الاعتقاد بالسحر ورفض بيعة القائم عج (ج١)
وردت عدة روايات شريفة تتحدث عن رفض مجاميع مسلحة وشخصيات شيعية بارزة بيعة القائم عج، وطلبهم منه صلوات الله عليه ان يقدم لهم معجزة تثبت إمامته، ومع استجابة الامام القائم عج لهم وتقديم المعجزة، بيد انهم ينكرون عليه ذلك ويتهمونه بالسحر!
وهنا ينبغي علينا ان نفهم سبب طلبهم للمعجزة، وسبب انكارهم لها بعد ذلك واتهام الامام عج بالسحر!
لعلنا بينا في منشور سابق حادثة الرجل الاصفهاني الذي ينكر الامام القائم عج، وبعد ان يكون لإنكاره صدى في العالم الشيعي نتيجة مشهوريته وكثرة اتباعه، يقوم الامام عج باستدعائه وعند اللقاء به واستعلامه عن سبب انكاره، يطلب الاصفهاني من الامام القائم عج معجزة النبي ابراهيم عليه السلام، فيستجيب له الامام عج ويشعل نارا، ويلتمس الاصفهاني حرارة النار للتأكد من كونها ناراً حقيقية، فلما يدخلها الامام عج وتكون بردا وسلاما عليه، ينكر الاصفهاني ذلك على الامام عج ويتهمه بالسحر!
وكنا قد بينا ان الاصفهاني انما يكون قد انكر على الامام عج لاسباب عقائدية.
والمهم لدينا انه لماذا يتهم الامام عج بالسحر؟! حيث ان اتهامه للامام عج بالسحر من سأنه ان يضلل اذهان المؤمنين الحاضرين في ذلك المحفل.
يبدو ان ذلك الاصفهاني وبالإضافة الى انكاره ظهور الامام المهدي عج في هذه النشأة على ما يعتقده، فإنه يعتقد بحقيقة السحر وهو اعتقاد مخالف لما ورد عن مشهور الفقهاء ومنهم الامام الخوئي والامام السيستاني وسائر الفقهاء اعزهم الله، حيث يرى هؤلاء الاعلام بأنه (لا حقيقة للسحر) بمعنى انه لا يوجد تأثير حقيقي عن بعد من شأنه ان يغير حقائق الأمور وتغيير مسار الاقدار، فإذا ما تم التأكد من انعدام الخداع البصري حينئذ لابد من ثبوت المعجزة.
فلما كان ذلك الاصفهاني واقفا قرب النار ويشعر بحرارتها ويرى امام عينه ان الامام عج يدخل النار فلا تحرقه، وهنا ينعدم أمر الخداع البصري، اذ لا يوجد شيء اسمه انك تتخيل ان شخصا دخل النار وهو في الحقيقة لم يدخلها، فلا يوجد شيء اسمه تغشية البصر في هذه الحال، فأنت تشعر بحرارة النار فإذن هي نار حقيقية، وانت ترى بأم عينك الامام عج يدخل النار دخولا صريحا ولا يفصل بينه وبينها لا جدار ولا أي شيء مادي آخر يعصمه من احراق النار، ومع وجود الحشد الغفير من الناس الذين شهدوا الحادثة من جميع زواياها فلا يبقى أي احتمال لورود حالة الخداع البصري، ومع اعتقادك بعدم حقيقة السحر، لا يبقى حينها أي شك في ان ما قام به الامام عج انما هو معجزة كالتي قام بها النبي إبراهيم عليه السلام!
من هنا ينبغي علينا معرفة ان حقيقة امر السحر هو مخالف لما هو سائد عرفا، وأكرر (ما هو سائد عرفا) لذلك علينا ان نصحح اعتقادنا بما يخص امر السحر، كي لا نقع في ما سوف يقع به اؤلئك الذين اتهموا الامام عج بالسحر حينما قدم لهم المعجزة.
إذن من خلال معرفة حقيقة السحر نستطيع التمييز بينه وبين المعجزة، وبذلك نتجنب الوقوع في الفتنة، وأي فتنة؟ انها فتنة انكار القائم عج!
يرى فقهاء الطائفة الاعلام انه لا حقيقة للسحر، إي انه ما يتعارف عليه عرفا بالتأثير السلبي عن بعد، لا حقيقة لوجوده، فلا يستطيع المشعوذ (الساحر) ان يطير بلا واسطة، ولا يستطيع السير على الماء مخالفا لقوانين الجاذبية والكثافة، ولا يستطيع ان يغشي بصرك فترى قطعة القماش التي يخرجها المشعوذ من القبعة على انها طائر الحمام، وانما الحقيقة هي خداع بصري، أي ان المشعوذ يقوم بوضع حمامة داخل القبعة، ويجعل فوقها بطانة، فإذا ما نظرت اليها تجدها فارغة ولا ترى الحمامة لان الحمامة تحت البطانة، لكن لو اخذت القبعة منه ستجد ان البطانة موضوعة في منتصف القبعة فستعرف ان فيها شيء مخبأ، لكنك لبعدك عن القبعة بضع امتار لا تنتبه لذلك، فيقوم المشعوذ بوضع قطعة القماش داخل القبعة ثم يدخل يده ويزيح البطانة ويخرج الحمامة ويضع قطعة القماش داخل البطانة فيبدو لك ان قطعة القماش قد تحولت الى حمامة.
ويرى البعض ان المشعوذ بالفعل حول قطعة القماش الى حمامة ولكن ليست حمامة حقيقية وانما هو سحر يريك قطعة القماش حمامة، وكأنك لو اقتربت من يد المشعوذ ولمست الحمامة اما ان تلمس قطعة قماش او تمر يدك في بدن الحمامة كأنها هواء او لا شيء، وهذا امر غير صحيح فلا يوجد هكذا شيء، لا يوجد شيء اسمه تغشية للبصر او إصابة عين الرائي بتخيلات، وانما هو خداع بصري حقيقي كما بيناه آنفا، فالحمامة حقيقية وكانت مخبأة داخل القبعة ليس أكثر من ذلك!
اما ما تنقله بعض البرامج عن الساحر الأمريكي وغيره، بأنه يطير في الهواء ويمشي على الماء ويختفي من امام ناظرك ثم يظهر في مكان آخر او يقصم نفسه او غيره الى قسمين ويمشي بلا رأس وما الى ذلك، فتلك كلها خدع بصرية أو أكاذيب تصويرية ومونتاجات افلامية، ومن اجل معرفة ذلك راجع مقاطع الفيديو التي تبين بالادلة القاطعة فبركة تلك الأفعال وانها لا تعدو كونها اما مونتاجات تصويرية، او خدع بصرية ليس الا!
ولنذهب الى القرآن الكريم ونستعرض حادثة سحرة فرعون، هل كان سحرهم حقيقيا، أي ان عصيهم وحبالهم تحولت الى افاعي بهيئة تغشية البصر وايهامه بأن تلك العصي والحبال تحولت الى افاعي، ام ان ثمة خداع بصري ناتج عن تفاعلات كيميائية وحركات فيزياوية انتجت تلك الرؤى حقيقة؟!
فقد روي ما مضمونه ان السحر الذي اتى به سحرة فرعون، انهم كانوا قد عملوا عصي على هيئة افاعي وقاموا بتغليفها بمادة الزئبق فلما القوها في الشمس اضطرب الزئبق فتخيل للناس انها تسعى.
اذن هو ليس تغشية للبصر كما هو مشاع عرفا، اذ لم يتم تغشية بصر الناس الحاضرين، فعصي السحرة وحبالهم لم تتحول الى افاعي لا حقيقةً ولا تخيلاً، وانما هي عبارة عن صناعة عصي وحبال بشكل الافاعي وتم تغليفها بالزئبق فلما القيت بالشمس تفاعل الزئبق مع حرارة الشمس واضطربت معه تلك العصي والحبال، ومع وجود مسافة معينة بين الناس وبين تلك العصي والحبال لم يسعهم الانتباه الى حقيقتها، فظنوا انها تحولت الى أفاعي!
فلما القى النبي موسى عليه السلام عصاه تحولت بالمعجزة الى افعى حقيقية فالتهمت عصيهم وحبالهم، لذلك سجد السحرة وآمنوا بموسى عليه السلام، لانهم يعلمون انه لا يمكن بأي حال من الأحوال ان يتم تغشية البصر، فهم يعرفون جيداً ان موسى لم يسحر عيونهم بتحول عصاه الى هيئة افعى، كما ان قيام تلك الأفعى بالتهام عصيهم ليس من فنون وصناعة الكيمياء والفيزياء، فأيقنوا انها أفعى حقيقية، مما يستدعي ذلك امتلاك النبي موسى عليه السلام صلاحية التكوين بصورة ما، لذلك آمنوا به.
ولكن ماذا عن حديث القرآن الكريم بشأن هاروت وماروت وتعليم الناس السحر مما يفرق بين المرء وزوجه؟!
قبل الخوض في تفسير هذا الامر علينا أولا ان نبين ان موضوع السحر ثابت بالنص القرآني، وما نختلف عليه هو ماهية ذلك السحر، هل هو تأثير حقيقي عن بعد، ام ان له ماهية أخرى؟
ما هو مثبت من السحر ثلاثة انواع:
النوع الاول: استخدام انواع مختلفة من (السموم) التي تعمل على استهداف والاضرار بعضو معين في الجسم، فهنالك سموم تسبب السرطان (عافاكم الله) وهنالك سموم تسبب امراضا اخرى، منها ما يؤذي خلايا الجهاز العصبي ومنها ما يؤذي خلايا الدماغ، ومنها ما يؤذي اعضاء اخرى من الجسم كالمعدة او الجهاز التناسلي او البنكرياس … الخ
وهذا النوع من السحر الذي يستخدمه المشعوذون يتم فيه وضع المادة السمية في اناء الماء او العصير او الطعام فلا يكون لها تأثيراً الا من خلال تناولها من قبل الشخص (الضحية) وتسمى في عرف السحرة (التشريب) يقال ان ذلك الشخص المسحور قد اشرب سحرا، وفي الحقيقة انه تلقى مادة سمية، حيث توضع المادة السمية في قطعة قماش او يتم نقع قطعة القماش بالسم، ويتم عملها على شكل طلسم او حجاب، ويقال للضحية ان عليه نقعها بماء او نحوه من السوائل وجعل الضحية يتناوله!
النوع الثاني: هو الخداع البصري.
وهذا النوع يتم من خلال خفة اليد واستخدام بعض الاشياء المتقن عملها فيزياويا او كيمياويا او من كليهما بحيث لا ينتبه الرائي لها الى آلية الخداع البصري.
اما النوع الثالث: فهو القيام بأفعال تثبت أثر السحر لا حقيقته!
كيف ذلك؟
يقول الفقهاء عن هذا النوع (لا توجد حقيقة للسحر، لكن أثره حقيقي)
الكثير من جهلة الناس سيما النساء يذهبن الى المشعوذين (السحرة) وينفقن الأموال لكي يفرقن بين رجل وامرأته، والغالبية من تلك النساء لا ينجح معهن السحر لماذا؟!
بكل بساطة لانه لا توجد حقيقة لذلك النوع من السحر، لا بتنجيس آيات قرآنية، ولا بقلب الايات القرآنية بالكتابة، ولا بكتابة كلمات خزعبلاتية ودفنها مع عظمة كلب في مقبرة، او في الحديقة، ولا بإستعمال خصلة شعر من المجني عليه او قطعة قماش من ثيابه، ولا بعمل حجاب وخياطته بعبائة المرأة المسحور لها، ولا من خلال التحكم بالجن وما يسمى (التابعة) أو ما يقال عموما بأنه قد عمل له (عمل) فكل تلك الأمور لا تعدو كونها خزعبلات يضحك فيها على ذقون بعض الناس، وتنتهك فيها اعراض البعض وتسرق بها أموالهم من قبل المشعوذين!
لاحظ ان المرأة التي تشغل ذهنها بمثل هذه الخزعبلات، كيف ستكون حالها مع زوجها؟!
لاريب ان حياتها معه ستكون مشوشة يسودها القلق والتوتر والشكوك والريب والاوهام، وما يترتب على ذلك من آثار، هو ذلك الأثر الذي يسمى السحر (أي النوع الثالث) لذلك يقول الفقهاء بأن السحر لا حقيقة له، لكن أثره حقيقي.
فتلك النسوة بقيامهن بتلك الأفعال يتركن أثراً نفسياً سلبياً على حياتهن من شأنه التأثير في مسيرة حياتهن وتعاملهن مع ازواجهن واسرهن وفاعليتهن الاجتماعية، فيثبت أثر السحر ولا تثبت حقيقته!
وأنكر علمائنا الماضون تأثير السحر بقولهم: لا يمكن للساحر أن يقدر بسحره على قلب شيء عن حقيقته ، واستسخار شيء من خلق الله – إلا نظير الذي يقدر عليه من ذلك سائر بني آدم – أو إنشاء شيء من الأجسام سوى المخاريق والخدع المتخيلة لأبصار الناطرين بخلاف حقائقها التي وصفنا.
وقالوا: لو كان في وسع السحرة إنشاء الأجسام وقلب حقائق الأعيان عما هي به من الهيئات، لم يكن بين الحق والباطل فصل، ولجاز أن تكون جميع المحسوسات مما سحرته السحرة فقلبت أعيانها.
قالوا: وفي وصف الله جل وعز سحرة فرعون بقوله : ( فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ) [ سورة طه : 66 ]
قال تعالى (وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا، يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت)
ذكر القرآن الكريم تسخير النبي سليمان عليه السلام للجن والشياطين، وكان تسخيره إياهم من قبيل الامر الإلهي، وليس سحراً بالطبع، ولكن شياطين الجن والانس هم من يعلمون الناس السحر، اذ فصلت الاية الكريمة بين فعل التسخير بالامر الإلهي كونه حقيقة ربانية قرآنية، وبين فعل السحرة الذي هو مجرد حركات خداع بصري، وأساليب وسوسة تبدي تأثيراً نفسيا سلبيا موضوعيا لا أكثر ولا أقل.
قال تعالى (يعلمون الناس ما يفرقون به بين المرء وزوجه)
من خلال أساليب الكذب والخداع التي ينتهجها المشعوذون، يعملون على الإيقاع ببعض النساء اللآتي يذهبن اليهم بغية عمل السحر لازواجهن، وممارسة البغاء معهن، أو تعليمهن أساليب لاستمالة وإخضاع ازواجهن، وقد تكتشف تلك الأساليب بكل بساطة عند العثور على تلك الاعمال على شكل (حجابات) ونحوها من قبل الزوج او أهله، او يصل خبرها الى الزوج كون ان المرأة لا تتمكن غالبا من حفظ الاسرار فربما تقوم بإفشاء سرها الى بعض النساء المقربات، وهكذا حتى يصل الامر الى مسامع الزوج، ونحوها من المسببات التي تحدث المشاكل بين الزوجين، اذ تسبب تغير نفسية الزوجة تجاه زوجها واشمئزاز ونفور الزوج من زوجته وبالتالي تحقق الطلاق والانفصال، وذلك ما يصب في صالح نزوات أولئك المشعوذين.
وختاما نقول: لو كان للسحر حقيقة، لما احتاج السحرة الى الاسترزاق من خلال مهنة الشعوذة المهينة، واستجداء ما في ايدي السذج من الناس من أموال عن طريق بذل الجهود الحثيثة على استغفالهم وخداعهم، وما يتعرض له هؤلاء المشعوذون من ملاحقة السلطات الحكومية ونقمة الجماعات المسلحة وغيرها، فلو كان السحر حقيقياً لكان اجدى بالسحرة ان يعملون على سحر اعين الناس وسلب أموالهم بشتى الطرق الهينة واليسيرة.
ولو كان للسحر حقيقة، لما توانت مراكز الأبحاث الغربية العلمية السايكولوجية ودونها، من البحث بشأنه واجراء التجارب العلمية عليه، واستخدام تلك الطاقة الخارقة كسلاح في الحرب النفسية والمعارك الميدانية، وسواها من المجالات التي تخدم المجتمعات والجيوش الغربية وتضر بأعدائهم، او على الأقل الحد من ضرر السحرة على الناس، ولو كان هنالك اضراراً فعلية نتيجة السحر لكثرت تلك الأفعال وكثرت آثارها ولبانت آثارها بوضوح في المجتمعات ولتسببت بكوارث مجتمعية، حيث لم يورد لنا التأريخ أي حالة تذكر بهذا الصدد.
خلاصة القول ان السحر كقوة خارقة مؤثرة بمعناه الثالث (التأثير السلبي عن بعد) لا حقيقة له، وان ما يشاع بين الناس هو موروث قرون من الجهل والتخلف الذي دب في المجتمع الإسلامي والمسيحي واليهودي وغيرها من المجتمعات على حد سواء، وان الثابت من السحر هو الصنفين الأول والثاني.
ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: وما هم بضارين به من احد الا بإذن الله.
وفيه دفع لما يسبق إلى الوهم أن السحرة بذلك يفسدون أمر الصنع والتكوين ويسبقون تقدير الله عز وجل ويبطلون أمره، فدفعه بأن السحر نفسه من القدر لا يؤثر إلا بإذن الله فما هم بمعجزين.
وتأكيدا على ضعف كيد المشعوذين قال تعالى{ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى } [طه:69] .
لاحظ قوله تعالى (كيد ساحر) أي ان السحر كيد وخداع ليس الا وليس حقيقة خارقة، ولا يفلح الساحر في إيقاع الضرر المادي بالصورة الخارقة مهما حاول ومهما صنع.
في القرآن الكريم وردت سورتي الفلق والناس، واشتهر عنهما انهما تمثلان رقية من السحر، فقد ورد في سورة الفلق (ومن شر النفاثات في العقد) إذ قال بعض المفسرين من المخالفين ان النفاثات في العقد هو عمل يقوم به بعض السحرة من قبيل السحر (التأثير عن بعد) حيث اراد بعضهم اثبات ادعاء المشركين بأن النبي حاشاه كان مسحوراً.
في الحقيقة ان ما تحدثت به سورة الفلق انما هو التعوذ الموضوعي من مصادر الشر الثلاثة، اذ ان الله عز وجل لم يخلق شراً، انما خلق الخلق والخلق مخير بين عمل الخير او عمل الشر.
قال تعال: قل اعوذ برب الفلق.
(رب الفلق) أي الخالق المبدئ.
(من شر ما خلق) قيل: خص عالم الخلق بالإستعاذة منه لإنحصار الشر فيه، فإن عالم الأمر كله خير.
(من شر غاسق اذا وقب) أي من شر الظلم والجور والبغي والطغيان.
(من شر النفاثات في العقد) أي من شر النفوس الامارة بالسوء التي تسول لاصحابها القيام باعمال الشر من اجرام وسرقة واعتداء على الاعراض والحريات وما الى ذلك.
فالعقد هي المشاكل والمصائب، والنفث هو افتعالها وايقاعها.
إي من شر النفوس التي تفتعل المشاكل.
(من شر حاسد اذا حسد) أي من شر بعض المقربين من ذوي النفوس المريضة والقلوب الزائغة من الاخوة والأصدقاء والجيران وزملاء العمل ونحوهم، ممن يغتم لما يسرك وما رزقك الله به من فضله، فيظهر حسده ويعمل بمقتضاه.
لاحظ ان سورة الفلق تتحدث عن الاستعاذة من الضرر المادي الموضوعي، بينما سورة الناس تتحدث عن الاستعاذة من الضرر النفسي المعنوي.
قال تعالى: قل اعوذ برب الناس ملك الناس اله الناس.
أي اعوذ بالله تعالى الخالق للناس والمالك للناس والمتصرف بشؤونهم، فكل شيء بيده عز وجل من عوالم محسوسة وغير محسوسة.
(من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس)
الوسوسة هي الوجه الثاني للشر، والذي يتعامل مع القلب والنفس لا مع الجسد، من قبيل وسواس شياطين الجن والانس، الذين يعملون على انحراف الناس عن الصراط المستقيم في حياتهم الشخصية واسرهم ومجتمعاتهم، وبالطبع فإن واجهة النفس والقلب التي تتقبل الوسوسة هي الهوى.
قال تعالى: فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فان الجنة هي المأوى.
نلاحظ مما مضى ان سورتي الفلق والناس قد خليتا من موضوع السحر، الا اللهم ما يتعلق بموضوع الوسوسة والضرر النفسي، وهما ليسا مما يتعلق بالسحر المقصود فيه الضرر في (التأثير عن بعد)
من خلال ما مر من تفصيل تبين لنا عدم وجود حقيقة للسحر، وانه لا يعدو احد ثلاثة أمور:
1- استخدام السموم.
2- الخداع البصري.
3- الايهام والتأثير المعنوي.

جزاك الله خير سيدنا . شرح جدا واضح للشعوذة والسحر
إعجابLiked by 1 person