بحث علامة السفياني (الجزء الحادي عشر)

معركة قرقيسياء

بعد قيام السفياني باسترجاع الكور الخمس في نهاية الأشهر الستة من خروجه، أي في شهر محرم من السنة الزوجية اللاحقة، يشرع السفياني بالتحرك نحو مناطق الشمال الشرقي من سوريا وهي الرقة ودير الزور والحسكة والقامشلي، ويقاتل الاتراك وبني قيس هناك، ويحرر تلك المناطق من الاحتلال التركي، في معركة قرقيسياء.
هذا وسميت تلك المعركة بمعركة قرقيسياء؛ لأنها تحدث في المنطقة السورية التأريخية الواقعة على مصب نهر الخابور في الفرات والمسماة قرقيسياء، واليوم هي تعرف بالبصيرة.

جاء في معنى كلمة قرقيسياء إشارة الى منطقة قرقيسياء السورية: (اسمها القديم اللاتيني كركيسيوم وتعني المعقل أو الحصن الدائري وإبان الفتح الإسلامي أصبح اسمها قرقيسيا، جاء في معجم البلدان لياقوت الحموي 4/328: وقيل سميت بقرقيسيا بن طهمورث الملك. قال حمزة الأصبهاني: قرقيسيا معرب كركيسيا وهو مأخوذ من كركيس وهو اسم لإرسال الخيل المسمى بالعربية الحلبة. وكثيرًا ما يجئ في الشعر مقصورًا) (١)

ورد ذكر معركة قرقيسياء في الروايات الشريفة، ففي الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال لميسر: (يا ميسر كم بينكم وبين قرقيسا؟ قلت: هي قريب على شاطئ الفرات فقال: أما إنه سيكون بها وقعة لم يكن مثلها منذ خلق الله تبارك وتعالى السماوات والأرض ولا يكون مثلها ما دامت السماوات والأرض مأدبة للطير تشبع منها سباع الأرض وطيور السماء، يهلك فيها قيس ولا يدعى لها داعية) (٢)

وعن الإمام جعفر الصادق (ع) قوله: «إن لله مأدبة بقرقيسياء يطلع مطلع من السماء فينادي: يا طير السماء، ويا سباع الأرض، هلموا إلى الشبع من لحوم الجبارين» (٣)

وعن الإمام علي (ع) قال: «يظهر السفياني على الشام ثم يكون بينهم وقعة بقرقيسياء حتى يشبع طير السماء وسباع الأرض من جيفهم» (٤)

ان حديث الروايات أعلاه عن هلاك قيس والجبارين، انما هو حديث عن هلاك ثلاث فئات في معركة قرقيسياء:

الفئة الأولى: بني قيس.
وهم قبائل بني قيس في سوريا، وهم القبائل السنية المعارضة للنظام الحاكم، ويبدو ان ثمة نفير عام يحصل من قبل بني قيس ضد حكم السفياني، فيقتص منهم السفياني.

الفئة الثانية: المرواني.
المرواني هو أحد شخوص الظهور الشريف، وقد ورد ذكره في u]m روايات:
عن الإمام الرضا عليه السلام قال لمن زعم أنه هو المهدي: (قبل هذا الأمر السفياني واليماني والمرواني وشعيب بن صالح، فكيف يقول هذا هذا) (٥)
وعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: قبل القائم خمس علامات: (السفياني واليماني والمرواني وشعيب بن صالح وكفّ تقول كذا وكذا) (٦)

في الروايتين أعلاه، تحدث الإمام الرضا والصادق عليهما السلام، عن شخصيات الظهور الرئيسية وعدّا المرواني أحداها.
والمرواني كما يبدو لنا انه قائد اكراد سوريا، حيث تنشب حرب في قرقيسياء بين اكراد سوريا والجماعات المتطرفة المدعومة من تركيا.
اما دلالة (المرواني) على اكراد سوريا، فإن حديث الروايات عن معركة تحصل في منطقة قرقيسياء المحاذية لمناطق اكراد سوريا، وذلك تزامناً مع نزول الترك جزيرة الرصافة في شمال شرق سوريا، وذلك بعد انفصال اكراد سوريا عن دمشق وبعد الحرب العالمية، وكذلك بدلالة قيام الدولة المروانية تأريخياً في تلك المنطقة (الدولة المروانية: دولة تاريخية انشأها رجل يدعى أبو علي مروان في مطلع القرن الحادي عشر الميلادي، في منطقة شمال شرق سوريا وجنوب الاناضول) (٧) ويعضد ذلك ما ورد في رواية عامية الحديث عن قتال ولد العباس للبربر أصحاب الرايات الصفر في معركة قرقيسياء، والبربر (اسم كان يطلق على شعبٌ الامازيغ وله لغته الخاصَّة، أكثره قبائل تسكُن الجبال في شماليّ إفريقية، أسلمتْ وشاركتْ في فتح الأندلس بقيادة أحد أبنائها طارق بن زياد، واختلطتْ بالعرب ومنها الأغالبة والمرابطون والموحِّدون) (٨) ويبدو ان المراد هنا هم اكراد سوريا لتشابه احوالهم مع أحوال البربر في المغرب العربي، من حيث سكناهم في الجبال ولغتهم الخاصة بهم والغير مفهومة من قبل العرب.

الفئة الثالثة: ولد العباس.
وهم الجماعات المتطرفة المدعومة من تركيا وغيرها، وهم المشار إليهم بالجبارين.

اما وصف معركة قرقيسياء بأنها (وقعة لم يكن مثلها منذ خلق الله تبارك وتعالى السماوات والأرض ولا يكون مثلها ما دامت السماوات والأرض مأدبة للطير تشبع منها سباع الأرض وطيور السماء، يهلك فيها قيس ولا يدعى لها داعية)
فذلك لوصف شدة المعركة وقتل اعداد كبيرة من النواصب فيها، وان الاقتتال يكون بين أعداء الله أنفسهم، وبمعية المكان الجغرافي، وليس معنى ذلك انه لا تكون هنالك معركة اشد من معركة قرقيسياء، فالحربين العالميتين الأولى والثانية أدهى وامر، بل ان الحرب العالمية الثالثة التي تسبق قرقيسياء هي الأشد والاكبر منذ الازل والى الابد.

كما ورد في الرواية عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام): يا جابر، الزم الأرض ولا تحرك يدا ولا رجلا حتى ترى علامات أذكرها لك إن أدركتها: أولها اختلاف بني العباس، وما أراك تدرك ذلك، ولكن حدث به من بعدي عني، ومناد ينادي من السماء، ويجيئكم صوت من ناحية دمشق بالفتح، وتخسف قرية من قرى الشام تسمى الجابية، وتسقط طائفة من مسجد دمشق الأيمن، ومارقة تمرق من ناحية الترك، ويعقبها هرج الروم، وسيقبل إخوان الترك حتى ينزلوا الجزيرة، وسيقبل مارقة الروم حتى ينزلوا الرملة، فتلك السنة – يا جابر – فيها اختلاف كثير في كل أرض من ناحية المغرب، فأول أرض تخرب أرض الشام ثم يختلفون عند ذلك على ثلاث رايات: راية الأصهب، وراية الأبقع، وراية السفياني، فيلتقي السفياني بالأبقع فيقتتلون فيقتله السفياني ومن تبعه، ثم يقتل الأصهب، ثم لا يكون له همة إلا الإقبال نحو العراق، ويمر جيشه بقرقيسياء، فيقتتلون بها فيقتل بها من الجبارين مائة ألف، ويبعث السفياني جيشا إلى الكوفة وعدتهم سبعون ألفا، فيصيبون من أهل الكوفة قتلا وصلبا وسبيا، فبينا هم كذلك إذ أقبلت رايات من قبل خراسان وتطوي المنازل طيا حثيثا ومعهم نفر من أصحاب القائم، ثم يخرج رجل من موالي أهل الكوفة في ضعفاء فيقتله أمير جيش السفياني بين الحيرة والكوفة، ويبعث السفياني بعثا إلى المدينة فينفر المهدي منها إلى مكة، فيبلغ أمير جيش السفياني أن المهدي قد خرج إلى مكة، فيبعث جيشا على أثره فلا يدركه حتى يدخل مكة خائفا يترقب على سنة موسى بن عمران (عليه السلام) (٩)

بعد استيلاء السفياني على الكور الخمس ينطلق نحو العراق فيمر بقرقيسياء، وتكون هنالك معركة ضارية بين اكراد سوريا وبين ولد العباس في قرقيسياء، فيدخل جيش السفياني تلك المعركة ويكون ضد ولد العباس، ومن خلفهم من الاتراك، وحواضنهم من بني قيس، فتهلك الجماعات الإرهابية وبني قيس ويتم طرد الاتراك.
لذلك يرى بعض الفضلاء ان هنالك معركتين في قرقيسياء، الأولى بين المرواني وولد العباس، والثانية بين السفياني وبني قيس وحلفائهم الأتراك.

جاء ذكر معركة قرقيسياء الأولى في الرواية عن عبد الله بن أبي يعفور قال: قال لي أبو جعفر الباقر (عليه السلام) إن لولد العباس والمرواني لوقعة بقرقيسا يشيب فيها الغلام الحزور، يرفع الله عنهم النصر، ويوحي إلى طير السماء وسباع الأرض اشبعي من لحوم الجبارين، ثم يخرج السفياني) (١٠)

وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وكان يخطب في الكوفة ويصف السفياني، فقام رجل فقال: ما اسمه يا أمير المؤمنين؟ فقال: هو حرب بن عنبسة بن مرة بن كلب بن سلمة بن يزيد بن عثمان بن خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، ملعون في السماء، ملعون في الارض، أشر خلق الله عزوجل أبا، وألعن خلق الله جدا، وأكثر خلق الله ظلما. قال: ثم يخرج إلى الغوطة، فما يبرح حتى يجتمع الناس إليه، وتتلاحق به أهل الضغائن، فيكون في خمسين ألفا، ثم يبعث إلى كلب فيأتيه منهم مثل السيل، ويكون في ذلك الوقت رجال البربر يقاتلون رجال الملك من ولد العباس، فيفاجئهم السفياني في عصائب أهل الشام، فتختلف الثلاث رايات رجال ولد العباس هم الترك والعجم، وراياتهم سوداء، وراية البربر صفراء وراية السفياني حمراء، فيقتتلون ببطن الاردن قتالا شديدا، فيقتل فيما بينهم ستون ألفا، فيغلب السفياني، وإنه ليعدل فيهم حتى يقول القائل: والله ما كان يقال فيه إلا كذب، والله إنهم لكاذبون، لو يعلمون ما تلقى أمة محمد صلى الله عليه وسلم منه ما قالوا ذلك. فلا يزال يعدل حتى يسير ويعبر الفرات، وينزع الله من قلبه الرحمة، ثم يسير إلى الموضع المعروف بقرقيسيا، فيكون له بها وقعة عظيمة، ولا يبقى بلد إلا بلغه خبره، فيداخلهم من ذلك الجزع. (١١)

ان هذه الرواية تشير إشارات واضحة الى كون ولد العباس هم الجماعات المتطرفة المدعومة من قبل الترك، وان رجال البربر هم (أصحاب الرايات الصفر) والرايات الصفر في منطقة شمال شرق سوريا هم الاكراد، اذ ان الروايات المعتبرة حدثتنا عن نزول الترك الجزيرة بعد انفصال اكراد سوريا، وما نزولهم الجزيرة الا لقتال الاكراد.
بالإضافة الى ذلك فان عدد قتلى السفياني من الجبارين يقدر بعشرات الالاف، ويبدو لنا ان في الرواية تقديم وتأخير بلاغي، اذ ان العدل الموصوف به السفياني انما هو قبل مشاركته في معركة قرقيسياء، فإذا عبر الفرات نزع الله من قلبه الايمان، وهذه صفة الاجرام الذي يقوم به بحق مناوئيه في قرقيسياء.

ان ما يحدو بنا للحديث عن وقوع معركتين في قرقيسياء هو وجود تباين في الأحداث والأزمنة للمعركتين؛ فمعركة قرقيساء الثانية تقع بين السفياني والترك وبني قيس، بينما تقع معركة قرقيسيا الأولى بين ولد العباس والمرواني، كذلك فإن معركة قرقيسياء الثانية ينتصر فيها السفياني، بينما معركة قرقيسياء الاولى يرفع الله النصر عن الطرفين، كما ورد في الرواية الانفة الذكر.

كما ورد في الرواية عن عمار بن ياسر أنه قال: إن دولة أهل بيت نبيكم في آخر الزمان، ولها إمارات، فإذا رأيتم فالزموا الأرض وكفوا حتى تجئ إماراتها.
فإذا استثارت عليكم الروم والترك، وجهزت الجيوش، ومات خليفتكم الذي يجمع الأموال، واستخلف بعده رجل صحيح، فيخلع بعد سنين من بيعته، ويأتي هلاك ملكهم من حيث بدأ ويتخالف الترك والروم، وتكثر الحروب في الأرض، وينادي مناد من سور دمشق: ويل لأهل الأرض من شر قد اقترب، ويخسف بغربي مسجدها حتى يخر حائطها، ويظهر ثلاثة نفر بالشام كلهم يطلب الملك، رجل أبقع، ورجل أصهب، ورجل من أهل بيت أبي سفيان يخرج في كلب، ويحضر الناس بدمشق، ويخرج أهل الغرب إلى مصر، فإذا دخلوا فتلك إمارة السفياني، ويخرج قبل ذلك من يدعو لآل محمد عليهم السلام، وتنزل الترك الحيرة (الجزيرة) وتنزل الروم فلسطين، ويسبق عبد الله (عبد الله) حتى يلتقي جنودهما بقرقيسياء على النهر، ويكون قتال عظيم، ويسير صاحب المغرب فيقتل الرجال ويسبي النساء، ثم يرجع في قيس حتى ينزل الجزيرة السفياني.. (١٢)
تذكر لنا هذه الرواية أسماء قائدي الاكراد وولد العباس، وكل منهما اسمه (عبد الله)

وفي الرواية عن أرطاة قال (إذا اجتمع الترك والروم وخسف بقرية بدمشق وسقط طائفة من غربي مسجدها، رفع بالشام ثلاث رايات الأبقع والأصهب والسفياني، ويحصر بدمشق رجل فيقتل ومن معه، ويخرج رجلان من بني أبي سفيان فيكون الظفر للثاني، فإذا أقبلت مادة الأبقع من مصر ظهر السفياني بجيشه عليهم فيقتل الترك والروم بقرقيسيا حتى تشبع سباع الأرض من لحومهم) (١٣)

وفي حديث آخر «فعند ذلك تجتمع الترك والروم يقاتلون جميعا وترفع ثلاث رايات بالشام ثم يقاتلهم السفياني حتى يبلغ بهم قرقيسيا» (١٤)

ان هاتين الروايتين عاميتان وهما تتحدثان عن مشاركة الروم في معركة قرقيسياء، بيد ان ذلك لم يرد في الروايات المعتبرة، بل ان حديث الروايات المعتبرة عن أحوال الروم ما بعد الحرب العالمية، لا يدل على وجود عسكري لهم في سوريا بل المنطقة برمتها، ما خلا نزول مارقة الروم الرملة، أي رملة فلسطين.
اما حديث الروايات عن مأدبة للطير تشبع منها سباع الأرض وطيور السماء، فلعل المراد بسباع الأرض (الدبابات وسائر الأسلحة الأرضية) وطيور السماء (الطائرات والصواريخ) او ان المراد حيوانات الأرض المفترسة والطيور الجارحة، وعلى وجه العموم فإن المقصود بها هو كثرة القتلى من أعداء الشيعة، حتى تمتليء ارض المعركة بالجثث وتبقى ملقاة على الأرض فترة من الزمن.

خاتمة:
من خلال التدقيق نجد ان معركة قرقيسياء الأولى تقع بعد خروج السفياني، وتمتد الى وقت تملكه الكور الخمس وتوجهه نحو قرقيسياء، وهناك تندلع معركة قرقيسياء الثانية بين جيش السفياني والأتراك وبني قيس، ووفق المستلزمات الموضوعية، قد تستمر معركة قرقيسياء الثانية الى قرابة شهرين، ينتصر فيها جيش السفياني ويلحق باعدائه ايما هزيمة، ويسحق فيها بني قيس حتى لا تقوم لهم قائمة بعد ذلك، ثم يرسل السفياني جيشاً الى العراق.


المصادر:
1- ويكبيديا الموسوعة الحرة (قرقيسياء)
2- الكافي – الشيخ الكليني – ج ٨ – الصفحة ٢٩٥
3- كتاب الغيبة – محمد بن إبراهيم النعماني – ج ١ – الصفحة ٢٨٥
4- كتاب الفتن – نعيم بن حماد المروزي – الصفحة ١٨٣
5- (البحار:52/233 )
6- دلائل الإمامة: 257.
7- ويكبيديا الموسوعة الحرة (المروانيون)
8- ويكبيديا الموسوعة الحرة (بربر)
9- كتاب الغيبة – محمد بن إبراهيم النعماني – ج ١ – الصفحة ٢٨٧
10- كتاب الغيبة – محمد بن إبراهيم النعماني – ج ١ – الصفحة ٣١٣
11- عقد الدرر ج1 ص158
12- الغيبة – الشيخ الطوسي – ج ١ – الصفحة ٤6٣
13- كتاب الفتن- نعيم بن حماد المروزي- ص 170
14- كتاب الفتن- نعيم بن حماد المروزي- ص 128

أضف تعليق