور من يكون في عنق الزجاجة.

2- تميزت الروايات بأنها لم تكتف برسم الخارطة الزمانية لحركة السفياني، وإنما حرصت على رسم الخارطة المكانية أيضاً، والتي يمكن تلخيصها بالمناطق الآتية حسب التسلسل: الوادي اليابس، ثم دمشق، ثم محاور الكور الخمس، ثم قرقيسيا، ثم محور الأنبار ومحور الموصل- تكريت، ثم محور الدجيل- عقرقوف، ثم بغداد، ثم الكوفة وسوادها الى ضفة الفرات، ثم يبدأ الانكسار على يد اليماني الموعود والسيد الخراساني، ومن الواضح أن تشخيص هذه الخارطة في غاية الأهمية للمنتظرين، لأنها تعطيهم قدرات كبيرة على التأهب، والاستعداد والحركة والمناورة وما الى ذلك، وتحجم حالة الهلع الى حد كبير.

3- حينما تحدثت الروايات عن الخريطة المكانية، إنما حددت في نفس الوقت بقعة جرائمه وشخصت أماكن المظلومية الناشئة من هذا الإجرام، وبمعية روايات أخرى فإن المنتظرين المتبقين في الشام وفي لبنان وفي الحجاز والإحساء والقطيف وبلدان الخليج وإيران ومناطق العراق الجنوبية وبعض الوسطى سوف يكونون في منأى من أذاه وظلمه، قبل ظهور الإمام صلوات الله عليه، ما خلا ما يجري في المدينة المنورة عشية ظهور الإمام روحي فداه النهائي، مما يعطي للمؤمنين المنتظرين أيضاً فسحة من الخيارات للتخلص من ظلم وجور السفياني.

4- إن الروايات الشريفة في الوقت الذي تحدثت فيه عن الجرائم الكبيرة التي يرتكبها ابن آكلة الأكباد هذا، فإنها في الوقت ذاته تحدثت عن حركة الإنقاذ القادمة من جنوب العراق وشرقه والمتمثلة بحركة رايتي اليماني الموعود والسيد الخراساني قائد الرايات السود المقبلة من إيران والتي سيكون أميرها فتى تميم شعيب بن صالح، وسيأتي تبيان التفاصيل المتعلقة بهم لاحقاً.

5- إن الروايات الشريفة في حرصها على تحديد المدد الزمانية، إنما حرصت على التأكيد على مدة ظلمه، وبالتالي فإن ما تحتاجه القواعد المنتظرة من صبر وثبات، وحيطة وحذر، وحركة ومناورة، إنما هو مدد قليلة أيضا ما لا يوجب الفزع والهلع، إذ مهما حصل فإن بشائر الأمل تبقى مسيطرة على الأفق، إذ أننا حينما نعلم في نفس الوقت إن هذه الأشهر التسعة لن يقضيها كلها في ظلم هذه القواعد، فكما أسلفنا فإن وقتاً مهماً منها سينقضي بين دمشق وقرقيسيا، ووقت مهم آخر سينقضي في معاركه مع بني قيس، ووقت آخر سينقضي في معارك ما قبل بغداد ونفس بغداد، من بعد كل ذلك يأتي حديث الكوفة الذي لن يستغرق كل الفترة التي تحول بين السفياني وبين ظهور الإمام صلوات الله عليه، لأن الكوفة سيخرج منها ويتم تحريرها وتحرير ما يليها من المناطق على يد اليماني الموعود والرايات المنقذة من خراسان، وبالتالي يمكن لنا أن نشخص أن مدة الظلم على القواعد المنتظرة ليست هي الأشهر التسعة، وإنما حدود الظلم يستمر لأيام معدودات، وقد مرت بنا الرواية التي تتحدث عن ظلم سواد الكوفة بأنه يستمر لساعة من النهار فقط!

6- إن الروايات الشريفة حينما تحدثت عن حركة السفياني فإنها في نفس الوقت تحدثت عن آيات كونية ستتحقق في نفس الفترة، وهذه الآيات الكونية كظهور اليد المدلاة في رجب، ثم آية الخسوف والكسوف وخروج الشمس من المغرب وما الى ذلك، وكذلك الصيحة الجبرائيلية وكلها ستحدث (بعد انكسار) الحركة السفيانية وحالة التصدي اليمانية والخراسانية له؛ ستمنح القواعد المنتظرة زخماً هائلا من الحيوية والفاعلية والأمل، بحيث أن الهجمة السفيانية بعد ان لا تحقق أغراضها المعنوية، ستضاعف من الزخم المعنوي المضاد لها، وما سبق ذكره عن أمير المؤمنين عليه السلام في أثر تحقق علامات الظهور الممهدة على أوضاع المؤمنين المعنوية يكشف لنا أبعاد ذلك، إذ قال صلوات الله عليه في هذه الأوضاع: عقب الصيحة الجبرائيلية: إذا نادى مناد من السماء: إن الحق في آل محمد، فعند ذلك يظهر المهدي على أفواه الناس، ويشربون ذكره فلا يكون لهم ذكر غيره) (1)

(١) راجع الجزء الأول من بحث السفياني.
(2) علامات الظهور/ الشيخ جلال الدين الصغير ج2 ص279 وما بعدها.

أضف تعليق