في حسابات السياسة الاستراتيجية ثمة ما يقتضي فوز المرشح الاخواني والرئيس السابق لتركيا رجب طيب اردوغان في الانتخابات الرئاسية التركية لعام ٢٠٢٣، حيث ان توقعنا القاطع بفوز اردوغان في ولايته الثالثة، كان مستنداً من الناحية السياسية الى عدة أمور:
الأول: ان اردوغان ليس مجرد قائد سياسي تركي كمثل خصمه ممثل المعارضة كليتشدار اوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري، بل يعد اردوغان قائداً استراتيجياً يمثل ثقل الإسلام السياسي الاخواني وامتداداتهم في المنطقة، اذ ان الاخوان المسلمين يمثلون المعارضة الأبرز لحكم آل سعود في السعودية، بالإضافة الى تمثيلهم للمعارضة المصرية والسورية، وكذلك المقاومة الفلسطينية، كما يستحوذ الاخوان المسلمين على السلطة القطرية والليبية والسودانية، ويمثل الاخوان ايضاً لاعباً اساسياً في السياسة الجزائرية والتونسية وفي دول أخرى، مما يجعل ثقل حكم الاخوان المسلمين في تركيا فاعلاً إقليمياً لا غنى عنه في حسابات مراكز الأبحاث الاستراتيجية الامريكية والغربية عموماً، والجدير بالذكر وجود قاعدة العديد في قطر الاخوانية، والتي تعد اكبر قاعدة أمريكية في المنطقة.
الثاني: الجيوبولوتيك التركي بما تمثله تركيا من عنصر ارتكاز اساسي في توازنات القوى والمصالح الإقليمية، في مقابل كل من المملكة السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، فلابد ان تبقى تركيا قوية لكي تستفيد الولايات المتحدة من قوتها في تنفيذ مشاريعها واجنداتها المستقبلية في المنطقة.
الثالث: الدور التركي الاخواني في الصراع الأمريكي الروسي في سوريا، حيث توافق المصالح الامريكية – التركية في سوريا، وذلك لكون الاتراك بقيادة اردوغان، يدعمون الاخوان المسلمين في المعارضة السورية.
الرابع: قيام المخابرات التركية بقتل زعيم تنظيم داعش الإرهابي قبل الانتخابات باسبوعين، ومن المعلوم ان زمام المقبور كان بيد صانعيه (الولايات المتحدة) مما يعني ذلك دعم الامريكان لاردوغان.
الخامس: رغبة قطاعات كبيرة من الشعب التركي في الاستقرار الحكومي، حيث قضى اردوغان قرابة ٢٠ عاماً في السلطة، واستطاع طيلة فترة سلطته اجراء العديد من الإصلاحات، والحد من الفساد الحكومي وتطوير القطاع الصناعي، مما جعل ذلك اردوغان قائداً ذو مقبولية كبيرة لدى تلك القطاعات من الشعب التركي.
السادس: تجذر حكومة اردوغان في السلطة على مدى ولايتين، مما مكنه من تسخير مقدرات وزارات الدولة ووسائل الاعلام الحكومية والمال السياسي لدعم ترشحه في الانتخابات الرئاسية.
السابع: ضعف شخصية مرشح المعارضة كليشتدار اوغلو، وضعف البرنامج الانتخابي له، وصبغته القومية، وتأريخه الجدلي في دعمه لحكومة اردوغان أبان الانقلاب الذي حصل عام ٢٠١٦ ومحاولة اغتياله بعد ذلك على يد الاكراد، جميع هذه الأمور جعلت من موقف كليشتدار ضعيفاً.
الثامن: المشروع الغربي الأخير في منطقة وسط وشمال افريقيا، والذي تم تدشينه باحداث فتنة السودان، والذي سيكون مشروعاً اخوانياً سمته الفوضى الخلاقة والسعي الى تحويل منطقة وسط افريقيا الى بؤرة توتر وحاضنة جديدة للجماعات الإرهابية الوهابية والاخوانية، وذلك بعد فشل هذا المشروع في منطقة غرب اسيا، وتعد سوريا وكافة مناطق محور المقاومة بما فيهم الجمهورية الاسلامية الهدف الأبرز لمشروع الفوضى الخلاقة الجديد في افريقيا وعلى المدى المتوسط، وبالطبع فإن الاخوان المسلمين لهم الدور الأبرز في هذا المشروع.
التاسع: عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي (النيتو) والتي تجعل لتركيا أهمية استراتيجية خاصة لدى الولايات المتحدة والغرب عموماً، ولابد ان تكون دولة قوية ومستقرة، وهذا ما شهدته تركيا في عهد اردوغان، وذلك بفعل الثقل السياسي لديموغرافيا الاخوان المسلمين في تركيا، والعلاقات الراسخة التي تتمظهر في قاعدة انجرليك التي تحوي على أسلحة نووية تكتيكية.
العاشر: السياسة الخارجية الجديدة لتركيا والمتناغمة مع تغيرات العصر على المستوى الاستراتيجي، وذلك من خلال النأي بالدولة التركية عن الصراعات القطبية بين الغرب وروسيا، والتي ستجنب تركيا الكثير من الويلات، ونزوع بعض الدول ذات التاريخ الامبراطوري الى انشاء دول كبرى ومنها تركيا، والتوجه نحو الاستقلالية عن هيمنة القوى العظمى، وهذا الشأن اخذت تعيه الشعوب المتحضرة مثل الشعب التركي بوضوح، كونه من معالم المستقبل واحد أوجه العالم الجديد الذي يمثل حلم الشعوب والدول المستضعفة في الخلاص من غطرسة الدول المهيمنة على العالم، وحيث ان سياسة تركيا الخارجية في السنوات الأخيرة من ولاية اردوغان سعت في هذا الاتجاه.
الحادي عشر: الاقتصاد التركي، حيث شهدت تركيا انتعاشاً اقتصادياً في عهد اردوغان، على الرغم من العقوبات الاقتصادية التي فرضها الغرب على تركيا، كضريبة لاستقلال تركيا عن الهيمنة الغربية.
الرؤية العلاماتية:
حديث الروايات عن علامة انفصال اكراد سوريا (مارقة من ناحية الترك) يعلل من احدى جوانبه الى العداء القومي بين اكراد سوريا والاخوان المسلمين في تركيا، وذلك خشية من دعم اكراد سوريا للاكراد المتمردين في جنوب تركيا والقيام باعمال تخريبية، وكذلك خشية من نزوع اكراد سوريا للمطالبة بالاستقالال، مما قد ينعكس ذلك على اكراد تركيا، وبالتالي فإن ذلك سوف يهدد الامن القومي للاتراك، ناهيك عن دعم اردوغان للاخوان المسلمين في سوريا.
ان تمثيل اكراد تركيا في قوى المعارضة التركية في الانتخابات الرئاسية يصل الى قرابة النصف، حيث يمثل اكراد تركيا البالغ عددهم ما يزيد عن ٣٠ مليون نسمة نسبة ٢٠٪ من الشعب التركي، لذا فإن أي معارضة للحكم الاخواني في تركيا، لا يمكن ان يكتب لها النجاح في المنافسة على الحكم بدون الاكراد، مما يجعل ذلك اخوان تركيا هم الخصوم الوحيدين للاكراد على الصعيد السياسي.
كذلك فإن اكراد تركيا يمثلون نسبة ٥٦٪ من الاكراد في المنطقة، لذا فإن أي حالة سعي للانفصال من قبل اكراد العراق او اكراد ايران او اكراد سوريا، فإنه سوف يجعل اكراد تركيا الأكثر عدداً؛ في معرض الانفصال الحتمي حينئذ.
ومن جانب آخر فإن توافق مصالح الولايات المتحدة مع الاتراك بزعامة الاخوان المسلمين، قد يتسبب بالضرر في العلاقة بين أمريكا واكراد سوريا، الذين مازال الامريكان يدعمونهم لأجل الحفاظ على امنهم القومي لا سيما في حربهم ضد داعش، ويقف الامريكان اليوم الى جنب اكراد سوريا بغية ان لا يرتموا في احضان النظام السوري وبالتالي الروس.
من جانب ثالث فإن ازدياد وتيرة التهديد التركي لاكراد سوريا بين الفينة والأخرى، سيما لو فاز اردوغان بولاية ثالثة فإنه قد يتجرأ على القيام بتهديد فعلي للاكراد، ومع ضعف دور الحكومة السورية في الدفاع عن الاكراد، فقد ينزع الاكراد الى الاستقلال بأي شكل من الاشكال فيدرالي او كونفيدرالي او السعي الى انشاء دويلة مستقلة على غرار الكيان الصهيوني.
كذلك حديث الروايات عن علامة نزول الترك الجزيرة، وقتال الاتراك واخوانهم لأكراد سوريا في مناطق شمال شرق سوريا وفي قرقيسياء، فإن تلك الاحداث توحي لنا باستمرارية زعامة الاخوان المسلمين لتركيا الى ما بعد الحرب العالمية، حيث ان علامة نزول الترك جزيرة الفرات السورية التي يقطنها الاكراد، تمثل احدى علامات الظهور السابقة لعلامة هرج الروم.
خاتمة:
منذ احداث الانقلاب الفاشل على اردوغان عام ٢٠١٦ اكدنا في مقالاتنا وابحاثنا على ان المعطيات السياسية الاستراتيجية والمعطيات الروائية العلاماتية، قد توافقت على استمرارية الحكم الاخواني لتركيا الى ما بعد الحرب العالمية، لذلك كان توقعنا لفوز اردوغان في الانتخابات السابقة والانتخابات الحالية امراً شبه محتوم، ولعل اراء الآخرين التي ذهبت الى فوز مرشح المعارضة كانت تخلو من ابجديات السياسة الاستراتيجية، وكانوا يعتمدون فيها على تحليلات سياسية بسيطة بمنأى عن ابعاد الجيوبولوتيك و الديموغرافيا ومدخليتها في توجيه المسارات السياسية والأمنية للاحداث.
تجدر الإشارة الى ان خطاب اردوغان عقيب اعلان فوزه بالرئاسة التركية، تضمن تأكيده على انتقاد المثلية الجنسية واسماها بالمسمى الذي يتبناه المثليين (مجتمع الميم) في حربهم الناعمة للترويج للمثلية، وكذلك عدم تطرقه لموضوع التطبيع مع الكيان الصهيوني والذي كان الشغل الشاغل لحديث الاعلام العالمي قبيل الانتخابات حيث تحدث الاعلام عن إمكانية تطبيع الاتراك مع الصهاينة، فإن ذكر اردوغان لموضوع المثلية الجنسية بهذه الطريقة كان في سبيل طمأنة الغرب ولغرض التسويق السياسي والتهدئة مع المعارضة، وكذلك عدم تطرقه لموضوع التطبيع مع الكيان الصهيوني هو في ذات السياق.
