بحث علامة السفياني (الجزء الرابع عشر)

السفياني في النجف الأشرف:

على أثر إسقاط جيش السفياني للحكومة العراقية في بغداد، يتصدى رجل من النجف الأشرف تسميه إحدى الروايات (علي) حيث يتخذ ذلك الرجل موقفاً اعلامياً صارماً من الاحتلال السفياني، فيبعث له السفياني فوجاً عسكريا فيقتله.

عن الإمام الباقر عليه السلام قال: (لابد لبني فلن أن يملكوا فإذا ملكوا ثم اختلفوا تفرق ملكهم وتشتت أمرهم حتى يخرج عليهم الخراساني والسفياني هذا من المشرق وهذا من المغرب، يستبقان إلى الكوفة كفرسي رهان: هذا من هنا، وهذا من هنا، حتى يكون هلاك بني فلان على أيديهما، أما إنهما لا يبقون منهم أحداً) (1)

بنو فلان هم الجماعات الارهابية، إذ يختلفون فيما بينهم فيخرج عليهم السفياني من سوريا، والخراساني من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، واليماني من جنوب العراق، لذا لم تذكر الرواية خروج اليماني لان خروجه داخل العراق، والا فالثابت خروج الثلاثة معاً، كما تشير الرواية الى وجود اشبه بما يكون توافق سياسي بين السفياني والخراساني واليماني، وموضوع التوافق هو قتال العدو المشترك (النواصب) بيد أن السفياني يغدر بهم عندما يصل مشارف بغداد، فيفزع اليماني والخراساني الى النجف الأشرف لحمايتها، إلا أن السفياني يسبقهما.

والرواية التالية تتحدث عن خروج الثلاثة معا:
عن الصادق عليه السلام قال: (خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضاً، فيكون البأس من كل وجه، ويل لمن ناواهم) (2)

كما وردت العديد من الروايات التي تتحدث عن أرسال السفياني جيشاً الى الكوفة منها: ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (ويبعث مئة وثلاثين ألفاً إلى الكوفة. وينزلون الروحاء والفاروق، فيسير منها ستون ألفا حتى ينزلوا الكوفة، موضع قبر هود عليه السلام بالنخيلة)
(3)

وفي رواية أخرى عن الإمام الباقر عليه السلام قال: (ويبعث السفياني جيشاً إلى الكوفة وعدتهم سبعون ألفاً، فيصيبون من أهل الكوفة قتلاً وصلباً وسبياً، فبينا هم كذلك إذ أقبلت رايات سود من قبل خراسان تطوي المنازل طياً حثيثاً ومعهم نفر من أصحاب القائم) (4)

تتحدث الروايتان أعلاه عن عدد جيش السفياني المرسل الى النجف الأشرف، حيث يتراوح ما بين ستين الى سبعين الفاً، كما تشير الرواية اعلاه الى حدوث معارك لجيش السفياني في النجف الاشرف، حيث تحدث حالات قتل وإعدام وسبي، وهي أحداث جزئية حيث وردت أدات (من) التبعيضية والتي تشير الى ان من يتعرض الى تلك الأفعال هم فقط من يتصدى للسفياني، كما ان ثمة خارجين على السفياني من أهل النجف، ويكون خروجهم غضباً وثأراً لمقتل (علي) فيقتل جيش السفياني ستون الفاً منهم في ساعة من النهار، ويبدو أنهم من مناطق القادسية والمشخاب كما سنبينه لاحقاً.

وفي الرواية: (يدخل السفياني الكوفة فيسبيها ثلاثة أيام، ويقتل من أهلها ستين ألفاً، ثم يمكث فيها ثمانية عشرة ليلة، وتقبل الرايات السود حتى تنزل على الماء، فيبلغ من بالكوفة من أصحاب السفياني نزولهم فيهربون، ويخرج قوم من السواد الكوفة ليس معهم سلاح إلا قليل منهم، ومنهم نفر من أهل البصرة فيدركون أصحاب السفياني فيستنقذون ما في أيديهم من سبي الكوفة. وتبعث الرايات السود بالبيعة إلى المهدي) (5)

وفي رواية: (وتقبل الرايات السود حتى تنزل على الماء، فيبلغ من بالكوفة من أصحاب السفياني نزولهم فيهربون، ثم ينزل الكوفة حتى يستنقذ من فيها من بني هاشم، ويخرج قوم من سواد الكوفة يقال لهم العصب ليس معهم سلاح إلا قليل وفيهم نفر من أهل البصرة، فيدركون أصحاب السفياني فيستنقذون ما في أيديهم من سبي الكوفة وتبعث الرايات السود بالبيعة إلى المهدي) (6)

تتحدث الروايتان اعلاه عن أحداث جيش السفياني في النجف الأشرف، حيث يستبيح المدينة ثلاثة أيام، ويحدث فيها مجزرة بقتله ستين الفاً، كما تشير الرواية الى أمر في غاية الأهمية الا وهو انسحاب جيش السفياني من النجف الاشرف عند مجيء جيش شعيب بن صالح، مما يعني ذلك أن مدينة النجف هي آخر موضع يصل اليه جيش السفياني ولا يتعداه الى بقية محافظات العراق الجنوبية والتي ستكون بمأمن منه، كما تشير الرواية الى ان مدة بقاء جيش السفياني في مدينة النجف الأشرف ثمانية عشر يوماً فقط،، حيث ينزل جيش شعيب بن صالح الكوفة بمعية جيش اليماني، ويستنقذون من بقي من القيادات الدينية وعوائلهم، ويخرج فصيل مسلح اسمه (العصب) وهو كما يبدو انه فصيل عراقي من منطقة جنوب الكوفة، فيستنقذ سبي الكوفة من جيش السفياني المنسحب.

بشأن مقتل علي في النجف الاشرف على يد جيش السفياني، فقد ورد في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (كأني بالسفياني (أو بصاحب السفياني) قد طرح رحله في رحبتكم بالكوفة، فنادى مناديه: من جاء برأس (من) شيعة علي فله ألف درهم. فيثب الجار على جاره ويقول هذا منهم، فيضرب عنقه ويأخذ ألف درهم. أما إن إمارتكم لا تكون يومئذ إلا لأولاد البغايا. وكأني أنظر إلى صاحب البرقع، قلت: ومن صاحب البرقع؟ فقال: رجل منكم يقول بقولكم يلبس البرقع فيحوشكم فيعرفكم ولا تعرفونه، فيغمز بكم رجلا رجلا. أما إنه لا يكون إلا ابن بغي) (7)

وتعليقاً على هذه الرواية يقول الفاضل:
(في ظاهر هذه الرواية نجد غرابة كبيرة في وجود الجار الذي يثب على الجار في الكوفة أو النجف ويأخذه ويسلمه الى جيش السفياني بدعوى أنه من شيعة الامام علي عليه السلام، إذ ان هذه المناطق مقفلة بشكل تام لشيعة أمير المؤمنين عليه السلام، ولا يمكن تصور وجود تغير ديموغرافي ساحق يؤدي بالأمور الى ان تصل الى هذه الصورة، بينما ظاهر الرواية يشير الى وجود تمايز بين من يدعي التشيع لعلي ومن هو على خلاف ذلك. وأغلب الظن أن “علياً” المشار اليه في هذه الرواية لا يراد منه نفس أمير المؤمنين عليه السلام، وإنما هي تشخص رجلاً إسمه (علي) يتخذ موقفاً من السفياني وجرائمه في بغداد وما قبلها، ويكون مقره في منطقة الكوفة، فيستفز الخبيث بسبب هذا الموقف، مما يجعل إقبال السفياني سريعاً الى الكوفة، لينتقم منه ومن أتباعه..
ولعل علياً هذا هو ما أشارت اليه رواية عمار بن ياسر: ثم يسير الى الكوفة فيقتل أعوان آل محمد صلى الله عليه واله ويقتل رجلا من مسميهم.
والمسمى من القوم المشهور والمتقدم فيهم، وحصر القتل في أعوان آل محمد صلوات الله عليهم ربما يوحي الى أن الرجل المطلوب له سمة المقام الديني لا السياسي، بصورة يتم وصف أتباعه بأنهم أعواناً لآل محمد صلوات الله عليهم.
وربما يساعد على كل ذلك الحديث عن وجود صاحب البرقع الذي يدل على هؤلاء الاعوان، وهذا الملثم الخائن ما كان بحاجة الى اللثام إلا ليتخفى، والغمز برجل رجل، إلا لأن مطلوب السفياني جهة خاصة من شيعة النجف لا عمومهم) (8)

إذن يتضح وجود رجل من رموز الشيعة في النجف الاشرف واسمه علي، يتخذ ذلك الرجل موقفاً من الاحتلال السفياني، فيبعث له السفياني جيشاً فيقتله، ويرصد جوائزاً لمن يجلب له من أنصار علي، كما يقوم ببث جواسيس من الشيعة للعثور عليهم، وعلى أثر قتل جيش السفياني (علياً) تثور عشائر جنوب النجف (المشخاب والقادسية وضواحيهما) على جيش السفياني فيقتل ستين الفاً منهم.

فقد ورد في الرواية عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إذا سمعتم باختلاف الشام فيما بينهم فالهرب من الشام فان القتل بها والفتنة، قلت: إلى أي البلاد؟ فقال: إلى مكة، فإنها خير بلاد يهرب الناس إليها، قلت: فالكوفة؟ قال: الكوفة ماذا يلقون؟ يقتل الرجال إلا شامي (على الاسامي) ولكن الويل لمن كان في أطرافها، ماذا يمر عليهم من أذى بهم، وتسبى بها رجال ونساء وأحسنهم حالا من يعبر الفرات، ومن لا يكون شاهدا بها، قال: فما ترى في سكان سوادها؟ فقال بيده يعني لا. ثم قال: الخروج منها خير من المقام فيها، قلت: كم يكون ذلك؟ قال: ساعة واحدة من نهار. (9)

تتحدث الرواية عن أحداث الشام، وتعرض الكوفة الى خطر الشاميين، أي جيش السفياني، وتخبرنا الرواية عن أمر مهم الا وهو أن على القيادات النجفية المشهورة وعوائلهم أن يعبروا الفرات باتجاه الديوانية ليتخلصوا من جيش السفياني، كما أن مدة الخطر على اهل تلك المناطق (ساعة من نهار) مما يعني أنها حرب خاطفة، كذلك فإنها تحدث في أطراف الكوفة من ناحية الديوانية، مما يعني أن المقصود هم أهل مناطق قادسية النجف والمشخاب وضواحيهما، وهم الذين يقتل السفياني منهم ستون الفاً.

كما ان هنالك جماعات مسلحة تخرج على جيش السفياني، ومنها جماعة (مولى الكوفة) وعلى ما يبدو من دلالات (مولى الكوفة) إنه ابن أحد المراجع من غير العرب، وهو ليس من ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله، حيث ان ذلك الرجل يمتلك من الرمزية ما تجعله ينتفض ضد جيش السفياني وتنضم اليه جماعة من مؤمني الكوفة، فيظفر بهم جيش السفياني بين الحيرة والكوفة فيفتك به وبجماعته.

فقد ورد في الرواية عن الامام الباقر عليه السلام في حديث: (ثم يخرج رجل من موالي أهل الكوفة في ضعفاء فيقتله أمير جيش السفياني بين الحيرة والكوفة) (10)

وكذلك خروج رجل يدعى (ابن الشيخ) ولذلك الرجل قصة طويلة، حيث يقوم جيش السفياني بالفتك بأسرته في النجف الاشرف لغرض استدراجه والفتك به، فيسير ابن الشيخ لدفن جثامين الشهداء من اسرته، فيدعهم جيش السفياني يكملون مراسيم الدفن ثم يقتلون ابن الشيخ ورفاقه.

ففي الرواية:
عن أبي عبد الله عليه السلام في خبر طويل أنه قال: لا يكون ذلك حتى يخرج خارج من آل أبي سفيان يملك تسعة أشهر كحمل المرأة، ولا يكون حتى يخرج من ولد الشيخ، فيسير حتى يقتل ببطن النجف، فوالله كأني أنظر إلى رماحهم وسيوفهم وأمتعتهم إلى حائط من حيطان النجف، يوم الاثنين، ويستشهد يوم الاربعاء. (11)

عند مجيء رايات الخراساني واليماني، ينهزم جيش السفياني، ويتم القضاء على جيشه على مسيرة ليلتين من النجف، أي في منطقة اللطيفية وضواحيها على وجه التقريب.
وهكذا تنتهي في العراق قصة عدو جديد اسمه السفياني، حيث يسحق جيشه تحت أقدام المجاهدين، ويتنجز تمهيد أرض العراق لاستقبال القائد المفدى عجل الله تعالى فرجه الشريف.

المصادر:
(1) (البحار:52/231)
(2) بشارة الإسلام ص 93 عن غيبة النعماني
(3) (البحار:52/273).
(4) (البحار:52/238).
(5) مخطوطة ابن حماد ص84
(6) كتاب الفتن – نعيم بن حماد المروزي – الصفحة ١٨٧
(7) (البحار:52/215).
(8) علامات الظهور للشيخ جلال الدين الصغير: ج2 ص268
(9) بحار الأنوار52: 271
(10) غيبة النعماني.
(11) بحار الأنوار52: 271

أضف تعليق