بحث علامة السفياني (الجزء التاسع عشر)

انهيار ملك بني فلان في الحجاز

بعد نشوب الحرب العالمية، تبدأ حكومة الحجاز بالانهيار، وبعد الصيحة وظهور الامام الحجة عج، تبدأ حركة التمهيد المباشرة لخروج الامام المهدي عج، والتي يباشرها الامام عج بنفسه.

ورد في الروايات الشريفة، ان الحجاز في السنوات الأخيرة من الغيبة تمر بثلاثة مراحل زمنية:

المرحلة الأولى: موت ملك الحجاز المسمى عبد الله.

المرحلة الثانية: اختلاف امراء الحجاز فيما بينهم وقتل امير منهم ١٥ اميراً، واختلاف الناس على اثر اختلافهم، حيث تقتتل القبائل فيما بينها في (موسم الحج) حتى تسيل الدماء الى جمرة العقبة.

المرحلة الثالثة: ذهاب ملك السنين ومجيء ملك الأيام والشهور، وتنتهي تلك الفترة بموت آخر حاكم منهم، حيث تقع فتنة كبيرة في الحجاز، لا يسد خلتها سوى الامام القائم عج.

ويعد موت عبد الله علامة مهمة من علامات الظهور الشريف، فقد ورد في حديث الضمانة عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (من يضمن لي موت عبد الله أضمن له القائم. ثم قال: إذا مات عبد الله لم يجتمع الناس بعده على أحد، ولم يتناه هذا الأمر دون صاحبكم إن شاء الله ويذهب ملك السنين، ويصير ملك الشهور والأيام. فقلت: يطول ذلك؟ قال: كلا) (1)

في المرحلة الثانية من بعد موت عبد الله يحصل اختلاف في الأسرة الحاكمة، فيقتتلون فيما بينهم ويدخلون المرحلة الثالثة، فقد ورد في الرواية: عن الإمام الرضا عليه السلام قال:
(إن من علامات الفرج حدثا يكون بين الحرمين. قلت وأي شئ يكون الحدث؟ قال عصبية تكون بين الحرمين، ويقتل فلان من ولد فلان خمسة عشر كبشاً) (2)

كما ورد في الرواية عن الإمام الرضا عليه السلام قال: إن قدام هذا الأمر علامات، حدث يكون بين الحرمين، قلت: ما الحدث؟ قال: عصبة تكون، ويقتل فلان من آل فلان خمسة عشر رجلاً) (٣)

وعن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: لا يكون ما تمدون إليه أعناقكم حتى تميزوا، وتمحصوا فلا يبقى منكم إلا القليل. ثم قرأ: أم حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لايُفْتَنُونَ، ثم قال: إن من علامات الفرج حدثاً بين المسجدين ويقتل فلان من ولد فلان خمسة عشر كبشاً من العرب. (٤)

وفي الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام قال: (يقوم القائم في سنة وتر من السنين: تسع، واحدة، ثلاث، خمس. وقال: ثم يملك (بنو فلان) فلا يزالون في عنفوان من الملك وغضارة من العيش حتى يختلفوا فيما بينهم، فإذا اختلفوا ذهب ملكهم واختلف أهل الشرق وأهل الغرب، نعم وأهل القبلة، ويلقى الناس جهداً شديداً مما يمر بهم من الخوف، فلا يزالون بتلك إلى الحال حتى ينادي المنادي من السماء فإذا نادى فالنفر النفر) (٥)

كما ورد في الحديث الصحيح (٦) عن الامام الصادق عليه السلام: قال له يعقوب السراج: متى فرج شيعتكم؟ قال: إذا اختلف ولد العباس ووهى سلطانهم، وطمع فيهم من لم يكن يطمع فيهم، وخلعت العرب أعنتها، ورفع كل ذي صيصية صيصيته، وظهر الشامي، وأقبل اليماني، وتحرك الحسني، وخرج صاحب هذا الامر من المدينة إلى مكة. … (٧)

هذه الاحداث تعطينا صورة للواقع الحجازي، حيث الاختلاف الحاصل بين افراد الاسرة الحاكمة، وما سيجري بينهم وبين القبائل التي اصبحت تمد اعناقها الى الحكم، وذلك ما ورد في صحيحة يعقوب السراج أعلاه، ففي تلك الاوضاع المتوترة في الحجاز، يقوم احد امراء الاسرة الحاكمة هناك بقتل خمسة عشر رجلاً من الاسرة الحاكمة، أو خمسة عشر كبشاً من العرب، أو خمسة عشر رجلاً، على اختلاف الفاظ الروايات أعلاه.

الكبش: يعني السيد أو كبير القوم، والمراد هنا هم الامراء، او القادة السياسيين أو الأمنيين، أو زعماء القبائل، أو الوفود الدبلوماسية، وما الى ذلك.

وهذا الحدث يحصل بين الحرمين، أي بين مكة والمدينة كما هو المتبادر من الرواية، ولعل المقصود هنا مدينة جدة، والتي تعد العاصمة الاقتصادية للمملكة، وتعقد فيها المؤتمرات، حيث أن قتل ذلك العدد من القيادات، قد يشير الى اجتماع فيه أكثر من ذلك العدد بكثير والقتل الجماعي قد يكون نتيجة حادث تفجير.

ويؤدي ذلك الحدث الى دخول الحجاز في مرحلة حكم الأيام والشهور.

كما ورد في الرواية: (لا يكون فساد ملك بني فلان حتى يختلف سيفا بني فلان، فإذا اختلفا كان عند ذلك فساد ملكهم) (٨)

وعن أبي بصير: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: كان أبو جعفر عليه السلام يقول: لقائم آل محمد غيبتان إحداهما أطول من الأخرى؟ فقال: نعم ولا يكون ذلك حتى يختلف سيف بني فلان وتضيق الحلقة ويظهر السفياني، ويشتد البلاء ويشمل الناس موت وقتل يلجؤون فيه إلى حرم الله وحرم رسوله صلى الله عليه وآله) (٩)

ومثله ما ورد عن ابي عبد الله عليه السلام قال (لا ترون ما تحبون حتى يختلف بنو فلان فيما بينهم فاذا اختلفوا طمع الناس وتفرقت الكلمة وخرج السفياني) (١٠)

تحدثت الروايات الثلاث أعلاه، عن إختلاف سيف أو سيفا بني فلان، وفساد ملكهم أثر ذلك، وأختلاف السيوف يعني الإقتتال حتى يلجئ الناس، نازحين الى المدينة ومكة هرباً من الإقتتال! الا أن الإقتتال فيما بعد ينعكس على القبائل ويجري حتى في المشاعر المقدسة.

فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: (يحج الناس معاً، ويعرفون (أي يقفون بعرفات) معاً على غير إمام، فبينا هم نزول بمنى يأخذهم مثل الكَلَبِ، فتثور القبائل فيما بينها حتى تسيل (جمرة) العقبة بالدماء، فيفزعون، ويلوذون بالكعبة) (١١)

وعن سهل بن حوشب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (سيكون في رمضان صوت، وفي شوال معمعة، وفي ذي القعدة تحارب القبائل، وعلامته نهب الحج وتكون ملحمة بمنى ويكثر فيها القتل وتسيل فيها الدماء حتى تسيل دماؤهم على (الجمرة)) (١٢)

كما ورد في الرواية عن أبي عبد الله الصادق (ع) أنه قال: كيف أنتم إذا بقيتم بلا إمام هدى ولا عَلَم، يتبرأ بعضكم من بعض، فعند ذلك تميزون وتمحصون وتغربلون، وعند ذلك اختلاف السيفين وإمارة من أول النهار، وقتل وخلع آخر النهار. (١٣)

هذه الرواية تتحدث عن نهاية التمييز والتمحيص والغربلة، والتي عند نهايتها يكون الظهور الشريف، مما يعني أنها تتحدث عن أحداث آخر الزمان، أي أحداث الظهور الشريف، وتكون نهايتها بحدث اختلاف السيفين، وهما ناحيتان من جهة واحدة، فيحدث حينئذ تنصيب ملك، وقتله وخلعه في نفس اليوم، وتلك شرارة الاختلاف وأمارته.

الروايات الشريفة أعلاه تحدثت عن إختلاف آل فلان فيما بينهم، وينجم عن ذلك عصبية بين الحرمين، وسفك دماء، والرواية الأخيرة تحدثت عن تنصيب ملك في أول النهار، وقتله وخلعه في اليوم ذاته، مما يبين مدى الخلاف بين الأسرة الحاكمة، ولفظ الخلع (وقتل وخلع آخر النهار) يدل على أن القاتل من نفس الأسرة الحاكمة!

كما ورد في الرواية عن ابن أبي يعفور قال: قال لي أبو عبد الله (الإمام الصادق عليه السلام): (أمسك بيدك: هلاك الفلاني، وخروج السفياني، وقتل النفس الزكية.. إلى أن قال: الفرج كله عند هلاك الفلاني) (١٤)

وعن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه (واله) وسلم قال: (يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من أهل المدينة هاربا إلى مكة فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه بين الركن والمقام ويبعث إليه بعث من الشام فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال الشام وعصائب أهل العراق فيبايعونه بين الركن والمقام…) (١٥)

ان تمهيد الارض للظهور الشريف، والمعبر عنه بالفرج كله، متوقف على هلاك ذلك الملك الأخير لبني فلان، اذ ان هلاكه مؤذن بانهيار ملكهم، ووفق المعطيات السابقة بأن مكان ظهور الامام المهدي عج، واعلان بداية حركته سيكون في مكة، فلابد أن يكون ذلك الشخص هو حاكم الحجاز، سيما أن هلاكه قرن بعلامتي خروج السفياني، وقتل النفس الزكية، وحيث أن السفياني يرسل جيشاً الى الحجاز، ومقتل النفس الزكية في الحجاز، فالهالك هو ملك الحجاز.

على أثر ذلك الاختلاف ينتهي ملك السنين وتأتي مرحلة ملك الشهور والأيام، وفي خضم إختلاف الأسرة الحاكمة يصدر الأمر الإلهي للإمام الحجة عج بالنداء الجبرائيلي في ليلة القدر من رمضان؛ بالظهور الأولي، فيتحرك الامام المهدي عج في المدينة المنورة ويضع الخطط المناسبة ويتواصل مع القيادات المناصرة له هناك لغرض تحريض الجماهير الموالية ولتنفيذ الخطط الممهدة لإعلان القيام الشريف.

المصادر:
(1) (البحار:52/210)
(2) (البحار:52/210)
(٣) قرب الإسناد/164
(٤) الإرشاد/360 ومثله الخرائج:3/1170، وغيبة الطوسي/272
(٥) (البحار:52/235)
(٦) الحديث صحيح كما ورد في كتاب علامات الظهور للمحقق الشيخ جلال الدين الصغير ج2 ص166
(٧) الكافي: ج 8 ص 224 -225 ح 258
(٨) البحار 52/271 وعنه الخرائج:3/1164، والبحار:52/210
(٩) غيبة النعماني/172 وكشف الغمة:3/319، عن إعلام الورى، وإثبات الهداة:3/526، والبحار:52/156، عن النعماني، ومثله دلائل الإمامة/293، وإعلام الورى/416، عن كتاب المشيخة لابن محبوب، وفيه: نعم يا أبا بصير إحداهما أطول من الأخرى ثم لا يكون ذلك يعني ظهوره حتى يختلف ولد فلان.
(١٠) الكافي 8: 209: ح254
(١١) الممهدون للمهدي ص60، يوم الخلاص ص570
(١٢) منتخب الأثر ص451، بشارة الإسلام ص34، يوم ا لخلاص ص532، بيان الأئمة ج1 ص433 وج2 ص355
(١٣) كمال الدين ج 2 ص 348 وفي الإمامة والتبصرة ص 130
(١٤) (البحار:52/234)
(١٥) سنن ابي داوود م٤٨١ ص١٧

أضف تعليق