المحاضرة الثانية
تعريف الفتنة.
الفتنة لغويا:
بمعنى الابتلاء والاختبار والامتحان وهي مأخوذة بالأصل من تفتين الذهب وذلك بصهره بالنار لتخليصه من الشوائب.
فالفتن تعرّض الانسان المؤمن الى الابتلاء والتمحيص لتنقيته من الشوائب العقدية والأخلاقية وغيرها كالذهب حينما يصهر في النار لينقى من الشوائب، والفتنة لغير المؤمن من المنافقين وسواهم فرزه عن المؤمنين وتنحيته جانبا كالشوائب.
الفتنة في الاصطلاح:
الفتنة في الاصطلاح هي ابتلاء يحل على الفرد او المجتمع في أمور دينهم أو دنياهم.
فالفتنة هنا عبارة عن بلاء يقع على الفرد، أو اختلاف يحصل بين طرفين أو أكثر يؤدي الى نزاعات فيما بينهم، ويكون الطرف المتعرض للفتنة هو الانسان المؤمن، فقد يكون ذلك البلاء أو الاختلاف سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا أو أمنيا أو ثقافيا او صحيا..الخ، والفتنة من الأمور التي تصيب الفرد او المجتمع المؤمن كغيره من الافراد والمجتمعات، بيد ان ما يعنينا في مقام البحث هو الفتنة التي تصيب الفرد او المجتمع المؤمن، والتي تكون خيرا على الدوام لان فيها تخليص ذلك الفرد او المجتمع من الادران والسوس الذي لحق به، والفتن هي دروس عملية لتحصيل الحكمة وتقوية العقيدة وتمتين أواصر الايمان.
قال ابن الأثير: الفتنة: الامتحان والاختبار … وقد كثر استعمالها فيما أخرجه الاختبار من المكروه، ثم كثر حتى استعمل بمعنى الإثم والكفر والقتال والإحراق والإزالة والصرف عن الشيء.
(النهاية 3 / 410) وبنحو من هذا قال ابن حجر في الفتح (13 /3)
وقد لخص ابن الأعرابي معاني الفتنة بقوله: ” الفتنة الاختبار، والفتنة: المحنة، والفتنة: المال، والفتنة: الأولاد، والفتنة الكفر، والفتنة اختلاف الناس بالآراء والفتنة الإحراق بالنار”
(لسان العرب لابن منظور)
أطراف وجهات الفتنة:
نعني هنا بأطراف الفتنة الطرفين المختلفين فيما بينهما، كأن يكونا فردين او اسرتين او قبيلتين او تحالفين لعدة قبائل أو فئتين مجتمعيتين أو فرقتين او طائفتين أو قوميتين او حزبين سياسيين او تحالفي أحزاب سياسية أو فصيلين مسلحين أو بين دولتين او حلفين اقليميين او حلفين دوليين..الخ والطرف الثالث هو الانسان المؤمن المنفعل بالفتنة، وقد يكون للفتنة طرف واحد والطرف الثاني هو الانسان المؤمن المنفعل بالفتنة.
اما جهات الفتنة، فهي الفئات التي تمثل الطرفين المختلفين.
حالات الفتنة:
ان طرفا الفتنة لهما ثلاث حالات:
الحالة الأولى: ان يكونا كلاهما ضالين.
ويمثل الانسان المؤمن طرف الحق المحايد الذي لا يزج نفسه في الفتنة، بل يستثمرها لصالح المجتمع المؤمن.
وكمثال على ذلك اقتتال أعداء الحق فيما بينهم.
كما في اقتتال الفرس والروم في عصر صدر الرسالة المحمدية، واقتتال بنو أمية وبنو العباس، واقتتال الإنكليز والعثمانيين، واقتتال صدام والامريكان عام 2003 والشواهد التأريخية كثيرة.
الحالة الثانية: ان يكون كلاهما صالحين.
والانسان المؤمن قد يكون جهة اشتباه، فعليه حينئذ ان يكون محايداً مصلحاً.
ومثال ذلك ما ورد في القرآن الكريم:
(وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا)
والإصلاح هنا ورد مطلقاً بلا أي تقييد دلالة على ايمان الطائفتين إذا لم تبغ احداهما على الأخرى، فيتم الإصلاح فيما بينهما لاشتراكهما في العقيدة الحقة.
الحالة الثالثة: ان يكون أحدهما على الحق والثاني على الباطل.
والانسان المؤمن يمثل جهة الحق، وعليه حينئذ ان ينحاز كلياً الى جهة الحق.
ومثال ذلك ما ورد في القرآن الكريم:
(ۖفَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)
ومثال ذلك اقتتال اخوتنا في الجمهورية الإسلامية مع الطاغية صدام وزبانيته وجيشه، آبان الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينات القرن المنصرم.
والإصلاح هنا أتى مقيدا بالعدل والقسط وهو يعني عدم اشتراك الطائفتين بالعقيدة الحقة، فإحداهما على الهدى والثانية باغية، ومثال ذلك اقتتال طائفة أمير المؤمنين عليه السلام مع طائفة معاوية في معركة صفين وكانت الفئة الباغية هي فئة معاوية.
لعلنا اخذنا مثالا الفتنة الأمنية والسياسية وفصلنا فيها في الحالات الثلاث أعلاه، وكذلك تنطبق تلك الحالات على الأنواع الأخرى من الفتن سواء الفتن الاجتماعية وبقية أنواع الفتن.
وكما أشرنا آنفا فقد تتعدد جهات الفتنة لكنها عادة ما تجتمع في طرفين، فقد تكون جهات الفتن ثلاثة او أكثر، كما في الفتنة السياسية في العراق بين المكونات الثلاث الرئيسية؛ الشيعة والسنة والاكراد، او الفتنة الإقليمية كما في الصراع بين السعودية وإيران وتركيا والامارات وقطر وإسرائيل والعراق وسوريا ولبنان واليمن، فلكل من هذه الدول مصالحها، او الفتنة الدولية كالصراع بين أمريكا وروسيا والصين وإيران واوربا وبريطانيا.