منهاج الحكمة في درء الفتنة

المحاضرة السادسة

الفتن الفردية:

هي الفتن التي تصيب الفرد المؤمن وقد تنعكس فتنته بطبيعة الحال على اسرته ومجتمعه، نتيجة تفاعل الفرد المفتتن مع محيطه وبيئته، بل ان الفتن الفردية قد تتحول الى فتن جماعية عندما تصيب عدة افراد، وقد تتسع لتصيب الدولة، كفتنة عداء الافراد فيما بينهم وفتنة الزوجة والأولاد والاموال.

ما يهمنا في هذا المجال هو الفرد المؤمن المنتظر.

قال تعالى: (واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم) الأنفال: ٢٨.

وقال جل وعلا: (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم) التغابن: 14

وقال عز وجل: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم) التغابن: ١٥

وفي الفتن الفردية وردت عدة أحاديث وروايات شريفة نذكر منها:

عن الإمام علي (عليه السلام): الفتن ثلاث: حب النساء وهو سيف الشيطان، وشرب الخمر وهو فخ الشيطان، وحب الدينار والدرهم وهو سهم الشيطان، فمن أحب النساء لم ينتفع بعيشه، ومن أحب الأشربة حرمت عليه الجنة، ومن أحب الدينار والدرهم فهو عبد الدنيا.

البحار: 73 / 140 / 12

شاب يسعى وراء فتاة اعجبته في الجامعة او مكان العمل او المنطقة او على وسائل التواصل الاجتماعي، وآخر يسعى خلف أكثر من فتاة، جل وقته يقضيه في التفكير وملاحقة الفتيات! ذلك الشاب سوف يقتل بسيف الشيطان!

ورجل آخر يحب المال حبا جما، ويسعى لجمعه بشتى الطرق المشروعة وغير المشروعة، حتى انه يعمد الى أكل أموال الناس، ويأكل حق أخوته في الميراث! ذلك الرجل يصاب بمقتل بسهام الشيطان!

وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن في مال الرجل فتنة، وفي زوجته فتنة وولده. كنز العمال: 44490.

وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): ثلاث فاتنات: الشعر الحسن، والوجه الحسن، والصوت الحسن. كنز العمال: 44129.

نجد الشباب يعتنون كثيرا بتسريحات الشعر واستخدام مواد تثبيت الشعر، واستخدام مساحيق التجميل والشمع ونحوه وارتياد القاعات الرياضية وكلها لأجل ان يظهر بمظهر جميل، والغاية لدى البعض منهم هي اغراء الفتيات أو التباهي والتفاخر امام اقرانه من الشباب، وكذلك بعض الشباب نبرة صوتهم ساحرة، غالبا ما يستخدمونها في اصطياد الفتيات!

وحتى لو كانت نوايا اؤلئك الشباب سليمة، تبقى هذه الأمور مفتنة لغيرهم، فعليهم الحذر من ذلك، ولا اقل بعدم نشر صورهم في مواقع التواصل الاجتماعي، وغض البصر عن المحرمات، وتجنب مواضع الشبهات، وتجنب مواضع الفتنة كتجمعات النساء في مناسبات الافراح والعزاء والتجمعات العامة وما شاكل ذلك.

هذه الأمور الثلاثة مفتنة للرجال، تماما كالزينة التي تضعها المرأة، وكمساحيق التجميل والعطور التي تستخدمها!

وعن أمير المؤمنين عليه السلام: رب مفتون بحسن القول فيه.

نهج البلاغة: الخطبة 160 و 225، والحكمة 322، والخطبة 121، والحكمة 462، والخطبة 192.

هنالك من يتلقى كلمات المديح والثناء من الناس، فيفرح ويسر بها، وقد يصل به الامر الى الافتتان، مما يترتب على ذلك آثار نفسية سلبية قد تنعكس على شخصيته وسلوكه.

وعن أمير المؤمنين عليه السلام: فلا تعتبروا الرضى والسخط بالمال والولد جهلا بمواقع الفتنة، والاختبار في موضع الغنى والاقتدار…

نهج البلاغة: الخطبة 160 و225، والحكمة 322، والخطبة 121، والحكمة 462، والخطبة 192

ان الانسان بطبيعة الواقع الحياتي القائم على الأسباب والمسببات، قد يتعرض الى الفقر او العقم، او العكس الغنى وكثرة الذرية، والمشكلة هنا تكمن في السخط والرضا في تلك الأحوال، فمن قدر عليه رزقه او لم يرزق بذرية عليه ان لا يسخط، ومن ابتلي بالغنى وكثرة الذرية عليه ان لا يطغى، فإن في الحالتين فتنة.

قال تعالى: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) الأنبياء: 35

وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال.

الترغيب والترهيب: 4 / 178 / 57

ان فتنة المال هي ليست فتنة فردية فحسب وانما هي فتنة امة حسب تعبير النبي صلى الله عليه واله، وهي فتنة مجتمع، فالمال هو اس جميع الفتن، فهو يشتري ويبيع الذمم والأشخاص وحتى المجتمعات والدول، والمال يصنع الطواغيت والمجرمين، والمال يزهق الأرواح ويحيي الموتى ويطيل الاعمار ويوجد الذرية، والمال ينتهك الاعراض ويذل العزيز ويعز الذليل ويضعف القوي ويقوي الضعيف!

دولة عظمى تشتري دولة أخرى تحت غطاء المساعدات المالية، وعالم دين يتم شرائه بالأموال والجاه لكي يعبث بمقدرات المذهب العلمية، وكذلك الناشطين السياسيين والإعلاميين والناشطين المدنيين وسواهم، والأموال تخرج الزوجة والفتاة المخدرة من خدرها، والأموال تحيي وتميت وتعز وتذل!

وعن النبي (صلى الله عليه وآله): لأنا لفتنة السراء أخوف عليكم من فتنة الضراء، إنكم ابتليتم بفتنة الضراء فصبرتم، وإن الدنيا حلوة خضرة.

الترغيب والترهيب: 4 / 184 / 74

عندما تنجلي الفتن الخارجية، تعتمل النفوس في اثارة الفتن الداخلية، فعندما نجى الله تعالى بني إسرائيل من فرعون وانزل عليهم المن والسلوى، اخذوا يتذمرون من طبيعة المعيشة ويبحثون عن الرفاهية، وعندما تخلص العراقيون من تنظيم داعش والتفجيرات في المدن، اخذوا بتنفيذ اجندات العدو بحجة التظاهر ضد الفساد السياسي في البلد، فأشاعوا بدورهم الفساد.

وعن أمير المؤمنين عليه السلام: إن أبغض الخلائق إلى الله رجلان: رجل وكله الله إلى نفسه، فهو جائر عن قصد السبيل، مشغوف بكلام بدعة ودعاء ضلالة، فهو فتنة لمن افتتن به.

نهج البلاغة: الخطبة 17 والغنى: باب 3109، 3111

نقول عادة في دعائنا: ربنا لا تكلنا الى أنفسنا طرفة عين، فحينما يشط الانسان عن عبادة الله تعالى ويسلم نفسه الى الشيطان، مع سوء النية، فإن الله تعالى يحبس عنه الطافه ويكله الى نفسه، فتراه خائضا في كلام البدع ودعاء الضلالة فيفتتن به الناس، ومن أمثال ذلك الدجالين والادعياء وسائر المنحرفين عقائديا واتباعهم.

وعن أمير المؤمنين عليه السلام في صفة عيسى عليه السلام: ولم تكن له زوجة تفتنه، ولا ولد يحزنه، ولا مال يلفته.

نهج البلاغة: الخطبة 160 و22، والحكمة 322، والخطبة 121، والحكمة 462، والخطبة 192

يذكر الامام علي عليه السلام حال النبي عيسى عليه السلام بأنه لم تكن له زوجة تفتنه، فحال الزوجات قد يكون من مسببات الفتنة للرجل وان كان نبياً، أي افتعال الفتنة من قبل الزوجة وليس انزلاق النبي في الفتنة، لأن النبي معصوم لا ينزلق في الفتنة، وكذلك الولد، فالولد لا يفتن النبي المعصوم ولكنه يحزنه امره، والمال قد يشغل النبي عن القيام بتكاليفه، لذا كان جميع الأنبياء من الفقراء!