الاعتقاد بالسحر ورفض بيعة القائم عج (ج٢)
ورد في الرواية:
عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام – في حديث الظهور- (ثمّ يخرج الحسني الفتى الصبيح الذي نحو الديلم! يصيح بصوت له فصيح: يا آل أحمد، أجيبوا الملهوف والمنادي من حول الضريح، فتجيبه كنوز الله بالطالقان، كنوز وأي كنوز، ليست من فضّة ولا ذهب، بل هي رجال كزبر الحديد، على البراذين الشهب، بأيديهم الحراب، ولم يزل يقتل الظلمة حَتّى يرد الكوفة وقد صفا أكثر الأرض، فيجعلها له معقلاً، فيتّصل به وبأصحابه خبر المهدي عليه السلام، ويقولون: يا بن رسول الله، مَن هذا الذي قد نزل بساحتنا؟ فيقول: اخرجوا بنا إليه حتّى ننظر مَن هو؟ وما يريد؟ وهو والله يعلم أنّه المهدي، وأنّه ليعرفه، ولم يرد بذلك الأمر إلاّ ليعرّف أصحابه من هو، فيخرج الحسني فيقول: إن كنت مهدي آل محمّد فأين هراوة جدّك رسول الله صلى الله عليه وآله، وخاتمه، وبردته، ودرعه الفاضل، وعمامته السحاب، وفرسه اليربوع، وناقته العضباء، وبغلته الدلدل، وحماره اليعفور، ونجيبه البراق، ومصحف أمير المؤمنين؟ فيخرج له ذلك، ثمّ يأخذ الهراوة فيغرسها في الحجر الصلد وتورق، ولم يرد ذلك إلاّ أن يرى أصحابه فضل المهدي عليه السلام حتّى يبايعوه. فيقول الحسني: الله أكبر، مدّ يدك يا بن رسول الله حتّى نبايعك فيمدّ يده فيبايعه ويبايعه سائر العسكر الذي مع الحسني إلاّ أربعين ألفاً أصحاب المصاحف المعروفون بالزيديّة، فإنّهم يقولون: ما هذا إلاّ سحر عظيم. فيختلط العسكر فيقبل المهدي عليه السلام على الطائفة المنحرفة، فيعظهم ويدعوهم ثلاثة أيّام، فلا يزدادون إلاّ طغياناً وكفراً، فيأمر بقتلهم فيقتلون جميعاً، ثمّ يقول لأصحابه: (لا تأخذوا المصاحف ودعوها تكون عليهم حسرة كما بدّلوها وغيّروها وحرّفوها ولم يعملوا بما فيها)
وفي رواية:
رواية المفضل عن أبي عبد الله ع بعد ذكر الزوراء وما يحدث فيها من الفتن والخراب والدمار حتى يمر المار فيقول ههنا كانت الزوراء: ثم ماذا يا سيدي؟ قال: ( ثم يخرج الحسني الفتى الصبيح من نحو الديلم يصيح بصوت فصيح يا آل أحمد أجيبوا الملهوف والمنادي من حول الضريح، فتجيبه كنوز الله بالطالقان كنوزاً وأي كنوز ليست من فضة ولا من ذهب بل هي رجال كزبر الحديد كأني انظر إليهم على البراذين الشهب في أيديهم الحراب يتعاوون شوقاً للحرب كما تتعاوى الذئاب، أميرهم رجل من تميم يقال له شعيب بن صالح، فيقبل الحسني إليهم وجهه كدارة البدر يريع الناس جمالاَ أنيقاً، فيعفي على أثر الظلمة، فيأخذ بسيفه الكبير والصغير، والعظيم والوضيع، ثم يسير بتلك الرايات كلها حتى يرد الكوفة وقد صفا أكثر الأرض فيجعلها معقلاً، يتصل به وبأصحابه خبر (خيل) المهدي ع فيقولون: يا ابن رسول الله من هذا الذي نزل بساحتنا؟ فيقول: أخرجوا بنا أليه حتى ننظر من هو وما يريد، والله يعلم أنه المهدي، وأنه يعرفه، وأنه لم يرد بذلك الأمر إلا له، فيخرج الحسني في أمر عظيم بين يديه أربعة آلاف رجل وفي أعناقهم المصاحب وعلى ظهورهم المسوح الشعر يقال لهم الزيدية، فيقبل الحسني حتى ينزل بقرب المهدي ، ثم يقول الرجل لأصحابه أسألوا عن هذا الرجل من هو. فيخرج بعض أصحاب الحسني الى عسكر المهدي ، ويقول: يا أيها العسكر الجميل من أنتم حياكم الله، ومن صاحبكم هذا، وما تريدون؟ فيقول أصحاب المهدي ع : هذا ولي الله مهدي آل محمد، ونحن أنصاره من الملائكة والإنس والجن، فيقول أصحاب الحسني: يا سيدنا ما تسمع ما يقول هؤلاء في صاحبهم؟ فيقول الحسني: خلوا بيني وبين القوم فأنا آتي على هذا حتى أنظر وينظروا، فيخرج الحسني من عسكره، ويخرج المهدي ع ويقفان بين العسكرين ، فيقول له الحسني: إن كنت مهدي آل محمد فأين هراوة جدك رسول الله ص ، وخاتمه ، وبردته ، ودرعه الفاضل ، وعمامته السحاب ، وفرسه اليربوع ، وناقته العضباء ، وبغلته الدلدل ، وحماره العفور ، ونجيبه البراق، وتاجه السني ، والمصحف الذي جمعه أمير المؤمنين ع بغير تبديل ولا تغيير؟ فيحضر له السفط الذي فيه جميع ما طلبه. قال المفضل: يا سيدي فهذا كله في السفط ! قال: ( يا مفضل وتركات جميع الأنبياء حتى عصاة آدم ، وآلة نوح ، وتركة هود وصالح ، ومجمع أبراهيم ، وصاع يوسف ، ومكيال شعيب وميراثه ، وعصى موسى وتابوته الذي فيه بقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة ، ودرع داوود وعصاته ، وخاتم سليمان وتاجه ، وأنجيل عيسى ، وميراث النبيين والمرسلين في ذلك السفط. فيقول الحسني هذا بعض ما قد رأيت وأسألك ان تغرس هراوة جدك رسول الله ص في هذا الحجر الصفا وتسأل الله ان ينبتها فيها ، وهو لا يريد بذلك الا ان يُري أصحابه فضل المهدي أليه التسليم حتى يطيعوه ويبايعوه ، فيأخذ المهدي بيده الهراوة ويغرسها في الحجر فتنبت فيه وتعلو وتورق حتى تظل عسكر المهدي والحسني. فيقول الحسني: الله أكبر مد يدك يا أبن رسول الله حتى ابايعك. فيمد يده ويبايعه ويبايعه سائر عسكر الحسني الا أربع الاف أصحاب المصاحب والمسوح الشعر المعروفين بالزيدية فيقولون ما هذا الا سحر عظيم، فتختلط العسكران، ويقبل المهدي ع على الطائفة المنحرفة فيعظهم ويدعهم ثلاثة أيام، فلم يزدادوا إلا طغياناً وكفراً، فيأمر بقتلهم، كأني أنظر إليهم وقد ذبجوا على مصاحفهم، وتمرغوا بدمائهم، فيقبل بعض أصحاب المهدي لأخذ المصاحف فيقول المهدي ع: دعوها تكون عليهم حسرة كما بدلوها وغيروها ولم يعملوا بما فيها). الهداية الكبرى للخصيبي : 403، مختصر بصائر الدراجات 190
لاحظ ان الروايتين تحدثتا عن الزيدية، والزيدية هم في الأصل فرقة تاريخية منحرفة عن اهل الحق والهدى، حيث انحرفوا عن الامام الصادق عليه السلام وادعوا انهم من اتباع زيد بن علي وابنه يحيى.
وبغض النظر عن سبب تسمية الزيدية الذين يخرجون على القائم عج، فإنهم بدلالة مصاحبتهم للمرجع الحسني الذي يسلم راية النجف الاشرف الى الامام الحجة عج، فهم من اتباع المرجعية ومن اهل الهدى ظاهراً!
وهنا نقول بأن ذلك الحسني هو المرجع الأعلى في النجف الاشرف، لأن قضية تسليم النجف الاشرف الى الامام الحجة عج هي من مهام المرجعية، فلا يمكن تصور قبول الناس بذلك الرجل القادم من الحجاز، على انه الامام المهدي الا اذا كان من يستقبله هي المرجعية الدينية، حيث ان سياق الروايات أعلاه واضح في احتياج الحسني الى ان يقدم الامام المهدي عج المعاجز لاثبات امامته لكي يقنع الناس، ومع ذلك فإن ثلة من المقاتلين الذين مع الحسني لا يقبلون بيعة القائم عج!
أولئك الزيدية فئة من المجاهدين بين يدي المرجعية، اذ هم في عسكر الحسني وقد ساهموا في قتال الظلمة، لكنهم فشلوا في اختبار الوعي والثقافة فأبدوا جهلهم جليا وأظهروا ثقافتهم المزيفة التي اغرق بها الشارع الشيعي في عصور ظلام الغيبة الكبرى، كما سيفشل من بعدهم الكثير من الجهات المنحرفة كالبترية ومنافقي الكوفة وخوارج رميلة الدسكرة وخوارج التمارين وسواهم من الخوارج اللذين سوف يتأولون على الامام عج القرآن الكريم، ويحاجونه بآياته، فيلاقي الامام عج من الجهل والسذاجة الثقافية ما لم يلاقيه النبي صلوات الله عليه أبان دعوته، فأولئك كانوا يعبدون الحجارة، وهؤلاء يعبدون اهوائهم وجهلهم!
ان حمل الزيدية للمصاحف دليل تأولهم لآياتها، واتهامهم الامام عج بالسحر دليل ثقافتهم المزيفة وجهلهم المطبق، إذ انهم لا يميزون بين السحر والمعجزة، الى حد انكارهم الامام القائم عج واتهامه بالسحر!
لاحظ رواية كتاب الهداية الكبرى للخصيبي والتي تحدث فيها الامام الصادق عن السفط الذي يخرجه القائم عج ويستخرج منه مواريث الأنبياء والاوصياء.
السفط هو علبة تصنع عادة من نسيج الصوف والجلود وتوضع فيها الحاجيات المهمة، غير ان حجم السفط عادة ما يكون صغيرا لان كبر حجمه يجعله غير معقولا ويفقد خواص القوى والمتانة.
وبالمجمل فإن السفط هو صندوق صغير يكون لدى القائم عج، وحين يطالبه الحسني بتلك المواريث فإن الامام القائم عج يستخرجها من السفط، وهو امر غير معقول وفق القوانين الطبيعية، لذلك يتهم أولئك الزيدية الامام الحجة عج بالسحر!
ولو اننا عدنا الى مثال الساحر الذي يستخرج طير الحمام من القبعة الذي تحدثنا عنه في الجزء الأول، وقارناه باستخرام المواريث من السفط لوجدنا أن الامران متشابهان، غير ان الأول سحراً والثاني حقيقة، فكيف نميز بين السحر والحقيقة؟
في الواقع لو علمنا ان عملية استخراج الشيء ذو الحجم الكبير من الصندوق ذو الحجم الصغير هو امر مستحيل، لعلمنا ان مثل هكذا عمل لا يمكن ان يكون سحراً بأي حال من الأحوال، فالساحر بإمكانه استخراج الحمامة ذات الحجم الصغير والمخبأة في داخل القبعة ذات الحجم الأكبر، لكنه لا يمكن ان يستخرج ناقة وحصان وبغل وحمار وبراق ودرع وغيرها من المواريث، من سفط لا يتجاوز حجمه عشرات السنتيمترات!
قطعاً ان مثل هذا الفعل ليس سحراً بل هو معجزة، والمعجزة هي عبارة عن علم خاص لا يمتلكه الا المعصومون واوليائهم، لانه تحكم بالتكوين، كما فعل اصف بن برخيا بعرش بلقيس.
قطعاً لا يمكن للسحرة فعل هكذا أشياء خارقة، لان إمكانات السحرة تقتصر على الخداع البصري ليس الا، والخداع البصري لا يمكن له ان يموه استخراج ناقة تزن مئات الكيلوغرامات من صندوق يمتلئ ببضع كيلوغرامات!
بإمكان الساحر ان يريك غرفة فارغة ليس فيها باب او نافذة أخرى ثم يؤصد بابها ثم يحتاج الى فترة من الزمن حتى يدخل حيوانات الى الغرفة من باب سري في الحائط الخلفية وانت لا ترى هذه الأفعال، ثم يفتح لك باب الغرفة ويستخرج منها الحيوانات، فيبدو لك انه عمل خارق (سحر) لكنك لو دخلت الغرفة ودققت في الامر لوجدت الباب السري المخفي في الجدار! كما ان الساحر يحتاج الى فترة من الزمن حتى يؤصد الباب الذي امامك ويقوم فريقه بفتح الباب السري وإدخال الحيوانات ومن ثم غلق الباب السري، وخلال هذه الفترة يكون الساحر بحاجة الى الهائك لكي قتل الوقت الذي سوف يستغرقه فريقه!
لاحظ ان هذا العمل يحتاج الى حجم منطقي للغرفة بحيث تسع تلك الحيوانات والى ممر سري والى عنصر الوقت! كل هذه الأمور موضوعية، غاية ما هنالك ان الساحر خدع بصرك بالافعال التي خفيت عنك.
كذلك فإن الساحر بامكانه تغيير ورقة اللعب التي كتب عليها اسمك واعطاك إياها، بتلك الورقة التي كتب عليها اسمه واحتفظ هو بها، لأنه كان يمتلك أصلا ورقة مكتوب عليها اسمه وقد قام بتغيير تلك الورقة التي مكتوب عليها اسمك دون ان تلاحظ نتيجة خفة اليد!
لكن ذلك الساحر ليس بامكانه ان يستبدل ورقة انت كتبت عليها اسم معين واحتفظت بها بنفسك دون ان تقع بيد الساحر، فالساحر لا يمتلك قدرة خارقة لتغيير الورقة التي لم تطالها يده لانه بكل بساطة لا مجال في هذه الحالة لاستخدام خفة اليد التي هي من الخداع البصري!
كما ينبغي التأكيد على ان ما تم نقله عن اتباع جند السماء وكرامات صاحبهم الكرعاوي من دسه يده في جسد شاة حية وإخراج لحم مشوي منها؛ ما هي الا مفتريات لا صحة لها، او ما ينقل عن أصحاب الدجال القحطاني او سواه من الرؤى والمنامات التي تثبت احقية ادعائاتهم كما يصفون ان صحت؛ ما هي الا من بدع العقل الباطن وشؤون المنامات ولا علاقة لها بالوحي الإلهي، والا فهي مجرد أكاذيب لا تنطلي الا على الغر من الناس.
خلاصة القول؛ ان ثقافة السحر المستشرية بين الناس هي ثقافة خاطئة، وهي مجرد خزعبلات واوهام لا حقيقة لها، وان الفارق بين المعجزة والسحر، ان السحر منطقي الى حد ما مجرد انه قد تم إخفاء الوسائل عنك، الا ان المعجزة غير منطقية ابداً، فالسحر عبارة عن خداع بصري، بينما المعجزة عمل خارق للعادة!
ان الزيدية وان كانوا قد غشوا بثقافة السحر السائدة، بيد انهم لا ينفكوا عن وجود انحراف عقائدي مستشري في اوساطهم، او اتباعهم للهوى وعنادهم ودخولهم في أمور فوق مستوى طاقة ادراكهم، حتى أدى بهم الحال الى تلك العاقبة الوخيمة.
