عندما تقع المسألة ما بين جهبذين من جهابذة العلوم مثل العالم الفيزيائي الملحد ستيفن هوكينج ورجل الدين الشيعي كمال الحيدري، فأنت اذن امام معضلة كبيرة طرفاها: العلوم الحديثة القائمة على التجريب، والعلوم الدينية القائمة على الوحي والتشريع!
حقيقة انها معضلة كبيرة كما يعبر عنها العلم الحديث، او انها فتنة كبيرة كما تعبر عنها العلوم الدينية، ولعل حديث الروايات عن فتن آخر الزمان (تكون فتنة يسقط فيها من يشق الشعرة بشعرتين) كناية عن عظم تلك الفتنة والتي لا محيص للإنسان المؤمن عنها سوى رحمة الله عز وجل والبصيرة المتأتية من الالطاف الإلهية!
تكمن فتنة هوكينج كما هو حال رواد العلوم التجريبية من الملحدين، في كونهم قامات علمية مشهورة، قدمت للبشرية العديد من الأبحاث العلمية النظرية التي اثبتت صحتها التطبيقات التكنولوجية والاكتشافات العلمية وحازوا على جوائز عالمية كجائزة نوبل، ولعل المشهور ان غالبية العلماء التجريبيين الذين رفدوا العصر الحديث باكتشافاتهم كانوا موحدين، ولكن ما بال هوكينج وامثاله من الملحدين؟!
في الواقع انه كما يوجد في المجال الديني دجالون وادعياء مصابون بأمراض أخلاقية متعددة، كالحسد والنرجسية والرياء والغرور وحب الوجاهة والرياسة، وهم يسوقون خداعهم ودجلهم بغية بلوغ مآربهم، فإن هنالك اشباههم من علماء التجريب، الذين يسترزقون بالالحاد، طلباً للشهرة والوجاهة وتحرراً من القيود الاجتماعية والأخلاقية.
عالم الفيزياء البريطاني ستيفن هوكينج ينكر وجود الاله، وهو بذلك يطعن في قانون السببية الذي يتم من خلاله اثبات وجود الاله في مقابل قانون الحتمية، حيث تقع جدلية (السببية والحتمية) ضمن علوم فيزياء الكم والنظرية النسبية لانشتاين، والغاية ان هوكينج يعمل على تسويق الالحاد بالخداع، من خلال خلط المفاهيم، اذ انه يخلط متقصداً ما بين مفهوم السببية (العلية) ومفهوم سببية النظام، فيقدم مثال توقيتات القطار (وسيلة النقل المعروفة) على انها توقيتات حتمية يمكن توقعها بسهولة، بيد انه لا توجد سببية (علية) تجعل القطار يصل في توقيتاته المحددة سلفاً في جدول التوقيتات المدون في المحطة، بينما الواقع ان ثمة أسباب تندرج ضمن نظام المواصلات وقوانين العمل المتعلقة به وان كانت لا تعد اسباباً علية.
على ذات المنوال لهوكينج ظهرت نظريات عديدة في علم فيزياء الكم وعلم الفضاء تنظّر للالحاد، منها نظرية العالم الألماني (هايزنبرج) المسماة (اللايقينية) ونظرية (قطة شرودنجر) للعالم النمساوي شرودنجر، وهاتان النظريتان تسوقان لهدم السببية وفق أفكار الاحتمالية المنمقة باليقين، حيث يتم اشتقاق اليقينيات لديهم من الاحتماليات الغير منطقية حتى!
هوكينج لا يريد ان يؤمن بوجود نظام للكون، لأن النظام يقتضي وجود المنظم الحكيم وهو الاله، لذلك هو يدلس سببية النظام في السببية (العلية) فيطرح بعض الشبهات غير المنطقية، وبذلك تتماهى الحقيقة لدى الناس في إطار مشهورية هذا العالم، والتي لا تدع لدى المتلقي المنبهر بعلمه والمتأثر بشخصيته أي مجال للتشكيك بكلامه!
كذلك الحال بالنسبة الى علماء الدين (الدجالين) أمثال كمال الحيدري، والذي سوق لانكار قضية ظهور الامام المهدي عج من خلال رواية يتيمة لا تتضمن دليلاً ظاهرياً لاثبات مدعاه، وهو يتعكز بذلك على مشهوريته كعالم متبحر في العلوم الدينية والعقلية، وبذات الأسلوب من التدليس الذي اتخذه دويكنز لاثبات خداعه!
تقول الحكمة: ان شبيه الشيء منجذب اليه، والطيور على اشكالها تقع، فكمال الحيدري ليس ملحداً بالمعنى الاولي مثل هوكينج، بيد ان الحيدري ملحد بالمعنى الثانوي وهو التماثل في الأصل، والاصل هنا هو التدليس والخداع والدجل الذي يعود سببه الى الامراض الأخلاقية والنزعة المادية والاهوائية!
عندما نجد الحيدري مثلاً في سلسلة محاضراته بعنوان حوار مع الملحدين، يكشف عن سبب الحاد هوكينج معللاً ذلك بعدم اهتمام او اعتقاد الأخير بالفلسفة (المنطق) اذ يقول الحيدري ان هوكينج انتهى في بحثه الى عدم وجود الاله، بسبب كونه يفتقر الى المنطق العقلي الذي يقتضي وجود منظم للكون النظامي الذي نعيش فيه، فالحيدري يسلب عن هوكينج (العالم التجريبي) منطقه الذي هو رأس ماله في البحوث التجريبية، وهذا لا يعدو كونه ضحكاً على الذقون، بل هو تنزيه من قبل الحيدري لهوكينج اكثر من كونه كشف للحقيقة او ادانة لإلحاده، وكأن الحيدري يقول: ان هوكينج عالمٌ جاهل! وهذا بحد ذاته يعد جمع بين متناقضين، وهو ايضاً ادانة للحيدري من ذات الباب الذي ادان به هوكينج، او ان يكون تشخيص الحيدري مجرد اشتباه لا يليق بمثله، وكذلك يشير الحيدري الى رأي العالم الاحيائي الملحد ريتشارد دوكنز بذات الصدد.
الحقيقة هي تماثل هؤلاء؛ هوكينج ودوكنز والحيدري في التدليس والخداع والدجل، واستغلالاً لمشهوريتهم العلمية في سبيل ذلك، والسبب في سلوكياتهم تلك هو ما أشرنا اليه من وجود امراض أخلاقية لديهم، والغاية عندهم هي السعي نحو الوجاهة والرياسة والاسترزاق المادي، لذلك ليس مستغرباً حينما نلاحظ سعي كمال الحيدري مؤخراً للطعن بكافة الثوابت والمسلمات الإسلامية، فالالحاد مصدره واحد وان تعددت مشاربه وتباينت اشكاله، وسواء خرج من بيت الالحاد العلماني او من بيت الفقاهة الإسلامي!
