توقيت الظهور الشريف (الجزء الأول)

ورد في الروايات الشريفة عن أهل البيت صلوات الله عليهم نهيٌ عن التوقيت للظهور الشريف، وتكذيبٌ لأي وقت يقدمه الموقتون قبل حيان الوقت الواقعي الحقيقي المشفوع بتحقق علامات الظهور الحتمية الخمس وخروج السفياني على وجه التحديد، وتلك العلامات المحتومة تضمنت توقيتات صريحة وواضحة لسنة وشهر ويوم الظهور الشريف وكذلك ليوم القيام في العاشر من المحرم من سنة وتر، حيث وقتت تلك العلامات للظهور قبل حيانه بخمسة عشر شهراً، وذلك من اول خروج السفياني في رجب في سنة وتر وحتى ظهور الامام المهدي عج (الصيحة الجبرائيلية) في السنة اللاحقة، كما ان ثمة رواية عامية وقتت للظهور الشريف قبل حيانه بأربعة عشر سنة، بيد ان تلك الرواية العامية لا يمكن التوثق من صحتها حتى يصدقها الواقع، وهي الرواية التي تحدثت عن استمرار فتنة الشام لإثني عشر سنة والتي تنتهي بخروج السفياني، كذلك ثمة رواية تحدث فيها الامام الصادق عليه السلام عن خروج قوم المشرق وانه لو ادرك زمان خروجهم لابقى نفسه للمهدي عج، ويبدو لنا ان خروجهم يكون قبل الحرب العالمية، لذا فإن مؤدى هذه الرواية هو التوقيت الإجمالي للظهور الشريف حتى قبل تحقق علامة الحرب العالمية وهي علامة سابقة لعلامة السفياني.

علل النهي عن التوقيت (البحث الروائي) (1)

ورد في الروايات الشريفة الحديث عن غيبة الامام المهدي عج واسبابها والنهي عن التوقيت للظهور الشريف وعلله، وفيما يلي سوف نستعرض جملة من العلل الموجبة لتكذيب الموقتين، ولكن علينا في البدء معرفة ان علل النهي عن التوقيت انما هي شبيهة لعلل الغيبة من جهة كونها ترتفع بارتفاع موجباتها؟

العلة الأولى:

ورد في الرواية عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ” قلت له: ما لهذا الأمر أمد ينتهي إليه ويريح أبداننا؟
قال: بلى، ولكنكم أذعتم فأخره الله”

وفي الرواية عن إسحاق بن عمار الصيرفي، قال:
” سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قد كان لهذا الأمر وقت وكان في سنة أربعين ومائة، فحدثتم به وأذعتموه فأخره الله عز وجل”

وكذا ما ورد عن إسحاق بن عمار، قال:
” قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يا أبا إسحاق، إن هذا الأمر قد أخر مرتين”

وما ورد عن أبي حمزة الثمالي، قال:
” سمعت أبا جعفر الباقر (عليه السلام) يقول: يا ثابت، إن الله تعالى قد كان وقت هذا الأمر في سنة السبعين، فلما قتل الحسين (عليه السلام) اشتد غضب الله فأخره إلى أربعين ومائة، فحدثناكم بذلك فأذعتم وكشفتم قناع الستر فلم يجعل الله لهذا الأمر بعد ذلك وقتا عندنا (يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) قال أبو حمزة: فحدثت بذلك أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: قد كان ذلك”

تحدثت الروايات الأربع أعلاه عن أسباب تأخير فشل مشروع القيام الشريف في زمان الامام الحسين والامام الصادق عليهما السلام، وهي عدم وجود الناصر والذي تمثل بخذلان الامام الحسين عليه السلام، وقتله على يد عدو الله يزيد لعنه الله، وبالتالي انتفاء موضوع القيام بقتل القائم آنذاك وهو الامام الحسين عليه السلام على رأس السبعين وهو عام 61 للهجرة، وبالرغم من ان الرواية عزت تأخير القيام الى غضب الله تعالى على قتل الامام الحسين عليه السلام، بيد ان غضب الله تعالى ليس هو السبب وانما السبب هو عدم وجود الناصر وقتل الحجة.

بعد ذلك تم تأجيل فرج آل محمد الى ان يجتمع الناصر، ولما قوي عضد الشيعة وأصبحت اعدادهم كبيرة وآن للإمام الصادق عليه السلام أن يقوم بالأمر في فترة مواتية ضعف فيها سلطان بني أمية وهي السنة الأخيرة لحكمهم وهي سنة 131 للهجرة، لكن اختلاف الشيعة واتباعهم لعدة قيادات منحرفة دون الامام الصادق عليه السلام، وخروج تلك القيادات عن طاعة الامام المعصوم، وخروجهم على بني أمية بإجتهاد منهم وتحالف بعضهم مع ولد العباس الذين كانوا طامعين في السلطة، أدى ذلك الى ضعف قوة الشيعة وتشتتهم ومقتل الخارجين منهم على يد بني امية ومن بعدهم بني العباس والتضييق على الامام الصادق عليه السلام وتشتت آمال القيام، وذلك ما عبرت عنه الروايات الشريفة بإذاعة السر وكشف قناع الستر، وهو قيام بعض قيادات الشيعة واتباعهم في غير وقت القيام والبعض منهم خرجوا وهم يدعون لأنفسهم لا للإمام الصادق عليه السلام، وهذه أسباب أخرى بالإضافة الى خذلان الناصر أدت الى تأجيل القيام الشريف.

من المعلوم ان جميع أئمة اهل البيت عليهم السلام قائمون بالأمر، بشرط بسط اليد، وذلك ما لم يتحقق لهم واقعاً، لذا تم تأجيل أمر القيام الى الإمام المهدي عج.

من ذلك يتضح ان توقيت القيام كان معلوما قبل مقتل الامام الحسين عليه السلام، وقبل ان يستولي بنو العباس على السلطة في زمن الامام الصادق عليه السلام، وذلك عند حيان وقت انتقاض ملك بني أمية.

إذن فالأصل هو اباحة التوقيت مع العلم به يقيناً، ولكن ذلك التوقيت من قبل أئمة اهل البيت صلوات الله عليهم ليس مطلقاً وانما مقيداً بقيد الاستعداد الموضوعي للنصرة، أي ان التوقيت يصدر فقط من الامام العازم على القيام ويصدر فقط لانصاره لغرض التخطيط والاعداد الموضوعي والمباشر للقيام، غاية ما هنالك ان الروايات لم تحدثنا عن تفاصيل تلك التوقيتات لأنها كانت من الاسرار، بل ان التوقيت هنا يكون ركناً من اركان التهيئة والاستعداد للقيام.

ان تقييد التوقيت بقيد الاستعداد الموضوعي للنصرة، يكشف لنا سبب حديث الامام الصادق عليه السلام عن عدم وجود توقيت بعد ذلك.

إذاً فالعلة الأولى لنفي التوقيت هي: تقييد التوقيت بقيد الاستعداد الموضوعي والتهيئة للقيام.

ان إذاعة السر وكشف قناع الستر أدت الى افشال مشروع القيام الشريف، وكذلك بسبب قلة الناصر وخذلان الامام القائم (وهذه الاسباب كانت متعلقة بقيام الامام الحسين والصادق عليهما السلام) اذ ان الامام المهدي عج غائب ومستور بستر الله عز وجل، وقبيل انتهاء زمان الغيبة الكبرى وقتت له الروايات الشريفة بخروج السفياني وغيره من العلامات، بل ان الامام القائم عج حينما يخرج يكون لديه انصار واقتدار، كما ان غيبته عج جعلت امر الاستعداد الموضوعي للنصرة على عاتق أنصاره الممهدين له، لذا كان لابد ان يكون هنالك توقيتاً لقيامه الشريف صادراً عن أئمة الهدى صلوات الله عليهم ومتضمناً في مروياتهم الشريفة.

العلة الثانية:

ورد في الرواية عن أبي خالد الكابلي، قال:
” لما مضى علي بن الحسين (عليه السلام) دخلت على محمد بن علي الباقر (عليه السلام) فقلت له: جعلت فداك، قد عرفت انقطاعي إلى أبيك وأنسي به ووحشتي من الناس.
قال: صدقت – يا أبا خالد – فتريد ماذا؟
قلت: جعلت فداك، لقد وصف لي أبوك صاحب هذا الأمر بصفة لو رأيته في بعض الطرق لأخذت بيده.
قال: فتريد ماذا، يا أبا خالد؟
قلت: أريد أن تسميه لي حتى أعرفه باسمه.
فقال: سألتني والله – يا أبا خالد – عن سؤال مجهد، ولقد سألتني عن أمر ما كنت محدثا به أحدا، ولو كنت محدثا به أحدا لحدثتك، ولقد سألتني عن أمر لو أن بني فاطمة عرفوه حرصوا على أن يقطعوه بضعة بضعة”

يبدو لنا ان مقصد الامام الباقر عليه السلام بصاحب الامر في هذه الرواية هو ولده الامام الصادق عليه السلام، على اعتبار انه من المقرر ان يكون القيام منوطاً بالإمام الصادق عليه السلام، ويصف الامام الباقر عليه السلام وضع الشيعة في زمن الامام الصادق عليه السلام، بإختلافهم على هيئة جماعات تقودها قيادات علوية (بنو فاطمة) وان الخطر على القيام ما عاد مقتصراً على بني أمية بل أصبح بعض الشيعة اشد خطراً على القيام!
ويعضد هذا الرأي ان النبي والائمة المعصومين صلوات الله عليهم ذكروا لشيعتهم ان الائمة اثني عشر وسموهم باسمائهم، فلو كان المراد هنا بالقائم هو خصوص الامام المهدي عج لما كان ثمة حراجة من ذكر اسمه الشريف لما ينحصر القيام به.

إذاً فعدم التوقيت والنهي عن تسمية القائم بالأمر هنا؛ علته هو الخوف على الامام ذاته لا لمحض التوقيت والتسمية.

وهنا يتضح ان العلة الثانية لعدم التوقيت: هي الخوف على الامام القائم.
(وهذه العلة مخصوصة بقيام الامام الصادق عليه السلام) فالامام المهدي عج قد تم تعريفه بعد اجهاض مشروع قيام الامام الصادق عليه السلام على انه هو القائم من ال محمد وتسميته جارية على السن الشيعة والمخالفين، والدليل على ذلك انه حتى العباسيين يعرفون انه هو القائم لذا حرصوا على ان لا يولد أصلا، ولكن إرادة الله تعالى ماضية ولو كره المنافقون والظلمة.

العلة الثالثة:

ورد في الرواية عن علي بن يقطين، قال:
” قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) : يا علي، الشيعة تربى بالأماني منذ مائتي سنة.
وقال يقطين لابنه علي بن يقطين: ما بالنا، قيل لنا: فكان، وقيل لكم:
فلم يكن – يعني أمر بني العباس؟
فقال له علي: إن الذي قيل لكم ولنا كان من مخرج واحد غير أن أمركم حضر وقته فأعطيتم محضه، فكان كما قيل لكم، وإن أمرنا لم يحضر فعللنا بالأماني، فلو قيل لنا: إن هذا الأمر لا يكون إلا إلى مائتي سنة وثلاثمائة سنة لقست القلوب ولرجعت عامة الناس عن الإيمان إلى الإسلام، ولكن قالوا: ما أسرعه وما أقربه تألفا لقلوب الناس وتقريبا للفرج”

هذه الرواية عللت لإخفاء وقت الظهور الشريف بأن أهل البيت عليهم السلام بعد فشل مشاريع القيام قبل الامام المهدي عج، او لعلمهم بما يكون من تأجيل مشروع القيام الى الامام المهدي عج وفي آخر الزمان؛ قد اتخذوا سبيل التعليل بالاماني، كي لا تقسى قلوب المؤمنين المنتظرين فترجع عن الايمان!
وهنا جاء الحث على تقريب الفرج تألفاً لقلوب الناس، وهو سبب كاف لتجنب التوقيت، ولكن العقل يحكم بصحة ذلك حينما يكون الوقت بعيداً، فماذا لو كان الوقت قريبا؟!

كما ورد في الرواية عن محمد بن مسلم، قال:
” قال أبو عبد الله (عليه السلام): يا محمد، من أخبرك عنا توقيتا فلا تهابن أن تكذبه، فإنا لا نوقت لأحد وقتا”

وعن أبي بكر الحضرمي، قال:
” سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إنا لا نوقت هذا الأمر”

في الروايتين أعلاه يخبرنا الامام الصادق عليه السلام عن عدم صدور أي توقيت من قبله، وسواء كان ذلك التوقيت متعلقاً بقيام الامام الصادق او الامام المهدي صلوات الله عليهما، فإنه من الطبيعي ان لا يوقت لقيام الامام المهدي عج علناً في عهد الامام الصادق عليه السلام خشية ان يفقد الشيعة الامل ويصابون بالإحباط والملل فيضلون الطريق، بالإضافة الى ما اشرنا اليه في العلة الأولى بكون التوقيت للقيام منوطاً بالاستعداد والتهيئة الموضوعية المباشرة، فما كان التوقيت مخبراً عنه من غير الامام المعني بالقيام فهو توقيت كاذب، الا فيما يخص قيام الامام المهدي عج في آخر الزمان فإنه لابد من جعل توقيت لقيامه الشريف، وذلك التوقيت مختص بالقائمين على مشروع التمهيد له بأبي وأمي.

وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال:
” قلت له: جعلت فداك، متى خروج القائم (عليه السلام) ؟
فقال: يا أبا محمد، إنا أهل بيت لا نوقت، وقد قال محمد (صلى الله عليه وآله) : كذب الوقاتون، يا أبا محمد، إن قدام هذا الأمر خمس علامات: أولاهن النداء في شهر رمضان، وخروج السفياني، وخروج الخراساني، وقتل النفس الزكية، وخسف بالبيداء.
ثم قال: يا أبا محمد، إنه لا بد أن يكون قدام ذلك الطاعونان: الطاعون الأبيض، والطاعون الأحمر.
قلت: جعلت فداك، وأي شيء هما؟
فقال: أما الطاعون الأبيض فالموت الجارف، وأما الطاعون الأحمر فالسيف، ولا يخرج القائم حتى ينادى باسمه من جوف السماء في ليلة ثلاث وعشرين في شهر رمضان ليلة جمعة.
قلت: بم ينادى؟ قال: باسمه واسم أبيه، ألا إن فلان بن فلان قائم آل محمد فاسمعوا له وأطيعوه، فلا يبقى شيء من خلق الله فيه الروح إلا يسمع الصيحة، فتوقظ النائم ويخرج إلى صحن داره، وتخرج العذراء من خدرها، ويخرج القائم مما يسمع، وهي صيحة جبرئيل (عليه السلام)

في هذه الرواية يتحدث الامام الصادق عليه السلام عن قيام الامام المهدي عج، وذلك يدل دلالة صريحة على ان رواية الامام الصادق عليه السلام، انما صدرت بعد ان انتفت الظروف الموضوعية لقيامه وتم تأجيل القيام الى الامام المهدي عج، وهنا نسب عدم التوقيت الى عموم اهل البيت عليهم السلام، ولما كان القيام مخصوصاً بالامام المهدي عج، وقيامه يكون في آخر الزمان، فلا ريب ان أئمة اهل البيت عليهم السلام لن يوقتوا لأحد من أهل زمانهم، لأنهم غير معنيين بزمن الظهور الشريف، فلو انهم عليهم السلام أخبروا اهل زمانهم عن ان القيام يكون بعد عدة قرون لقست القلوب ولهلك الكثير من الشيعة بإنحرافهم عن جادة الحق، نتيجة علمهم بتأخر الفرج عن زمانهم كما بيناه آنفاً.
وعوضاً عن التوقيت استعاض الامام الصادق عليه السلام بذكر العلامات الحتمية لقيام الامام المهدي عج، كي يكون منهج الانتظار مستنداً على ترقب العلامات، وهي طريقة ناجعة من أجل تصبير الشيعة اعزهم الله وحثهم على ترقب الفرج وعدم اليأس، بالإضافة الى ضرورة تضمين رواياتهم الشريفة توقيتاً لقيام الامام المهدي عج، لأن الامام المهدي عج سيكون غائباً ولا يمكنه التواصل مع الممهدين له قبل تحقق أولى العلامات الحتمية الخمسة وهي علامة السفياني.

كما ورد في الرواية عن عبد الرحمن بن كثير، قال:
” كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) إذ دخل عليه مهزم، فقال له: جعلت فداك، أخبرني عن هذا الأمر الذي ننتظره متى هو؟
فقال: يا مهزم، كذب الوقاتون، وهلك المستعجلون، ونجا المسلمون”

تحدثت هذه الرواية عن تكذيب الوقاتين، كما وانذرت الرواية المستعجلين الذين يخرجون في غير أوان الخروج او الذين اذا علموا بطول امد الغيبة دب الملل واليأس الى أنفسهم نتيجة استطالة الأمر عليهم، وأشارت الرواية الى نجاة المسلّمون الذين لا ينظرون الى فرجهم الخاص ولا يعطفونه على فرج الامام المهدي عج، فلا يضرهم ان علموا ان الظهور الشريف سيكون في زمانهم ام انهم لا يدركونه، كمثل جابر بن يزيد الجعفي رضوان الله تعالى عليه الذي اخبره الامام الباقر عليه السلام في رواية عن علامات ظهور الامام عج واخبره انه لن يدركها، ولو علم الامام الباقر عليه السلام ان جابراً من المستعجلين لما اخبره بأنه لن يدركها، بل علم الامام الباقر عليه السلام ان جابراً من المسلّمين الصابرين، الذين لا يضرهم سواء تقدم هذا الامر او تأخر.

إذاً فقد اضمر وقت قيام القائم عج مخافة ان يهلك المستعجلون، اذ حذرأهل البيت عليهم السلام من هلاك المستعجلين الذين إذا أخبروا بالتوقيت واستطالوا امده، أصيبوا باليأس وضلوا عن الطريق واضلوا وأفسدوا، وكذلك ثمة تحذير من اؤلئك المستعجلين انهم يخرجون في غير وقت الخروج ويقومون في غير وقت القيام.

إذاً العلة الثالثة هي: الخشية من قسوة قلوب المؤمنين لاستطالتهم أمد الغيبة.

العلة الرابعة:

عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال:
” سألته عن القائم (عليه السلام) فقال: كذب الوقاتون، إنا أهل بيت لا نوقت، ثم قال: أبى الله إلا أن يخلف وقت الموقتين”

وعن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام) أنه قال:
” أبى الله إلا أن يخلف وقت الموقتين”

وعن علي بن الحزور، عن محمد بن بشر، قال: ” سمعت محمد بن الحنفية (رضي الله عنه) يقول: إن قبل رايتنا راية لآل جعفر وأخرى لآل مرداس، فأما راية آل جعفر فليست بشيء ولا إلى شيء فغضبت – وكنت أقرب الناس إليه – فقلت: جعلت فداك، إن قبل راياتكم رايات؟ قال: إي والله إن لبني مرداس ملكا موطدا لا يعرفون في سلطانهم شيئا من الخير، سلطانهم عسر ليس فيه يسر، يدنون فيه البعيد، ويقصون فيه القريب، حتى إذا أمنوا مكر الله وعقابه” صيح بهم صيحة لم يبق لهم راع يجمعهم، ولا داع يسمعهم، ولا جماعة يجتمعون إليها، وقد ضربهم الله مثلا في كتابه: (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا)
ثم حلف محمد بن الحنفية بالله إن هذه الآية نزلت فيهم، فقلت: جعلت فداك، لقد حدثتني عن هؤلاء بأمر عظيم فمتى يهلكون؟
فقال: ويحك يا محمد، إن الله خالف علمه وقت الموقتين، إن موسى (عليه السلام) وعد قومه ثلاثين يوما، وكان في علم الله عز وجل زيادة عشرة أيام لم يخبر بها موسى، فكفر قومه واتخذوا العجل من بعده لما جاز عنهم الوقت، وإن يونس وعد قومه العذاب، وكان في علم الله أن يعفو عنهم، وكان من أمره ما قد علمت، ولكن إذا رأيت الحاجة قد ظهرت، وقال الرجل: بت الليلة بغير عشاء، وحتى يلقاك الرجل بوجه، ثم يلقاك بوجه آخر.
قلت: هذه الحاجة عرفتها، فما الأخرى؟ وأي شيء هي؟
قال: يلقاك بوجه طلق، فإذا جئت تستقرضه قرضا لقيك بغير ذلك الوجه، فعند ذلك تقع الصيحة من قريب”

وعن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال:
” قال: قلت له: لهذا الأمر وقت؟
فقال: كذب الوقاتون، كذب الوقاتون، إن موسى (عليه السلام) لما خرج وافدا إلى ربه واعدهم ثلاثين يوما، فلما زاده الله على الثلاثين عشرا، قال له قومه: قد أخلفنا موسى، فصنعوا ما صنعوا، فإذا حدثناكم بحديث فجاء على ما حدثناكم به، فقولوا: صدق الله، وإذا حدثناكم بحديث فجاء على خلاف ما حدثناكم به، فقولوا: صدق الله، تؤجروا مرتين”

تشير الروايات الأربع أعلاه الى ان الله تعالى يأبى الا ان يخالف وقت الوقاتين، أو انه خالف علمه وقت الموقتين، ولا ريب لدينا ان المخالفة هنا ليست مخالفة عبثية حاشا لله تعالى عز وجل، وانما هي مخالفة حكيمة لمقتضىيٍ ما يستدعي المخالفة، أو انها مخالفة طبيعية لتعسر إصابة حقيقة التوقيت عموماً الا مع قرب الظهور الشريف، فالعقل يستفهم مِن من يوقت في تلك الأزمنة الغابرة سواء في زمن الامام الصادق عليه السلام او ما بعده: على أي أساس استند في توقيته؟!
لا ريب ان إذاعة توقيت ظهور الامام المهدي عج في تلك الأزمنة متعذر تماماً كما بينا أسبابه آنفاً، ولكن في زمان اقتراب الظهور الشريف هل سيكون التوقيت خاضعاً لحكم المحو والاثبات الإلهي؟ لقد اشارت الروايات أعلاه الى قصة النبي موسى عليه السلام، وكيف أخر الله تعالى ميقاته، وكذلك رفع العذاب عن قوم يونس عليه السلام، ومن الجلي ان مبدأ المحو والاثبات وفق المشيئة الإلهية الحكيمة هو العامل في مثل هكذا احداث.
كذلك قولهم عليهم السلام: (فإذا حدثناكم بحديث فجاء على ما حدثناكم به، فقولوا: صدق الله، وإذا حدثناكم بحديث فجاء على خلاف ما حدثناكم به، فقولوا: صدق الله، تؤجروا مرتين)

ما الذي يجعل حديث اهل البيت عليهم السلام يجيء على خلاف ما حدثوا به؟!
انه المحو والاثبات، ولكن سبب وقوع المحو والاثبات بالمقام الأول؛ ليس ان الله تعالى يقوم بتغيير الاحداث تلقائيا، وانما اسند التغيير الى علم الله تعالى، لأن في علم الله تعالى حصول تغيير من قبل البشر سلباً او ايجاباً يؤدي بالنتيجة الى تحقيق شرط السنة الإلهية القاضية بالتغيير الإلهي المتوقف على تغيير البشر: ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا.. فالمناط في مبدأ المحو والاثبات هو ان لا يتواكل الناس على القدر فيبطل العمل، لذلك نجد ان سبب عدم نزول العذاب على قوم يونس عليه السلام كان بفعل تطوع احد اصحاب يونس عليه السلام لهداية القوم اذا ما طلبوا التوبة قبيل نزول العذاب، وبالفعل ذلك ما حصل ورفع عنهم العذاب.
كما ان سبب وقوع المحو والاثبات في المقام الثاني؛ لآجل التمحيص والغربلة حيث كان تأخير النبي موسى عليه السلام عشرة أيام بفعل النية المبيتة لانقلاب قومه على اعقابهم، فكانت العشرة أيام الإضافية كفيلة بكشف نواياهم واسراعهم لعبادة العجل.

نستنتج من كل ذلك بأن الخشية من تواكل الناس على القدر وابطالهم العمل، هو احد علل عدم وضع توقيت للظهور الشريف، كما إن النوايا السيئة المبيتة للدجالين والادعياء، هي احدى علل التوجيه بتكذيب الموقتين، وعلى هذه الأسس يأبى الله تعالى بعلمه الا ان يخالف توقيتات الموقتين تطبيقاً لسنة التغيير وكذلك سنة التمحيص والغربلة وكشف زيف الادعياء، وهذا الامر لا يتعلق بموضوع قيام الامام المهدي عج في الفترة القريبة من ظهوره، لان ذلك التوقيت سيكون مقترناً بالعمل لا التواكل وايضاً سيكون هنالك اقتدار ممهد، كما ان توقيتات الدجالين والادعياء ليست ذات صلة بتوقيت ظهور الامام المهدي عج، وانما هي توقيتات كاذبة تتعلق بتنفيذ اجنداتهم المسيسة، وحيث ان سنة التمحيص والغربلة قد بلغت غايتها حينئذ.

إذاً فالعلة الرابعة: هي علة المحو والاثبات.

بقي ان نجيب على تساؤل يخص أصل الموضوع؛ هل للظهور الشريف وقت معين؟
ورد في الرواية عن إبراهيم بن مهزم، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال:
” ذكرنا عنده ملوك آل فلان، فقال: إنما هلك الناس من استعجالهم لهذا الأمر، إن الله لا يعجل لعجلة العباد، إن لهذا الأمر غاية ينتهي إليها فلو قد بلغوها لم يستقدموا ساعة ولم يستأخروا”

أكدت الرواية على ان لهذا الامر غاية ينتهي اليها فلو قد بلغوها لم يستقدموا ساعة ولم يستأخروا، أي ان الامر يثبت وقته آنذاك ويصبح محتوماً، وعلة ذلك الحتم هو ان الامر حينها يكون قد آن أوانه واصبح الناس على مقربة من الظهور الشريف اذ يجب ان يتم الاستعداد الموضوعي والتهيئة للنصرة، فلن تبقى هنالك خشية او خوف على الامام المهدي عج من الأعداء، كما انه لو كشف وقت الظهور الشريف لم يصاب الناس باليأس والملل بل العكس، ولن يكن هنالك تواكلاً وابطالاً للعمل، ويتبين ذلك من التوقيتات التي وضعها أئمة اهل البيت عليهم السلام في مروياتهم، حيث وقتوا للأمر بخروج السفياني، وبالصيحة وبمقتل النفس الزكية وبالخسف، واعطوا توقيتات اجمالية، كظهور الامام عج في ليلة 23 رمضان ليلة جمعة، وخروجه الشريف في يوم عاشوراء من سنة وتر من يوم الجمعة او السبت، وامثالها من التوقيتات.

خاتمة:

يبدو لنا من خلال الروايات الشريفة ان هنالك خمسة علل مانعة لتوقيت الظهور الشريف وهي:

1- تقييد التوقيت بقيد الاستعداد الموضوعي والتهيئة للقيام.
2- الخوف على الامام القائم.
3- الخشية من قسوة قلوب المؤمنين لاستطالتهم أمد الغيبة.
٤- علة المحو والاثبات.

٥- بالإضافة الى ذلك كله يبدو لنا ان احد علل التأكيد على تكذيب الموقتين يتعلق بالسرائر السيئة والنوايا الخبيثة المبيتة لبعض الدجالين والمدعين، الذين يغررون بالناس بأن صاحبهم المدعي هو الامام المهدي عج او انه وكيل الامام عج، وان القيام سيكون في الشهر الفلاني وفي اليوم الفلاني، وعلى أنصار ذلك الدجال ان يخرجوا بالسلاح، حيث يتبين انهم يقومون باجندة معادية، وإذا بها فتنة تطول وتعرض وتؤدي بتلف الأرواح والممتلكات، كما حصل مع دجال الزركة الكرعاوي الذي استهدف بخروجه قتل المرجعيات الدينية في النجف الاشرف، وكذلك دجال البصرة احمد كاطع وغيرهم.

أما أهل الهدى والصلاح والمعنيين بالدعوة الى الإمام الحجة عج، فهؤلاء قطعاً غير مشمولين بالتكذيب، لأن طبيعة العلامات الدالة على ظهور الامام المهدي عج، يحصل فيها التعتيم والاشتباه والشك والارتياب وربما التكذيب، فيكون لابد من وجود موقت ولو مع اشارته الى العلامات.

بالنتيجة نستدل على ان النهي عن التوقيت ليس مطلقاً، وانما هو نهي مقيد بقيود العلل الموجبة لإخفاء التوقيت، فمتى ما ارتفعت تلك العلل الموجبة؛ ارتفع معها النهي عن التوقيت ولو بصورة جزئية، ويكون ذلك مع اقتراب زمان الظهور الشريف، حيث ان الروايات الشريفة ذاتها اعطتنا توقيتات للظهور قبل حيانه بخمسة عشر شهراً على اقل تقدير، وكذلك حديث رواية عامية ان صحت فهي توقت للظهور الشريف قبل حصوله بقرابة أربعة عشر سنة، فهي توقت لفتنة الشام بإثني عشر سنة حتى خروج السفياني، كذلك هنالك رواية وردت عن الامام الصادق عليه السلام وقتت للظهور الشريف قبل حيانه بفترة لا تتجاوز عمر الانسان، كما في حديث الرواية عن قيام الرايات السود الخراسانية المناصرة، والتي أشار الامام الصادق عليه السلام فيها، بأنه لو ادركها لاستبقى نفسه للمهدي عج.


(1) الروايات الشريفة أعلاه جميعها من كتاب غيبة النعماني: باب ١٦: ما جاء في المنع والتوقيت والتسمية لصاحب الأمر (عليه السلام)

أضف تعليق