التصنيف: مقالة عامة

الشيصباني

ورد إسم (الشيصباني) كعلامة من علامات الظهور الشريف في رواية موثقة: عن جابر الجعفي قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن السفياني فقال: (وأنى لكم بالسفياني حتى يخرج قبله الشيصباني، يخرج بأرض كوفان ينبع كما ينبع الماء، فيقتل وفدكم فتوقعوا بعد ذلك السفياني وخروج القائم) (١)

تناول العديد من الفضلاء والباحثين علامة الشيصباني ونوه البعض منهم بأن مصداق هذه الشخصية هو الطاغية صدام حسين بحكم خروج الشيصباني في العراق، لكنهم لم يلتفتوا الى أن الشيصباني يخرج بأرض كوفان وهي خصوص منطقة الكوفة وليس بأرض تكريت، وبعد خروج الشيصباني يخرج السفياني ثم القائم عج، إذ أن وجود الشيصباني يستمر الى خروج السفياني والقائم عج كما سنبينه لاحقاً.

يخرج الشيصباني في منطقة الكوفة، والكوفة هي إحدى اقضية مدينة النجف الأشرف، وتضم معالم شاخصة من أماكن مقدسة ومساجد تأريخية كبيرة كمسجد الكوفة الذي يضم مراقد هانيء بن عروة ومسلم بن عقيل والمختار الثقفي رضوان الله تعالى عليهم، ودار أمير المؤمنين صلوات الله عليه، ومرقد كميل بن زياد ومسجد السهلة المعظم ومسجد الحنانة ودار إمارة بني أمية وغيرها.

الشيصباني رجل سيء بدلالة اقتران ذكره بالسفياني وقتله وفدكم وقرائن أخرى سوف نتطرق اليها لاحقاً.

الوفد: جمع الوافد وجماعة مختارة للتقدم في لقاء ذوي الشأن. (٢)

اي ان المراد بالوفد هم ممثلو عُلية القوم ونوابهم ووجهاء الشيعة من قيادات دينية وسياسية وقيادات مجاهدة.

معاني مفردات الرواية:

الشصب: الشدة والجدب.

العيش شصباً: اشتد وشق.

والشصاب: القصاب.

كما ان الشيصباني من أسماء الشيطان. (٣)

من جملة معاني لفظ الشيصباني يبدو أنه وأتباعه يقومون بفعل (الشصب) ضد الناس، لذلك لُقّب قائدهم بالشيصباني، فالشصب هو استخدام العنف والشدة بالقول، ولقد اختار اهل البيت عليهم السلام هذا اللفظ اشارة الى صفة تُعرف بها مجمل هذه الاعمال، فيوصف الشيصباني واتباعه بهذه الصفة، بسبب افعالهم الشيطانية تلك.

كذلك فإن للشيصباني واصحابه دور سياسي واقتصادي يؤدي الى ان يكون العراق في حالة (جدب) أي غلاء المعيشة او شحة الغذاء، ولهذا ذهب البعض الى اسقاط شخصية الشيصباني على صدام، نظراً للحصار الاقتصادي الذي فرض على العراق بسببه واتخاذه منهج البطش بمخالفيه، لكن من ينظر الى حال العراق بعد عام ٢٠٠٣ يجد ان هنالك من الشياصبة العديد ممن كان لهم ادواراً سياسية واقتصادية قد اضرت بالبلد ايما ضرر، وربما يكشف لنا المستقبل القريب عن ذلك الشيصباني اللعين ودوره التخريبي في العراق، ولكن في النهاية سوف ينقلب السحر على الساحر ويهلك أعداء آل محمد بالجوع في الكوفة، كما ورد في رواية ذكرناها في محلها، أي ان سياسات الشيصباني الكوفي واصحابه الاقتصادية سوف ترتد عليهم لتصيبهم بمقتل، وذلك مكر الله تعالى بالقوم الظالمين.

كما وصف الشيصباني بأنه ينبع كما ينبع الماء: كناية عن بداية حركته بمجموعة قليلة ثم تزداد أعدادهم بعد ذلك، ويكون تجمعهم سريعاً وفي مناطق متعددة، ويبدو أنه في بادئ الأمر يكون خروج الشيصباني وأتباعه لا يؤبه له، حتى تزداد أعدادهم فيصبحون قوة مؤثرة في الكوفة وربما بعض المدن العراقية الأخرى، وذلك الوصف تماماً كما عندما تبدأ عين الماء بالنبع تكون كمية الماء قليلة، ثم تزداد تباعاً حتى تفيض ويصبح من الصعب السيطرة عليها، وبالنتيجة ينعكس ذلك على البلد وسياسته واقتصاده.

وتجدر الإشارة الى انه لما كان خروج السفياني وظهور الامام المهدي عج في حدود عامين؛ فإن الشيصباني واتباعه ربما سيبقون الى الظهور الشريف.

البترية والشيصباني:

روى أبو الجارود عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال في وصفه لحال الإمام روحي فداه حالما يصل إلى الكوفة:

يسير-القائم عج- إلى الكوفة فيخرج منها ستة عشر ألفا من البترية شاكين في السلاح، قراء القرآن، فقهاء في الدين، قد قرّحوا جباههم، وسمّروا ساماتهم، وعمّهم النفاق، وكلهم يقولون: يأبن فاطمة ارجع لا حاجة لنا فيك، فيضع السيف فيهم على ظهر النجف عشية الاثنين من العصر إلى العشاء، فيقتلهم أسرع من جزر جزور، فلا يفوت منهم رجل، ولا يصاب من أصحابه أحد. (٤)

البترية هم جماعة شيعية مقر قيادتها في الكوفة، وقد يكون البترية من أتباع الشيصباني، لأن ذكر أهل البيت عليهم السلام لتلك الشخصية لا يكون عن فراغ، فينبغي لذلك الشيصباني ان يكون ذو تأثير على احداث الظهور الشريف، ولا نجد له أي تحرك من هذا القبيل في المنظومة الروائية الّا من خلال تحرك البترية، لذا نرى أن البترية قد يكونون هم أتباع الشيصباني.

هؤلاء البترية يخرجون على القائم عج وقد جهزوا أسلحتهم واستعدوا لقتاله، ومن صفات البترية التي ذكرتها الرواية أعلاه انهم (قراء للقرآن) (فقهاء في الدين) أي انهم متدينون (قد قرحوا جباههم وسمروا ساماتهم) أي انهم كثيروا السجود والسهر وقد تكون لديهم طقوس عبادية خاصة يطيلون فيها السجود والعبادة التي تؤدي الى تسمير الوجوه، لكنهم مع تلك العبادة فهم منافقون، والمنافق هو من شط عن نهج الهدى.

يخرج البترية بأسلحتهم من منطقة الكوفة، من مسجد الكوفة تحديداً، وهم يحملون السلاح والعتاد، ويطلبون من القائم عج العودة الى الحجاز، ويحاجونه بدعوى الوطنية، وان العراق بخير وان الدين في العراق بخير، وانهم قد قدموا التضحيات الجسام من أموال وارواح ودماء، وان بإمكانهم مع قيادتهم إدارة شؤون العراق واعزاز المذهب الشريف، وانهم لا حاجة لهم بابن فاطمة، فيمنعون الامام عج من أداء صلاة الجمعة في مسجد الكوفة، فيعود الى النجف ويدعوهم الى الحوار، فيأتونه يوم الاثنين بلا سلاح، فيدعوهم الى الطاعة فيرفضون، فيأمر القائم عج فرقة من الجيش الإيراني بقيادة شعيب بن صالح قوامها اثني عشر الف مقاتل فيلقي القبض على البترية ويقتلهم جميعهم كما ستبينه الروايات الآتية.

(يقتلهم اسرع من جزر جزور) أي يذبحهم كما تذبح الشاة، ولا يبقي منهم رجل واحد، ولا يصاب من أصحابه احد، لان البترية سيكونون عزلا.

البترية في اللغة:

الأبتر: المقطوع الذنب ومن الحيات القصير الذنب الخبيث ومن الناس من لا عقب له ومن لا خير فيه والحقير الذليل. (٥)

أي أن البترية هم قوم من أراذل الناس وخبثائهم وحقرائهم، وأمثال هؤلاء عندما يتصدون للأمور الدينية والسياسية والجهادية والمجتمعية ونحوها؛ فإنهم لا ريب سوف يفسدون أكثر مما يصلحون ويخرجون عن كثير من أمور الدين والسياسة العقلائية.

البترية تأريخياً:

البترية هي احدى الفرق التأريخية والتي انشقت عن الفرقة الزيدية.

بعض صفات ومعتقدات البترية:

(يرى البترية أن علياً هو أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولاهم بالإمامة لكنه سلم الأمر الى الثلاثة راضيا وفوض الأمر إليهم طائعا وترك حقه راغبا فنحن راضون بما رضي مسلمون لما سلم لا يحل لنا غير ذلك ولو لم يرض علي بذلك لكان أبو بكر هالكا وهم الذين جوزا إمامة المفضول وتأخير الفاضل والأفضل إذا كان الفاضل راضيا بذلك وقالوا من شهر سيفه من أولاد الحسن والحسين رضي الله عنهما وكان عالما زاهدا شجاعا فهو الإمام.

وشرط بعضهم صباحة الوجه ولهم خبط عظيم في إمامين وجدت فيهما هذه الشرائط وشهرا سيفيهما ينظر إلى الأفضل والأزهد وإن تساويا ينظر إلى الأمتن رأيا والأحزم أمرا وإن تساويا تقابلا فينقلب الأمر عليهم كلا ويعود الطلب جذعا والامام مأموما والأمير مأمورا ولو كانا في قطرين انفرد كل واحد منهما بقطره ويكون واجب الطاعة في قومه ولو أفتى أحدهما بخلاف ما يفتي الآخر كان كل واحد منهما مصيبا وان أفتى باستحلال دم الإمام الآخر) (٦)

من صفات البترية انهم موالون لعلي عليه السلام، والإمام عندهم ما اقتنعوا به سواء كان المفضول أو الفاضل، والإمام لديهم يجب أن يكون رجل دين وسياسي ثوري، وهذه الصفات تبين مدى سفاهة عقولهم وهشاشة معتقداتهم، وبالطبع لا علاقة بين البترية الذين يخرجون على القائم عج والفرقة البترية التاريخية، الا بمقدار تشابه اللفظ وتماثل الحال في الخروج عن طاعة المعصوم واتخاذهم منهجاً مستقلاً عن طاعة القيادة الإلهية.

سبب خروج البترية على الإمام الحجة عج.

في رواية أحمد بن محمّد الأيادي بسنده إلى أبي بصير، عن الإمام الباقر صلوات الله عليه، قال: إذا ظهر القائم على نجف الكوفة، خرج إليه قرّاء أهل الكوفة، وقد علّقوا المصاحف على أعناقهم، وفي أطراف رماحهم، إلى أن يقول: ويقولون: لا حاجة لنا فيك يا بن فاطمة، قد جرّبناكم فما وجدنا عندكم خيراً، ارجعوا من حيث جئتم، فيقتلهم حتى لا يبقي منهم مخبر. (٧)

تصف الرواية مجموعة من منافقي الكوفة، قد اتخذوا من منهج حمل المصاحف على الأعناق والرماح سبيلاً لرفض بيعة القائم عج، وفيه إشارة لصفات تجمع بين الفكر الأموي حيث علق معاوية واتباعه المصاحف على الرماح يوم صفين، وفكر الخوارج حيث علقوا المصاحف في اعناقهم في النهروان، فيقول هؤلاء البترية للإمام عج لا حاجة لنا فيك يأبن فاطمة، فهم يعلمون انه سيد من ذرية الزهراء صلوات الله عليها، ولكن كما أشرنا بأنهم قد بذلوا الكثير من الأرواح والأموال والجهد في سبيل تحصيل مكانتهم السياسية والاجتماعية التي يحظون بها، فلا يتحملون التنازل عنها للمهدي عج، كما انهم غير مستعدين للتخلي عن صنميتهم وطاعتهم لقيادتهم والذي قد يكون الشيصباني ذاته.

أما قولهم (يبن فاطمة) فقد يدل على انهم وجدوا في الامام عج سياسة التهدئة وعدم المبادرة في الخروج حتى يحصل العداء على الشيعة، وكأنهم يقولون للقائم عج: يبن فاطمة ازدراءً منه، ظناً منهم انه تهاون وتباطأ في الاخذ بثارات فاطمة صلوات الله عليها، وفي رواية انهم يقولون له: ارجع يبن رسول الله، ولعل ذلك ازدراءً لرأي القائم عج بعدم المبادرة بالفتح حتى يحصل الاعتداء على الشيعة، ويعضد ذلك قولهم للإمام عج: قد جربناكم فما وجدنا بكم خيراً.

او انهم على العكس سوف يرون في سيرة القائم عج حركة طائفية كبيرة إذا ما صح ما ورد في الرواية من ان القائم عج يخرج صنمي قريش ويحرقهما، فربما يتهمه البترية بإثارة النزعة الطائفية فيكون قولهم له “يبن فاطمة” احتجاجا على طريقته في الاخذ بثأر فاطمة صلوات الله عليها والله العالم بحقيقة الأمور.

بالنتيجة يرفض البترية تسليم الكوفة للإمام عج، فيقتص منهم.

متى يخرج الشيصباني:

يبدو لنا ان خروج الشيصباني سوف يكون بعد انتهاء حكم بني أمية في العراق، ومن الاحداث التي تجري في الكوفة في فترة خروج الشيصباني هي رفع اثنتي عشر راية بالكوفة، ومقتل سيد حسيني ابن شخصية بارزة في الكوفة.

فقد ورد في الرواية عن جابر عن أبي جعفر قال: وترفع قبل ذلك ثنتا عشرة راية بالكوفة معروفة منسوبة ويقتل بالكوفة رجل من ولد الحسن أو الحسين يدعو إلى أبيه ويظهر رجل من الموالي فإذا استبان أمره وأسرف في القتل قتله السفياني. (٨)

إن التردد في كون المقتول بالكوفة من ولد الحسن او الحسين عليهما السلام من الراوي وليس من الامام الباقر عليه السلام، ويبدو أن المقصود هو رجل من ولد الحسين.

فقد وردت ذات الرواية وبنفس السند عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: ويرفع قبل ذلك ثنتي عشرة راية بالكوفة معروفة ويقبل بالكوفة رجل من ولد الحسين يدعو إلى أبيه ثم يبث السفياني جيوشه. (٩)

وهذه الرواية تثبت أن الرجل من ولد الحسين، لكن أستبدل فيها لفظ (يُقتل) بلفظ (يُقبل) ويبدو أن ذلك الرجل الحسيني يُقبل من خارج الكوفة ويُقتل فيها.

وذكرت الروايتان بأن ذلك الرجل الحسيني (يدعو الى أبيه) أي أنه يسير على نهج ابيه، إشارة الى أن أبيه أحد رموز الكوفة.

وقد ذهب بعض الباحثين الى كون ذلك الرجل الحسيني الذي يقتل في الكوفة هو الشيصباني نفسه، لكننا لم نعثر على قرينة تدل على ذلك، بل لعل الرجل الحسيني المقتول في الكوفة يكون قد قتل على يد جماعة الشيصباني، نظراً لتزامن خروجه في فترة خروج الشيصباني ووصف الشيصباني بأنه يقتل وفدكم، سيما وان ذلك الحسيني المقتول هو من الوافدين على الكوفة، وهو في الوقت ذاته من أبناء احد رموز الكوفة، فهذه القرائن اقوى في تحديد هوية ذلك الحسيني المقتول، في حين تنعدم القرائن التي تثبت كون ذلك الحسيني المقتول هو الشيصباني.

القائم عج يقتل البترية.

ورد في الروايات الشريفة إشارة الى أمرين بغاية الأهمية:

الأمر الأول: أن البترية قد يكونون من اتباع الشيصباني.

فقد ورد في الروايات الآنفة الذكر أن الإمام الحجة عج يقتل من يخرج اليه من البترية حتى لا يُبقي منهم أحداً، وذلك يعني أنه يلحق المولّي ويجهز على الجرحى، ولمن يفقه أساليب القتال الإسلامي سيما ما ورد في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام، فإنه سوف يكون على دراية بذلك، حيث سُئل أمير المؤمنين عليه السلام عن سبب إجهازه على الجريح ولحاقه بالمولي في معركة صفين، بينما أمر بعدم الإجهاز على الجريح وعدم لحاق المولي في معركة الجمل، فأجاب عليه السلام: إن معركة الجمل قتل فيها القادة فالجريح والهارب لن يجد من يعيد تأهيله لمعركة جديدة، أما في صفين فالجريح والمولي يعود الى معاوية فيعيد تجهيزه وإرساله الى القتال.

فقد ورد في رواية عن الإمام الباقر عليه السلام قال: (إذا قام القائم سار إلى الكوفة فيخرج منها بضعة عشر آلاف أنفس يدعون البترية عليهم السلاح، فيقولون له: إرجع من حيث جئت فلا حاجة لنا في بني فاطمة، فيضع فيهم السيف حتى يأتي على آخرهم، ثم يدخل الكوفة فيقتل كل منافق مرتاب، ويقتل مقاتليها حتى يرضى الله عز وعلا) (١٠)

في هذه الرواية إشارة الى أن البترية هم إمتداد لمنافقي الكوفة أي الشيصباني وأتباعه.

الأمر الثاني: أن غالبية أهل الكوفة من أتباع الشيصباني:

فقد ورد في الرواية:

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يقدم القائم عليه السلام حتى يأتي النجف فيخرج إليه من الكوفة جيش السفياني وأصحابه والناس معه وذلك يوم الأربعاء، فيدعوهم ويناشدهم حقه، ويخبرهم أنه مظلوم مقهور ويقول: من حاجني في الله فأنا أولى الناس بالله، إلى آخر ما تقدم من هذا، فيقولون: إرجع من حيث شئت لا حاجة لنا فيك قد خبرناكم واختبرناكم، فيتفرقون من غير قتال. فإذا كان يوم الجمعة يعاود، فيجئ سهم فيصيب رجلاً من المسلمين فيقتله، فيقال: إن فلاناً قد قتل، فعند ذلك ينشر راية رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا نشرها انحطت عليه ملائكة بدر، فإذا زالت الشمس هبَّت الريح له فيحمل عليهم هو وأصحابه، فيمنحهم الله أكتافهم ويولون فيقتلهم حتى يدخلهم أبيات الكوفة وينادي مناديه: ألا لا تتبعوا مولياً ولا تجهزوا على جريح، ويسير بهم كما سار علي عليه السلام يوم البصرة) (١١)

هذه الرواية تتحدث عن اقبال القائم عج الى النجف فيخرج اليه من الكوفة (السفياني) ولعله تصحيف للشيصباني، لأنه لا وجود للسفياني في العراق عند اقبال القائم عج، وتصف الرواية خروجهم مع الناس، أي أن غالبية أهل الكوفة موالون لذلك الرجل، ويعضد ذلك دخول الفارين منهم أبيات الكوفة، بل ان حديث الرواية عن النجف والكوفة مما لايدع شكاً في كون اؤلئك الخوارج انما هم من منطقة الكوفة تحديداً، وهذا الوصف يكشف عن جانب مهم من شخصية ذلك الشيصباني الملعون.

وقول المنادي: لا تتبعوا مولياً ولا تجهزوا على جريح، اشارة الى طبيعتهم الشيعية وإلا فإن الإمام عليه السلام، لا يستتيب أعداءه من النواصب والمخالفين.

كما إن سيرة الإمام الحجة عج في عدم إجهازه على الجرحى وعدم ملاحقة المولين منهم؛ يدل على قتله لقائدهم الشيصباني، وإن لم تذكر الرواية ذلك، لكن قتل الشيصباني من لوازم تلك السيرة.

وفي الرواية عن علي بن الحسين عليهما السلام قال : يقتل القائم عليه السلام من أهل المدينة حتى ينتهي إلى الاجفر … ثم يسير حتى ينتهي إلى القادسية وقد اجتمع الناس بالكوفة وبايعوا السفياني . (١٢)

تتحدث الرواية عن بيعة السفياني بالكوفة عند اقبال القائم عج الى القادسية بعد تحريره للحجاز، ولا ريب ان ذلك السفياني هو ليس السفياني الشامي بل هو شخصية عراقية كوفية تشابه افعالها أفعال السفياني، ويمكن اطلاق لقب سفياني الكوفة عليه، ولقب السفياني هنا قد يكون تصحيفاً عن الشيصباني، أي أن بيعة اهل الكوفة للشيصباني تكون بعد خروج القائم عج، بمعنى انهم ينصبونه قائداً دينياً وسياسياً في قبالة قيادة الامام القائم عج، ويبدو ان ذهاب القائم عج الى القادسية هو للوقوف على أثر المجزرة التي افتعلها السفياني بأهل قادسية النجف.

الشيصباني من شذاذ آل محمد

ورد في الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام قوله: وأتق شر السفياني .. وأتق الشذاذ من آل محمد. (١٣)

نلاحظ أن الرواية قرنت شر السفياني بشذاذ آل محمد، والشذاذ هنا هم المنحرفون من السادة العلويين من الحسينيين والحسنيين على حد سواء.

وعن جابر الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام يقول: (إلزم الأرض ولا تحرّكنّ يدك ولا رجلك أبداً حتّى ترى علامات أذكرها لك في سنة… ثمّ ذكر العلامات المحتومة في حديث طويل مع تفصيل لكلّ منها، وقال: ثم يخرج (المهدي) من مكة هو ومن معه الثلاثمائة وبضعة عشر يبايعونه بين الركن والمقام، معه عهد نبي الله صلى الله عليه وآله ورايته، وسلاحه، ووزيره معه، فينادي المنادي بمكة باسمه وأمره من السماء، حتى يسمعه أهل الأرض كلهم اسمه اسم نبي، ما أشكل عليكم فلم يشكل عليكم عهد نبي الله صلى الله عليه وآله ورايته وسلاحه والنفس الزكية من ولد الحسين فان أشكل عليكم هذا فلا يشكل عليكم الصوت من السماء باسمه وأمره وإياك وشذاذ من آل محمد عليهم السلام فان لآل محمد وعلي راية ولغيرهم رايات فألزم الأرض ولا تتبع منهم رجلا أبدا حتى ترى رجلا من ولد الحسين، معه عهد نبي الله ورايته وسلاحه، فان عهد نبي الله صار عند علي بن الحسين ثم صار عند محمد بن علي، ويفعل الله ما يشاء، فألزم هؤلاء أبدا، وإياك ومن ذكرت لك) (١٤)

هذه الروايات وروايات أخرى، تحذّر من إتباع شذّاذ آل محمد، حتى قيام القائم عج، فهي تشير الى وجود زعامات من السادة العلويين يقومون بأفعال مسيئة للشيعة والتشيع، ومهما كانت أقدار أولئك الشُذّاذ، ومهما سمت قيمتهم الاجتماعية وعلا مقامهم الروحي لدى بعض الشيعة، ومهما كبرت أفعالهم في عيون البعض، من قيامهم بالقتال ذوداً عن المذهب وعن الشيعة، ومهما دوّت أصواتهم وأعجبك قولهم في الحياة الدنيا، وحسبوا أنهم يحسنون صنعاً، فإن كل ذي لبّ وذي كرامة وعزة، ومن كان حراً في دنياه، يأنف أن يكون تابعاً لأولئك الشُذّاذ، إنما يتّبعهم الجاهلون وأصحاب الأهواء، والمرتعبين من الأعداء، الذين يجدون فيهم كهفهم الحصين دون حصن الله وأمنه، فيتخذونهم أولياء من دون أهل الحق.

من خلال هذه الروايات قد يستدل على كون الشيصباني من اؤلئك الشذاذ، أي أنه احد السادة العلويين، ورايته احدى الرايات الاثني عشر التي ترفع قبل قيام القائم عج.

وفي الرواية عن عبد الله بن عبد العزيز، قال: قال لي علي بن أبي طالب وخطب بالكوفة، فقال: (يا أيها الناس ألزموا الأرض من بعدي، وإياكم والشذاذ من آل محمد، فإنه يخرج شذاذ آل محمد، فلا يرون ما يحبون، لعصيانهم أمري، ونبذهم عهدي، وتخرج راية من ولد الحسين تظهر بالكوفة بدعاية الأمية (الأموية) ويشمل الناس البلاء، ويبتلي الله خير الخلق حتى يميز الخبيث من الطيب، ويتبرأ الناس بعضهم من بعض، ويطول ذلك حتى يفرج الله عنهم برجل من آل محمد، ومن خرج من ولدي فعمل بغير عملي وسار بغير سيرتي فأنا منه بريء، وكل من خرج من ولدي قبل المهدي فإنما هو جزور، وإياكم والدجالين من ولد فاطمة، فإن من ولد فاطمة دجالين، ويخرج دجال من دجلة البصرة، وليس مني، وهو مقدمة الدجالين كلهم) (١٥)

تتحدث الرواية عن شداذ آل محمد الذين هم من ولد علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، أي ان نسبهم يعود الى الحسن أو الحسين صلوات الله عليهما، وتحذر من اتباعهم، وان هؤلاء الشذاذ يخرجون لأمور في غير محلها، أي أنها مخالفة لما هو عليه اجماع عقلاء الشيعة، فتكون عاقبة الشذاذ سيئة، فهم بخروجهم يكونون عاصين لمنهج أمير المؤمنين عليه السلام.

ويخصص الأمير صلوات الله عليه حديثه عن راية من تلك الرايات لرجل من ولد الحسين، تظهر بالكوفة، بدعامة الأموية، أي ان خروج ذلك الرجل في زمان حكم بني أمية، وبقرينة خروج الرجل في الكوفة، فإنه خارج على حكومة العراق الأموية التي يكون تحت سلطتها (بدعامة الأموية) والحديث هنا لاشك ولاريب انه عن حكم البعث ونظام (صدام حسين) وحيث ان الروايات دعت حكم النظام البعثي الصدامي تارة بحكم بني أمية وأخرى بحكم بني مروان.

بهذا الصدد جمع بعض الباحثين بين شخصية الشيصباني وهذا الرجل الحسيني الخارج بدعامة الأموية، مع ان الروايات الشريفة تحدثت عن خروج الشيصباني قبيل خروج السفياني، وان الشيصباني كما اشرنا يبقى الى قيام القائم عج، بينما هذا السيد الحسيني الخارج بدعامة امية انما يقتل على يد الحكومة الأموية، وتكون حركة ذلك الرجل الحسيني الخارج بدعامة الأموية بلاء على عموم الناس، وبلاء على خيار الشيعة (المرجعية وسائر القيادات الشيعية) ويكون سببا في تمحيص وغربلة الشيعة وتمييز الخبيث من الطيب، الى حد ان يتبرأ الناس بعضهم من بعض، ويطول ذلك البلاء حتى قيام القائم عج!

ان الابعاد العقدية والمجتمعية الكبيرة لخروج هذه الراية، تدل على انها ليست مجرد راية عابرة، فهي فاتحة التفرقة بين الشيعة وان بلائها يمتد الى قيام القائم عج، وهي عبارة عن خط له ثقل في الأوساط الدينية، مما قد يكون ذلك الخارج رمزاً كبيراً من رموز النجف الأشرف يشذ عن منهج المرجعية الرشيدة، فيشق عصا شيعة العراق، وتبتلي المرجعيات الدينية بدعوته الضالة، وتمحص الشيعة به، بل وتنحدر من حركته مجموعة من الخطوط الشاذة، قد يكون من بينها ذلك الشيصباني اللعين.

ونرى في خاتمة الرواية تأكيد الامام علي عليه السلام مرة أخرى عن تجنب الشذاذ من ولده الذين يسيرون بغير سيرته المعهودة لدى عقلاء الشيعة، والمتفق عليها من قبل الفقهاء العدول، حيث يعلن الأمير صلوات الله عليه برائته من اؤلئك السادة الخارجين، ويؤكد على ان كل خارج منهم فإنه جزور (أي ان مصيره القتل) ثم يعود مرة ثالثة للتأكيد على وجود دجالين من ولد فاطمة (سادة حسنيين وحسينيين) وما أكثرهم، ويعقب بالقول بأن اول الخطوط المنحرفة والمنحدرة من حركة ذلك الحسيني هي حركة دجال البصرة الذي يدعي انه من العلويين، والحقيقة أنه مدع للنسب الشريف زوراً، ثم تكون من بعده مجموعة من الخطوط الانحرافية يقودها سادة حسينيين وحسنيين ومشايخ دينيين كلهم يدينون بالولاء الى ذلك الحسيني الخارج بدعامة الأموية، ويبدو لنا ان مصداق دجال البصرة هو المدعو احمد كاطع (احمد الحسن) المدعي لليمانية والمهدوية.

كما ورد في الرواية عن الصادق عليه السلام قال: إذا قام القائم عليه السلام أتى رحبة الكوفة فقال برجله هكذا وأومأ بيده إلى موضع ثم قال: احفروا ههنا، فيحفرون فيستخرجون اثني عشر ألف درع واثني عشر ألف سيف واثني عشر ألف بيضة لكل بيضة وجهان ثم يدعو اثني عشر ألف رجل من الموالي [من العرب] والعجم، فيلبسهم ذلك، ثم يقول: من لم يكن عليه مثل ما عليكم فاقتلوه. (١٦)

تتحدث الرواية عن اقبال القائم عج ونزوله الكوفة وإعلان سلطته على العراق واستخراجه كدس من الأسلحة والاعتدة وتسليمه الى اثني عشر الف رجل من الجنود الايرانيين والمجاهدين العراقيين، وفرض حظر تجوال شامل في مدينة الكوفة، واجتثاثه للشيصباني واتباعه وكل معارض لسلطة القائم عج في الكوفة.

خلاصة القول، ان ذلك الشيصباني سواء كان علوياً او من العوام، فإنه لا يعدو كونه احد القيادات الدينية والسياسية الشيعية الكوفية المنحرفة، وان اتباعه على هذا المنوال هم اراذل الشيعة وشذاذهم وجهلتهم ومنافقيهم، والذين يكونون ذوي بأس شديد وبلاء مديد على الشيعة، لا سيما شيعة العراق، حتى يتم اجتثاثهم على يد الجيش الإيراني بقيادة شعيب بن صالح والمجاهدين العراقيين المنضوين تحت قيادته، وبتوجيه من الامام القائم عج.

المصادر:

(١) (البحار:52/250)

(٢) القاموس الوسيط

(٣) (لسان العرب)

(٤) (دلائل الإمامة: 239)

(٥) القاموس الوسيط

(٦) الملل والنحل – الشهرستاني – ج ١ – الصفحة ١٦١

(٧) سرور أهل الإيمان في علامات ظهور صاحب الزمان: 67ـ68

(٨) الفتن لنعيم بن حماد 1/173

(٩) الفتن لنعيم بن حماد 1/170

(١٠) (البحار:52/338)

(١١) البحار:52/387، وإثبات الهداة:3/ 585

(١٢) البحار:52:387

(١٣) بحار الأنوار: 52/269

(١٤) تفسير العياشي/ 1: 64/ ح 117، بحار الأنوار: 52/222 – 224

(١٥) الملاحم والفتن – السيد ابن طاووس – ج ١ – الصفحة ٢٤٦

مسجد براثا في احاديث الظهور الشريف

مسجد براثا في احاديث الظهور الشريف

—————————————–

يقع مسجد براثا في مدينة بغداد على جانب الكرخ في منطقة العطيفية في بداية الطريق بين بغداد ومدينة الكاظمية، وتبعد منطقة براثا حوالي 10 كم عن مركز المدينة.

تضم منطقة براثا في الوقت الحاضر مسجداً كبيراً في أعلاه مئذنتان بنيتا سنة 1375 هـ ويضم مكتبة قديمة تم تحديثها مؤخراً، كما يضم حرماً للصلاة مع صحن واسع وبئر تعرف باسم بئر الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام) بالإضافة الى الصخرة البيضاء التي وضعت السيدة مريم ولدها المقدس عليها، والصخرة السوداء المنطّقة التي اقتلعها الامام علي عليه السلام من فوهة البئر ومقبرة قديمة.

ومما أكتنفته الروايات الشريفة الواردة عن المعصومين عليهم السلام، وما أولاه النبي محمد والإمام علي صلوات الله عليهما من إهتمام منقطع النظير بمسجد براثا؛ لهو أمر يثير الغرابة ويطرح علامات استفهام كثيرة، وكذلك من الملاحظ أن سائر تلك الروايات لا تذكر مسجد براثا الا وقرنته بالظهور الشريف للإمام المهدي عج، مما يبدو أن لذلك المسجد دوراً كبيراً وجوهرياً في التمهيد للإمام الحجة عج.

الشيخ المفيد يلقي درسه في براثا:

————————————-

الشيخ المفيد (336 ـ 413هـ) تلك الشخصــية الفـذّة الـذي اعترف المؤالف والمخالف بعلمه، وذكائه، وزهده، وتقواه، وكان شيخ أساتذة الكلام في عصره الذي شهد قمة الجدل الفكري والعقائدي بين المدارس الفكرية المختلفة، وكان عظيم الشأن رفيع المنزلة، له كرسي للتدريس في مسجد براثا في بغداد، يقصده العلماء والعوام للاستزادة من علمه، وله أكثر من (200) مصنّف في مختلف العلوم وفي فضل مسجد براثا قيل: (ومن المساجد المحثوث على الصلاة فيها مسجد براثا ببغداد، ومسجد المباهلة، ومسجد الفتح، ومسجد قبا وهذه في المدينة، وفي المنزل واحدة، وكان الشيعة يقيمون صلاة الجمعة حتى أواسط القرن الخامس الهجري وخاصة في مسجد براثا في بغداد) (1)

أصل كلمة براثا:

—————

براثا كلمة ليست بعربية وانما كلدانية مسيحية وتعني “ابن الراية” و “ابن المعجزات” (2)

الأنبياء والأوصياء والشهداء في براثا:

————————————

في الأخبار أنه صلى في براثا سبعون من الأنبياء والأوصياء منهم إبراهيم وعيسى ودانيال ويوشع وإلياس وأمير المؤمنين (صلوات الله عليهم أجمعين) وأن فيه قبر أحد أنبياء الله، وأنه يحشر في هذا المكان عشرون ألف ومائة شهيد.

تعرض المسجد لعدة مرات للهدم وتسويته مع الارض وقتل جميع من فيه وعلى الخصوص في العهدين العباسي والعثماني، وفي السنوات الاخيرة تعرض للتفجيرات لأكثر من خمس مرات وراح ضحيتها أكثر من 100 شهيدا وعشرات الجرحى مع محاولات اخرى تم احباطها والحمد لله.

براثا والتمهيد للامام المهدي عج:

————————-

ورد في الرواية: عن ابن عمر قال: هدم المنافقون مسجدا بالمدينة ليلا فاستعظم اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وآله (لا تنكروا ذلك فان هذا المسجد يعمر ولكن إذا هدم مسجد براثا بطل الحج، قيل له واين مسجد براثا هذا؟ قال: في غربي الزوراء من ارض العراق صلى فيه سبعون نبيا ووصيا وآخر من يصلي فيه هذا واشار بيده الى مولانا علي بن ابي طالب عليه السلام) (3)

أراد رسول الله صلى الله عليه وآله بذكر مسجد براثا والذي لم يكن قد بني بعد؛ أن يبين فضل ذلك المسجد والاشارة الى أن الإمام علي عليه السلام سوف يمر بمكان المسجد، بل انه توجيه من النبي الى الأمير صلوات الله عليهما وعلى آلهما ببناء المسجد، وهنا أصّل النبي صلى الله عليه وآله الى قضية بناء مسجد براثا.

وبالفعل نجد أن الإمام علي ومعه الحسن والحسين صلوات الله عليهم، بالرغم من عناء السفر ووعثاء الطريق من الكوفة الى النهروان وقتاله للخوارج، وكان من المفترض أن يعود الى الكوفة مباشرة او الى المدائن بعد انتهاء المعركة، بيد أنه قرر أن يقطع المسافة من النهروان الى موضع مسجد براثا ويقيم هناك أربعة أيام ليؤسس لبناء مسجد براثا، وليبين لنا سر اهتمام النبي محمد صلى الله عليه وآله بالمسجد، إذ أن المساجد في زمن الرسول صلى الله عليه وآله كان بناءها مكلفاً وشاقا على المسلمين الا ان النبي صلى الله عليه وآله لم يكترث لقيام المشركين بهدم احد مساجد المسلمين تحت جنح الليل، وأراد ان يستثمر الفرصة ليرسخ أهمية مسجد براثا، فقد بين النبي صلى الله عليه وآله مؤدى هدم مسجد براثا وبطلان الحج.

فقد ورد في الرواية: عن أنس بن مالك قال: (لما رجع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام من قتال أهل النهروان نزل براثا وكان بها راهب في قلايته وكان اسمه الحباب فلما سمع الراهب الصيحة والعسكر أشرف من قلايته إلى الأرض فنظر إلى عسكر أمير المؤمنين فاستفظع ذلك ونزل مبادراً فقال: من هذا، ومن رئيس هذا العسكر؟ فقيل له: هذا أمير المؤمنين وقد رجع من قتال أهل النهروان. فجاء الحباب مبادراً يتخطى الناس حتى وقف على أمير المؤمنين فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين حقاً حقاً. فقال له: وما علمك بأني أمير المؤمنين حقاً حقاً؟ قال له: بذلك أخبرنا علماؤنا وأحبارنا. فقال له: يا حباب! فقال الراهب: وما علمك باسمي؟! فقال: أعلمني بذلك حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال له الحباب: مد يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأنك علي بن أبي طالب وصيه، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام وأين تأوي؟ فقال: أكون في قلاية لي هاهنا، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: بعد يومك هذا لا تسكن فيها، ولكن ابن هاهنا مسجداً وسمه باسم بانيه، ثم قال: ومن أين تشرب يا حباب؟ فقال: يا أمير المؤمنين من دجلة هاهنا، قال: فلم لا تحفر عيناً أو بئراً؟ فقال له: يا أمير المؤمنين كلما حفرنا بئراً وجدناها مالحة غير عذبة، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: إحفر هاهنا بئراً فحفر فخرجت عليهم صخرة لم يستطيعوا قلعها، فقلعها أمير المؤمنين عليه السلام فانقلعت عن عين أحلى من الشهد، وألذ من الزبد، فقال له: يا حباب يكون شربك من هذه العين، أما إنه يا حباب ستبنى إلى جنب مسجدك هذا مدينة وتكثر الجبابرة فيها، ويعظم البلاء، حتى أنه ليركب فيها كل ليلة جمعة سبعون ألف فرج حرام، فإذا عظم بلاؤهم شدوا على مسجدك بفطوة ثم- وابنه بنين ثم وابنه لايهدمه إلا كافر ثم بيتاً- فإذا فعلوا ذلك منعوا الحج ثلاث سنين، واحترقت خضرهم وسلط الله عليهم رجلاً من أهل السفح لا يدخل بلداً إلا أهلكه وأهلك أهله، ثم ليعد عليهم مرة أخرى، ثم يأخذهم القحط والغلا ثلاث سنين حتى يبلغ بهم الجهد، ثم يعود عليهم، ثم يدخل البصرة فلا يدع فيها قائمة إلا سخطها وأهلكها وأسخط أهلها، وذلك إذا عمرت الخربة وبني فيها مسجد جامع، فعند ذلك هلاك البصرة، ثم يدخل مدينة بناها الحجاج يقال لها واسط، فيفعل مثل ذلك، ويتوجه نحو بغداد فيدخلها عفواً، ثم يلتجئ الناس إلى الكوفة، ولا يكون بلد من الكوفة تشوش الأمر له، ثم يخرج هو والذي أدخله بغداد نحو قبري لينبشه فيتلقاهما السفياني فيهزمهما ثم يقتلهما، ويوجه جيشاً نحو الكوفة فيستعبد بعض أهلها، ويجئ رجل من أهل الكوفة فيلجؤهم إلى سور فمن لجأ إليها أمن… فعند ذلك يا حباب يتوقع بعدها هيهات هيهات وأمور عظام، وفتن كقطع الليل المظلم، فاحفظ عني ما أقول لك يا حباب) (4)

هنا نلحظ عدة أمور منها:

١- ان النبي محمد صلى الله عليه وآله قد أخبر الامام علي عليه السلام بتفاصيل ذهابه الى براثا واسم الراهب الموجود هناك، مما يؤكد الأهمية المستقبلية لمسجد براثا في إتمام الرسالة المحمدية.

2- أن خبر المسجد مذكور في التوراة بتفصيل ان وصي نبي آخر الزمان يمر به وهنا يتبين لنا قِدم اهتمام الأنبياء بمسجد براثا حيث صلى فيه سبعون نبياً ووصياً اولهم النبي إبراهيم عليه السلام، وورد ذكره في التوراة واهتمام النبي موسى عليه السلام نبي بني اسرائيل به، ناهيك عن قدوم مريم عليها السلام اليه وانجابها ولدها النبي عيسى عليه السلام فيه!

3- استرسل أمير المؤمنين عليه السلام في تبيان ما أراده النبي محمد صلى الله عليه وآله، من ذكر مسجد براثا، حيث تحدث عن عمارة المناطق المحيطة بالمسجد، وخص منها بعض المناطق التي تكثر فيها الجبابرة، وستكون بؤرة للفساد، حيث أشار الى ذلك بقوله: حتى أنه ليركب فيها كل ليلة جمعة سبعون ألف فرج حرام، ويشتد البلاء على أهل المدينة من تلك المناطق الفاسدة المحيطة بالمسجد، حتى يضطر الناس الى إحاطة المسجد بسور لحمايته (شدوا على مسجدك بفطوة) وبالرغم من وجود بعض الإضطرابات في الرواية الا أنها تتحدث في بعض مقاطعها عن أحداث تامة، ومن الواضح ان الرواية تتحدث عن مسجد براثا في زماننا هذا وتهديد الجماعات الإرهابية له والقادمة من بعض المناطق الفاسدة المحيطة بالمسجد كشارع حيفا ونحوه.

4- تحدثت الرواية عن هدم مسجد براثا ومنع الحج ثلاث سنين، ثم ينتقل الأمير صلوات الله عليه الى آخر الزمان ويتحدث عن جيش يقدم لإحتلال العراق، ويكاد أن يدخل العراق فتحدث حالة غلاء في الأسعار ويبدوا أن ذلك بسبب حصار إقتصادي يفرض على العراق، ثم يعود ذلك الجيش بعد فترة من الزمن ليحتل العراق، وترسم الرواية بدقة خارطة مسار الجيش نحو بغداد، حيث يمر بالبصرة ويتعرض الى مقاومة شديدة هناك، ثم يمر بواسط ويتعرض لمقاومة ايضاً، ومن ثم يدخل بغداد عفواً، أي بمقاومة ضعيفة مقارنة بالبصرة وواسط، ثم بعد ذلك تتشكل حكومة في بغداد، وتحدث حالة من المقاومة في الكوفة، فيتحرك الجيش المحتل بمعية جيش الدولة لقمع تلك الحركة، فيحدث إقتتال عند مرقد أمير المؤمنين عليه السلام، يكاد أن يتم قصف المرقد، وقد عبر عن القصف بالنبش، وهما لفظان متقاربان في المعنى كما هو واضح، واسمت الرواية من يقاتل هذه الجيوش بالسفياني وهو غير السفياني الشامي،عند ذاك يخرج رجل من رموز مدينة النجف الأشرف، له ثقل إجتماعي كبير فيفض النزاع.

كما تحدثت رواية أخرى عن بعض الأمور التي قام بها أمير المؤمنين علي عليه السلام، في موقع المسجد:

الرواية المنقولة عن الشيخ الطوسيّ: ان الامام علي عليه السلام عندما نزل في براثا عند عودته من حرب الخوارج في النهروان قابله راهب نصراني فقال له: لا تَنزِلْ هذه الأرض بجيشك، قال: ولِمَ ؟! قال: لأنه لا ينزلها إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ بجيشه يقاتل في سبيل الله عزّوجلّ، فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام: أنا ذلك، فنزل الراهب إليه فقال: خُذْ علَيّ شرايع الاسلام، إنّي وجدتُ في الإنجيل نَعتَك وأنّك تنزل أرض براثا بيت مريم وأرضَ عيسى عليهما السّلام، فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: قِفْ ولا تُخبِرْنا بشيء، ثمّ أتى موضعاً فقال الكُزوا هذا، فلكَزَه برِجْله عليه السّلام فانبجَسَتْ عينٌ خَرّارة، فقال: هذه عينُ مريم التي أُنبِعَت لها. ثمّ قال: اكشفوا ها هنا على سبعة عشر ذراعاً. فكُشِف، فإذا بصخرةٍ بيضاء، فقال عليه السّلام: على هذه وَضَعَت مريمُ عيسى من عاتقها وصَلَّت ها هنا. فنصب أميرُ المؤمنين عليه السّلام الصخرةَ وصلّى إليها، وأقام هناك أربعة أيّام يُتمّ الصلاة، ثمّ قال: أرض براثا، هذا بيت مريم عليها السّلام، هذا الموضع المقدّس صلّى فيه الأنبياء ومنهم ابراهيم الخليل عليه السلام. (5)

قدّم الإمام علي عليه السلام، البراهين الدامغة على قدسية المكان، حيث بين موضع العين التي انبجست لمريم عليها السلام، وحفر بعمق سبعة عشر ذراعاً لكي يستخرج الصخرة البيضاء التي وضعت عليها السيدة مريم وليدها القادس، وقدّم الراهب براهينه بأن خبر نزول الامام علي عليه السلام في موضع براثا مذكور في الانجيل!

وذكرت الروايات الشريفة ان موضع مسجد براثا يكون في يمنة السواد، أي في يمين المنطقة المأهولة بالسكان في بغداد، كما سمي موضع المسجد بالموضع المقدس.

ففي الرواية عن علي بن الحسين بن علي بن الحسين، عن أبيه قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن أمير المؤمنين عليه السلام لما رجع من وقعة الخوارج اجتاز بالزوراء فقال للناس: إنها الزوراء فسيروا وجنبوا عنها، فان الخسف أسرع إليها من الوتد في النخالة. فلما أتى موضعا من أرضها قال: ما هذه الارض؟ قيل: أرض نجرا. فقال: أرض سباخ جنبوا ويمنوا. فلما أتى يمنة السواد إذا هو براهب في صومعة فقال له: يا راهب انزل ههنا؟ فقال له الراهب: لا تنزل هذه الارض بجيشك، قال: ولم؟ قال: لأنه لا ينزلها إلا نبي أو وصي نبي بجيشه يقاتل في سبيل الله عز وجل هكذا نجد في كتبنا.

فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أنا ذلك. فنزل الراهب إليه فقال: خذ علي شرايع الاسلام إني وجدت في الانجيل نعتك وأنك تنزل أرض براثا بيت مريم و أرض عيسى عليهما السلام فقال أمير المؤمنين: قف ولا تخبرنا بشيء. ثم أتى موضعا فقال الكزوا هذا فلكزه برجله عليه السلام فانبجست عين خرارة، فقال: هذه عين مريم التي انبعت لها.

ثم قال: اكشفوا ههنا على سبعة عشر ذراعا. فكشف فاذا بصخرة بيضاء فقال عليه السلام: على هذه وضعت مريم عيسى من عاتقها وصلت ههنا. فنصب أمير المؤمنين عليه السلام الصخرة وصلى إليها وأقام هناك أربعة أيام يتم الصلاة، وجعل الحرام في خيمة من الموضع على دعوة، ثم قال: أرض براثا هذا بيت مريم عليها السلام هذا الموضع المقدس صلى فيها الأنبياء. قال أبو جعفر محمد بن علي عليهما‌ السلام: ولقد وجدنا أنه صلى فيه إبراهيم قبل عيسى عليهما‌ السلام (6)

وفي رواية الحارث الاعور وعمرو بن حريث وأبو أيوب عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه لما رجع من وقعة الخوارج نزل يمنى السواد فقال له راهب: لا ينزل هاهنا إلا وصي نبى يقاتل في سبيل الله. فقال علي: فأنا سيد الاوصياء وصي سيد الأنبياء. قال: فاذاً أنت أصلع قريش وصي محمد، خذ علي الاسلام، إني وجدت في الانجيل نعتك وأنت تنزل مسجد براثا بيت مريم وأرض عيسى.

قال أمير المؤمنين: فاجلس يا حباب. قال: وهذه دلالة أخرى. ثم قال: فانزل يا حباب من هذه الصومعة وابن هذا الدير مسجدا. فبنى حباب الدير مسجدا ولحق أمير المؤمنين إلى الكوفة، فلم يزل بها مقيما حتى قتل أمير المؤمنين عليه السلام فعاد حباب إلى مسجده ببراثا. (7)

وفي رواية أن الراهب قال: قرأت أنه يصلي في هذا الموضع إيليا وصي البارقليطا محمد نبي الاميين الخاتم لمن سبقه من أنبياء الله ورسله، في كلام كثير فمن أدركه فليتبع النور الذي جاء به، ألا وإنه يغرس في آخر الايام بهذه البقعة شجرة لا يفسد ثمرتها. (8)

فيما يتعلق بالشجرة التي لا يفسد ثمرها، فإنه لا توجد شجرة نبات لا يفسد ثمرها، ومن الواضح ان المراد بها انها شجرة بشرية لأحد المؤمنين في آخر الزمان يكون متولياً للمسجد ويكون من الصالحين ويعقبه نسله في تولية المسجد وكلهم من الصالحين، ويبدو ان تلك الشجرة المباركة هي أحد أعمدة المسجد الشريف وقضيته السامية التي اوليت اهتماما منقطع النظير من الأنبياء والأوصياء والكتب السماوية!

وذكرت الروايات ان المسجد يخرب بعد ان كان معمورا، وعندئذ تحل بالناس داهية.

ففي رواية زاذان قال أمير المؤمنين عليه السلام للراهب: ومن أين شربك؟ قال: من دجلة قال: ولم لم تحفر عينا تشرب منها؟ قال: قد حفرتها فخرجت مالحة، قال: فاحتفر الان بئرا اخرى، فاحتفر فخرج ماؤها عذبا، فقال: يا حباب ليكن شربك من هاهنا، ولا يزال هذا المسجد معمورا، فاذا خربوه وقطعوا نخله حلت بهم أو قال بالناس داهية. (9)

كما وتحدثت الروايات أعلاه والروايات الآتي ذكرها عن مسجد براثا، وأكدت على أن المسجد هو المكان الذي وضعت فيه مريم جنينها القادس، وتحدثت عن حرب تحدث بين العراق وأيران، ثم مجيء جيش محتل وصفه الإمام عليه السلام بمواصفات تشابه مواصفات الجيوش الغربية المعاصرة (الجيش الأمريكي الذي احتل العراق عام ٢٠٠٣) بل أنه وضح أمراً مهماً وهو أن ذلك الجيش المحتل يفتح الله على أيديهم الدين، ويكونون سببا لأمرنا، ومن الملفت ان احدى الروايات التي ذكرت تلك الفتن التي يمر بها العراق أشارت الى (تفشي الوباء في العراق)

فقد ورد في الرواية : عن سدير الصيرفي قال : كنت عند أبي عبد الله (جعفر الصادق) عليه السلام وعنده جماعة من أهل الكوفة، فأقبل عليهم وقال لهم حجوا قبل أن لا تحجوا، قبل أن يمنع البر جانبه، حجوا قبل هدم مسجد بالعراق بين نخل وأنهار، حجوا قبل أن تقطع سدرة بالزوراء، على عروق النخلة التي اجتنت منها مريم عليها السلام رطبا جنيا فعند ذلك تمنعون الحج، وتنقص الثمار، وتجدب البلاد، وتبتلون بغلاء الأسعار، وجور السلطان، ويظهر فيكم الظلم والعدوان مع البلاء والوباء والجوع، وتظلكم الفتن من جميع الآفاق، فويل لكم يا أهل العراق إذا جاءتكم الرايات من خراسان، وويل لأهل الري من الترك، وويل لأهل العراق من أهل الري ، وويل لهم ثم ويل لهم من الثط. قال سدير: فقلت: يا مولاي من الثط؟ قال: قوم آذانهم كآذان الفار صغرا، لباسهم الحديد كلامهم ككلام الشياطين، صغار الحدق، مرد جرد استعيذوا بالله من شرهم أولئك يفتح الله على أيديهم الدين، ويكونون سببا لأمرنا. (10)

السِّدْرُة: شجرة النبق.

الثط : الكوسج أو القليل شعر اللحية والحاجبين.

رجل أَجْرَدُ: لا شعر على جسده.

المرد : جمع الأمرد ، الشابُّ الذي طَرَّ شارِبُهُ ولم تَنْبُتْ لِحْيَتُهُ. أي ليس له شارب ولا لحية / الماردُ من الرجال: العاتي الشديد، وأَصله من مَرَدة الجن والشياطين / الخبيثُ المتمرّد الشِّرِّير الذي جاوز حدّ مثله.

كما تحدثت رواية أخرى عن نزول جيش السفياني مسجد براثا عند دخوله بغداد:

فقد ورد في رواية طويلة، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: .. ويبعث السفياني مئة وثلاثين ألفاً إلى الكوفة فينزلون بالروحاء والفاروق، وموضع مريم وعيسى بالقادسية، ويسير منهم ثمانون ألفاً حتى ينزلوا الكوفة ..) (11)

وقد أشار فضيلة الشيخ علي الكوراني في كتابه عصر الظهور في تأويل هذه الرواية الى مسجد براثا بقوله: ويوجد بعض روايات تذكر أو تشير إلى أن مريم وعيسى عليهما السلام قد زارا العراق ونزلا القادسية، وبقيا مدة في مكان مسجد براثا قرب بغداد، والله العالم. (12)

تشير تلك الرواية الى الأهمية الاستراتيجية لمسجد براثا في التمهيد للظهور الشريف، حتى أن جيش السفياني حينما يدخل الى بغداد، يحتل منطقة الروحاء، وهي منطقة الحكم، والمسماة حالياً بالمنطقة الخضراء، والفاروق وهو مطار بغداد، وهما منطقتان إستراتيجيتان يقصدهما أي جيش محتل يرغب بالسيطرة على بغداد، أما أن تكون الفرقة العسكرية الثالثة من جيش السفياني تنزل في مسجد براثا! فلا يكون ذلك الا لكون المسجد يمثل مصدر قوة ومقاومة لجيش السفياني.

روايات في عجائب مسجد براثا:

ورد في رواية: (ألا وإنّه يغرس في آخر الأيّام بهذه البقعة شجرة لا تفسد ثمرتها)

وبالطبع فإنه لا توجد شجرة نبات في الأرض لا تفسد ثمرتها كما أشرنا آنفاً.

وروي أن الشمس ردت الى الإمام علي عليه السلام في موضع براثا:

فقد ورد في الرواية أنّ أمير المؤمنين لما وصل مكان مسجد براثا صاح فقال: يا بئر (بالعبراني) أقرب إليّ، فلمّا عبر إلى المسجد وكان فيه عوسج وشوك عظيم، فانتضى سيفه وكسح ذلك كلّه وقال: إنّ هاهنا قبر نبيّ من أنبياء الله، وأمر الشمس أن ارجعي، وكان معه ثلاثة عشر رجلا من أصحابه، فأقام القبلة بخطّ الاستواء وصلّى إليها. (13)

كما روي أن إبراهيم (عليه السلام) صلى في موضع براثا، واشترى أرض كربلاء وسماها كربلاء.

وأن مريم (عليها السلام) عاشت سنوات من تشريدها مع ابنها عيسى (عليه السلام) في العراق، ويفهم من روايات سيرتها (عليها السلام) أن اليهود والرومان ضايقوها فاضطرت الى الهجرة وبقيت مع ابنها في الشام ومصر والعراق نحو ثلاثين سنة، ثم أمر الله عيسى (عليه السلام) فرجع الى القدس ودعا الناس حتى حاولوا قتله فرفعه الله تعالى. (14)

وفي رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «إن إلى جانبكم مقبرة يقال لها: براثا، يحشر منها عشرون ومائة ألف شهيد كشهداء بدر (15)

وأن مما تميز به مسجد براثا أن الإمام الحجة عج، بعث الى الشيخ المفيد رسالتين، ضمّنهما أخباراً وأسراراً مهمة عن أحداث الظهور الشريف، والغريب أن الإمام الحجة عج لم يراسل أي رجل من الشيعة سوى الشيخ المفيد، عندما كان في مسجد براثا!

ورد في الرسالة الأولى: ( .. ويغلب من بعد على العراق طوائف عن الإسلام مرّاق، تضيق بسوء فعالهم على أهله الأرزاق، ثم تنفرج الغمة من بعد ببوار طاغوت من الأشرار، ثم يستر بهلاكه المتقون الأخيار، ويتفق لمريدي الحج من الآفاق ما يأملونه منه على توفير عليه منهم واتفاق، ولنا في تيسير حجهم على الاختيار منهم والوفاق، شأن يظهر على نظام واتساق، فليعمل كل امرؤ منكم بما يقربه من محبتنا، ويتجنب ما يدنيه من كراهتنا وسخطنا) (16)

من الواضح ان الرسالة تتحدث عن حال العراق في آخر الزمان، وحكم نظام البعث فيه، والحصار الاقتصادي الذي يجري على اهل العراق، وزوال نظام البعث وطاغوتهم صدام، ثم يعقب الامام الحجة عج الى وسيلة انتقال الثلة الأولى من الاصحاب عن طريق الحج والذي سيتم تنسيقه بين الامام المهدي عج والجهات الحكومية في العراق والمسؤولة عن هيئة الحج، والتي ستكون تحت سلطة اليماني الموعود بعد طرد جيش السفياني.

قال الخطيب البغدادي: (كان في الموضع المعروف براثا مسجد يجتمع فيه قوم ممن ينتسب إلى التشيع ويقصدونه للصلاة والجلوس فيه، فرفع إلى المقتدر بالله إن الرافضة يجتمعون في ذلك المسجد لسب الصحابة والخروج عن الطاعة، فأمر بكبسه يوم الجمعة وقت الصَّلاة فكبس وأخذ من وجد فيه فعوقبوا وحبسوا حبساً طويلاً وهدم المسجد حتى سوّى بالأرض وعفى رسمه ووصل بالمقبرة التي تليه ومكث خراباً إلى سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة سنة 328 هـ (وهي آخر سنين الغيبة الصغرى) فأمر الأمير بجكم (الماكاني) بإعادة بنائه وتوسعته وإحكامه، فبني بالجص والآجر وسقف بالساج المنقوش ووسع فيه ببعض ما يليه مما ابتيع له من أملاك الناس، وكتب في صدره اسم الراضي بالله الخليفة العباسي وكان الناس يأتونه للصلاة فيه والتبرك به، ثم أمر المتقي بالله بأن ينصب منبراً فيه كان بمسجد المنصور معطلاً مخبوءاً في خزانة المسجد عليه اسم هارون الرشيد فنصب في قبلة المسجد… ولم يزل على هذا إلى أن خربت بغداد سنة 451 هـ إحدى وخمسين وأربعين. (17)

قال المحدث القمي: (إن لهذا المسجد كما يبدو من مجموع هذه الأحاديث فضائل عديدة تكفي إحداها لو حازها مسجد من المساجد أن تشد الرحال وتطوى المراحل ابتغاء رضوان الله بالصلاة والدعاء فيه، ثم ذكر اثنى عشر خصلة منها صلاة أمير المؤمنين (عليه السَّلام) وابنيه الحسن المجتبى وسيد الشهداء فيه)

ومن الأمور الطريفة التي حصلت في موضع مسجد براثا؛ ينسب الى براثا رجل يدعى أبو شعيب البراثي العابد كان أوّل من سكن براثا في كوخ يتعبّد فيه فمرّت بكوخه جارية من ابناء الكتاب الكبار وابناء الدّنيا كانت ربيت في القُصور، فنظرت الى أبي شعيب فاستحسنت حاله وما كان عليه فصارت كالاسير له، فجاءت الى أبي شعيب وقالت: أريد أن أكون لك خادمة، فقال لها: إن أردتِ ذلك فتعرّي من هيئتك وتجرّدي عمّا أنت فيه حتّى تصلحي لما أردتِ، فتجرّدت (السّعيدة) عن كلّ ما تملكه ولبست لبسة النّساك وحضرته فتزوّجها، فلمّا دخلت الكوخ رأت قطعة خصاف كانت في مجلس أبي شعيب تقيه من النّدى، فقالت: ما أنا بمقيمة عندك حتّى تخرج الخصاف لانّي سمعتك تقول: انّ الارض تقول: يَا ابْنَ آدَمَ تَجْعَلُ بَيْنِى وَبَيْنَكَ حِجاباً وَاَنْتَ غَداً في بَطْني، فرماها أبو شعيب ومكثت عنده سنين يتعبّدان أحسن العبادة وتوفّيا على ذلك.

خاتمة:

———

إن إقتران اسم مسجد براثا بأحداث آخر الزمان وذكر السفياني، فيه إشارة بليغة على إرتباط المسجد بالتمهيد للامام الحجة عج، وذلك يعني أن ثمة تخطيط إلهي لإقامة ذلك المسجد، بدأ من صلاة النبي إبراهيم عليه السلام فيه والذي يعد أبو البشر ومنه تفرعت جميع الأديان الموجودة حالياً، وصلاة سبعين نبياً ووصياً فيه، ثم ذكر خبر المسجد في توراة موسى عليه السلام وفي انجيل عيسى عليه السلام، ثم اقبال السيدة مريم من فلسطين الى موضع المسجد لتضع وليدها المخلّص ولترسخ قدسية المكان، ومنه سميت المنطقة بالقادسة، أو القادسية، إشارة الى الوليد المقدس، كما سميت القدس الفلسطينية بهذا الإسم تشرفاً بمكوث النبي المؤيد بروح القدس فيها.

ثم بعد ذلك يستثمر النبي محمد صلى الله عليه وآله الفرصة ليتحدث عن المسجد، ويوكل أمر كشف مكانه وإنشائه وتبيان فضله الى الإمام علي عليه السلام، ومن بعده اهتمام الامام الصادق عليه السلام بالمسجد في نشره الروايات التي ذكرت المسجد، ومن ثم الامام الحجة عج وايلائه العناية بالمسجد ومراسلته للشيخ المفيد واخباره عن احداث تقع في آخر الزمان في العراق، ومن تلك الاحداث تسلط حزب البعث على العراق وحصول حصار اقتصادي على اهل العراق بسبب البعثيين المراق ومن ثم زوال طاغوتهم صدام فيكون بعد ذلك امر الحج في العراق متاحا حتى حيان ظهور الامام الحجة عج ونقل أنصاره من العراق الى الحجاز ليعلن ظهوره الشريف.

يبقى سر مسجد براثا المعظم كامنا حتى تتجلى الحقيقة المستترة خلف اهتمام الأنبياء والاوصياء صلوات الله عليهم بهذه البقعة المباركة، إذ أن اهتمام اؤلئكم بمسجد براثا لم يقل أثرا عن مساجد عظيمة كمسجد الكوفة الذي سيكون مقر حكم الامام عج ومصلاه كما ان مسجد السهلة سيكون منزل الامام عج ووزارة مالية دولة العدل الإلهي، بل زاد اهتمام النبي وعترته صلوات الله عليهم بمسجد براثا أكثر من غيره من مساجد العراق.

المصادر:

(1) جامع براثا .. ويكبيديا الموسوعة الحرة ..

(2) اللغة الكلدانية إجابات كوكل.

(3) الملاحم والفتن لابن طاووس باب 48 ص 260 حديث 379

(4) البحار:52/217 .

(5) أمالي الطوسي/ 199

(6) أمالى الطوسى ج ١ ص ٢٠٢ طبع النجف الاشرف.

(7) مناقب ابن شهر اشوب ج ٢ ص ١٠٠ طبع النجف الاشرف.

(8) مناقب ابن شهر اشوب ج ٢ ص ١٠٠ طبع النجف الاشرف.

(9) مناقب ابن شهر اشوب ج ٢ ص 101 طبعة النجف الاشرف.

(10) البحار/ مجالس المفيد

(11) البحار:53/ 82

(12) عصر الظهور/ الكوراني ص29

(13) مناقب ابن شهر آشوب، باب إخباره (عليه السلام) بالغيب 2: 265.

(14) عصر الظهور للكوراني

(15) كامل الزيارات546

(16) الاحتجاج: ج2 ص 318 ـ 325

(17) تاريخ بغداد 1/109

بحث علامة اليماني الموعود (ج١٦) والأخير

اليماني الموعود وزير الامام الحجة عج.

من مقومات الدول انها تتشكل من هيكل هرمي للقيادة والإدارة، ويقود كل مفصل من مفاصل ذلك الهيكل شخص يتصف بصفات معينة تخصصية ملائمة للدور القيادي او الإداري المناط به.

في بداية قيام دولة العدل الإلهي سوف تكون ثمة قيادات عليا تدير الدولة تحت القيادة المباشرة الامام القائم عج، واؤلئك هم الوزراء، ولكل من اؤلئك الوزراء دوره الخاص والمرتبط بمجال معين من مجالات الدولة، كالسياسة الداخلية والمجتمع والأمن وشؤون العسكر والاقتصاد والصناعة والتجارة والزراعة والاعلام والثقافة والسياسة الخارجية وشؤون الرجعة …الخ

عند الشروع بالقيام الشريف يكون التوزير عمومياً، أي يكون عمل الوزير مرتبطاً بكافة شؤون الامام المهدي عج بما يتناسب مع تلك المرحلة الانتقالية من التحضير للقيام والقيام الشريف وتوزيع المهام والأدوارعلى العاملين مع الوزير ومتابعة عملهم، وبعد إقامة الدولة يتم تنظيم شؤونها حسب ما ترتأيه القيادة الإلهية المعصومة المتمثلة بالامام القائم روحي وارواح العالمين لتراب مقدمه الفداء.

لعل من اهم وزراء الامام المهدي عج هو اليماني الموعود، لما لهذا العبد الصالح من دور أساسي في الدعوة الى المهدي عج والتمهيد للظهور الشريف، وجمع الاصحاب والانصار وتوطئة ارض العراق ليكون عاصمة دولة العدل الإلهي، في حين سيكون شعيب بن صالح وزيراً آخر للامام المهدي عج ومهمته قيادة الجيش الإسلامي بمنصب وزير دفاع دولة العدل الإلهي، هكذا تبدو الأمور لنا في قرائة بسيطة لمضامين الروايات الشريفة، وبهذا القدر من البيان نعطي صورة أولية عن الدولة المهدوية ولسنا في معرض تأطير او دسترة هيكلية دولة العدل الإلهي.

ثمة من يسبق هذين الوزيرين في إدارة شؤون الامام المهدي عج في الفترة ما بين الصيحة والظهور، وهو من تسميه الرواية بالمنصور، ويكون لهذا الرجل دوراً حجازياً مهماً في الاعداد والتهيئة للقيام الشريف، حيث يكون ذلك المنصور ملازماً للامام الحجة عج في تحركاته في الحجاز حتى انه يهرب مع الامام المهدي عج من المدينة الى مكة عند ملاحقة جيش السفياني لهما، وقد يكون ذلك المنصور هو ذاته اليماني الموعود، كما سنشير اليه لاحقاً.

اليماني وزير الامام المهدي عج

بعد اندحار جيش السفياني من النجف الاشرف وسحقه في شمال بابل على يد رايتي الهدى اليماني والخراساني، لم تتحدث الروايات عما سيجري بعد ذلك، لكن ما يبدو لنا ان معارك اليماني والخراساني سوف تمتد حتى تحرير العراق من جيش السفياني.

بعد طرد جيش السفياني سوف يقع على عاتق اليماني حكم العراق في تلك الفترة الانتقالية حتى القيام الشريف، وعند اقتراب شهر رمضان وتحقق علامة الصيحة الجبرائيلية المعلنة لظهور الامام المهدي عج، يقع على عاتق اليماني دور هام في رصد وتصديق الصيحة الجبرائيلية وإقناع مجتمع الانتظار بأحقيتها، في قبالة الحملة الإعلامية التي سيشنها الأعداء والموصوفة بصيحة ابليس لعنه الله، والتي تهدف الى التشكيك بالصيحة واتهام الشيعة بالسحر واختلاقهم لها وانها ليست صيحة جبرائيل الملكوتية.

بعد الصيحة سوف يتم التواصل والتنسيق بين الامام الحجة عج ومجموعة من مواليه ومنهم اليماني الموعود، من اجل التحضير للقيام الشريف، واختيار وتهيئة الاصحاب ال ٣١٣ وارسالهم الى الحجاز، والتحضير لاستقبال الامام الحجة عج بعد سيطرته على الحجاز وتوجهه نحو العراق.

من بعد القيام الشريف يكون اليماني الموعود وزيراً للامام الحجة عج في دولته المباركة، ومنصب الوزير مهمته القيام بتنفيذ أوامر الامام الحجة عج في المجال الذي يوكل به، وشخص مثل اليماني لعله سيتم تكليفه بالشأن السياسي أي قيادة الدولة وتنظيم شؤونها السياسية، وبالطبع فإن كل وزراء الدولة وموظفيها سيكون عملهم تحت الرقابة والرعاية المباشرة للامام الحجة عج.

من الروايات التي تحدثت عن دور اليماني الموعود في تلك الفترة نذكرها مع بيان مقتضب لها:

عن جابر الجعفي عن أبي جعفر (ع) قال: (يظهر السفياني و من معه حتى لا يكون له همة إلا آل محمد ص و شيعتهم …و يبعث بعثا إلى المدينة فيقتل بها رجلا و يهرب المهدي والمنصور منها و يؤخذ آل محمد صغيرهم و كبيرهم لا يترك منهم أحد إلا حبس و يخرج الجيش في طلب الرجلين و يخرج المهدي منها على سنة موسى خائِفاً يَتَرَقَّبُ حتى يقدم مكة و يقبل الجيش حتى إذا نزلوا البيداء و هو جيش الهملات خسف بهم فلا يفلت منهم إلا مخبر فيقوم القائم بين الركن و المقام فيصلي و ينصرف و معه وزيره – ثم يخطب فيهم- ثم يخرج من مكة هو و من معه الثلاثمائة و بضعة عشر يبايعونه بين الركن و المقام معه عهد نبي الله ورايته وسلاحه ووزيره معه فينادي المنادي بمكة باسمه وأمره من السماء حتى يسمعه أهل الأرض كلهم، اسمه اسم نبي ما أشكل عليكم فلم يشكل عليكم عهد نبي الله ورايته وسلاحه والنفس الزكية من ولد الحسين فإن أشكل عليكم هذا فلا يشكل عليكم الصوت) (١)

تحدثت الرواية أعلاه عن رجل يدعى المنصور وهو مرافق للامام المهدي عج في الفترة ما بين الظهور والقيام الشريف، ولا يستبعد ان يكون ذلك المنصور هو وزير الامام الحجة عج، مع ان الامام عج لم يكن ذو سلطة بعد، لكن مهام حركة الامام في تلك الفترة قد تقتضي توزير من يعاونه في عملية التمهيد للقيام، أي بمعنى المساعد والقائم بشؤون الامام الحجة عج لا المنصب الوزاري، ولم تشر الرواية الى اصل ذلك المنصور، هل هو من اهل الحجاز باعتبار ان حركة الامام عج آنذاك تقتصر على الحجاز تمهيداً لقيامه في مكة المشرفة، ام انه نفسه اليماني الموعود باعتبار ان الامام عج يعمل بالخفاء فبالامكان ان يتحرك معه اليماني الموعود بعد اقباله مع الاصحاب من العراق؟
بالنتيجة لا يوجد دليل ناهض يكشف شخصية ذلك المنصور المرافق للامام المهدي عج.

عند حلول يوم العاشر من المحرم يكون الامام عج في مكة المشرفة عن البيت الحرام ومعه أصحابه الثلاثمائة وثلاثة عشر، ومعه وزيره كما اشارت الرواية أعلاه، وكما اشرنا فإنه قد يكون وزيره ذاك هو المنصور، او انه اليماني، وربما يكون المنصور هو نفسه اليماني الموعود.

وفي الرواية عن الامام الصادق (عليه السلام) : (كأني أنظر إلى القائم على منبر الكوفة و حوله أصحابه ثلاث مائة و ثلاثة عشر رجلا عدة أهل بدر و هم أصحاب الألوية و هم حكام الله في أرضه على خلقه حتى يستخرج من قبائه كتابا مختوما بخاتم من ذهب عهد معهود من رسول الله (ص) فيجفلون عنه إجفال الغنم فلا يبقى منهم إلا الوزير و أحد عشر نقيبا كما بقوا مع موسى بن عمران (ع) فيجولون في الأرض فلا يجدون عنه مذهبا فيرجعون إليه و الله إني لأعرف الكلام الذي يقول لهم فيكفرون به) (٢)

تتحدث الرواية عن مرحلة ما بعد القيام الشريف وتحرير الحجاز واقبال القائم عج الى العراق واستقراره في الكوفة، فتحصل حادثه استخراجه لكتاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وما فيه من أمر يفوق وقعه استيعاب ادمغة وافئدة أصحاب القائم عج، وكأن فيه أمر يبدو انه غير عقلائي وقد يكون مخالفاً او هادماً لبعض مما شيده الاصحاب مع الامام القائم عج في الفترة الماضية من يوم التحاقهم بالحجاز والقيام الشريف وحتى يوم اعلان ما ورد في ذلك الكتاب، ولا يمكن على أي حال تخيل ذلك الأمر لأن الاحداث على ارض الواقع تختلف عن التنظير.

عند ذلك يقع الاصحاب في حيرة من امرهم ويأخذون بمناقشة الامر بعد الانصراف، مستنكرين ما ورد في الكتاب وقد ساورهم الشك فيه، وذلك بالرغم من الوصف العالي المضامين الذي وصف به اؤلئك الاصحاب، بأنهم النقباء وأصحاب الألوية وحكام الله في ارضه على خلقه، فلا يبقى منهم الا احد عشر نقيباً ومعهم الوزير، ونكاد نجزم هنا بحكم ان الواقعة تكون في العراق، بأن ذلك الوزير هو اليماني الموعود، اما النقباء الأحد عشر فهم المبرزين من الاصحاب الذين كان لهم شرف السبق في التمهيد للامام والتثقيف لدعوته، المنقبون عن قضية الامام عج في زمان غيبته المنيف على ظهوره الشريف.

الخضر وعيسى بن مريم وزراء الامام القائم عج.

لعل اهم قضية غيبية بعد ظهور الامام المهدي عج وقيامه الشريف، هي قضية ظهور الخضر عليه السلام ونصرته للامام المهدي عج، والأهم منها قضية رجعة الأموات، ولعل قضية الخضر عليه السلام اكثر جلاء من قضية رجعة اهل البيت عليهم السلام وسائر الأموات الراجعين، على اعتبار ان قضية الخضر كقضية غيبية قد أخذت حيزها الكافي من التثقيف لدى جماهير المسلمين، فتكون مسألة ظهوره بعد قيام الامام الحجة عج مسألة طبيعية، كذلك مسألة رجوع النبي عيسى عليه السلام هي الأخرى بذات سياق قضية الخضر عليه السلام.

القضية الأصعب هي قضية رجعة الأموات، فهي قضية كبيرة لها حيثياتها الخاصة، وربما تحتاج الى وزارة لشؤون الرجعة، قد يضطلع الخضر عليه السلام بها، باعتباره شخصية لها قدسيتها، ولارتباطه بالغيب، اذ ان قضية رجعة الأموات هي أيضا قضية غيبية.

اما بخصوص شؤون الأديان المسيحية واليهودية والعلمانية والالحادية والدجال، فإن النبي عيسى عليه السلام سيكون كفؤاً لادارة هذه الوزارة.

وفي هذا السياق سوف نتطرق لبعض الروايات التي ذكرت توزير الخضر والنبي عيسى عليهما السلام.

عن الإمام الرضا [عليه السلام] في حديثه عن الخضر عليه السلام : « وسيؤنس الله به وحشة قائمنا في غيبته ، ويصل به وحدته » (٣)

ان ايناس الوحشة لا يعني تكليم الامام عج لكي لا يشعر بالوحدة كما هو ظاهر اللفظ، وانما المراد به القيام بشؤون الامام عج التي يحتاج بها الى معونة الآخرين وكل ما يهمه من الأمور التي لا يباشرها الامام عج بنفسه.

وفي رواية تذكر سبب انساء أجل الخضر عليه السلام: إنه قد نسئ له في أجله لكي يكذب الدجال. (٤)

وبخصوص توزير النبي عيسى عليه السلام نذكر أحد الآثار التي تحدثت عن رجوعه:

(يهبط المسيح عيسى بن مريم عليه السلام عند القنطرة البيضاء على باب دمشق الشرقي إلى طرف الشجر تحمله غمامة واضع يديه على منكب ملكين عليه ريطتان مؤتزر بأحديهما مرتدي بالأخرى إذا أكب رأسه قطر منه كالجمان فيأتيه اليهود فيقولون نحن أصحابك فيقول كذبتم ثم يأتيه النصارى فيقولون نحن أصحابك فيقول: كذبتم بل أصحابي المهاجرون بقية أصحاب الملحمة، فيأتي مجمع المسلمين حيث هم فيجد خليفتهم يصلي بهم فيتأخر للمسيح حيث يراه فيقول يا مسيح الله صلي لنا فيقول بل أنت فصل لأصحابك فقد رضى الله عنك فإنما بعثت وزيرا ولم أبعث أميرا) (٥)

خلاصة القول ان اليماني الموعود سيكون وزيراً للامام الحجة عج بعد قيامه الشريف، وبطبيعة الحال فإن العدل يقتضي تقديم صاحب السبق والوعي والادراك بقضية الامام عج في زمان غيبته والداعي اليه والعامل على التمهيد له والباذل نفسه في سبيل توطئة الأرض لقدومه الشريف، لاسيما وان اليماني الخبير في شؤون الدين والعقيدة والسياسة والأمن لهو الشخص المناسب لمقام الوزارة واعانة الامام المهدي عج على إقامة دولته المباركة.


المصادر:

(1) تفسير العياشي ـ ج1 ص65
(2) كمال الدين وتمام النعمة ـ للصدوق ـ ص672.
(3) البحار ج13 ص299 وج 52 ص152 عن كمال الدين ج2 ص61 .
(4) الدر المنثور ج 4 ص 239
(5) كتاب الفتن لنعيم بن حماد ص347

قائد سياسي بلا هوية وطنية ورجل دين بلا هوية دينية…!

قائد سياسي بلا هوية وطنية ورجل دين بلا هوية دينية…!

ما هكذا يورد الفكر يا عمار! لسنا نعيش في البادية وان كانت الامثال تضرب ولا تقاس، ولكن في نيتنا ان نخرج عن اطار الحديث البلاغي المثقل بالمجاز والكنايات والاستعارات والأمثال، لننتقل من أجواء البادية الى اجواء الفكر والحضارة ليكون كلامنا واضحاً صريحاً مع اننا لا نهدف منه التسقيط السياسي، كون الرجل احد القيادات السياسية المشهورة، ولكن من ادمي قلبه والهبت روحه لا يُهدِّئ من روعه سوى الصياح والعويل والضجيج وافتضاح الحقائق!

منذ انتهاء عصر الغيبة الصغرى للامام المهدي عج ودخول الشيعة في عصر الغيبة الكبرى وزمان السادة المرتضى والرضي في القرن العاشرالميلادي، ومن بعدهم الشيخ المطهر الحلي والسيد ابن طاووس في القرن الثالث عشر، والسيد مهدي ال بحر العلوم والشيخ جعفر ال كاشف الغطاء في القرن الثامن عشر، لم يشهد اهل العراق بزوغ نجم للمرجعية الدينية العراقية الا في القرن العشرين على يد مرجعية الامام الكبير السيد محسن الحكيم قدس سره الشريف.

كما لم يشهد اهل العراق وجود قيادة ثورية مجاهدة تكللت مسيرتها بالنصر والظفر واستشهدت وهي منتصرة، منذ ثورة الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه؛ كما شهدوه تحت قيادة سماحة السيد محمد باقر الحكيم للمقاومة الإسلامية ضد نظام البعث الاموي (صدام النذل وينه وينه الحاربك وينه؟)

كانت اسطورة جيش الغضب حقيقة إسلامية خرج من اجلها الخوارج، منددين بحكومة علي بن ابي طالب الطاغوتية (وفق وجهة نظرهم) فأجاب الأمير صلوات الله عليه من تبقى منهم بعد قضائه على الخوارج: انه ليس في دولة علي بن ابي طالب من غضب، وانما هو في آخر الزمان، يخرج قوم من اهل العراق قزع كقزع الخريف بقيادة رجل من ولدي اسمه (باقر) ويستشهد باقراً في ظهر الكوفة في سبعين من الصالحين وهو النفس الزكية.

يا لله ولهذه الهوية العظيمة فما بعدها من هوية، هويةٌ اكتنزت في جوهرها هوية الإسلام المحمدي، وتكللت بعبق الولاية العلوية، وشهد على قيادتها عظيم الإسلام علي بن ابي طالب وانحدرت من نسل الحسن بن علي صلوات الله عليهما، اذ لم يعهد لأمير المؤمنين أنه ذكر رجلاً من المستقبل بالمديح والثناء كذكره لقائد جيش المقاومة الاسلامية في العراق، قائد جيش الغضب والنفس الزكية سماحة آية الله السيد المجاهد محمد باقر الحسني الحكيم، والناجم من عظمة المرجعية الدينية النجفية ولادة وتعليماً والمتمثلة بالامام السيد محسن الحكيم.

هكذا تكون الهوية والا فلا، ولكن من هوان الدنيا وسماجة الأيام، ان يخرج من هذه السلالة العلوية المقدسة والاسرة الحسنية الحكيمية المباركة من يشيد بفتنة تشرين، تلك فتنة السفهاء والعواهر وأبناء الرفيقات والطائفيين وكل ما دنى وفسد والمتردية والنطيحة وما اهل به لبني صهيون وطحنون وال سعود! ويقول: قبل تشرين لم يكن لدينا هوية وطنية بالمقدار الذي أصبحت عليه بعد تشرين لذا يجب العمل على ترسيخها وتعزيزها!

الا فض فوك وصمّت مسامعك، وانت حفيد الحسن بن علي بن ابي طالب خليفة الامة الإسلامية من بعد ابيه الذي جعل عاصمتها العراق، وانت حفيد الحسين بن علي بن ابي طالب ذلك الذي اقام اول ممارسة شوروية الهية ليُنتخب قائداً للعراق والأمة الإسلامية، وليصيّر العراق عاصمة للاسلام ولدولة العدل الإلهي من الجليد الى الجليد، حيث ارسل اهل العراق بأوراق اقتراعهم الى الحجاز؛ أن اقبل يبن رسول الله فلك في العراق جنود مجندة.

هذه هي الهوية التي تناسيتها وذلك هو التأريخ الذي تنكرت له، وتلك هي العقيدة الإسلامية الإنسانية الحضارية التي جحدت بها واستبدلتها بالوطنية الالحادية، واستبدلت العدالة الإلهية الاسلامية بالليبرالية الإباحية الصليبية الالحادية!

ثم اتبع يقول: ان زيارة البابا محطة على طريق استعادة العراق لمكانته الدينية! يا لله ولقيادتك الدينية والسياسية، أي قائد انت يا عمار؟! قائد سياسي بلا هوية وطنية ورجل دين بلا هوية دينية، ولكن ان كانت فتنة تشرين اعادت لك هويتك الوطنية، وزيارة البابا اعادت لك مكانتك الدينية، فهذا شأن يعنيك ولا يعني شيعة العراق الذين يمتلكون اسمى هوية وهي هوية الاسلام المحمدي العلوي، وهوية التضحية الحسينية الكربلائية، وهوية المرجعية الدينية البغدادية والحلية والبصرية والنجفية، وهوية المقاومة الإسلامية العراقية الحكيمية.

لكن ما يهدئ من آلامنا ويضمد جراحاتنا ويسكن من روعنا، ان في بقية آل الحكيم أمثال سماحة آية الله العظمى المرجع الكبير السيد محمد سعيد الحسني الحكيم دامت بركاته، والذي وقف موقف المؤازر والمساند لمرجعية الامام السيستاني، ولم ينبس ببنت شفة طيلة تصدي الامام السيستاني للمرجعية العليا، خشية ان يصدر منه ما يتعارض مع المرجعية العليا فيقال قد اختلفت شيعة العراق! ولو ان الله تعالى كتب له طول العمر في صحة وعافية، لنأمل ان يكون المصداق لذلك الحسني المبارك الذي يسلم راية النجف الأشرف للإمام القائم عج.

مازلت يا عمار تسمى باسم الحكيم، وما زلت ترتدي العمامة الإسلامية، ومازلت تنتسب الى الاسرة الحسنية، فهل اصابك شيء من داء النسيان، ام أعمت بصيرتك الوجاهة وتهافت الناس عليك وخفق النعل من خلفك، ام ان المال والسلطان قد اخذ بلبك وانساك هويتك، ام ان اسيادك الجدد لديهم ما يدينك ويهدم برجك العاجي ان لم تمتثل لأوامرهم وتنفذ اجنداتهم وتنعق بما يأفكون؟! وتلك هي المسألة.

بحث علامة اليماني الموعود (ج١٥)

سر تفوق راية اليماني من بين الرايات العراقية.

يعود سر تفوق راية اليماني الى عدة أمور:

1- الخبرة التي يمتلكها اليماني في الإدارة الأمنية، وحكمته في التعامل مع جيش السفياني.

اذ ان ثمة استراتيجيات عسكرية يستخدمها جيش السفياني ستؤدي الى انتصاره على سائر الرايات المقاتلة له، ومن أهم تلك الإستراتيجيات: عامل الغطاء الجوي.

عادة ما يكون عامل الغطاء الجوي هو الحاسم في مثل تلك المعارك، سيما أن الطرف المقابل للسفياني لا يمتلك ذلك الغطاء.

من ذلك نستدل على أن الرايات التي يسحقها جيش السفياني لا تمتلك الحنكة العسكرية، فهي تقاتل جيش السفياني رغم امتلاكه للغطاء الجوي وافتقارها له!

ان عدم امتلاك تلك الرايات للحنكة العسكرية أمر طبيعي، فمثلا (مولى الكوفة) فهو لا يمتلك الخبرة العسكرية، وإن كان من المحتمل انه شارك في حرب النواصب التي تسبق خروج السفياني، فكما يبدو أن حرب الشيعة مع النواصب تكون على يد الفصائل الشيعية المجاهدة بمعونة الحكومة العراقية وجيشها النظامي وهو ما يجري اليوم فعلاً، وهي من يمتلك الغطاء الجوي مع افتقار النواصب لذلك الغطاء، بعكس معركة السفياني التي يتم فيها اسقاط الحكومة العراقية، فيكون الغطاء الجوي بيد الجيش النظامي السوري السفياني، بينما تفتقر الرايات الشعبية العراقية له.

بخلاف تلك الرايات، فإن اليماني يكون عارفاً بالخطط والإستراتيجيات العسكرية، ولكون الخراساني هو راية الهدى الوحيدة التي تمتلك القدرات الجوية؛ فإن ذلك يكشف أحد أسرار تخلف راية اليماني عن مواجهة السفياني حتى وصول راية الخراساني، وكذلك يبين سر إقبال رايتي اليماني والخراساني سوية، وذلك أن اليماني ينتظر وصول الغطاء الجوي الخراساني، وكذلك قد يعود أحد أسباب تأخر الجيش الخراساني البري الى تطبيق تكتيك القصف الجوي من الطائرات والصواريخ البالستية ونحوها قبيل الهجوم البري.

2- توجيهات أهل البيت عليهم السلام، في كيفية التعامل مع جيش السفياني، والتي ضمّنوها في مروياتهم، وليس هنالك من هو أعلم بتلك التوجيهات من اليماني، والذي يكون الداعي الأهدى للمهدي عج، وفق ما اخبرتنا به الروايات الشريفة:

فقد ورد في الرواية: عن الحسن بن أبي العلاء الحضرمي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: كيف نصنع إذا خرج السفياني؟ قال: تغيب الرجال وجوهها منه، وليس على العيال بأس، فإذا ظهر على الأكوار الخمس، يعني كور الشام فانفروا إلى صاحبكم) (1)

تخبرنا الرواية بتكتيك عسكري، يشير الى توجيه الشيعة بعدم التصدي لجيش السفياني، ومن البديهي فإن أمر عدم التصدي ليس مطلقاً، ويؤيد ذلك وجود رايتي الهدى: اليماني والخراساني والحث على الالتحاق بهما، فالمنع من التصدي سيكون مقتصراً على التصدي له قبل وصول جيش الخراساني، والظاهر أن ذلك بسبب افتقار الرايات العراقية للغطاء الجوي كما بينا آنفاً، وذلك ما تبينه الحسابات العسكرية الموضوعية، وما اشارت اليه الروايات الشريفة.

فقد ورد في الرواية عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إذا سمعتم باختلاف الشام فيما بينهم فالهرب من الشام فإن القتل بها والفتنة، قلت: إلى أي البلاد؟ فقال: إلى مكة، فإنها خير بلاد يهرب الناس إليها، قلت: فالكوفة؟ قال: الكوفة ماذا يلقون؟ يقتل الرجال إلا شامي (على الاسامي) ولكن الويل لمن كان في أطرافها، ماذا يمر عليهم من أذى بهم، وتسبى بها رجال ونساء وأحسنهم حالا من يعبر الفرات، ومن لا يكون شاهدا بها، قال: فما ترى في سكان سوادها؟ فقال بيده يعني لا.

ثم قال: الخروج منها خير من المقام فيها، قلت: كم يكون ذلك؟ قال: ساعة واحدة من نهار، قلت: ما حال من يؤخذ منهم؟ قال: ليس عليهم بأس أما إنهم سينقذهم أقوام ما لهم عند أهل الكوفة يومئذ قدر، أما لا يجوزون بهم الكوفة. (2)

تشير هذه الرواية الى تكتيك عسكري آخر، وهو عدم التصدي للسفياني داخل مدينة النجف الاشرف، وعلى رجال النجف عبور الفرات شرقاً الى مدينة الديوانية، لأن أقصى منطقة يبلغها جيش السفياني هي منطقة قادسية النجف، ومن ثم الالتحاق برايات الهدى، وذلك سوف يجنب شيعة النجف المجزرة التي تحدثت عنها الروايات والتي يقتل فيها ستون الفاً، وتلك المجزرة هي من الأحداث غير الحتمية، سيما إن قام رجال الشيعة بالامتثال لتوجيهات أهل البيت عليهم السلام واليماني، فإن ذلك الحدث سوف يعطّل، لكن كما يبدو من طبيعة الشيعة بعدم ابدائهم الاهتمام لروايات علامات الظهور الشريف وثقافة الانتظار عموماً، فإن تلك المجزرة سوف تصبح حتمية الوقوع الا ما رحم ربي.

فقد ورد في الرواية: (يدخل السفياني الكوفة فيسبيها ثلاثة أيام، ويقتل من أهلها ستين ألفاً، ثم يمكث فيها ثمانية عشرة ليلة، وتقبل الرايات السود حتى تنزل على الماء، فيبلغ من بالكوفة من أصحاب السفياني نزولهم فيهربون، ويخرج قوم من السواد الكوفة ليس معهم سلاح إلا قليل منهم، ومنهم نفر من أهل البصرة فيدركون أصحاب السفياني فيستنقذون ما في أيديهم من سبي الكوفة. وتبعث الرايات السود بالبيعة إلى المهدي). (3)

وفي الرواية عن الباقر عليه السلام: (ثم يخرج رجل من موالي أهل الكوفة في ضعفاء فيقتله أمير جيش السفياني بين الحيرة والكوفة) (4)

هذه الراية اشرنا اليها آنفاً وهي احدى الرايات الخارجة على جيش السفياني في النجف الأشرف، حيث تتصدى لجيش السفياني بين كربلاء والنجف، وصاحب الراية يبدو لنا أنه من أبناء أحد المراجع غير العراقيين.

وفي الرواية عن أبي عبد الله عليه السلام في خبر طويل أنه قال: لا يكون ذلك حتى يخرج خارج من آل أبي سفيان يملك تسعة أشهر كحمل المرأة، ولا يكون حتى يخرج من ولد الشيخ، فيسير حتى يقتل ببطن النجف، فوالله كأني أنظر إلى رماحهم وسيوفهم وأمتعتهم إلى حائط من حيطان النجف، يوم الاثنين، ويستشهد يوم الاربعاء ((5)

تشير هذه الرواية الى خروج (رجل من ولد الشيخ) حيث يمر إثناء سيره ببطن النجف ويقتل فيها، وذلك الرجل يخرج قبل إقبال رايتي اليماني والخراساني، وكذلك فإن ذلك الرجل لا يمتلك قوة جوية فيسحقه جيش السفياني، وفي متن الرواية إشارة الى أن الرجل من رجالات احدى رايتي الهدى، لكن ثمة ما يشغله فيقتله جيش السفياني، وسوف نتحدث عن الرجل بالتفصيل في بحث مستقل ان شاء الله.

وفي الرواية عن مسعدة عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما قاله في خطبة له تسمى بالمخــزون: (وتقبل رايات شرقي الأرض ليست بقطن ولا كتان ولا حرير مختمة في رؤوس القنا بخاتم السيد الأكبر يسوقها رجل من آل محمد (صلى الله عليه وآله) يوم تطير بالمشرق يوجد ريحها بالمغرب كالمسك الأذفر يسير الرعب أمامها شهراً. (6)

تتحدث هذه الرواية عن إقبال رايات من شرقي الأرض، وكما يبدو لنا أنها من خراسان، وهي ليست من سائر القماش فيبدو أنها من المعدن، ولها صفة الطيران، وتحمل شعار السيد الأكبر ولعله الخراساني أو غيره، وهي بقيادة رجل من السادة النسبيين لرسول الله صلى الله عليه وآله أو من العلماء، ولتلك الرايات تأثير في المغرب وهي بالمشرق، وتأثيرها هناك رغم البعد يكون كالمسك الأذفر، أي أنه يكون تأثيراً شديداً جداً، وهذه المواصفات إنما هي مواصفات الطائرات والقصف الجوي، وذلك ما تحدثنا عنه من الغطاء الجوي الخراساني الحاسم في معارك اليماني والخراساني ضد السفياني.

وقد أشارت الروايات الى أن السفياني لا يعير أهمية للرايات العراقية، حتى مجيء راية الخراساني، كالرواية الآنفة الذكر ننقل منها:

(وتقبل الرايات السود حتى تنزل على الماء، فيبلغ من بالكوفة من أصحاب السفياني نزولهم فيهربون)

والمقصود من نزولهم على الماء أي وصولهم الى نهر الفرات من جهة الديوانية، او وصولهم الى نهر دجلة من جهة واسط وهو الارجح، أي ان هرب جيش السفياني قد يكون مبكراً خلال المعركة الجوية التي ينتصر فيها سلاح الجو الخراساني على سلاح الجو السفياني، وتنكسر فيها وحدات الجيش السفياني على اثر القصف الجوي بالطائرات والصواريخ الخراسانية، وذلك قبل وصول الجيش البري الخراساني، وتنسحب تلك الوحدات العسكرية المعادية عند توجه جيش الخراساني من واسط الى الكوفة، فتصل جيوش رايتي اليماني والخراساني مسرعة نحو الديوانية فالنجف وتلاحق بقايا جيش السفياني المنسحب من الكوفة وتدمره تدميرا كاملا في معركة شمال بابل الحاسمة.

خاتمة البحث:

إن التسديد الإلهي ورعاية الإمام الحجة عج لراية اليماني، إضافة الى خبرة قائد الراية أمنياً وسياسياً، كل تلك العوامل جعلت راية اليماني تتغلب على الصعاب، وتشق طريقها رغم العقبات حتى تنجو في النهاية وتحقق النصر، لتتحول من راية ضعيفة الى راية قوية بإيمان ورسوخ عقيدة قائدها اليماني رضوان الله تعالى عليه وأبطالها الشجعان.

المصادر:

(1) (البحار:52/272 )

(2) ( البحار:52/271 )

(3) مخطوطة ابن حماد ص84

(4) غيبة النعماني

(5) ( البحار:52/2712 )

(6) مختصر بصائر الدرجات ص200، مصباح البلاغة ج2 ص158، معجم أحاديث الإمام المهدي (ع) ج5 ص249 وص255

بحث علامة اليماني الموعود (ج١٤)

اليماني وبقية الرايات العراقية.

في الأجزاء السابقة من بحث اليماني، توصلنا الى حقيقة مفادها أن راية اليماني هي راية عراقية، أما قائد الراية “اليماني الموعود” فإنه إن لم يكن عراقياً، فلا بد أن يكون مستوطناً في العراق.

يقول الفاضل:

(اليماني أما أن يكون عراقياً من أصول يمانية، أو من أي دولة كانت، ويدخل العراق بمفرده، ثم تقبل به القواعد المنتظرة في العراق وتسلمه قيادها، وحينئذ يبدأ بتشكيل جيشه، وفي كل الأحوال سيحتاج الى وقت طويل نسبياً من الإقامة في العراق، لكي يكون مقبولا لدى هذه القواعد، على وفق قواعد الانبثاق الطبيعي للقيادات من الوسط الاجتماعي لهذه القواعد.. ولكون اليماني بمقتضى الروايات يدعو الى الإمام صلوات الله عليه، فإن من الطبيعي أن تكون قاعدته هي قواعد المنتظرين) (1)

كيف تتشكل راية اليماني:

خير مثال نضربه وقياس نقدمه، هو ما يجري اليوم من حركات الجهاد في الحشد الشعبي، وما انبثق منها من رايات عديدة، وكل قياداتها الميدانيين هم عراقيون، وهذا ما توصلنا اليه من كون الراية عراقية وقيادتها عراقية كذلك، فاليماني الموعود رجل عراقي، وصفة اليماني تشير الى أصول الرجل اليمانية.

الرايات العراقية:

بالرغم من كثرة الرايات العراقية قبيل خروج السفياني وتوجهه نحو العراق، بيد أننا نجد الروايات الشريفة تتحدث عن راية عراقية واحدة تمثل مجتمع الهدى في التصدي للسفياني، وبالإمكان إزالة ذلك الإبهام وفك رموز القضية عن طريق تتبع الإشارات التي تضمنتها الروايات الشريفة، فقد وجدنا أن الروايات قسّمت الرايات العراقية الى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: رايات هدى تقاتل السفياني قبل قدوم رايتي اليماني والخراساني، فيسحقها جيش السفياني، وسوف نبين لاحقاً سبب تفوق جيش السفياني على تلك الرايات، وكيف تمكن اليماني ببعض التكتيكات من تجنب جيش السفياني.

هذه الرايات منها من يقاتل جيش السفياني في بغداد، ومنها من يتصدى لجيش السفياني بعد دخوله الى الكوفة وتوجهه نحو قادسية النجف مثل راية (رجل من موالي الكوفة) ومنها من يتصدى لجيش السفياني داخل الكوفة، كحركة (ابن الشيخ) ومنها من يتصدى للسفياني في ضواحي الكوفة، كحركة أهل قادسية النجف والمناطق المجاورة لها والتي تخرج ثأراً لما يقوم به جيش السفياني من جرائم في النجف الاشرف.

القسم الثاني: رايات منحرفة (الزيدية والبترية وغيرهما) وهذه الرايات بعضها تبايع السفياني وبعض آخر منها تتخذ جانب الحياد.

مصالح السفياني تلتقي مع مصالح تلكم الرايات، حيث أن السفياني لن يخرج بعنوانه “السفياني عدو الشيعة والمهدي عج” وانما بعنوان سياسي وايديولوجي مقارب لفكر أولئك المنحرفين، سيما لو علمنا أن السفياني ينتمي الى طائفة محسوبة على التشيع بصورة عامة، وقيامه بالقضاء على النواصب في سوريا والمنطقة الغربية من العراق قبل احتلاله لبغداد، فعند قيام السفياني باحتلال محافظة النجف وإحداثه فراغاً في الزعامة الدينية والسياسية، سوف يؤدي ذلك الى فسح المجال لتلك الرايات المنحرفة في محاولتها لسد ذلك الفراغ، وعندها سوف تمتلك تلك الرايات الغطاء السياسي وربما الشرعي كذلك، مما يجعل غالبية القواعد الشعبية لتلك الرايات مقتنعة بما تفعله قياداتها.

القسم الثالث: راية الهدى بل اهدى الرايات وهي راية اليماني الموعود.

المصادر:

(1) علامات الظهور/ الشيخ جلال الدين الصغير/ م2 ص326 -328

بحث علامة اليماني الموعود (ج١٣)

أدلة خروج اليماني من العراق:

الدليل السابع: تحديد بداية حركة اليماني.

تحدثنا في الدليل الخامس والسادس عن حركة راية اليماني داخل العراق، وفي المحصلة كان لدينا احتمالين:

1- أن تكون انطلاقة حركة اليماني من اليمن.

2- أن تكون انطلاقة حركة اليماني من العراق.

في مفترض انطلاقة حركة اليماني من اليمن هنا تطرح عدة تساؤلات موضوعية تكشف أجوبتها عن موضع بداية حركة راية اليماني:

السؤال الأول: كيف سيجتاز الحدود اليمنية؟

السؤال الثاني: كيف سيجتاز الحدود العراقية؟

السؤال الثالث: من أين سيصل الى الكوفة؟

كيف سيجتاز الحدود اليمنية؟

مع افتراض أن اليماني سيخرج من اليمن، فليس أمام اليماني سوى ثلاث طرق:

الطريق الأول: الطريق البري عبر الأراضي النجدية والحجازية وشبه الجزيرة.

الطريق الثاني: الطريق البحري عبر بحر العرب وخليج عمان ثم الخليج الفارسي.

الطريق الثالث: إنشاء جسر جوي بين اليمن وجنوب العراق.

في الواقع ان جميع تلك الطرق غير متيسرة لجيش قادم من اليمن، فالطرق البرية من جهة الحجاز ونجد وشبه الجزيرة، ستكون تحت قبضة آل فلان حكامها وجيش السفياني، وبهذا يقول الفاضل:

(ودليله ما سيجري مع النفس الزكية، ومن ثم قتله بين الركن والمقام، واستغاثة هؤلاء بالسفياني على أثر تحرك النفس الزكية، وتحرك الإمام الحجة عج من مكة الى المدينة وخروجه من المدينة أثر خروج جيش السفياني اليها، وكذلك انتقاض أهل مكة على والي الإمام عج ثلاث مرات، مما يدل على أن الأوضاع الحاكمة في الحجاز ونجد وما تمثله هذه المناطق من الناحية السياسية في وقت خروج اليماني هي مضادة للإمام روحي له الفداء) (1)

لذا فإن الحديث عن احتلال الجيش اليمني للحجاز أمر تعارضه الروايات الشريفة، فبالإضافة الى ما مر فإن الروايات تحدثت عن قتل النفس الزكية وملك آل فلان مازال قائماً، وبقاء ملكهم الى يوم الظهور الشريف.

ورد في الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: (ألا أخبركم بآخر ملك بني فلان؟ قلنا: بلى يا أمير المؤمنين. قال: قتل نفس حرام، في بلد حرام، عن قوم من قريش، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة مالهم ملك بعده غير خمسة عشر ليلة) (2)

أما الطريق البحري فإنه يحتاج الى إمكانات عالية تفوق ما تحدثت عنه الروايات من ضعف راية اليماني من حيث قلة عدد الأنصار والسلاح، وكذلك بعد المسافة التي قد تصل الى 5000كم، وضيق الوقت، حيث أن خروج اليماني يكون متزامناً مع خروج السفياني.

أما الجسر الجوي فهو الآخر يحتاج الى إمكانات لا تمتلكها الا الدول العظمى، من طائرات ناقلة وأخرى تجهزها بالوقود جواً، وكذلك يفترض خلو الأجواء الحجازية من المضادات الجوية وما الى ذلك من الموانع.

كيف سيجتاز الحدود العراقية؟

ان اجتياز الجيش القادم من اليمن للحدود العراقية لا يخلوا من موانع، فالحدود العراقية السورية بعضها بيد الأتراك والبعض الآخر بيد السفياني، وكذلك الحدود الأردنية لا يمكن تجاوزها، لأن جيش السفياني سيكون متواجداً على طول الحدود العراقية الأردنية، وكذلك سكان تلك المدن من بني قيس هم كذلك من أعداء اليماني، والحدود الجنوبية والجنوبية الغربية ستكون تحت سيطرة حكام الحجاز، أما الحدود الشرقية فتكون تحت سيطرة الخراساني ووصول جيش اليماني عبر تلك الحدود يحتاج الى الجسر البحري ومن ثم موافقة دولة إيران على استقبال تلك الجيوش، وهو أمر مستبعد تماما، سيما أن علمنا بتأخر جيش الخراساني نفسه عن التدخل، حتى يصل جيش السفياني الى بغداد.

من أين سيصل الى الكوفة؟

مع إسقاط جميع الاحتمالات لقدوم جيش من اليمن أو غير اليمن، حتى أن البعض يتوقع أن يكون اليماني من جنوب لبنان مثلاً! وهنا نقول كيف يأتي اللبناني الى الكوفة؟ هل سيصاحب جيشه جيش عدوه السفياني عبر سوريا الى العراق؟!

لذلك كله فإن ما تبقى من احتمالات هو أن يخرج اليماني من داخل العراق، وذلك ما أشارت اليه الروايات فيما بيناه من تحرك أفراس الرهان، وتعدد الفاظ تحرك راية اليماني، ونقض روايات خروج اليماني من اليمن، وتصريح إحدى الروايات بخروج اليماني من شرق الكوفة (جنوب العراق) وليس من اليمن التي تقع جنوب الكوفة.

كل تلك الأدلة تقطع بأن خروج اليماني سيكون من داخل العراق، وأن أنصاره من العراقيين، وأن في أنصاره نفر من أهل البصرة وذلك يعني ثقل رايته سيكون من رجال وعشائر جنوب العراق، حيث أن البصرة التأريخية تمثل غالبية مدن الجنوب الحالية.

المصادر:

(1) كتاب علامات الظهور/ الشيخ جلال الدين الصغير/ م2 ص319

(2) (البحار:52/234)

بحث علامة اليماني الموعود (ج١٢)

أدلة خروج اليماني من العراق.

الدليل السادس: تعدد الفاظ حركة راية اليماني يكشف عن الراية.

تحدثت الروايات الشريفة عن عدة تحركات لراية اليماني الموعود قبل الظهور الشريف، إذ ذكرت تحركات اليماني بعدة الفاظ (تحرك، سار، أقبل، خرج).

وتلك الألفاظ جميعها بصيغة الفعل وهي قطعاً ليست مترادفة وإن أرادت جميعها معنى التحرك، بيد أن لكل منها ظرف حركة يختلف عن الآخر، وعند فهم طبيعة الحركة من خلال فهم اللفظ المذكور تُرسم لنا خارطة تحرك راية اليماني كاشفة عن بعض الحقائق الخافية، كأماكن تحرك الرايات وبعض الأزمنة النسبية كما سنبينها.

معاني ألفاظ التحرك: (1)

1- سار: يعني بدء الحركة.

2- تحرك: يعني المضي للقيام بحركته.

3- أقبل: يعني الانطلاق نحو المناطق التي ترتجي إقباله، وهي:

أ- منطقة جنوب العراق والتي هي مكان خروجه نحو الكوفة.

ب- مدينة الكوفة وهي المدينة المنكوبة، والتي تكون بانتظار وصول اليماني والخراساني لتحريرها.

4- خرج: يعني الإعلان عن التحرك والإجهار بالاستعداد للحركة باتجاه ميدان القتال.

لعل البعض يعرف عن اليماني الموعود مسألة خروجه فقط، لكن الروايات تخبرنا بأن لليماني: سير وتحرك وخروج وإقبال.

الروايات التي تحدثت عن حركة راية اليماني:

1- رواية بكر بن محمد الأزدي: خروج الثلاثة: السفياني والخراساني واليماني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد. (2)

وصفت الرواية حركة الرايات الثلاث بالخروج أي الانطلاق نحو الكوفة، وذلك يكون عند خروج السفياني من بغداد واليماني من جنوب العراق، والخراساني من واسط، وكما أشرنا في الجزء السابق من البحث.

كما أن تعدد ألفاظ الزمان: سنة واحدة، شهر واحد، يوم واحد، هو الآخر ليس مجرد حشو في الكلام، وإنما تشير السنة الواحدة الى عدة خروجات للسفياني من درعا ومن دمشق ومن قرقيسيا ومن تكريت، حتى يغدر السفياني باليماني والخراساني، ويتوجه نحو بغداد، في شهر ربيع الثاني من تلك السنة على وجه التقريب، في يوم واحد من ذلك الشهر من تلك السنة يدخل بغداد فيخرج اليماني والخراساني عليه.

2- رواية الشيخ الطبري باسناده إلى علي بن إبراهيم بن مهزيار، عن الإمام الحجة (عجل الله تعالى فرجه الشريف) أنه قال في حديث طويل: يا ابن مهزيار … ألا أنبئك الخبر؟ إذا قعد الصبي، وتحرك المغربي، وسار اليماني، وبويع السفياني، يؤذن لولي الله. (3)

ذكرت الرواية بيعة السفياني متزامنة مع سير اليماني، ومن المعلوم أن بيعة السفياني تكون عند خروجه من درعا في شهر رجب، وعندها “يسير اليماني” والسير كما قلنا إنه يعني بداية حركة اليماني، وسيره قد يكون لتحذير وتحشيد العشائر في جنوب العراق، وتعريفهم بأدوارهم لصد جيش السفياني في محاولة منه لاستنهاض تلك العشائر وتنبيه الفصائل المسلحة وعشائر النجف الاشرف وربما حكومة بغداد ايضاً من خطر ذلك الحاكم الجديد لسوريا وانه يخطط لاحتلال العراق، وتجدر الإشارة الى ان اليماني ربما لا يتمكن من التحدث في الاعلام بالمصطلح العلاماتي مشخصاً ذلك الحاكم السوري الجديد بالسفياني، أو انه يشخصه لكن كعادة الشيعة متفرقي الاهواء لا يصدقون من يخالفهم بالرأي، لذا يتمكن السفياني من احتلال بغداد والكوفة، حتى يتمكن اليماني من الخروج! بمعنى ان تخلف الوعي الشيعي وتهاون جمهور الشيعة في متابعة قضية الامام المهدي عج ورصد علامات ظهوره، سوف يكون أحد الأسباب الأساسية في تقييد رايات الهدى وتمكين السفياني من احتلال بغداد والوصول الى النجف الاشرف ولما يتحرك اليماني والخراساني بعد!

3- رواية يعقوب السراج قال: قلت لأبي عبد الله: متى فرج الشيعة؟ قال: إذا اختلف بنو العباس… إلى أن قال: وظهر السفياني، وأقبل اليماني، وتحرك الحسني خرج صاحب هذا الأمر. (4)

في هذه الرواية يبدو أن ظهور السفياني يقصد به سيطرته على كامل سوريا بعد معركة قرقيسيا، وهنالك يشرع بمعاركه في المنطقة الغربية من العراق، فيقبل اليماني نحو مرابض حركته في جنوب العراق، ليعد العدة للخروج نحو الكوفة.

4- الرواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد أن يتحدث عن مذابح السفياني في الزوراء والكوفة قال: فبينما هم على ذلك إذ أقبلت خيل اليماني والخراساني يستبقان كأنهما فرسي رهان) (5)

هذه الرواية مشعرة باقتراب اليماني والخراساني من الكوفة كما أشرنا في جزء سابق من البحث، فالإقبال هنا بمعنى الاقتراب، إي الإقبال نحو الكوفة التي هي بانتظار اليماني والخراساني لإنقاذها من جرائم السفياني.

خلاصة:

عند خروج السفياني، يسير اليماني نحو تحشيد الناس لنصرة حركته، ومن ثم عند سيطرة السفياني على سورية بعد ستة أشهر من قتاله في الكور الخمس وتوجهه نحو قريسيا فالمنطقة الغربية من العراق، يقبل اليماني نحو جنوب العراق للتحضير من اجل لخروج برايته، وبعد اجتياح السفياني بغداد، يتمكن اليماني الموعود من كسر القيود التي حالت دون خروجه طيلة تلك الفترة من أول خروج السفياني في درعا وحتى اجتياحه بغداد وهي قرابة عشرة اشهر، فيخرج اليماني نحو الكوفة، وينتظر وصول الغطاء الجوي لجيش الخراساني، حتى يقبل نحو الكوفة مسرعاً.

اما بشأن المكان الذي يقبل منه اليماني الى جنوب العراق عند بدء تحركه فهنالك ثلاث احتمالات:

1- أما أن يأتي اليماني بجيش اليمانيين من اليمن، وذلك ما لم نجد عليه دليلاً نقلياً، ولكن نحتمله هنا لأن مقام البحث عقلي، وسوف ننقض قضية مجيء الجيش اليماني الى العراق عقلياً فيما سيأتي من البحث.

2- وأما أن يكون اليماني فرداً ويأتي من اليمن، وذلك مستبعد تماماً، لأن القيادات الميدانية عادة تتكون بالصورة الطبيعية لنشوء القيادات في المجتمع، ولكي يأتي رجل من اليمن أو أي بلاد أخرى ويصنع له قاعدة جماهيرية في العراق ويجمع جيشا؛ فإنه يحتاج الى عدة سنين، هذا إن تمكن من ذلك!

3- الاحتمال الثالث وهو الأرجح أن يكون عراقيا ومستوطنا في إحدى مدن العراق.

المصادر

(1) علامات الظهور/ الشيخ جلال الدين الصغير م2/ ص316

(2) غيبة الطوسي: ص ٢٧١

(3) مكيال المكارم فيما نزل في الإمام القائم 1: 271.

(4) غيبة النعماني: 270 ح42.

(5) بحار الأنوار 52: 274 ح167

بحث علامة اليماني الموعود (ج١١)

أدلة خروج اليماني من العراق.

الدليل الخامس ج2

مضمار أفراس الرهان يكشف الحقيقة.

تحدثت الروايات الشريفة عن حركة الرايات الثلاث: راية السفياني وراية اليماني وراية الخراساني، ووصفت تحركات الرايات بوصف (سباق أفراس الرهان) وجاءت الأخبار مقتضبة في هذا المجال وتركت لنا متابعة وتقصي الظروف الموضوعية لأحداث السباق.

ومن المستلزمات الموضوعية لسباق افراس الرهان لكي يصدق عليه بأنه سباق على اعتبار تعدد نقاط الانطلاق:

اولاً: تقارب المسافات من مواضع انطلاق الأفراس الى نقطة الهدف.

ثانياً: وحدة نقطة الهدف، والتي هي الكوفة (مدينة النجف الأشرف)

وبهذا السياق يقول أحد الفضلاء:

(الحديث عن أفراس الرهان يفترض أن تكون المسافات الحائلة بين الطرفين، متماثلة نسبياً في القرب والبعد، حتى يمكن أن يقال عنهما بأنهما فرسا رهان، وفي العادة يطلق الكلام عند الاقتراب من الهدف) (1)

كما أن الروايات الشريفة لم تتحدث عن سباق الرهان بين الرايات الثلاث دفعة واحدة، وإنما فصلت بينهم، حيث يقول الفاضل:

(في تصوري فإن الروايات حينما فصلت بين سباق السفياني والخراساني من جهة، وبين سباق اليماني والسفياني من جهة أخرى، والخراساني واليماني من جهة ثالثة، فإنها لم تتحدث عن مسافة واحدة بين الجميع، وانما لكل سباق نقطته المختلفة عن السباق الآخر) (2)

وقد وردت ثلاث روايات تتحدث عن سباق أفراس الرهان بين الرايات الثلاث بصورة منفصلة:

الرواية الأولى:

عن هشام بن سالم عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: اليماني والسفياني كفرسي رهان. (3)

تحدثنا في الجزء السابق من البحث عن مواضع خروج رايتي اليماني والسفياني، وقلنا إن اليماني لديه موضعين يحتمل خروجه من أحدهما:

1- خروجه من اليمن.

2- خروجه من جنوب العراق.

كما وقلنا إن للسفياني خروجين باتجاه الكوفة وهما:

1- الخروج العام نحو العراق من منطقة قرقيسيا، القريبة من الحدود العراقية، مروراً بمحافظتي صلاح الدين والأنبار، وصولا الى مشارف بغداد ومن ثم احتلال بغداد، والخروج نحو الكوفة.

2- خروج جيش السفياني من بغداد نحو الكوفة.

لذا فإن هنالك ثلاث احتمالات لخروج رايتي اليماني والسفياني، وسنرى أيهم يصدق عليه وصف أفراس الرهان:

الاحتمال الأول: خروج اليماني من اليمن، فإذا ما قسنا الإزاحة الجغرافية من اليمن الى الكوفة وجدناها قرابة (1600كم) بينما المسافة من قرقيسيا الى النجف لا تتجاوز (400كم) فلا يمكن عد ذلك الخروج سباق أفراس رهان للفرق الواضح بين المسافتين.

الاحتمال الثاني: خروج اليماني من جنوب العراق، من البصرة تحديداً فإننا نجد أن المسافة من البصرة الى الكوفة مقاربة للمسافة من قرقيسيا الى الكوفة مما يمكن أن ينطبق عليهما سباق أفراس الرهان.

الاحتمال الثالث: خروج اليماني من منطقة ما في جنوب العراق، وخروج جيش السفياني من بغداد الى الكوفة، حيث أن المسافة من بغداد الى الكوفة قرابة (150كم) وهي ذات المسافة من مدينة ذي قار أو أطراف مدينة ميسان الى الكوفة.

مع سقوط الاحتمال الأول يبقى لدينا الاحتمالين الثاني والثالث، لكن الاحتمال الثالث هو الأكثر منطقية والاقرب الى الواقع، لأنه في مناطق انطلاق رايتي السفياني واليماني يكون الطرفان متوجهين الى الكوفة مباشرة وبصورة أقرب الى الهدف، كما أن ثمة أدلة أخرى على ترجيح هذا الاحتمال، منها أن مجرد تحرك السفياني لقتال الأتراك وبني قيس في قرقيسيا وحتى دخوله الى العراق وقتاله لبني قيس في المنطقة الغربية، فإن ذلك لا يستثير راية اليماني الى حد الخروج، حيث ان الظروف الموضوعية لخروج راية اليماني تمنعه من الخروج قبل تعرض مدينة بغداد الى الاحتلال السفياني وتهديد مدينة النجف الاشرف، ولا يمكن تصور سباق أفراس الرهان في هذه الحالة مطلقاً حتى خروج السفياني من بغداد الى الكوفة، عندها فقط يمكن تصور سباق أفراس الرهان.

الرواية الثانية:

عن الإمام الباقر عليه السلام قال: (لابد لبني فلن أن يملكوا، فإذا ملكوا ثم اختلفوا تفرق ملكهم وتشتت أمرهم حتى يخرج عليهم الخراساني والسفياني هذا من المشرق وهذا من المغرب، يستبقان إلى الكوفة كفرسي رهان: هذا من هنا، وهذا من هنا، حتى يكون هلاك بني فلان على أيديهما، أما إنهما لا يبقون منهم أحداً) (4)

بخصوص خروج السفياني هنا، فإن الرواية لم تطلق خروجه كما في الرواية السابقة، وإنما تحدثت عن أحداث تحصل بعد خروجه، وهي قتال بني فلان، وبني فلان هنا هم النواصب في غرب العراق.

أما خروج الخراساني فقلنا في الجزء السابق من البحث أنه ثمة احتمالين لخروجه فهو يخرج من إحدى منطقتين:

1- خروجه من المناطق الإيرانية المحاذية لجنوب العراق.

وكنا قد تحدثنا في الجزء الاول عن سقوط هذا الاحتمال، لعدم وجود دليل روائي عليه، بل وجود الدليل الروائي على خروج الخراساني من جهة شرق العراق من مدينة ايلام باتجاه واسط، لأن التوجه الأول لجيش الخراساني هو باتجاه بغداد لا الكوفة، فليس من المنطق عبور جيش الخراساني من الاهواز باتجاه جنوب العراق ثم يتوجه نحو بغداد، بينما الأقرب اليه هو التوجه من ايلام نحو واسط فبغداد.

2- خروجه من مدينة إيلام الحدودية المحاذية لمدينة واسط.

ان خروج السفياني والخراساني هنا يمر بمرحلتين:

المرحلة الأولى: خروج السفياني من تكريت والانبار الى بغداد لاحتلالها ومن ثم ينطلق الى الكوفة، والخراساني يخرج من إيلام باتجاه واسط ومن واسط نحو الكوفة.

حيث أن خروج السفياني من قرقيسيا يتخلله بعد ذلك قتال جيش السفياني لبني قيس في الأنبار، وبني قيس وكيانهم المتمثل بقيادة عوف السلمي في صلاح الدين، ومن ثم معاركه في مناطق الزوراء، ومطار بغداد، حتى تستتب له الأمور فينطلق مسرعاً نحو الكوفة، بينما يخرج الخراساني من ايلام ويدخل مدينة واسط متوجها نحو بغداد، ولكن توجه جيش السفياني نحو الكوفة يجعل جيش الخراساني يغير من وجهته باتجاه الكوفة.

المرحلة الثانية: خروج السفياني من بغداد والخراساني من واسط.

ويكون ذلك بعد تمركز جيش الخراساني في محافظة واسط، ومن ثم الانطلاق نحو الكوفة، ويقابله خروج جيش السفياني من بغداد الى الكوفة.

ان هذا الاحتمال هو الأرجح بل هو الوحيد بعد سقوط الاحتمال الأول، وحيث ان تحركات الجيوش تحتاج الى التقدم على شكل مراحل، فالخراساني بطبيعة حركته يحتاج الدخول الى واسط ويتمركز هناك ومن ثم يتجه نحو بغداد او الكوفة، وكذلك جيش السفياني حتى يتوجه نحو الكوفة عليه ان يواجه قوات الدولة العراقية في بغداد ويحتل بغداد ثم يتوجه نحو الكوفة، وبما ان نقطة الهدف النهائية للرايتين هي الكوفة، فإن المرحلة الثانية أعلاه هي نقطة انطلاق الرايتين وسباقهما نحو الكوفة.

الرواية الثالثة:

عن أمير المؤمنين في خبر طويل قال (ع) (… إذ أقبلت خيل اليماني والخراساني تستبقان كأنهما فرسي رهان) (5)

تحدثنا عن مناطق خروج اليماني والخراساني، ولدينا هنا احتمالين لخروج الرايتين:

1- خروج اليماني من اليمن، وهو الذي لم ينطبق مع خروج السفياني من أقصى منطقة لخروجه، أي من قرقيسيا ولا حتى من دمشق، فلا يصح وصفهما بأفراس الرهان كما أشرنا، وكذلك هنا خروج اليماني من اليمن لا يتناسب مع خروج الخراساني من أي مدينة حدودية مع العراق سواء من ايلام أو الاهواز او حتى كرمانشاه المحاذية لمدن شمال العراق، فلا يصح وصفهما بأفراس الرهان، لذا فإن هذا الاحتمال ساقط عن الدلالة.

2- خروج اليماني من جنوب العراق وخروج الخراساني من ايلام أو من واسط أو حتى كرمانشاه، حيث أن امتداد مناطق العراق يكون من البصرة التي توازي محافظة كرمانشاه في البعد عن الكوفة ومدينة الناصرية والعمارة اللتان توازيان بُعد ايلام عن الكوفة، او حتى خروج اليماني من الديوانية او بلوغه اليها من جنوب العراق، واقبال الخراساني من واسط، حيث يلتقي الجيشان في الديوانية وينقضان على النجف، وهذا الاقتراب بين الرايتين من الهدف يصدق عليه أيضا سباق افراس الرهان.

خلاصة البحث:

أن خروج اليماني من اليمن لم يشار اليه في الحسابات الموضوعية لخروج الرايات الثلاث، بل أنه يكون بعيداً عن تلك الحسابات التي ضمّنها أهل البيت عليهم السلام في مروياتهم ورسموها كخارطة لتحرك الرايات، الا أن يقال إن الجيش اليمني ينتقل الى جنوب العراق، ومن هناك يبدأ خروجه، أو أنه يحتل الحجاز ويدخل الى الكوفة من الحدود الحجازية.

وان نقاط انطلاق الرايات الثلاثة بما ينطبق عليه وصف سباق افراس الرهان وتوجهها نحو الكوفة هو ما يلي:

انطلاق راية السفياني من بغداد نحو الكوفة.

انطلاق راية اليماني من أواسط جنوب العراق نحو الكوفة.

انطلاق راية الخراساني من مدينة واسط نحو الكوفة.

وفي الأدلة القادمة سوف نثبت عدم إمكانية وصول الجيش اليمني الى العراق، وكذلك عدم دخول الجيش اليمني الى الحجاز اطلاقاً.

وكنا قد أشرنا في اول جزء من بحث علامة اليماني الموعود بأن خلو الروايات من قرينة خروج اليماني من اليمن، يستدعي بالضرورة في المنطق العقلي ان يكون مضمار حركة اليماني وميدان معاركه هو ذاته مكان خروجه، وهذه الروايات تثبت بالدليل القاطع ان مضمار حركة راية اليماني الموعود وميدان قتالها هو العراق، مما يثبت بالدليل القاطع ان اليماني من العراق.

وبهذا نقدم دليلا آخر على أن اليماني رجل من القبائل ذات الأصول اليمانية والمستوطنة في العراق، وخروجه يكون داخل العراق، ويقاتل بمجاهدي العراق، سيما عشائر الجنوب التي ستخرج معه لصد زحف جيش السفياني نحو مدنهم، وللثأر من أعمال السفياني في النجف الاشرف، ونصرة للمذهب الشريف.

المصادر:

(1) كتاب علامات الظهور/ الشيخ جلال الدين الصغير/ م2 ص314

(2) المصدر السابق ص316

(3) غيبة النعماني:294 – 295 ب 15 ح2.

(4) غيبة النعماني: 264 ب 14 ح12.

(5) سرور أهل الإيمان في علامات ظهور صاحب الزمان 53-54

زيارة البابا فرنسيس لسماحة الامام السيستاني.. سر الاعجاب والثناء والتعظيم!

زيارة البابا فرنسيس لسماحة الامام السيستاني.. سر الاعجاب والثناء والتعظيم!

يعد البابا فرنسيس في البعد السياسي رئيس دولة الفاتيكان التي تمثل الدولة الرمزية للديانة النصرانية الكاثوليكية، وهي احدى الدول المدللة عند القوى العظمى شأنها شأن سويسرا، وفي الوقت ذاته فإن دولة الفاتيكان هي دولة كباقي الدول من حيث الاعتبار الرسمي وان كانت تقع داخل مدينة روما الإيطالية وتحيط بها روما من جميع الجهات، بيد انها دولة مستقلة، يبلغ عدد افرادها ما يقارب ٨٠٠ مواطنا ولها رئيس وزراء وهو احد الكاردينالات.

ان زيارة البابا الى النجف الاشرف تمثل لقاء هضبة الفاتيكان المقدسة (باحتضانها لجثمان القديس بطرس الذي قتل سنة ٦٧ ميلادية على يد الامبراطور نيرون في حملاته ضد اتباع النبي عيسى عليه السلام) مع هضبة النجف المشرفة (باحتضانها للقديس علي بن ابي طالب صلوات الله عليه) الذي قتله ابن مجلم بدفع من الإرهابي معاوية بن ابي سفيان والمدعوم من قبل الامبراطورية النصرانية البيزنطية آنذاك، ولاريب ان البابا عند صعوده الى هضبة النجف ترائت له هضبة الفاتيكان التي اندثرت معالمها تحت بنيان كاتدرائية القديس بطرس والقصور المنيفة لدولة الفاتيكان، بينما يلوح عبق تراب هضبة النجف للمرتادين اليها من بعيد!

من دولة مدينة الفاتيكان الدينية الكاثوليكية الى حضرة مدينة النجف الاشرف الشيعية، جاء البابا زائراً لمرجعية النجف ليمثل لقاءه بالامام السيستاني لقاء الأديان والحضارة والتاريخ والحكم الإلهي المرتقب، وكأن البابا يقول للعالم ان قيامة الرب باتت على الأبواب، وان عودة المسيح أصبحت قاب قوسين أو ادنى، وان حكم الله في الأرض سيعود قريباً، سيما وان البابا يعد ثاني شخصية عالمية بعد كسنجر صرحت بقرب اندلاع الحرب العالمية الثالثة النووية والتي سوف تنهار معها الحضارة الغربية!

الفاتيكان يعد مركز القيادة الروحية الكاثوليكية لقرابة مليار ومائة وخمسون مليون نصراني كاثوليكي، وهم اقل من عدد المسلمين في العالم بل اقل من عدد المسلمين السنة، وقرابة اربعة اضعاف المسلمين الشيعة، في مقابل النجف الاشرف التي تعد قبلة المسلمين الشيعة، وموئل المرجعية الدينية النائبة عن الامام المهدي عج في زمن الغيبة الكبرى، والذي ترى المعتقدات الشيعية ان رجوعه يتزامن مع رجوع النبي عيسى عليه السلام، بل ان النبي عيسى عليه السلام يصلي بإمامة المهدي عج، وذلك ما يجمع بين الديانتين الإسلامية الشيعية والنصرانية الكاثوليكية، باعتبار ما يعتقده الكاثوليك برجوع النبي عيسى عليه السلام في آخر الزمان.

جاء البابا فرنسيس الى النجف الاشرف ناصحاً فخرج منصوحاً من قبل الامام السيستاني، منبهراً بعظمة ذلك المرجع الكبير الساكن في زقاق ضيق من ازقة ولاية النجف الاشرف التأريخية، والذي اخذ البابا العجوز بالترنح اثناء سيره في ذلك الزقاق، فقد انتقل البابا فرنسيس من مقر الكرسي الرسولي في الفاتيكان ذو الشوارع الواسعة المعبدة والقصور العظيمة، الى شارع الرسول في النجف الاشرف حيث تلك الدار المستأجرة والكرسي المرجعي المتواضع والزقاق الضيق المتعثر بتضاريسه!

تقدم البابا فرنسيس بالشكر والثناء للامام السيستاني حفيد محمد النبي على دوره الإنساني والتاريخي في حماية الأقليات العراقية لاسيما المسيحية منها، حيث استنهض الامام السيستاني ابناءه الشيعة ليقدموا دمائهم قرابين على اعتاب كنائس الموصل، دون منِّ او تفضل وبنكران ذات منقطع النظير، إذ اطلق الامام السيستاني فتواه المقدسة والقى بعصى حشده فإذا هي تلقف ما يأفكه الداعشيون، واذا به يصنع من طينة الولاية ما يشبه الطير فيكون بإذن الله ابابيلاً ترجم الأعداء، ويمد يد حشده لتحتظن المستضعفين من أبناء الموصل وصلاح الدين والانبار وديالى، ليبرء بها الاكمه والابرص ويحيي بها الموتى الذين اراد الداعشيون بهم ذلك المصير!

ان ما قام به الامام السيستاني بفتواه العظيمة وحشده المبارك، انما هو من باب الواجب الإسلامي القرآني تجاه أبناء المجتمع الاسلامي من بقية الديانات، وهم الذميون الذين يعدون جزء لا يتجزء من البلاد الإسلامية، ولهم احكامهم وحياتهم وطقوسهم الخاصة وحقوقهم وواجباتهم، وهم غير أبناء ذات الديانات من سكان الدول النصرانية واضرابها من الدول الأخرى غير الإسلامية.

ان شكر البابا للامام السيستاني وللشيعة على مواقفهم الإنسانية، يعني شرعنة الحشد الشعبي واعترافاً سياسياً من قبل رئيس دولة الفاتيكان ذات الاعتبار التاريخي والقيمي السامي لدى أمريكا واوربا، واعتراف ديني وانساني وحضاري من قبل زعيم الطائفة المسيحية الأكبر في العالم، والتي تدين لها غالبية اوربا وجزء من شعب الولايات المتحدة.

لذا فإن سماحة الامام السيستاني أشار في خطابه للبابا فرنسيس، بأن على البابا أن يأخذ دوره الإنساني والحضاري والديني في حث القوى العظمى ذات الديانة المسيحية على التعقل ونبذ العنف والتخلي عن سياسات الغطرسة والهيمنة والحصار والتجويع والتوسع على حساب الآخرين، وعدم التعدي على سيادة الدول والشعوب، مذكراً إياه تنويهاً وتلميحاً لا تصريحاً، بأن ما يفعله طغاة قوى الاستكبار العالمي النصرانية في الشرق الأوسط، انما هو مشابه لطغيان الامبراطور نيرون وقتله للقديس بطرس، وان ما يفعله الصهاينة في ارض فلسطين المحتلة التي نشأ فيها المسيح، انما هي صورة حية لصلب جديد للمسيح من قبل اليهود وبرعاية امبراطوريات (القوى العظمى) فلقد ذكّر الامام السيستاني البابا فرنسيس بأن الدنيا تدور وان التأريخ يعيد نفسه، وان مثل البابا ينبغي ان لا يغفل عن هذه الحقيقة!

ومن تلميحات الامام السيستاني للبابا فرنسيس، ان جرائم داعش الإرهابي هي مشابهة للجريمة التي ارتكبتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، باغتيالها لمهندسي النهضة الثورية الشيعية السيستانية الفتوائية الكفائية الحشدية، الذين قادا معارك الانتصار على داعش، وهو موضوع شكر البابا فرنسيس للامام السيستاني! ولو ان ثمة إنسانية وعدل يحكمان الأرض كما يتشدق به الغرب، لجاز للعراق محاكمة حكومة ترامب ومن آزرها لاختراقها لسيادة العراق وقتلها لرسولين من رسل انسانيته الذين هبوا لنجدة اخوتهم، ففي الوقت الذي يدين به مسيحيوا العراق للقائدين الشهيدين الفذين بالامتنان والثناء لدفاعهما عنهم ضد الإرهاب الداعشي، تقوم حكومة ترامب الامريكية المسيحية باغتيالهما!

ان هذا التنويه البليغ اكتنف في طياته رسالة عظيمة من الامام السيستاني الى البابا، مفادها بأن مقام البابا من المفترض ان يكون مقام الولاية الإلهية العيسوية، بينما مقام القيادة السياسية في الولايات المتحدة واوربا انما هو مقام شبيه لمقام الامبراطوريات المعادية التي قام سلفها نيرون بقتل الرسول بطرس سلف البابا، وانه اذا كان مقدراً للبابا ان يقوم بمقام الاب الروحي والإنساني لمئات الملايين من المسيحيين الذين يدينون بالولاء السياسي لحكومات دولهم، فإنه يترتب عليه مسؤولية عقائدية وإنسانية في ان يوجه تلك الحكومات (القوى العظمى) لتكف ايديها عن المستضعفين في الأرض، اذ جعل الامام السيستاني البابا فرنسيس في موضع الواقف على حافة الهاوية، لا يدري اين هو وكيف، فلا هو الى السماء صاعد ولا الى الأرض نازل!

لقد رأى البابا فرنسيس بأم عينه بساطة المعيشة التي يحياها الامام السيستاني، فجلس امامه بكل أدب وخشوع، اذ هكذا من المفترض ان يحيا الربانيون، وكأن البابا قد عاش لحظات تأمل تجسدت امامه فيها تلك الواقعة التاريخية لنصارى نجران مع نبي الإسلام محمد، وعلم البابا يقيناً سبب انصراف اؤلئك الرهبان عن مباهلة محمد، بالرغم من انهم كانوا يرون في انفسهم ممثلي الرب في الأرض حتى عودة المسيح!

عندما هم البابا فرنسيس بالانصراف قام واقفاً وتقدم بين يدي الامام السيستاني ممسكاً بيديه، مبدياً موقف الخشوع كموقفه امام تمثال المسيح المصلوب الماثل في قلب الكنيسة، ولدى انصرافه وقف هنيهة يحدق مذهولاً في جدران وابواب وأثاث ذلك البراني المتواضع!

خرج البابا من منزل الامام السيستاني مبهوراً وكأنه يعيد في ذهنه حسابات العقود التي قضاها في دراسة تعاليم الكنيسة الكاثوليكية، ويتمتم مع نفسه مردداً: ما هذا الرجل العظيم؟ واقدام البابا لا تعرف لأي سبب تتعثر! ألوعورة ذلك الزقاق الضيق ذي التضاريس، أم لانشغال ذهن البابا وذهوله بالفكر النير الجبار الذي يمتلكه الامام السيستاني؟ وذلك ما جعل البابا يبدي ثناءه وتبجيله واعظامه واجلاله للامام السيستاني مراراً وتكراراً !

بحث علامة اليماني الموعود (ج١٠)

أدلة خروج اليماني من العراق.

الدليل الخامس: حركة راية اليماني وأفراس الرهان (ج1)

في الأدلة السابقة تم نفي دلالة الروايات على خروج اليماني من اليمن، وفي هذا الدليل سوف نثبت خروج اليماني من العراق، وذلك من خلال القرائن التي ضمّنها أهل البيت عليهم السلام في مروياتهم، وتلك القرائن تكشفها لنا الألفاظ المستخدمة فيها وكذلك الحسابات الموضوعية؛ الجغرافية والعسكرية وحساب الأزمنة النسبية لحركة الرايات وما الى ذلك.

المستلزمات الموضوعية لأحاديث اليماني:

عندما روى أهل البيت عليهم السلام روايات علامات الظهور الشريف، فإنهم قد تحدثوا فيها عن أحداث مستقبلية تحصل بعد زمانهم بأكثر من 10 قرون من الزمن، وظروف هذه الأحداث تختلف كثيراً عن أحداث مشابهة لها حصلت في زمانهم، كأحداث الحروب مثلاً.

ان زمان الظهور الشريف يختلف جذرياً عن زمان صدور الروايات، من حيث التطور في كافة مناحي الحياة سيما التطور التكنولوجي الذي لم يشهده أهل ذلك الزمان ولا يمكن لهم تصوره حتى.

لذا فإن أهل البيت عليهم السلام تحدثوا عن أحداث الظهور الشريف بالإجمال وتركوا لنا دراسة موضوعية الأحداث، وبالطبع فإن تعقيد تلك الأحداث الى حد ما يستدعي من الباحث أن يكون ملماً بها من جميع جوانبها؛ السياسية والدينية والامنية والديموغرافية والجغرافية والتاريخية وغيرها، وتحليل رواياتها بصورة رياضية منطقية وكذلك التحليل اللغوي للألفاظ المستخدمة فيها، وكل ذلك من أجل تفكيك رمزية الروايات، وتلك الإحاطة لا تتوفر لدى عموم الناس بل حتى في بعضٍ منهم الا النادر، لذا وجدنا أن نقدم لكم رأياً تخصصياً لأحد الفضلاء الذي يمتاز بامتلاكه لتلك الاحاطة:

يقول الفاضل:

(ان الإمام – مصدر الرواية – صلوات الله عليه، حينما يتحدث في جيل عن أمر سيحصل من بعد عدة أجيال، لا يُنتظر منه أن يتكلم بتفاصيل أمر لا يستطيع الجيل الذي عايش الإمام أن يفهمها أو يدرك مدلولها، إذ يكفيه أن يتحمل ذلك الجيل مهمة إيصال الحديث الى الجيل الذي بعده، وهكذا الى الجيل المعني بالخبر، والذي ستتكفل ظروف وعيه وإمكاناته بتفكيك رمزية حديث الإمام عليه السلام.

لذلك تحدث أهل البيت عليهم السلام عن الطبيعة الموضوعية للأحداث بصورة مقتضبة في الغالب، وترك التفصيل للمتلقي في حينه، وهذا في تصوري من البديهيات التي يجب على المتلقي لحديثهم أن يرصدها لفهم مرادهم عليهم السلام من الرواية) (1)

وقد ضرب الفاضل مثالاً حيث قال:

(حينما يتحدث أهل البيت عليهم السلام عن الحروب التي تحدث في آخر الزمان، فلا ضرورة للحديث عن الطبيعة الموضوعية للحرب وتفاصيلها، ولكن من الضروري علينا نحن المتلقين أن نضع كل مستلزمات الحروب أمام نواظرنا إزاء حديثهم المقتضب عن الحرب، والا بقيت الروايات بعيدة عن التجسيم الحقيقي، ويرينا الإمام الباقر عليه السلام صورة عن ذلك، إذ روى بشير النبال وقال: لما قدمت المدينة قلت لأبي جعفر عليه السلام: إنهم يقولون: (2) إن المهدي لو قام لاستقامت له الأمور عفواً، ولا يريق محجمة دم، فقال: كلا، والذي نفسي بيده لو استقامت لأحد عفواً لاستقامت لرسول اللّه صلى الله عليه وآله حين أدميت رباعيته وشج في وجهه، كلا والذي نفسي بيده حتى نمسح نحن وأنتم العرق والعلق ثم مسح جبهته. (3)

وحديثه هنا مشعر بضرورة فهم الروايات ضمن معطياتها الموضوعية، وما بين يدينا في شأن اليماني أمران يمكن لهما أن يسلطا الضوء بشكل جدي على مكان حركة وهوية اليماني) (4)

وهذان الأمران اللذان ذكرهما الفاضل هما:

1- الحديث عن أفراس الرهان في الروايات.

2- القرائن التي تشير الى مكان حركة اليماني.

فعندما تتحدث الروايات عن قتال اليماني في العراق، ودحره جيش السفياني، ينبغي لنا تصور قدرة جيش اليماني فيما لو فرضنا قدومه من اليمن، وإمكانية عبوره من إحدى الدول المجاورة للعراق، براً أو بحراً أو جواً، كذلك تتبع مجال حركته داخل العراق، وقراءة الخريطة المكانية والزمانية التي رسمها أهل البيت عليهم السلام في مروياتهم، وما الى ذلك من أمور سوف نتطرق اليها بتفصيلٍ ان شاء الله تعالى.

سباق أفراس الرهان:

تحدثت الروايات الشريفة عن سباقات بين الرايات الثلاث، كأفراس الرهان نحو الكوفة.

لماذا نحو الكوفة؟!

لأن الكوفة هي المنطقة الإستراتيجية الثانية للعراقيين بعد بغداد، وفيها المرجعية الدينية حيث يقصدها السفياني، فيأتي اليماني والخراساني لتحرير الكوفة من جيش السفياني ومن ثم طرده من بغداد.

أماكن خروج الرايات الثلاث:

1- خروج السفياني:

• خروجه من قرقيسياء.

حيث ورد في الرواية:

عن الإمام الباقر عليه السلام قال: (فيلتقي السفياني بالأبقع فيقتتلون، يقتله السفياني ومن معه، ويقتل الأصهب، ثم لا يكون له همة إلا الإقبال نحو العراق، ويمر جيشه بقرقيسيا فيقتتلون بها فيقتل من الجبارين مئة ألف، ويبعث السفياني جيشاً إلى الكوفة وعدتهم سبعون ألفاً) (5)

• خروجه من بغداد.

كذلك وردت عدة روايات تتحدث عن خروج السفياني من بغداد الى الكوفة بعد إسقاط حكومة بغداد، نذكر منها هذه الرواية:

حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وذكر فتنة تكون بين أهل المشرق والمغرب فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم السفياني من الوادي اليابس في فوره ذلك حتى ينزل دمشق، فيبعث جيشين جيشاً إلى المشرق وجيشاً إلى المدينة، فيسير الجيش نحو المشرق حتى ينزل بأرض بابل في المدينة الملعونة والبقعة الخبيثة من بغداد (6) قال: فيقتلون أكثر من ثلاثة آلاف ويفتضون أكثر من مائة امرأة، ويقتلون بها أكثر من ثلاثمائة كبش من ولد العباس، ثم ينحدرون إلى الكوفة فيخربون ما حولها. (7)

2- خروج اليماني:

• خروجه من اليمن.

وهو الخروج الذي ذهب اليه بعض الفضلاء والباحثين.

• خروجه من جنوب العراق.

وهو الخروج الذي ذهب اليه بعض الفضلاء والباحثين، ونحن كذلك نتبناه.

3- خروج الخراساني:

• خروجه من ناحية جنوب العراق

هذا الخروج لا دليل عليه في الروايات، وانما هو بافتراض ان الخراساني بإمكانه دخول العراق من منطقتين اما من قبل جنوب العراق او من ناحية واسط، والأخير هو ما دلت عليه الروايات الشريفة وبذلك يسقط الاحتمال الأول تماما.

• خروجه من إيلام (مقابل واسط)

وهو الخروج الذي دلت عليه الروايات الشريفة، حيث يخرج الخراساني من قرية سمرقند الواسطية.

فقد روى الطوسي في الغيبة عن حذلم بن بشير، قال: قلت لعليّ بن الحسين: صف لي خروج المهدي، وعرّفني دلائله وعلاماته؟ فقال: (يكون قبل خروجه خروج رجل يقال له عوف السلمي بأرض الجزيرة، ويكون مأواه تكريت، وقتله بمسجد دمشق، ثمّ يكون خروج شعيب بن صالح من سمرقند، ثمّ يخرج السفياني الملعون من الوادي اليابس ((8)

خاتمة:

العرض السابق مقدمة لتفاصيل حركة أفراس الرهان، التي سنتحدث عنها بالتفصيل في الجزء اللاحق.

المصادر:

(1) الشيخ جلال الدين الصغير/ كتاب علامات الظهور م2/ ص312

(2) المرجئة

(3) غيبة النعماني 294-295 ب 15 ح2

(4) الشيخ جلال الدين الصغير/ كتاب علامات الظهور م2/ ص313

(5) (البحار:52/237)

(6) أرض بابل هي ليست مدينة بابل، وإنما يراد منها المعنى الأصلي لكلمة بابل أي (منطقة الحكم) أو ما تسمى اليوم بالمنطقة الخضراء.

(7) تفسير الطبري22: 72، وذكرها الثعلبي في تفسيره 8: 95

(8) الكافي: الشيخ الكليني / دار الكتب الإسلامية / طهران

بحث علامة اليماني الموعود (ج٩)

أدلة خروج اليماني من العراق

الدليل الرابع: (ج2)

تحدثنا في الجزء الأول عن الحرب الإعلامية التي كانت دائرة بين القرشيين واليمانيين، وذكرنا عدة روايات أشتبه في كونها تتحدث عن اليماني الموعود، لكنها في الحقيقة كانت تتحدث عن مخلّص اليهود اليمانيين الأسطوري (القحطاني)! وسوف نذكر هنا ستة روايات أخرى، بعضها ورد في مصادر الشيعة:

١- روايه النعماني وجاء فيها:

وفد على رسول الله ص أهل اليمن فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم جائكم أهل اليمن يبسون بسيسا فلما دخلوا على الرسول ص قال قوم رقيقه قلوبهم راسخ أيمانهم منهم المنصور يخرج في سبعين الفا ينصر خلفي وخلف وصيي حمائل سيوفهم المسك. (1)

هذه الرواية ذكرت “المنصور”، والمنصور في روايات العامة يشير الى القحطاني وليس الى اليماني الموعود، كما أن الرواية وفق ما يراه بعض الفضلاء انها تتحدث عن المنصور أنه ينصر خلف النبي وخلف وصي النبي محمد صلى الله عليه وآله أي امير المؤمنين عليه السلام، وهو الإمام القائم عج، فإن المنصور قد ينصر الإمام القائم عج بالقتال معه وليس ممهداً له.

ان السبعين الفاً جنود المنصور في الرواية أعلاه والتي قبلها؛ مشابه لعدد أنصار اليماني الموعود، والحقيقة أن الرقم سبعين الفاً، يراد به الكثرة وليس عين العدد، ولا دلالة على كون المنصور هو اليماني لمجرد كثرة عدد أنصار المنصور، وكثرة عدد أنصار اليماني الموعود؛ فتلك لا تصلح قرينة لتطابق الشخصيتين.

٢- الرواية عن الصادق (عليه السلام) في حديث تعقيب صلاة الظهر في علامات الظهور قال: خروج راية من المشرق وراية من المغرب، وفتنة تظل أهل الزوراء، وخروج رجل من ولد عمي زيد باليمن..) (2)

الرواية تتحدث عن خروج رجل من ولد زيد بن علي عليهما السلام باليمن، والرواية لم تذكر اليماني الموعود، بل انها تحدثت عن خروج الرجل الزيدي “باليمن” ولم تقل “من اليمن” وذلك يدل على أنه يخرج من أجل حكم اليمن لا الخروج منها، وعندما نتأمل ثورة الحوثيين وقياداتها الزيدية، يحتمل خروج ذلك الرجل ليقود إحدى حركات الزيدية لأجل حكم اليمن، مع ان بعض المؤمنين أسقطوا هذه الشخصية على السيد عبد الملك الحوثي، بالرغم من كون عائلة الحوثي حسنية النسب وليست حسينية وبالتالي ليست من نسل زيد بن علي بن الحسين! ولا توجد أي قرينة تربط ذلك الرجل الزيدي باليماني الموعود!

٣- الرواية عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله: يخرج المهدي من قرية باليمن يقال لها كرعة وفي رواية (أكرعة). (3)

بالرغم من أن الرواية تتحدث عن خروج “المهدي” وليس اليماني، الا أن بعضاً من الباحثين يصر على أنها تقصد اليماني!

أما الإمام المهدي عج فيخرج من مكة وليس من اليمن، ناهيك ان سند الرواية يعود الى ابن عمر فتأمل!

٤- الرواية عن أبي عبد الله نعيم بن حماد قال: يخرج من قرية يقال لها يكلا خلف صنعاء بمرحلة، أبوه قرشي وأمه يمانية. ثم روى عن عبد الرحمن بن قيس بن جابر الصدفي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما القحطاني بدون المهدي. ثم يلي من بعده رجل من مضر يقتل أهل الصلاح ملعون مشؤوم، ثم يلي من بعده المضري العماني القحطاني يسير بسيرة أخيه المهدي وعلى يديه تفتح مدينة الروم. (4)

الرواية سندها عامي ومتنها مضطرب كما هو واضح، وتتحدث عن خروج عدة أشخاص من اليمن، آخرهم ما أسمته ” المضري العماني القحطاني” وقالت إنه يفتح مدينة الروم، ومن المعلوم أن مدن الروم تفتح على يد المهدي عج وليس اليماني، وإن كان المهدي عج يكلف سرايا اليمن بفتحها، فلا دلالة في ذلك على اليماني الموعود الممهد للمهدي عج فتأمل.

٥- ورد في الرواية: عن زرارة بن أعين، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: استعيذوا بالله من شرِّ السفياني، والدَّجَّال، وغيرهما من أصحاب الفتن.

قيل له: يا ابن رسول الله! أما الدجَّال فعرفناه وقد بيِّن من مضامين أحاديثكم شأنه، فمن السفياني، وغيره من أصحاب الفتن، وما يصنعون؟

قال عليه السلام: أوَّل من يخرج منهم رجلٌ يقال له: أصهب بن قيس يخرج من بلاد الجزيرة له نكاية شديدة في النَّاس، وجور عظيم.

ثمَّ يخرج الجرهميّ من بلاد الشام.

ويخرج القحطانيّ من بلاد اليمن.

ولكلِّ واحدٍ من هؤلاء شوكة عظيمة في ولايتهم، ويغلب على أهلها الظلم، والفتنة منهم؛ فبينما هم كذلك إذ يخرج عليهم السَّمرقندي من خراسان مع الرَّايات السود، والسفياني من الوادي اليابس من أودية الشام.. وقد يكون خروجه، وخروج اليماني من اليمن مع الرَّايات البيض في يومٍ واحدٍ، وسنة واحدة؛ فأوَّل مَنْ يقاتل السفياني القحطانيُّ فينهزم ويرجع إلى اليمن، فيقتله اليماني. الى أن يقول:

ثمَّ يقصد اليمانيّ، فينهض اليمانيّ لدفع شرِّه، فينهزم السفياني بعد محاربات عديدة، ومقاتلات شديدة، فيتبعه اليمانيُّ، فتكثر الحروب وهزيمة السفياني، فيجده اليماني في آخر الأمر مع ابنه في الأسارى فيقطّعهما إرباً إرباً.

ثمَّ يعيش في سلطنته فارغاً من الأعداء ثلاثين سنةً، ثمَّ يفوِّض الملك بابنه السَّعيد، ويأوي مكَّة، وينتظر ظهور قائمنا حتَّى يتوفَّى، فيبقى ابنه بعد وفاة أبيه في ملكه وسلطانه قريباً من أربعين سنةً، وهما يرجعان إلى الدنيا بدعاء قائمنا عليه السلام.

قال زرارة: فسألته عن مدَّة ملك السفيانيّ.

قال عليه السلام: تمتدّ إلى عشرين سنة. (5)

من الواضح أن الرواية تعاني من اضطراب في المتن، كما أنها تحدثت عن قتل السفياني على يد اليماني قبل ظهور المهدي عج بينما تؤكد رواياتنا على ان السفياني يقتل على يد القائم عج، وكذلك تحدثت الرواية عن ملك السفياني عشرين سنة، وملك اليماني من بعد مقتل السفياني ثلاثين سنة ثم موته، ويحكم ابن اليماني أربعين سنة حتى يظهر المهدي عج!

هذه الأخبار والأرقام المكوكية، لا تتناسب اطلاقا مع الثابت في مرويات اهل البيت عليهم السلام، من ملك السفياني لفترة قصيرة، وخروج اليماني معه في يوم واحد، وبقاء السفياني حتى يتم قتله على يد القائم عج، وان السفياني يخرج قبل الظهور الشريف ب 15 شهرا فقط! مما يجعل الرواية ساقطة الدلالة.

وقد عدها سماحة الشيخ الكوراني من الروايات التي خرّبها القرشيون نكاية باليمانيين حيث قال:

(وبهذا تضع يدك على السبب في ضياع أحاديث القحطاني أو اليماني، حتى لا تجد لها أثراً في مصادرهم! لكن يظهر أنها كانت معروفة شفهياً عند المسلمين في القرن الثاني) (6)

٦- الرواية فيما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله): (… وسيخرج من هذا – أي علي (عليه السلام) – فتى يملأ الأرض قسطاً وعدلاً فإذا رأيتم ذلك فعليكم بالفتى اليمني، فإنه يُقبل من المشرق، وهو صاحب راية المهدي) (7)

الرواية تقول إن الفتى اليمني يقبل من المشرق، والمعروف إن حركة اليماني تستهدف الوصول الى الكوفة، ومن ينطلق من اليمن تكون الكوفة الى جهة المشرق بالنسبة له، ويكون مجيئه لها من قبل المغرب لا المشرق كما نصت الرواية، فيتحصل أن الفتى اليمني لا ينطلق من بلاد اليمن، بل أنه من أصول يمانية لا غير، كما أن شرق الكوفة هو جنوب العراق.

المصادر:

(1) غيبة النعماني: 46

(2) مستدرك سفينة البحار ج 7 ص47 / فلاح السائل ص170-171.

(3) البيان للشافعي/510

(4) الفتن:1/381

(5) غيبة الطوسي: 446 و447/ فقرة 443.

(6) الشيخ الكوراني / المعجم الموضوعي لأحاديث المهدي/ ف24

(7) (المهدي المنتظر الموعود/ ب4: 107).

بحث علامة اليماني الموعود (ج٨)

أدلة خروج اليماني من العراق:

الدليل الرابع: روايات العامة وصراع قريش واليمانيين (ج1).

في عهد معاوية بن أبي سفيان، حصلت خلافات وصراعات بين قريش واليمانيين بشأن الخلافة، فقاد اليمانيون حملة إعلامية شعواء ضد قريش كان أبرز قادتها اليهودي “كعب الأحبار” وفي الطرف المقابل قاد حملة قريش الإعلامية “أبو هريرة”

روج المدلسون اليهود اليمانيون الى خروج رجل مخلّص قحطاني الأصل سوف يعيد الخلافة الى القحطانيين، وهذا القحطاني المزعوم يعد في الأصل من ثقافة يهود اليمن، اذ يدعي هؤلاء ان ثمة مخلص يماني قحطاني يخرج في اخر الزمان، حيث قاموا بوضع عشرات الروايات التي تتحدث عن خروج القحطاني، وفي مقابلها وضع أتباع السلطة عشرات من الروايات يتحدث بعضها عن القحطاني سلباً، والبعض الآخر نفى وجود القحطاني، وقال معاوية أن المخلّص ليس من اليمن وانه من قريش، حتى أن كعب الأحبار خشي بأن يتهموه بأصله اليهودي، فباع يمانيته ليغطي على يهوديته! ولم يكتفِ كعب واليمانيون بذلك؛ بل أنهم تفننوا في مدح القحطاني مرة، وفي تخويف الناس منه أخرى، وتحدثوا عن خروجه قبل المهدي تارة، وخروجه مع المهدي تارة أخرى، وخروجه بعد المهدي ثالثة!

وكان لهذا الصراع أثره في التشويش على علامة اليماني الموعود.

وسننقل لكم بعض الآثار والروايات التي توضح صورة ذلك الصراع:

ورد في البخاري: كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث أنه بلغ معاوية وهو عنده في وفد من قريش، أن عبد الله بن عمرو بن العاص يحدث أنه سيكون ملك من قحطان، فغضب معاوية فقام خطيباً فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فإنه بلغني أن رجالاً منكم يتحدثون أحاديث ليست في كتاب الله ولا تُؤثر عن رسول الله فأولئك جهّالكم! فإياكم والأماني التي تضل أهلها! فإني سمعت رسول الله يقول: إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبَّه الله على وجهه ما أقاموا الدين. انتهى! (1)

وفي الفتن عن تبيع عن كعب: قال علي: على يدي ذلك اليماني تكون ملحمة عكا الصغرى، وذلك إذا ملك الخامس من أهل هرقل… قال كعب: فيظهر اليماني ويقتل قريشاً ببيت المقدس وعلى يديه تكون الملاحم. (2)

تبيع هذا أيضا يهودي من جماعة كعب الاحبار، لكن كعباً باع يمانيته لقريش ليفدي بها يهوديته! فقد روى عنه ابن حماد، قال: ما المهدي إلا من قريش، وما الخلافة إلا فيهم غير أن له أصلاً ونسباً في اليمن. (3)

وورد في الأثر: (يكون بعد المهدي القحطاني والذي بعثني بالحق ما هو دونه) (4)

المشكلة في القضية أن بعض الباحثين نقل تلك الآثار منفردة وبدون معرفة جذورها وأصل الخلاف بين القحطانيين وبين بني أمية!

. “وللاطلاع على تفصيل الخلاف الأموي القحطاني راجع كتاب المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي عج للكوراني ف24”.

وسوف نورد سبعة آثار تتحدث عن خروج القحطاني، أشتبه في كونه اليماني الموعود:

1- (يخرج ملك من صنعاء اسمه حسين أو حسن، فيذهب بخروجه غمر الفتن، يظهر مباركاً زاكياً، فيكشف بنوره الظلماء، ويظهر به الحق بعد الخفاء. (5)

الاثر منقول عن حديث سطيح الكاهن، ويرويه كعب الأحبار، وهو في ذات السياق الذي يكشف الحرب بين اليمانية وقريش.

2- ورد في الاثر (ثم يخرج ملك من اليمن من صنعاء اوعدن، أبيض كالشطن، اسمه حسين أو حسن، فيذهب بخروجه غمر الفتن، فهناك يظهر مباركاً زكياً، وهادياً مهدياً، وسيداً علوياً، فيفرح الناس إذا أتاهم بمن الله الذي هداهم، فيكشف بنوره الظلماء، ويظهر به الحق بعد الخفاء ويفرق الأموال في الناس بالسواء، ويغمد السيف فلا يسفك الدماء، ويعيش الناس في البشر والهناء، ويغسل بماء عدله عين الدهر من القذى ويرد الحق على أهل القرى. (6)

(وهو كما ترى ليس رواية، بل قول مرسل مسجوع وصاحبه مجهول!) (7)

الاثر واضح الوضع، حيث أن واضه يبتغي ضرب قريش، فهو لم يتحدث عن المهدي إطلاقاً وإنما تحدث عن مخلص يماني يحقق العدل والرخاء!

2- عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا ظهر الأبقع مع قوم ذوي أجسام فتكون بينهم ملحمة عظيمة، ثم يظهر الأخوص السفياني الملعون فيقاتلهما جميعاً فيظهر عليهما جميعاً، ثم يسير إليهم منصور اليماني من صنعاء بجنوده وله فورة شديدة يستقل الناس قبل الجاهلية، فيلتقي هو والأخوص وراياتهم صفر وثيابهم ملونة، فيكون بينهما قتال شديد، ثم يظهر الأخوص السفياني عليه، ثم يظهر الروم وخروج إلى الشام، ثم يظهر الأخوص، ثم يظهر الكندي في شارة حسنة، فإذا بلغ تل سما فأقبل ثم يسير إلى العراق..). (8)

ذكر الرواية سماحة الشيخ الكوراني في المعجم الموضوعي لأحاديث المهدي تحت عنوان: “نماذج أخرى من تخريبهم لشخصية اليماني والمهدي عليه السلام” (9)

وهذه الرواية وجدنا بعض الباحثين يستدل بها على يمانية اليماني! على الرغم من أنها تحدثت عن رجل مذموم! وكذلك انتصار السفياني عليه، فيما أن الروايات المعتبرة تصرح بأن اليماني يدعو الى الحق والعدل، وأن اليماني ينتصر على السفياني.

3- في فتن ابن حماد عن كعب: (لابد من نزول عيسى عليه السلام إلى الأرض، ولا بد أن يظهر بين يديه علامات وفتن. فأول ما يخرج ويغلب على البلاد الأصهب يخرج من بلاد الجزيرة، ثم يخرج من بعده الجرهمي من الشام، ويخرج القحطاني من بلاد اليمن، قال كعب الأحبار: بينما هؤلاء الثلاثة قد تغلبوا على مواضعهم بالظلم، وإذ قد خرج السفياني من دمشق). (10)

من خلال الأثر أعلاه وهو رواية يهودية مدسوسة يتضح أن اليماني القحطاني الذي يخرج من بلاد اليمن شخص آخر غير اليماني الموعود، فاليماني الموعود رايته راية هدى، وهي أهدى الرايات، بينما اليماني أو القحطاني الذي يخرج من بلاد اليمن يتغلب بالظلم، ويبدو هنا ان كعب الاحبار كان في حالة تقية شديدة بحيث انه ذم مخلصه القحطاني.

وفي معرض الرد على هذا الأثر قال أحد الفضلاء: (لا يمكن الإعتماد على مثل روايات ابن حماد وإن أسندوها الى أئمة أهل البيت عليهم السلام، لكثرة ما رووه من حشو وتصورات من عصرهم أسقطوها على عصر الإمام عليه السلام) (11)

بالإضافة الى قول الفاضل، فإن الرواية أعلاه مصدرها كعب الأحبار، وتتحدث عن القحطاني الظالم! بل أنها تتحدث عن أن ذلك القحطاني يملك اليمن في عصر خروج السفياني، ولو افترضنا جدلا صحة هذه الرواية فإن ذلك دليل على أن اليماني ليس من اليمن، لأن ملك اليمن ظالم فاليماني كيف سيتحرك نحو العراق؟!

5- روى الطوسي في الغيبة عن محمد بن مسلم: (يخرج قبل السفياني مصري ويماني) (12)

هذه الرواية تتحدث عن يماني يخرج قبل السفياني، فذلك اليماني إذن ليس هو اليماني الموعود، لأن اليماني الموعود يخرج في نفس اليوم الذي يخرج فيه السفياني فتأمل.

كذلك يبدو أن اليماني والمصري خارجان على حكامهما.

6- قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لمعاذ بن جبل حينما أرسله لأهل اليمن واليا (بعثتك الى قوم رقيقه قلوبهم يقاتلون على الحق مرتين) (13)

لا أعلم كيف استدل بعض الإخوة الباحثين من خلال هذه الرواية على أن اليماني من اليمن؟! حيث قال بعضهم أنهم يقاتلون مرتين: مرة مع النبي محمد ومرة مع الإمام المهدي صلوات الله عليهما! وحتى لو صدق ذلك التأويل فإننا لا ننكر نصرة اليمانيين للإمام الحجة عج بعد ظهوره الشريف أما قبل ظهوره فلا يوجد دليل ناهض على ذلك، سيما أن هذه الرواية لم تتحدث عن القائد اليماني وانما تحدثت عن اليمانيين بصورة عامة.

7- قال الرسول صلى الله عليه واله وسلم (والله في اليمن كنزان جاء أحدهم يوم تبوك كانت الأزد ثلث الناس ويجيء الأخر يوم الملحمة العظمى سبعون الفا حمائل سيوفهم المسك) (14)

يرى بعض الباحثين “أن المراد من الملحمة العظمى مع القائم عج”

نقول: لا بأس بذلك لنفترض انها مع القائم عج بالرغم من عدم وجود قرينة صارفة الى ذلك، ولكن ليس قبل ظهوره الشريف، فما من دلالة فيها على ان قتال اليمنيين مع المهدي عج قبل ظهوره، على انه لم تتحدث الروايات عن ملحمة عظمى قبل قيام القائم اذ ان الامام المهدي عج لا معارك له قبل ظهوره، كما ان الرواية تقول ان القائم عج في تلك المعركة، فلا ادري ما علاقة اليماني الموعود الذي يكون خروجه قبل القائم عج بهذه الرواية؟!

على ان هذه الرواية عل كل حال لم تذكر أي قرينة تتعلق بنصرة هؤلاء للإمام المهدي عج، بل ان سياق الرواية تحدث عن تبوك وربما يقصد بالملحمة العظمى معركة أخرى من معارك النبي صلى الله عليه واله، هذا ان صحت الرواية.

خلاصة:

ان وجود مخلِّص لدى يهود اليمن يسمونه (القحطاني) جعل ثمة خلط بين روايات القحطاني الموضوعة وبين روايات اليماني، وذلك الخلط جاء نتيجة اشتباه بعض الباحثين الذين لم يطّلعوا على اسطورة المخلِّص القحطاني لدى يهود اليمن، وبهذا تسقط دلالات جميع هذه الروايات والآثار على خروج اليماني من اليمن، ويترجح خروجه من العراق ميدان حركته لدحر جيش السفياني.

المصادر:

(1) البخاري:4/155، و:8/105

(2) الفتن:1/382و:2/504

(3) ابن حماد في/103و109

(4) ابن حجر في فتح الباري:6/397 عن الفتن لنعيم بن حماد.

(5) وفي بشارة الإسلام ص187

(6) مشارق أنوار اليقين للحافظ رجب البرسي/196. وعنه بشارة الإسلام/187، والبحار:51/163

(7) الشيخ الكوراني / المعجم الموضوعي لأحاديث المهدي/ ف24

(8) فتن ابن حماد /78

(9) الشيخ الكوراني / المعجم الموضوعي لأحاديث المهدي/ ف24

(10) شرح إحقاق الحق – للمرعشي ج29 ص530.

(11) الشيخ الكوراني / المعجم الموضوعي لأحاديث المهدي/ ف24

(12)

(13) (غيبة الطوسي/447).

(14) مجمع الزوائد 10/55 نقلا عن كتاب المهدي المنتظر عج المصلح الرباني وصانع العالم الجديد ج3/557للشيخ جعفر العتريسي

زيارة البابا فرنسيس الى مرجعية النجف الاشرف.. الابعاد والدلالات!

زيارة البابا فرنسيس الى مرجعية النجف الاشرف.. الابعاد والدلالات!

مقال كتبته يوم الجمعة المصادف الخامس من شهر آذار من عام ٢٠٢١ قبل يوم واحد من ذهاب البابا فرنسيس الى مدينة النجف الاشرف للقاء المرجع السيستاني.

وكنت قد عزمت على تأجيل نشر المقال، خشية ان تكون تصريحات سماحة المرجع السيستاني دبلوماسية، حسب ما قد يقتضيه المقام والظروف الموضوعية، بيد ان الرد العلوي الحازم الذي بدر من سماحة الامام السيستاني للبابا فرنسيس وكتابتي لمقال توضيح بيان مكتب المرجعية، زادني حماسا واندفاعاً الى ان انشر مقالي هذا.

نص المقال:

تحدث المحللون السياسيون عن أسباب مجيء بابا الفاتيكان الى العراق ولقائه بالمرجع الشيعي الأعلى الامام السيستاني، وذكروا أسبابا عديدة، وهي ذات الأسباب الظاهرية التي يعرفها الجميع، كالتضامن مع مسيحيي العراق، وتبليغه رسالة العيش المشترك والمواطنة والسلام، وايفائه بوعد البابا السابق يوحنا بولس بزيارة العراق عام ٢٠٠٠ وما الى ذلك من الأسباب الظاهرية والتي لا شأن لمقالنا بها جملة وتفصيلا، فمن خَبَرَ مقالاتنا يعلم جيدا اننا لا نخوض في الأمور المعتادة والظاهرية والسطحية، وانما نبحث عن الحقائق في الأعماق، لتقديم ما هو جديد ونادر وما هو مقارب للواقع.

يُعرف البابا فرنسيس ذو الأصول الإيطالية والارجنتينية بحداثويته، حيث يمتلك عقيدة فكرية تكاد تجمع بين الدين القديم (الدين الرومي النصراني) بواجهته الكاثوليكية وبين الدين الالحادي الجديد المسمى (العلمانية) وذلك بحكم النظرة المصلحية في بعدها المادي في مقابل البعد الروحي الميثولوجي، وفي حالة من الازدواجية التي لم تعد تثير الغرابة، حيث تقتضي مصالح الوجود والهيمنة ابتداع تحديثات حتى في الأصول العقدية والممارسات التنظيمية والطقوسية التي درجت عليها النصرانية عموماً والكاثوليكية على وجه الخصوص! حيث مسخت النصرانية وانحسرت الأصولية الكاثوليكية في الفاتيكان، إذ اخذ الفساد مأخذه منها الى مديات بات معها البابوات يتحدثون عن قوانين وأنظمة الكنيسة الكاثوليكية بما يتناسب مع متطلبات وتحديثات وضغوطات العصر ولو على حساب الأصول العقدية، وذلك خشية ان تفقد الكنيسة موقعها وزعامتها لصالح العلمانية المادية والمصلحية الصرفة!

ان اهم أسباب زيارة البابا للعراق، سبب محوري تدور حوله بقية الأسباب، الا وهو استراتيجية الحرب الناعمة كمشروع غربي نصراني رومي صهيوني ضد التشيع في العراق والذي يمثل آخر العقبات العربية بوجه الفكر الاستكباري التوسعي والهيمنة والطغيان الأمريكي والاوربي والصهيوني، حيث يمثل العراق عصب التشيع، والذي بدوره يعد روح الإسلام الحقيقي الذي لم تطاله ايادي التحريف كبقية الديانات والمذاهب الأخرى كالمسيحية واليهودية والسنة وسواهم.

العراق يمثل الخاصرة الرخوة للاسلام المحمدي العلوي الحسيني المهدوي، لان العراق بجغرافيته السياسية يمثل قلب التشيع النابض، وان سقوط راية العراق يعني سقوط راية لبنان وتهديد راية الجمهورية الإسلامية.

اما سوريا فقد أصبحت محوراً للصراع بين الديانة الرومية النصرانية الكاثوليكية والبروتستانتية المتحالفة مع اليهودية الصهيونية وبين الديانة الرومية النصرانية الارثدوكسية الروسية! لذا فإن موضوع راية سوريا سوف تكون مجرد خلاف سياسي بين الأديان النصرانية يتمحور حول استقطاب طائفة إسلامية صغيرة حاكمة ذات ابعاد أيديولوجية قومية، في ميدان غلبة القومية على الطائفية الدينية، وغلبة السياسة المصلحية على الأعراف والالتزامات الأخلاقية التحالفية مع الأصدقاء الاوفياء، الذين وقفوا مع الحكومة السورية في ازمتها الخانقة يوم كانت على محك الانهيار والسقوط في هاوية الارهاب السني الناصبي الساعي الى تشكيل دولة راديكالية استئصالية على غرار دولة طالبان!

هنالك أوحى الغرب الى سياسة الوقاية بالتدخل العسكري والحيلولة دون تكرار المشهد الافغاني، لان الدواء حينها سيكون لديهم ايضاً! لكن الأمور آنذاك سوف تكون اكثر صعوبة، مع ان حلفاء الغرب في الداخل السوري في جانب المعارضة للنظام، هم جماعات إرهابية ايضاً، بيد انها مغلفة بأغلفة سياسية متعددة!

ذلك المشهد الديماغوجي الذي يكشف وبكل شفافية وصراحة، بأن الغرب النصراني هو الداعم الأساسي للارهاب في العالم، وهم من يصنعون الوقاية من الارهاب وهم من يحاربونه، وذلك يبين لنا حقيقة مخططاتهم ومشاريعهم الخبيثة والمتلونة كالافعى الرقطاء، وشيطنتهم التي بلغت شأواً بعيداً حتى غدت تتجاوز قدرات ابليس لعنه الله!

ان هذا العصر الجديد، أي فترة العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، وهو عصر ما بعد ترامب او لنسميه عصر الكورونا، هو في حقيقته العميقة يمثل عصر الحكم الكاثوليكي المتحالف مع الصهيونية العالمية، بما يمثله المذهب الكاثوليكي كأصل انحرافي للديانة المسيحية، وهو الفاصل ما بين المذهب البروتستانتي المتمرد والارثدوكسية المحافظة التي اغرقها المد الكاثوليكي الحديث بمفاهيم سياسية صرفة كالعلمانية والليبرالية التي تحاول ان تنتزع من تلك الديانات روحها الميثولوجية لتحيلها الى اشبه بما تكون شعوباً وثنية مجردة من الأديان!

بعد صعود الأمريكي الديمقراطي الكاثوليكي بايدن الى زعامة الولايات المتحدة، اصبح حكم العالم كاثوليكياً، على اعتبار عرفي بأن من يحكم الولايات المتحدة المهيمنة على العالم فإنه سوف يحكم العالم كله، ويفرض هيمنة ديانته بما هو مفترض ان يكون وفق نظرية الحق المطلق والباطل المطلق، حيث يرى اتباع كل ديانة وكل طائفة ومذهب وفرقة انهم يمثلون الحق المطلق وغيرهم على الباطل، وانه لابد ان يأتي اليوم الذي يتاح لهم ان يحكموا العالم بأسره ويعممون تعاليمهم عليه ويلزمون الاخرين بها، حتى تتعاقب الأجيال فتأتي اجيالاً لا تعرف غير ذلك الدين امراً آخراً!

لذلك يرى البابا فرنسيس انه يقع على عاتقه اسناد القوة السياسية الكاثوليكية العالمية، وتقويتها خلال السنوات الأربع القادمة في مقابل الكفر الارثدوكسي والإسلامي وربما حتى البروتستانتي!

وكذلك دعمهم لشرطي الغرب في منطقة الشرق الأوسط والمتمثل بالكيان الصهيوني، من خلال إرساء دعائم التطبيع الدياناتي العولمي والذي سمته الظاهرية تقارب الأديان والتعايش السلمي والمدنية والعلمانية والليبرالية الانفلاتية الإباحية والتبشير والهيمنة!

ان كل ما يجري هو مقدمة للتطبيع مع الكيان الصهيوني، حيث تتضمن اجندات المشروع الغربي الصهيوني اغراق المنطقة بمختلف الازمات السياسية والأمنية والمجتمعية والاقتصادية، مع حملة من الحرب الدعائية النفسية والحرب الناعمة التي تقودها اعتى المؤسسات الغربية (الفاتيكان وأجهزة المخابرات الامريكية والاوربية ومراكز الأبحاث العلمية والموساد الصهيوني وشركات الاعلام الجبارة والشركات الأمنية الخاصة والمؤسسات الاقتصادية الكبرى المملوكة لرجال اعمال صهاينة)

يمثل العام ٢٠٢٠ عام الشيطان البايلوجي (كورونا) والذي يعيدنا الى صورة تاريخية تأبى ان تغادر الذاكرة تتمثل بسلاح الكنيسة وكهنتها القديم (سلاح الوباء) حيث صدرت الكنيسة الكاثوليكية الأوبئة الى سائر المناطق التي استعمرتها قواها الصليبية الرومية تأريخياً، وذلك عن طريق عملائها من اليهود الناقمين على البشرية! فكانت الكنيسة تتباها بسلاحها الخفي القادر على افناء خصومها من (الكافرين) دون تكلف او عناء لاعلان العداء وتجييش الجيوش واسالة الدماء وما الى ذلك من كلف الحروب الدموية، ناهيك عن السياسات الدموية التي طبقتها الكنيسة تأريخيا والحروب الصليبية التي قادتها او حرضت عليها وباركتها.

لعل من ابرز نقاط جدول اعمال زيارة البابا الى العراق هي زيارة المرجع الأعلى الإسلامي الشيعي السيد علي السيستاني دام ظله الشريف والذي يمثل حقيقة وتجسيد الواقع الإنساني في العالم، حيث وقف ذلك السيد الجليل بوجه الفساد والفشل الذي طال أروقة حكم الأحزاب السياسية الإسلامية الشيعية التي تمثل عصب المذهب والمجتمع الذي يقوده ذلك المرجع النجفي، تلك الاحزاب ورغم ذلك كله كانت وما تزال تمثل أمل المذهب الشيعي المظلوم في تجاوز الاخطار والتهديدات الوجودية المحيطة به من قبل الغرب والصهاينة وطغاة ونواصب الخليج! في حين صمت البابا واسلافه كصمت القبور عن الجرائم التي ارتكبتها قيادات النصارى من قوى الاستكبار العالمي النصراني الرومي الصليبي الكاثوليكي والبروتستانتي، بحق شعوب العالم سيما الشعوب الإسلامية، حيث بدأوا باستعمار الشرق الأوسط وانتهوا بدمار الغرب ذاته في الحربين العالميتين الأولى والثانية، ثم عادوا لتدمير الشرق الأوسط من جديد بعد ان أخذت أراضي الغرب زخرفها وازينت وظن أهلها انهم قادرون عليها واستأمنوا مكر الله عز وجل واطمأنوا، بيد ان حضارتهم سوف يطيح بها مكر الشيطان قبل مكر الله عز وجل، فالحضارة الغربية النصرانية الطاغوتية سوف تنهار على يد بناتها انفسهم في الحرب العالمية الثالثة القادمة والسابقة لظهور الامام المهدي عج، وسوف تزول تماما والى الابد على يد حضارة دولة العدل والقسط المهدوية التي سوف تقوم على اطلال حضارة الشيطان الغربية.

ان ما يترتب على المؤمنين المنتظرين قيادات وافراد، ان يعوا حقيقة ان النصارى بافرعهم المختلفة من كاثوليك وبروتستانت وانجيليين وارثودوكس ومعهم اليهود الصهاينة، وكذلك القوى الدجالة الناشئة كالقوميين العرب والنواصب وسائر طغاة وجبابرة العرب انما هم على احاطة ودراية بالايديولوجيا الشيعية المهدوية بابعادها العقائدية السياسية وقوتها المقاومة والممانعة.

لذلك نراهم دوما ما يستهدفون وبطرق متعددة وأساليب انتقائية غاية في الذكاء والمكر قواعدها الشعبية وقواها الأبية وشخصيات القيادات السياسية والجهادية والدينية والمجتمعية، وكذلك استهدافهم للوعي المجتمعي وعلى جميع الصعد وبمختلف الأدوات، من خلال استراتيجيات محكمة ومدروسة تتضمن اهدافاً وتكتيكات ومخططات شيطانية في عديد من المجالات وبمختلف المستويات وباجندات ومخططات متواترة قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، بلا كلل او ملل او فتور، وبديناميكية لا تعرف للهوادة او التواكل سبيلاً، مما يجعلنا متيقنين ان ثمة قوى غيبية تقف في مقابل ذلك المد الشيطاني العتيد، ولاريب انها قوى متمثلة بالارادة الربانية والقدرة المهدية والاباء الإلهي بأن يتم نوره ولو كره الكافرون والمشركون والمنافقون. بعد ذلك علينا ان نكون على يقين تام بأن كيد الشياطين في نحورهم وان مكرهم سوف يرتد عليهم عاجلاً أم آجلاً، وان زيارة البابا سوف تنقلب انقلاب السحر على الساحر، وان فوائدها ومزاياها وعواقبها سوف تكون لصالح الشيعة، فإن كان الكافرون والمشركون وذيولهم من المنافقين ليمكرون، فإن الله تعالى يمكر بهم وهو خير الماكرين، ولينصرن الله من ينصره، لذا يترتب على قيادات الشيعة السياسية والجهادية والدينية والمجتمعية وجميع المؤمنين، العمل على الاستفادة من زيارة البابا للعراق ولقائه بالمرجعية الدينية العليا في النجف الاشرف وتجييرها لصالح الواقع الشيعي وصراع محور المقاومة مع الإرهاب الاعرابي المدعوم من قوى الاستكبار العالمي.

قراءة في المضامين السامية للخطاب التأريخي الذي وجهه سماحة السيد السيستاني الى بابا الفاتيكان.


استقبل سماحة السيد السيستاني دام ظله الشريف بابا الفاتيكان فرنسيس في منزله في النجف الاشرف صبيحة اليوم الحادي والعشرين من شهر رجب عام ١٤٤٢ المصادف السادس من آذار عام ٢٠٢١ وعقب اللقاء الذي طال لمدة ٤٥ دقيقة اصدر مكتب سماحة السيد السيستاني بياناً وضح فيه ما بينه سماحة السيد للبابا في لقائه.

في مقدمة البيان ورد ما يلي:

(التقى سماحة السيد السيستاني (دام ظله) صباح اليوم بالحبر الاعظم (البابا فرنسيس) بابا الكنيسة الكاثوليكية ورئيس دولة الفاتيكان)

حيث عرّف مكتب سماحة السيد السيستاني البابا فرنسيس ببعده الديني (الحبر الأعظم) في إشارة الى الوصف القرآني لعلماء النصاري، اذ وصف البيان البابا بأنه كبير الزعماء الدينيين للديانة النصرانية وذلك لتحميل البابا المسؤولية الدينية.

اذ قال تعالى:

يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ ﴿٤٤ المائدة﴾

وعن دور الاحبار في هداية شعوبهم يقول عز وجل:

لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ﴿٦٣ المائدة﴾

ويصف القرآن الكريم حال اكثر احبار النصارى بقوله تعالى:

إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ﴿٣٤ التوبة﴾

وعن حال شعوبهم يقول جل وعلا:

اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴿٣١ التوبة﴾

كما وصف البيان البابا ببعده السياسي (رئيس دولة الفاتيكان) ليتحمل المسؤليات السياسية التي سيتحدث عنها البيان لاحقاً.

حيث ورد في ديباجة البيان ما يلي:

(ودار الحديث خلال اللقاء حول التحديات الكبيرة التي تواجهها الانسانية في هذا العصر ودور الايمان بالله تعالى وبرسالاته والالتزام بالقيم الأخلاقية السامية في التغلب عليها)

ماذا كان يقصد الامام السيستاني بالتحديات الكبيرة التي تواجهها الإنسانية في هذا العصر يا ترى؟!

وما هو الايمان المرموز بالله تعالى وبرسالاته والالتزام بالقيم الأخلاقية السامية في التغلب على تلك التحديات الكبيرة التي تواجهها الإنسانية؟

في الجزء الآتي من البيان إجابة على هذه التساؤلات!

فقد أشار البيان الى ما يلي:

(تحدث سماحة السيد عما يعانيه الكثيرون في مختلف البلدان من الظلم والقهر والفقر والاضطهاد الديني والفكري وكبت الحريات الاساسية وغياب العدالة الاجتماعية، وخصوص ما يعاني منه العديد من شعوب منطقتنا من حروب وأعمال عنف وحصار اقتصادي وعمليات تهجير وغيرها، ولا سيما الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة)

لاريب ان سماحة الامام السيستاني يعني بشعوب منطقتنا الشعوب التالية على اعتبار انها تعاني من الازمات المذكورة أعلاه في البيان:

الشعب السوري.

الشعب اليمني.

الشعب العراقي.

الشعب الإيراني.

الشعب البحريني.

الشعب السعودي.

الشعب الليبي.

الشعب الفلسطيني!

هذه الشعوب تعرضت للظلم والقهر والفقر والاضطهاد الديني والفكري وكبت الحريات وغياب العدالة الاجتماعية والحروب واعمال العنف والحصار الاقتصادي وعمليات التهجير وغيرها وكالآتي:

الشعب السوري منذ سنين يتعرض للارهاب الناصبي والاعتداءات الصهيونية والاعتداءات الامريكية.

الشعب اليمني منذ سنين يتعرض للارهاب السعودي والاماراتي والتحالف الدولي الغربي النصراني ويعاني من الظلم والقهر والفقر.

الشعب العراقي منذ عقود يتعرض للظلم الطاغوتي والحروب وللارهاب الناصبي والاعتداءات الامريكية والحصار الاقتصادي والاغتيالات بالمفخخات والطائرات المسيرة والإرهاب الجديد الجوكري وانتهاك السيادة.

الشعب الإيراني منذ عقود يتعرض للارهاب البعثي المدعوم من الغرب وحلفائهم من طغاة العرب ولاغتيال قاداته وتجويع شعبه.

الشعب البحريني منذ سنين يتعرض للقتل واعمال العنف والسجن والتهجير القسري من قبل الالة العسكرية السعودية والسلطة البحرينية ويتعرض شعبها الى الاضطهاد الديني والفكري وكبت الحريات!

الشعب الحجازي منذ قرن من الزمن يتعرض للاضطهاد الديني والفكري وكبت الحريات.

الشعب الليبي يتعرض للظلم والقهر والفقر والحروب والتهجير!

الشعب الفلسطيني قضيته اشهر من البابا نفسه فيما يعانيه من جور الكيان الصهيوني الغاصب.

وحيث اكد سماحة السيد على القضية الفلسطينية معلنا رفضه القاطع للتطبيع مع الكيان الصهيوني، والذي كما يبدو ان التطبيع من اهم أولويات زيارة البابا!

نلاحظ ان ما تعرضت له شعوب المنطقة من جور كان المسبب الأساسي له هم الجهات التالية:

القوى العظمى النصرانية (أمريكا واوربا)

حكومات الخليج الطاغوتية المدعومة من قوى القوى العظمى.

إرهاب القاعدة وداعش وغيرها والمدعومة من قبل القوى العظمى.

الكيان الصهيوني الغاصب لارض فلسطين الإسلامية والمدعوم من القوى العظمى.

واعقب البيان بالقول:

(وأشار سماحته الى الدور الذي ينبغي أن تقوم به الزعامات الدينية والروحية الكبيرة في الحد من هذه المآسي، وما هو المؤمل منها من حثّ الأطراف المعنيّة ـ ولا سيما في القوى العظمى ـ على تغليب جانب العقل والحكمة ونبذ لغة الحرب، وعدم التوسع في رعاية مصالحهم الذاتية على حساب حقوق الشعوب في العيش بحرية وكرامة)

هنا القى سماحة السيد السيستاني بالثقل الأكبر على عاتق البابا (الزعامات الدينية والروحية الكبيرة) مذكراً له بواجبه في الحد من هذه المآسي، وذلك لكون المسبب الرئيسي في هذه المآسي هم قوم البابا الذين يعتنقون الدين النصراني، هم أمريكا واوربا وكذلك الكيان الصهيوني المرعي من قبلهم (لا سيما القوى العظمى)

حيث ان المطلوب من القوى العظمى (الدول النصرانية) والكيان الصهيوني تغليب جانب العقل والحكمة ونبذ لغة الحرب (أي ان تلك القوى العظمى) تفتقر الى التعقل والحكمة وان لغتها هي لغة الحروب لا لغة السلام التي اتى البابا داعيا لها، لذا على البابا قبل ان يتحدث عن نبذ العنف والفساد وصمت السلاح في العراق بقوله يوم امس (كفى عنفاً وفساداً ولتصمت الأسلحة) عليه ان يحث الأطراف المعنية (القوى العظمى النصرانية) على نبذ العنف وصمت السلاح ومعهم الصهاينة الذين يسومون الشعب الفلسطيني سوء العذاب!

كما أشار سماحة السيد السيستاني الى البابا بحث (القوى العظمى النصرانية) والكيان الصهيوني على عدم التوسع في رعاية مصالحهم الذاتية (الاستعمارية) على حساب حقوق الشعوب في العيش بحرية وكرامة.

وبين سماحة السيد ما يلي:

(كما أكّد على أهمية تضافر الجهود لتثبيت قيم التآلف والتعايش السلمي والتضامن الانساني في كل المجتمعات، مبنياً على رعاية الحقوق والاحترام المتبادل بين أتباع مختلف الاديان والاتجاهات الفكرية)

أي ان التعايش السلمي هو مطلب جميع الشعوب والمجتمعات لا حسب ما ترتئيه القوى العظمى وحلفائهم، وينبغي ان يكون التضامن الإنساني شاملا لكل المجتمعات ومبنيا على رعاية الحقوق والاحترام المتبادل بين مختلف الأديان والاتجاهات الفكرية، لا هيمنة ديانات معينة مستندة الى القوة العسكرية او الاقتدار الاقتصادي والتقني كما تفعل اليوم (القوى العظمى النصرانية والكيان الصهيوني اليهودي)

كما نوه سماحة السيد السيستاني الى ما يلي:

(ونوّه سماحته بمكانة العراق وتاريخه المجيد وبمحامد شعبه الكريم بمختلف انتماءاته، وأبدى أمله بأن يتجاوز محنته الراهنة في وقت غير بعيد. وأكّد اهتمامه بأن يعيش المواطنون المسيحيون كسائر العراقيين في أمن وسلام وبكامل حقوقهم الدستورية، وأشار الى جانب من الدور الذي قامت به المرجعية الدينية في حمايتهم وسائر الذين نالهم الظلم والأذى في حوادث السنين الماضية، ولا سيما في المدة التي استولى فيها الارهابيون على مساحات شاسعة في عدة محافظات عراقية، ومارسوا فيها أعمالاً اجرامية يندى لها الجبين)

هنا يذكّر سماحة السيد السيستاني البابا بأن العراق بلد عريق وأشاد بمحامد شعبه، وابدى امله ان يتجاوز العراق محنته الراهنة في وقت قريب عطفاً على كف (القوى العظمى والكيان الصهيوني) أيديهم عن العراق والمنطقة والدور الذي من المفترض ان يلعبه البابا في هذا المجال، ويبقى ذلك مجرد امل لان سماحة السيد يعرف بان المقابل ليس جادا في دعواه!

وذكّر سماحته بالدور الذي لعبته المؤسسة الدينية الإسلامية الشيعية في النجف الاشرف من الدفاع عن الأقلية المسيحية، وحمايتهم من حوادث السنين الماضية التي كان سببها الإرهاب المدعوم من أمريكا واوربا والكيان الصهيوني، مشيرا سماحته بأن المؤسسة الدينية في العراق احرص على سلامة أبناء البلد من البابا وغيره وسواء كانوا مسلمين او مسيحيين او من ديانات أخرى بلا فرق.

وختم البيان بما يلي:

(وتمنى سماحته للحبر الاعظم وأتباع الكنيسة الكاثوليكية ولعامة البشرية الخير والسعادة، وشكره على تجشمه عناء السفر الى النجف الأشرف للقيام بهذه الزيارة)

تضمنت الخاتمة رسالة بليغة الى البابا بعد شكره على قدومه الى النجف الاشرف، بما لو انه قام بدوره الدعوي في كبح جماح قومه الامريكان والاوربيين وكذلك من يدعمونهم من الصهاينة وطغاة العرب لما احتاج الى ان يتجشم عناء السفر الى النجف الاشرف داعيا الى السلام!

وبعد ذلك كله فإن في بيان سماحة السيد السيستاني إشارة بليغة أخرى الى الدور المستقبلي الذي يقع على عاتق البابا في توجيه الدول العظمى المعادية للمنطقة وللبلاد الإسلامية وللعراق على وجه الخصوص، لاجل تغيير طبيعة توجهاتهم التوسعية الطاغوتية سيما وان قيادة الولايات المتحدة أصبحت بيد الكاثوليكي بايدن، مما يعني انه قد اصبح للبابا يد طولى في تقرير مصير بلدان المنطقة!

نلاحظ ان حديث سماحة السيد السيستاني كان منصباً على تعريف وملامة وحث البابا على القيام بدوره العملي تجاه الإنسانية لا مجرد اطلاق العبارات، لأن الحديث بلا تطبيق وبلورة على ارض الواقع لا قيمة له، وان أس الشر والفساد والعنف في العالم انما هو صادر من قوم البابا انفسهم، فرحم الله امرؤ قوّم نفسه وقومه قبل ان يدعو الى تقويم الآخرين.

هكذا كان خطاب العقيدة الإسلامية الإنسانية الحقة، خطاب المقتدر الحكيم الذي لا تاخذه في الله لومة لائم، حيث لم يجامل او يتساهل او يقصر في أداء دوره العقائدي والإنساني والقيمي والأخلاقي والتأريخي، في فرصة تاريخية اتيحت لسماحته ليضع النقاط على الحروف، فليرى العالم شأن شيعة امير المؤمنين عليه السلام على لسان اسدهم الساكن في زقاق من ازقة النجف الاشرف، فماذا لو ان امامهم المغيب قد ظهر، حينها سيكون للفعل دوره الفصل في ازالة الظلم والجور وإقامة القسط والعدل في ارجاء المعمورة.

معايير النجاح والفشل في الحياة

معايير النجاح والفشل في الحياة

هنالك عدة معايير للنجاح والفشل في الحياة، فيقال لذلك الشخص انه ناجح ولغيره انه فاشل، وتلك المعايير بعضها دنيوية والبعض الاخر منها اخروية.

المعايير الدنيوية هي عادة ما تكون عرفية، وتتعلق بالمال والوجاهة والكاريزما وجمال الهيئة والمظاهر وقدرة الخطابة وكل ما هو سطحي.

اما المعايير الاخروية فهي معايير شرعية الهية، تتعلق بالايمان والتقوى والقيم الاخلاقية.

كان علي بن ابي طالب صلوات الله عليه سيد الناجحين، بيد انه نحي عن خلافة المسلمين ٢٥ سنة!
كان علياً فقيراً، ولو اراد ان يكنز المال كما فعل الثلاثة من قبله لفعل، لكنه كان يخاف… من الله عز وجل، والخوف سمة لا تناسب الناجحين!

كان عليا ذا صيت شائع فهو ابن قريش سادة العرب، لكن ارادة الظلم والجور صيرته مجهولا مغمورا لمدة ٢٥ سنة، ولم تكن له وجاهة طيلة تلك العقود! ومن المعلوم عرفا ان الوجاهة من صفات النجاح!
اذ لم يترك الحق للامام علي عليه السلام من صديق!

الانسان الناجح وفق العرف يكون داهية في السياسة، ونتائج افعاله مكللة بالنجاح والفوز والظفر، بيد ان عليا ما كان ليدخل في صراع الا خرج منه مهزوما وان حقق فيه الانتصار، فما كسبه في حرب الجمل خسره في صفين وما كسبه في النهروان خسره في صلح معاوية وعرصات كربلاء!

الى اليوم يتشدق المتخرصون بوسم علي بن ابي طالب بالفشل السياسي، لان معايير العرف تعد الغدر والفجور والدهاء الشيطاني من صفات الشخصية الناجحة!

(والله ما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدر ويفجر ولولا كراهية الغدر كنت من أدهى الناس ولكن كل غدرة فجرة وكل فجرة كفرة ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة والله ما استغفل بالمكيدة ولا استغمز بالشديدة)

ان المعيار الحقيقي للنجاح ان تعلم ان الدنيا دار ممر، وانها دار امتحان وبلاء، وان الناجي منها من اطاع ربه وخالف هواه، ورضي بما قسمه الله له، واقام فرائضه، وتمسك بعقيدته، وجاهد نفسه بامواله وعياله وبنفسه في سبيل الله عز وجل، ونبذ المال الحرام وادى ما عليه من الحقوق الشرعية، وجانب اهل الدنيا، وحافظ على عزة نفسه ولم يذلها.

يقول الامام الصادق عليه السلام في وصف اصحاب القائم عج ال ٣١٣ (اولئك هم شيعتنا الخفيض عيشهم المنتقلة دارهم الذين اذا حضروا لم يعدوا وان غابوا لم يفتقدوا وان مرضوا لم يعادوا واذا خطبوا لم يزوجوا، اولئك الصامتون الذين لا يجاوز صوتهم آذانهم، لا يهرون هرير الكلاب ولا يطمعون طمع الغراب)
اذن هم ثلة من الشباب المغمورين اجتماعيا، من الشباب الفقراء، الذين لا ترى لهم مجتمعاتهم اي وجاهة ولا هم من اصحاب الاموال او حتى من اصحاب الكاريزما او الخطاب الاجتماعي او السياسي، فهم ليسوا ممن جعلهم الله تعالى اكثر مالا واعز نفرا، وليسوا اصحاب لسان فصيح لكي يعجبك قولهم في الحياة الدنيا!

في نقاش لي مع احد الاشخاص العلمانيين يقول:

ان علي بن ابي طالب لم يكن يفهم في السياسة لذلك غلبه دهاء معاوية وعمر بن العاص فهو مثال للقيادي السياسي الفاشل (حاشاه)

فاطمة الزهراء كانت فاشلة حاشاها، فقد تزوجت في عمر صغير وكسر ظلعها لمطالبتها بحقوق دنيوية ولو انها كانت حكيمة وصبرت لبقيت على قيد الحياة ولنالت مقام زوجة الخليفة في زمان خلافة علي بن ابي طالب!

يقول ان الحسن (عليه السلام) فشل في السياسة!

والحسين هلك في طلب الحكم ولو انه صبر ٣ سنوات لبقي حتى موت يزيد ولنال الخلافة دون اهدار قطرة دم!

تلك هي معايير النجاح لدى الناس!

ان تكون ذو اموال وجاه لتكون ناجحا!
والحقيقة ان هذه الامور هي التي تسد ثغرات فشل الفاشلين ليس الا!

ان تكون اهدافك الدنيوية كلها متحققة ولو على حساب عقيدتك وقيمك ودينك!

ان الله تعالى لم يهبك المظهر الجميل او اللسان الفصيح او العقل المفكر فأنت انسان فاشل وفق معاييرهم!

قال احد الطغاة لأسير من العلويين: يا صاحب اللحية العفنة النتنة!

فأجابه العلوي: ان كانت لحيتي هذه تدخلني الجنة فهي خير من ملكك!

قتل اشقى الاخرين ابن ملجم لعنه الله الامام علي عليه السلام ففرح الخوارج وفرح بني امية وفرح كثير من قريش وبقية قبائل العرب، وعدوا ذلك نصرا عظيما لهم، وفشلا لعلي عليه السلام!

لكان ذلك المطبور رأسه الذي قارب من فقد حياته، كان يردد (فزت ورب الكعبة)
اذن ورب الكعبة هو صادق وهو الفائز واعدائه هم الخاسرون وهم الفاشلون.