المحاضرة الأولى
مقدمة:
تحدثت المراجع الإسلامية، القرآن الكريم، والسنة النبوية، ونهج البلاغة العلوية، والائمة المعصومين وصحابتهم الكرام، عن الفتن بتفاصيل كثيرة ومتشعبة، فيما لو تم جمعها فإنها سوف تشكل علما كاملا في الفتن حيث تبين اصنافها وانواعها واعراضها وسبل الوقاية منها.
ولا محيص للإنسان المؤمن من دراسة علوم الفتن، ولا مناص له من ذلك بغية ضمان تحصيل حسن العاقبة ودرء الفتن عن نفسه واسرته ومجتمعه.
الفتنة في القرآن الكريم والسنة والعقل.
تحدثت العديد من الآيات القرآنية عن الفتن، حتى بلغت اربع وثلاثون آية كريمة، وحيث أن وظيفة القرآن الكريم في هذا المجال هي التأصيل للعلوم، فإن هذا العدد من الآيات الشريفة يؤكد على أهمية دراسة علوم الفتن، والعمل على مقاومة الفتن وممانعتها وتخليص النفس والمجتمع المؤمن منها، وذلك وفق أنظمة وتوجيهات معينة ذكرتها الايات القرآنية وفصلت فيها الاحاديث النبوية والروايات المعصومية، وتُرك للعقل مجاله الخاص به لإدراك معقولاتها، من خلال استقصاء تفاعلاتها في ارض الواقع، واستنتاج آثارها واسقاطاتها على الأفراد والمجتمعات المبتلية والمتأثرة والمنفعلة بها.
قد أشار القرآن الكريم الى ان ثمة فتن عامة تصيب جميع الناس، لأجل تمييز الخبيث من الطيب، إما لأجل تخصيص الاستحقاق حسب مبدأ الثواب والعقاب وذلك في كل العصور، أو لأجل إقامة دولة العدل الإلهي على أسس رصينة كما في فتن واحداث آخر الزمان.
قال تعالى: (َأحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) العنكبوت / 2
إذن فالفتن وبلائاتها واقعة على جميع الناس لا محالة، وذلك وفق فطرة الخليقة وأصل التكوين، وفي مسارات الايمان والهدى، وعبادة الله عز وجل، وأسباب تلك الفتن هي عوامل وسوسة الشيطان وتسويل النفس البشرية وتخاذل الناس عن نصرة الحق وأهله، فكل تلك العوامل مجتمعة كانت وماتزال وستبقى فاعلة في مجال إيقاع الفتن في الانفس وبين الافراد والمجتمعات والشعوب والدول والقارات.
ان الفتن حتمية الوقوع، قطعية الحدوث، لابد منها، لغرض تمييز وفصل الرديء عن الجيد.
فقد ورد في الرواية عن أبي بصير قال سمعت أبا جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) يقول: “والله لتميزنَّ، والله لتمحصنَّ، والله لتغربلنَّ كما يغربل الزؤان (1) من القمح”(2)
(1) الزؤان: وهو ما ينبت من القمح مما يشبه حبه حب القمح.
(2) الغيبة للنعماني: 212/اب 12/ح7.
كان اول من تصدى لكشف الفتن بعد رحيل النبي محمد صلى الله عليه وآله، هو الإمام علي (عليه السلام) فقد ورد في خطبة له بالنهروان (أيها الناس، أما بعد أنا فقأت عين الفتنة ولم يكن أحد ليجترئ عليها غيري…)
نهج البلاغة، الخطبة: 93
لقد تحدث الامام علي عليه السلام عن الفتن بتفصيل واطناب في خطبه المجموعة في كتاب نهج البلاغة، حيث عد هذا الكتاب بما حواه من بلاغة الامام المعصوم أمير الكلام عليه السلام، بأنه فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق، إذ تصدت خطبه الشريفة لبيان علوم الفتن، كعادة أمير المؤمنين صلوات الله عليه وفق تكليفه في هداية الامة وتسيير دفة سفينتها على الصراط المستقيم، فلا نكاد نرى مجالا من مجالات الحياة والدين الا ونعثر فيه على لمسة وأثر له صلوات الله عليه، فنراه دوماً ما يعبد للناس طرق الهداية والصلاح وينير لهم جادة النجاة والفلاح ويقشع بحكمه وتوجيهاته ظلمات الضلالة والزيغ والطلاح، وذلك ما سنبينه في تفاصيل كتابنا هذا ومن الله تعالى العون والسداد.
ومن أصحاب النبي والامام علي صلوات الله عليهما ممن عُرف باهتمامه ونقله لاحاديث وروايات الفتن هو الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رضوان الله تعالى عليه، وفيما روي عن حذيفة انه قال: (هذه الفتن قد أظلت كجباه البقر يهلك فيها أكثر الناس إلا من كان يعرفها قبل ذلك)
الفتن لنعيم بن حماد حديث٥
يصف لنا الصحابي الجليل الفتن انها حينما تقبل تكون كجباه البقر متشابهة لا يمكن تمييزها، وان أكثر الناس يهلك فيها، والعلة في ذلك هو عدم اتخاذ الاجراءات الوقائية من الفتن قبل حصولها، كما يشير الصحابي الجليل الى معرفة مرتبطة بالفتن تنجي الانسان المؤمن من الوقوع فيها فيما لو كان ملماً بتلك المعرفة.
وروي عن حذيفة بن اليماني (رض) قوله: (ما من صاحب فتنة يبلغون ثلاث مئة إنسان إلا لو شئت أن أسميه باسمه واسم أبيه ومسكنه إلى يوم القيامة، كل ذلك مما علمنيه رسول الله صلى الله عليه وآله)
وان كان هذا النص قد ورد بتمامه عن امير المؤمنين صلوات الله عليه وهو يصف نفسه، غير انه لا يستبعد ان يكون لحذيفة بن اليمان ذلك الفضل، فهو صاحب وتلميذ النبي والوصي صلوات الله عليهما.
وبغض النظر عن أصل الحديث فإنه ثابت الدلالة على المطلب.
ومن حديث حذيفة بن اليمان في ذلك الصدد قوله: (لو حدثتكم بكل ما أعلم ما رقبتم بي الليل!)
(مخطوطة ابن حماد ص1- 2)
كناية عن ان معرفته بالفتن وعلومها جمة، وانه مما يعرفه ما يخالف امزجة واستحسانات وقياسات وتوجهات ومعتقدات وقيم واعراف القوم، مما قد تجعل معرفتهم بما لدى حذيفة من علوم الفتن واخبارها، مما لا يحتملونه وما لا يمكن تصديقه، حتى انهم لا يمهلونه الى الليل حتى يلقى حتفه على أيديهم!
وذلك ان دل على شيء فإنه يدل على أن الأمة بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله قد دخلت في فتن لا يحصيها الا الله تعالى والراسخون في العلم.
كما وارتبطت أحاديث الفتن بأحاديث علامات ظهور الامام المهدي عج، لاعتقاد المسلمين انه لا منجاة للامة من الفتن الا على يد المهدي عليه السلام.
وكان من اهتمام الرواة وأصحاب الموسوعات الحديثية بأحاديث الفتن، انهم ألفوا فيها كتبا وموسوعات وعقدوا لها أبواباً وفصولاً بعنوان (الفتن أو الملاحم والفتن) جمعوا فيها الأحاديث المتعلقة بالفتن وعلومها وسرد الأحداث والملاحم المستقبلية التي أخبر النبي صلى الله عليه وآله بوقوعها، بيد انهم لم يجمعوها بصورة متناسقة على هيئة علم كبقية العلوم، وذلك ما سيقع على عاتقنا في هذا الكتاب.
ولم يقتصر الامر على ذلك بل جازه الى اهتمام القرآن الكريم والشارع المقدس بأخبار الفتن في التأريخ، والتي يستفاد منها كتجارب وعبر وقصص وامثال تهبنا صور جمة عن الفتن وطرق الوقاية منها وعلاجها وسبل استئصالها.
هذا وقد ذكر الموروث الروائي لنا خمس فتن استراتيجية تحصل على مدى استمرارية الحضارة الإسلامية منذ البعثة وحتى ظهور الامام المهدي عج، وعدد من الفتن التي تخص عصر الظهور الشريف، وسوف نتطرق لتلك الفتن بتفصيل فيما سيلي من الكتاب.
من ذلك كله علينا ان نعلم ان للفتن علم خاص كما لبقية القضايا، سواء التي تكون إيجابية او سلبية تجاه مجتمع المنتظرين، ومن حيث ان قيادات الهية كمثل الرسول وآل بيته المعصومين صلوات الله عليهم، بإعتبارهم قادة الشريعة؛ لابد ان يكونوا قد وضعوا علما للفتن وبينوا قواعد النجاة منها، بل لاريب ان بعض آيات القرآن الكريم الذي هو الدستور التشريعي، تتضمن ذلك العلم وكما أشرنا آنفاً.
بالفعل ثمة قواعد عقلية ونقلية لو اتبعها الانسان المؤمن المنتظر لاجتاز الفتن بسرعة البرق غير آبه لها اقبلت او ادبرت، وتلك القواعد سوف نستشفها من القرآن الكريم والروايات الشريفة ونضرب لها امثالا من خلال الاستقصاء المنطقي لواقع الاحداث.
عندما يكون للفتن علم مستقل، فإنه لابد للمؤمنين من دراسة ذلك العلم، والسير على نهجه في مواجهة الفتن والتعامل معها، لذلك عمدنا وفق امكاناتنا العلمية المحدودة الى جمع أطراف ذلك العلم ولم شتاته وشعب صدعه، لعلنا نوفق الى تقديم شيء مفيد للمؤمنين المنتظرين لإمام زمانهم، ونرجو في ذلك رضا وقبول وتأييد صاحب الامر عج، ومسامحته لنا لتصدينا لما هو فوق طاقتنا، ومن الله تعالى التوفيق والسداد.
تعد الفتنة حالة مرضية تصيب الفرد او الاسرة او المجتمع، فالفرد المعتاد على ارتكاب ذنب معين او معصية معينة او ارتكاب عدة ذنوب ومعاصي كالزنا او السرقة او القتل او شرب الخمر وما الى ذلك من ذنوب ومعاصي، او تنتابه احد المشاكل النفسية، كالحسد او الغرور او النرجسية اوالعجب بالنفس، فإنه انسان مصاب بمرض ذلك الذنب او المعصية، او يكون مبتلى ببلاء ما، فإن كل ذلك مما يفتتن به الفرد، وهكذا تبتلى الأسر والمجتمعات بأمراض مجتمعية متعددة، وتلك الحالات المرضية المشخصة شأنها كشأن بقية الامراض البشرية تخضع لقاعدة: (لم يضع الله تعالى داء الا ووضع له دواء)
وتلك الادواء التي تعالج الامراض العضوية قد تكون من صنع الانسان، الا ان دواء الفتنة هو من صنع الله عز وجل والنبي والعترة الطاهرة، فما من حالة مرضية يشخصها القرآن والعترة سواء في الافراد او الاسر او المجتمعات، الا ووضع لها وقاية وعلاج، لذلك فكما ان للفتن أسباب ومسببات فإن لها قواعد وأساليب وقاية وعلاج.
ويبقى ان نشير الى التقسيم الثلاثي للناس والذي صنفهم الامام علي عليه السلام وفقه وهو:
عن أمير المؤمنين عليه السلام: (الناس ثلاثة: فعالم ربـّاني، ومتعلـّم على سبيل نجاة، وهمج رعاع: أتباع كلّ ناعق، يميلون مع كلّ ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق)
الناس ثلاثة أصناف:
عالم رباني.
ومتعلم على سبيل نجاة.
وهمج رعاع.
فإما العالم الرباني فالمراد به الائمة المعصومين صلوات الله عليهم.
واما المتعلم على سبيل نجاة فالمراد به سائر المؤمنين بما فيهم الفقهاء والفضلاء وعوام المؤمنين، فهم مجتمع الهدى المتمثل بالمرجعية والمقلدين.
واما الهمج الرعاع فهم عوام جهلة الناس، فالجهل في قبالة العلم والتعلم على سبيل النجاة.
والجهل قسمان: جهل بسيط، وجهل مركب.
ان أصحاب الجهل البسيط هم فئات من عوام الناس الذين جل همهم هو الدنيا وزخرفها وزبرجها.
اما أصحاب الجهل المركب ففيهم من هؤلاء وفيهم اهل العلم الذين لم ينتفعوا بعلمهم وأسقطوا أنفسهم بفتنة السلطة او الجاه والأموال او العجب والغرور أو الحسد وما الى ذلك من الامراض الانفسية، وذلك ما يدعوهم الى الميل مع كل ريح للفتنة.
فالهمج هم الحمقى.
والرعاع هو الإنسان الذي لا وزن له.
بعض الجهلة قد يكونوا من ذوي العلم، بيد انهم لم يستضيئوا بنور العلم، فالعلم بلا نور الهدى لا قيمة له، بل قد يستحيل وبالا على صاحبه.
ولم يلجأوا الى ركن وثيق، والركن الوثيق هو الايمان الراسخ والعقيدة الحقة والعلم المنير النافع.
ان الصنف الأخير من الناس هم دعاة الفتن وناعقي الضلال من الدجالين والادعياء والمنحرفين عن العقيدة الحقة وبطائنهم وحواشيهم وامعاتهم واتباعهم واذنابهم وجهلتهم وحمقاهم ورعاعهم.
وبذلك تعرف الفتنة من خلال المظهر العام لمرتاديها ومتقحميها، سيما في باديء وقوع الفتن، والا فإن الفتنة بعد ذلك تأخذ بالنحت في جسد المتعلمين على سبيل النجاة، حتى تصل الى قمة هرم مجتمع الهدى فتسقط من يشق الشعرة بشعرتين، فتجده ينفعل بالفتنة ويخوض مع الخائضين فيها، بل قد يصبح من دعاتها ومسانديها عن وعي او غفلة.
اللهم انا نعوذ بك من شرور الفتن ما ظهر منها وما بطن، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.