توقيت الظهور الشريف (الجزء الثاني)

تحدثت الروايات الشريفة وكما بينا في الجزء الأول من البحث عن تكذيب الموقتين وعدم إعطاء اهل البيت عليهم السلام أي وقت، سيما بعد مقتل الامام الحسين عليه السلام، وتعذر قيام الامام الصادق عليه السلام في عام سقوط حكم بني أمية وتسلم السلطة من قبل بني العباس عليهم لعائن الله اجمعين، بيد ان الروايات الشريفة عللت اضمار توقيت الظهور الشريف الى العلل الخمسة التي اشرنا اليها في الجزء الأول من البحث ولا بأس بالتأكيد عليها وبيان تعلقها بقيام الامام المهدي عج من عدمه وذلك عند اقتراب قيامه الشريف:

1- تقييد التوقيت بقيد الاستعداد الموضوعي والتهيئة للقيام.
ان الاستعداد الموضوعي لنصرة الامام المهدي عج يقع على عاتق المنتظرين الممهدين لأن الامام عج غائب، لذلك لابد ان يكون هنالك توقيتاً للظهور الشريف بيد الممهدين، بخلاف الامام الحسين والامام الصادق، حيث كان الاستعداد الموضوعي يقع على عاتقهما صلوات الله عليهما.

2- الخوف على الامام القائم.
ان ذلك الخوف كان على الامام الحسين والامام الصادق عليهما السلام، اما الامام المهدي عج فهو في حال غيبة ولا يظهر الا بعد زوال علل الغيبة واهمها ضعف الطواغيت والظلمة في الأرض على اثر الحرب العالمية السابقة للظهور الشريف، وبالتالي لا ظهور للامام المهدي عج الا بعد توفر الأنصار والاقتدار وتكون عاقبة الطغاة والظالمين الضعف والانهيار، وبذلك ك تنتفي هذه العلة لانتفاء موضوعها.

3- الخشية من قسوة قلوب المؤمنين لاستطالتهم أمد الغيبة.
وهذه العلة تنتفي أيضا مع اقتراب الظهور الشريف، بل نظراً لقرب الظهور يكون العكس هو الصحيح، اذ لابد من تعريف الناس بذلك من اجل تبشيرهم وإزالة مشاعر اليأس والإحباط من انفسهم.
٤- علة المحو والاثبات (عدم ابطال العمل والتواكل على القدر)

ان مقتضي هذه العلة هو عدم التواكل على القدر وترك العمل بالتكليف الشرعي، وهذا الامر يكون معكوساً، حيث ان عدم كشف التوقيت قبيل الظهور الشريف يؤدي الى التواكل على القدر وابطال العمل التمهيدي فألتفت.

٥- بالإضافة الى ذلك كله يبدو لنا ان احد علل التأكيد على تكذيب الموقتين يتعلق بالسرائر السيئة والنوايا الخبيثة المبيتة لبعض الدجالين والمدعين، الذين يغررون بالناس بأن صاحبهم المدعي هو الامام المهدي عج او انه وكيل او سفير او ابن الامام عج، وان القيام سيكون في الشهر الفلاني وفي اليوم الفلاني، وعلى أنصار ذلك الدجال ان يخرجوا بالسلاح، حيث يتبين بعد ذلك انهم يقومون بتنفيذ اجندات معادية، وإذا بها فتنة تطول وتعرض وتؤدي الى تلف الأرواح والممتلكات، كما حصل مع دجال الزركة الكرعاوي الذي استهدف بخروجه قتل المرجعيات الدينية في النجف الاشرف، وكذلك دجال البصرة احمد كاطع وغيرهم.

اذن هذه العلة تتعلق بالدجالين والادعياء وليس بأهل الهدى.

بالإضافة الى ذلك كله فإن الروايات الشريفة اثبتت ما يلي:

1- ان العلامات الحتمية تضمنت توقيتاً دقيقاً للظهور الشريف.
حيث يبدو لنا مما مر ان الأصل هو اباحة التوقيت بل ضرورة وجوده، حيث ان التوقيت يكون مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالاستعداد الموضوعي والتهيئة لنصرة الامام القائم.

ورد في الرواية عن أبي حمزة الثمالي، قال:
” سمعت أبا جعفر الباقر (عليه السلام) يقول: يا ثابت، إن الله تعالى قد كان وقت هذا الأمر في سنة السبعين، فلما قتل الحسين (عليه السلام) اشتد غضب الله فأخره إلى أربعين ومائة، فحدثناكم بذلك فأذعتم وكشفتم قناع الستر فلم يجعل الله لهذا الأمر بعد ذلك وقتا عندنا (يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) قال أبو حمزة: فحدثت بذلك أبا عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: قد كان ذلك”
رغم ان الرواية تحدثت عن ان الله تعالى لم يجعل لهذا الامر – بعد فشل مشروع قيام الامام الصادق عليه السلام وقتاً – عند أهل البيت عليهم السلام، بيد إن مقصد الرواية ليس عدم إخبار الله تعالى أولياءه وخلفاءه وعيبة علمه بالوقت، وانما عدم اجازتهم بإذاعة وقت الظهور الشريف بالطريقة التي تتقاطع مع المقتضيات أعلاه.

2- وجود وقت معلوم ومحتوم وغاية ينتهي اليها الامر وذلك عند اقتراب الموعد النهائي للظهور الشريف وأمارته تحقق العلامات الحتمية.
ومن ذلك نستطيع القول ان سنة الظهور الشريف لم يخرج صريحا من الائمة صلوات الله عليهم، وذلك لعلل قاهرة ولأسباب موجبة ومقتضيات ملزمة، وليس هناك علة محضة لعدم التوقيت، فإذا ما زالت تلك الأسباب وانتفت تلك المقتضيات جاز التوقيت بل وجب.

٣- ان التوقيت للظهور الشريف لابد ان يكون معلوماً لدى أئمة اهل البيت عليهم السلام، بل انهم ربما كانوا قد ضمنوا توقيت الظهور الشريف في مروياتهم بطريقة ما، بحيث لا يمكن كشفه الا بعد زوال علل اضمار التوقيت، لأنه حينئذ “وفق وجهة نظرنا” لابد من وجود توقيت للظهور الشريف لكي لا يشتبه على المنتظرين أمر قيام الامام المهدي عج، إذ ان أمر خروج الامام المهدي عج قد تكتنفه بعض الظروف الموضوعية التي قد تجعل المنتظرين يغفلون عنه وبالتالي تخلفهم عن النصرة، سيما ان العلامات الحتمية حتى وان تحققت فعلا بيد انها قد تكون خافية على الكثير بسبب عدم اعتقادهم بها، وذلك نتيجة تحققها بصورة غير تلك الصورة التي رسموها في أذهانهم والتي تشكلت لديهم وفقاً لإعتقادات مسبقة! فيكون حينئذ لابد من وجود توقيت يجعل خواص المنتظرين على دراية وتثبت من أمرهم، وسيكون تحقق العلامات الحتمية زيادة في يقينهم بصحة ذلك التوقيت.

٤- ان الروايات الشريفة وقتت للظهور الشريف وكما اشرنا سابقاً، بفترة سابقة حتى للحرب العالمية، وهو توقيت اجمالي ورد في حديث الامام الصادق عليه السلام في ذكره لقيام قوم المشرق، وانه لو ادرك ذلك لابقى نفسه للمهدي عج، بمعنى ان قيامهم ذاك قريب من الظهور الشريف حيث لا يتعدى عمر الانسان، كذلك وقتت الروايات الشريفة للقيام الشريف بثمانية عشر شهراً ونصف من خروج السفياني المحتوم في رجب، بالإضافة الى وجود رواية عامية وقتت للقيام الشريف قبل ثلاثة عشر سنة ونصف، اذ تحدثت تلك الرواية عن استمرار فتنة الشام اثني عشر سنة وانتهائها بخروج السفياني.

خاتمة

مما مر يبدو لنا انه لا يوجد أي اشكال في التوقيت اذا كان حمله على سبيل تحري التوقيتات المتضمنة في الروايات الشريفة، وعدم القطع والجزم بتلك التوقيتات، مع سلامة النية في الطرح وافهام المتلقي، على ان هذه التوقيتات غير قطعية اما لعدم كفاية ادلتها، أو انها قد تخضع لحكم المحو والاثبات، أو ان الباحث الموقت ربما لم يكن دقيقا في تشخيصه للوقت، وبالنتيجة لا بأس بالاستيناس بتلك التوقيتات، وانتظار الفرج صباحا ومساء بتحقق اماراته شيئاً فشيء، وتحري السنين الوتر لخروج السفياني، وعدم الإصابة بالملل واليأس اذ مرت السنة الوتر القريبة منا ولم يخرج السفياني في رجب، مما يستدعي منا انتظار خروجه في رجب من السنة الوتر اللاحقة وذلك لأن الروايات الشريفة اشارت الى ان خروج السفياني في رجب من سنة وتر، ومن رجب ذاك والى حصول الصيحة المعلنة لظهور الامام الحجة عج بعد 15 شهراً أي في شهر رمضان من السنة الزوجية التي تليها، ومن ثم خروج القائم عج في العاشر من المحرم في السنة الوتر اللاحقة.

كما ينبغي عدم عطف فرج الامام المهدي عج على فرجنا الخاص، وانما تحري فرج عامة الناس، وسواء كان ذلك من الناحية المعنوية العاطفية أو المادية، كفرحتنا برجوع الحبيب الغائب، وإحداث التغيير العالمي وخلاص البشرية عموماً، فإن لم يكن الخلاص من نصيبنا فللأجيال اللاحقة من أولادنا واحفادنا، وكذلك إظهار دين الله تعالى على الدين كله، وتحقق حلم البشرية وفي مقدمتها انبياء الله تعالى واوصيائهم والصالحين على مر العصور والدهور، وانتهاء زمن الظلم والجور وحلول القسط والعدل … الخ.

ان أصحاب الحوائج الخاصة والمصالح الضيقة كصاحب المرض العضال عافه الله فإنه يرتقب ظهور الامام المهدي عج ليشفيه، والعاقر تنتظر الامام المهدي عج ليعافيها وليهبها الذرية، والشيوخ والعجائز تستطيل الامر لقصر ما بقي من أعمارهم، والجميع باتوا متناسين تعهدهم لصاحب الامر عج، بأن نظرة واحدة الى الطلعة الرشيدة والغرة الحميدة كافية لتكحل اعينهم، جزاء لما عانوه طيلة حياتهم السالفة، وكذلك تسويفهم لتعهدهم له بعدم التخلف عن الامر والصبر حتى لو حانت آجالهم، ونسيانهم تعهدهم لله تعالى ولوليه الحجة عج: بانه اذا جاء الاجل المحتوم المقضي فأخرجني من قبري مؤتزرا كفني شاهراً سيفي .. الخ، ومتغافلين عن ان الله تعالى اعد للمنتظر الذي لم تنظره الاقدار في المكوث الى زمان قيام الامام الحجة عج، بأن ثوابه عند الله تعالى كمثل المتشحط بدمه في فسطاط القائم عج، وان له في الاخرة ثواب الدارين “ان الدار الآخرة لهي الحيوان” فمن ظُلم فسوف يعوض في الجنة اضعافاً مضاعفة، ومن لم ترزق بولد سيهبها الله تعالى اولادا في الجنة من غير عناء ولا الم، وسيكون حبها لهم اشد من حب أمهات الدنيا لأولادهن، ومن لم تتزوج في الدنيا يزوجها الله تعالى من خيرة شباب الجنة ما لم تكن تأمله في حياتها الدنيا، وهكذا تنجز آمال المؤمنين ومطامحهم ورغباتهم التي حرموا منها في حياتهم الدنيا بما ابتلوا به من الحرمان، وابتلي غيرهم بالخير كابتلائهم بالشر، ومن يدري لعل بلاء الشر مع الصبر يؤدي بصاحبه الى العاقبة الحسنة، في حين ان المبتلى بالخير قد يغره الامل حتى يورثه سوء العاقبة (الهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر)

نختم حديثنا بمسألة مهمة جداً، وهي حديث الروايات عن حصول الظهور الشريف بغتة على كثير من الناس، حيث ان دعاة عدم التوقيت ودعاة الابتعاد عن القضية المهدوية ودعاة لا تمهيد، سوف يكون الظهور الشريف على بعض منهم معتماً وربما يستنكرونه ويقولون بدى لله في أوان ظهور المهدي، وهي الدعوات التي اشير اليها في الروايات الشريفة (مات، هلك، في أي واد سلك) كناية عن عدم الاهتمام بقضيته المباركة وعدها قضية ثانوية، في حين ان قلوب المنتظرين ستكون في قمة الشوق والترقب آنذاك، بينما هؤلاء سيكونون غير ملتفتين وغير مهتمين بتاتاً.

أضف تعليق