بحث علامة السفياني (الجزء الأول)

السفياني بين الإفراط والتفريط.

مقدمة.
السفياني هو أحد علامات الظهور للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، وهو من العلامات الحتمية، أي واجبة التحقق، وكما ورد في الروايات الشريفة أن السفياني من المحتوم، وإنه حتمٌ من الله، وإنه حتمٌ لا بد منه، وانه لا مهدي بلا سفياني، وبذلك يتضح أن وجود السفياني في سيناريو أحداث الظهور، إنما هو جزء من التخطيط الإلهي للظهور الشريف، وإن السفياني يمثل قوى الباطل التي بوجودها يستبان اهل الحق، فالسفياني كما عده بعض الفضلاء شرطٌاً من شروط الظهور الشريف، لكنه ليس شرطاً بمقام العلية، وانما هو شرط لمقتضيات المقام.

كما وأختلف الباحثون في كثير من جنبات شخصية السفياني، فمنهم من عده فكراً وحصره في جهة معينة بالاستناد الى قضية مرحلية (مثل تنظيم داعش) وبعضهم من عده شخصاً بيد إنه نسبه مرة الى النواصب، وتارة الى ان يكون زعيم دولة عظمى كالولايات المتحدة أو روسيا، وهكذا شط كثير من الباحثين عن حقيقة السفياني، وما ذلك الا لأمرين:

أولهما: ابتعاد الباحث عن مرويات أهل البيت عليهم السلام، واتباعه منهج التسطيح الفكري (المنهج الحشوي) او ما يسميه بعض الفضلاء (النظرة العامية) في بحثه عن شخصية السفياني، وسقوط بعض من الباحثين في هاوية التشخيص المزاجي والاستحسان والتأثر بالأحداث المرحلية سيما الإستراتيجية منها، وكمثال على ذلك تسلط تنظيم القاعدة ومن بعدها تنظيم داعش على مناطق كثيرة في العراق وسوريا، مما دعى بعض الباحثين الى اسقاط مفهوم السفياني على هذه الجماعات الإرهابية او قياداتها كالزرقاوي والبغدادي وغيرهما، ومنهم من قال ان السفياني فكر وليس شخصاً، ومنهم من قال: ان السفياني هو الرئيس الأمريكي أوباما، ولما اتى من بعده الرئيس الجدلي ترامب قالوا: هو السفياني، ولعلهم الصقوا تهمة السفياني اليوم بالرئيس الحالي جو بايدن، وبعضهم قال: ان السفياني هو الرئيس الروسي بوتين، وبعض اسقط شخصية السفياني على الملك عبد الله، وهكذا وقعت علامة السفياني ما بين الافراط والتفريط!

وثانيهما: عدم سبر أغوار روايات الظهور الشريف واستنطاق بواطنها، وذلك يعود الى افتقار كثير من الباحثين للتخصص الحقيقي المطلوب للتعامل مع روايات علامات الظهور الشريف، وكذلك تباين مناهج البحث التي استخدمها الباحثون والاعم الاغلب منهم اتبعوا منهج التسطيح والحشوية.

عوامل الافراط والتفريط في تشخيص علامة السفياني:
ثمة ثلاثة عوامل تتعلق بمسألة الإفراط والتفريط بما يخص علامة السفياني، وهي:
(١) خصائص نصوص علامات الظهور.
(٢) الباحث.
(٣) منهجية البحث في روايات العلامات.
هذه العوامل الثلاثة تتداخل فيما بينها، كاشفة لنا عن أسباب الإفراط والتفريط، وسوف نعرض لها بالتفصيل.

(١) خصائص نصوص علامات الظهور:
تمتاز النصوص المستخدمة في البحث في القضية المهدوية، بخصوصيات تميزها عن النصوص المستخدمة في الفقه وبقية المواضيع العقائدية، مع اشتراك الجميع ببعض الأمور الأخرى، وهنا سنعرض لتلك الخصوصيات التي تميز نصوص علامات الظهور عن غيرها من القضايا الدينية:
أ‌- طبيعة النص بحيثية بنيته ومقتضيات تلك البنية.
ب‌- طبيعة النص بحيثية مضامينه.
ج‌- التحقيق السندي والمتني.

أ- طبيعة النص بحيثية بنيته ومقتضيات تلك البنية:
تم صياغة مضمون النص العلاماتي، على أسس التوصيف الرمزي لأحداث وشخوص علامات الظهور، والتي اعتمد فيها أهل البيت عليهم السلام، القياس على أحداث ومناطق وشخصيات ومفاهيم تأريخية، وذلك من أجل إضفاء حالة من “التجفير” أي الاخفاء للعلامات بالصورة التي لا يمكن ان يتم كشفها الا في حالتين:

الأولى: كشفها من قبل الباحث المتخصص.
وذلك من أجل إحاطة علامات الظهور بشيء من الحصانة، كي لا يحصل المدعون لشخصيات الظهور على حجج قوية تثير شبهات بالغة الأثر في مجتمع المنتظرين.

الثانية: لا يمكن كشفها الا في زمان اقتراب تحققها.
وذلك كي لا يتم كشف شخصيات الظهور الا قرب تحقق العلامات، من أجل تفويت الفرصة على المدعين من إدراك تلك الحقائق وانحسار الأمر على جزء من مجتمع المنتظرين، والذين يقع على عاتقهم القيام بالدعوة والتمهيد للقائم عج وقيادة مجتمع المنتظرين.

وان هاتين الميزتان هما من تدبير أهل البيت عليهم السلام، وبالإضافة الى ذلك فإن التوصيف بالقياس على مسميات تأريخية يشي بصورة أوضح عن مسميات أحداث الظهور الشريف، وعادة ما يكون ثمة ترابط بين الدالة التأريخية، والمدلول عليه، إن من خلال كون حدث العلامة امتداداً للدالة التأريخية، أو أن يكون ثمة مشتركات توصيفية بين الدالة التأريخية والمدلول عليه من العلامات.

ب- طبيعة النص بحيثية مضامينه:
تتميز مضامين النصوص تبعاً لطبيعة حراك علامات الظهور الشريف؛ بأنها تشتمل على احداث سياسية وأمنية، وأخرى مجتمعية وعقائدية، وثالثة جغرافية وتأريخية، ورابعة تتعلق بميزات عصر الظهور الشريف ذاته نسبة الى غيره من العصور السالفة من تطور تكنولوجي وما الى ذلك، هذا وسوف نتحدث عن هذه الخصيصة وأثرها على تحليل روايات علامات الظهور الشريف فيما يلي.

ج- التحقيق السندي والمتني:

اولاً: التحقيق السندي:
هو تحقيق الروايات الشريفة بحيثية اعتبار الروايات سنداً، وكان الباحثون بهذا الصدد على ثلاثة فئات:

١- باحثون تعاملوا مع روايات العلامات كتعامل الفقيه مع روايات أصول الفقه من حيث التشدد السندي، فأدى ذلك الى تضعيفهم غالبية روايات العلامات الى درجة إصدارهم حكماً بعدم حجية روايات العلامات اجمالاً نظراً لقلة الروايات المعتبرة، وفق مبنى التشدد السندي.

٢- باحثون تعاملوا مع النصوص الروائية بالتسامح المطلق، حيث عدوا روايات علامات الظهور بأنها أخبار عن مستقبل بعيد لا تطرح أي إشكالية سياسية او امنية او ما شاكل ذلك من الأمور التي قد تستثير الحكومات الطاغوتية كبني امية وبني العباس مثلاً لكي تدفعهم لتحريف تلك الروايات والدس فيها عن عمد!

٣- باحثون تعاملوا بأمر وسط من خلال التشدد السندي في الروايات المتعلقة بإثبات أصل العلامة، والتسامح الجزئي في اسانيد الروايات التي تضمنت تفاصيلاً غير أساسية عن العلامات، ويشترطون في هذا التسامح النسبي ان يكون منطوق الرواية مقارب لمنطوق روايات إمامية معتبرة، وبذلك تم الاخذ بمنطوق بعض الروايات الضعيفة السند وحتى بعض الروايات العامية، وأحسب ان المنهجين الأول والثاني قد شطا عن الواقع وسقطا في أتون الافراط والتفريط.

ثانياً: التحقيق المتني.
ثمة خصيصتان تتعلقان بمتون الروايات قد خفيتا على كثير من الباحثين، الا وهما:

أ- تعدد طرق الرواية ذاتها.
ب- نقل الرواية من قبل عدة مصادر تأريخية.

هاتان الخصيصتان كان لهما الأثر البالغ في إحداث تغييرات في بعض أجزاء متون الروايات أدى الى التشويش على مداليل العلامة او الحدث في تلك النصوص الروائية، مما يقتضي ذلك ضرورة التحقيق في المتون الواردة ومعرفة مواضع الخلل فيها من (تصحيف، اضافة، حذف، استبدال في بعض الألفاظ والعبارت، الاسقاط سهواً، ومعتريات النسخ وما الى ذلك) وهي عملية اشبه بعملية طبابة الكتب في مكتبات المخطوطات، حيث تتضمن المكتبة ردهة اشبه بالمستشفى مكتظة بالأجهزة المختبرية والمواد الكيمياوية وما الى ذلك، من اجل ان يقوم المختصون بمعالجة السوس الذي اضر ببعض تلك المخطوطات وإعادة ترميمها، وكذلك يعمد الباحث المتخصص في القضية المهدوية الى تطبيب متون الروايات بغية التوصل الى الغاية المرجوة.

(٢) الباحث:
ثمة أربع عوامل تحدد طبيعة الباحث في قضية علامات الظهور الشريف، بعضها متعلقة بخصوصيات نصوص علامات الظهور وبعض آخر منها متعلق بعنصر التوفيق الإلهي وهي:

أ‌- هدى الباحث وفرادته.
ب‌- تخصص الباحث.

أ‌- هدى الباحث وفرادته:
لا بد أن يكون الباحث من مجتمع الهدى المتمثل بجهتين:

الاولى: المرجعية القائمة بأمور الدين والموكول اليها ذلك من قبل القيادة الإلهية المغيبة.

الثانية: مجتمع المؤمنين المقلدين للمرجعيات الدينية.

أن الباحثين الذين ينتمون ظاهراً الى مجتمع الهدى، فيهم المهتدي وفيهم البتري والزيدي وما الى ذلك، وهؤلاء أشبه بالمدعين حيث يجرون البحوث –سيما التي تتعلق بشخوص الظهور – وفق قناعات سابقة الى شخصيات معينة غالباً ما تكون من قاداتهم أو خصومهم، مما يكشف عن افتقارهم الى خاصية التجرد في البحث!

وبحكم مقتضيات بنية النص بالشكل الذي جرى عليه، وبحكم الواقع العملي للتمهيد للظهور الشريف، فإن ثمة باحث واحد ممهد من بين باحثي مجتمع الهدى سيكون مستوفي لشروط الباحث المتخصص ينبغي البحث عنه بل والتضرع الى الله تعالى بالإهتداء اليه، وذلك يقتضي من قبل الباحثين الأخرين حالة من التواضع ونكران الذات، وكذلك يقتضي مزيداً من الإطلاع والتدقيق في أطروحات الباحثين الآخرين، وهي حالة أِشبه من حيث الشكل بشرط ذوي الخبرة الذين يشيرون الى الأعلمية في الفقه، حيث لا بد من وجود أعلمية في البحث في القضية المهدوية دون تقليد بالطبع، وأحسب ان ثمة إشارة من قبل اهل البيت عليهم السلام الى هذا الموضوع، بتوجيههم الشيعة للالتفاف حول اليماني الموعود الداعي الاهدى الى المهدي عج، على ان لا يعدم ذلك التثقف بثقافة القضية المهدوية اجمالا حتى يتم التوفيق للوصول الى أيام ذلك العبد الصالح (اليماني الموعود)

ب‌- تخصص الباحث:
لكل علم تخصص، ولعلم علامات الظهور الشريف تخصصه، والتخصص يأتي من طبيعىة موضوع العلم، ولعل غالبية الباحثين وغالبية العوام فرّطوا في صفات المتخصص، فكل من درس العلوم الدينية وتحدث عن علامات الظهور بحثاً وتقصياً عده العوام متخصصاً، لمجرد امتلاكه بعض الصفات العامة للتخصص، من كونه طالب علوم دينية، أو لديه شهادة عليا، أو لمزاولته للأبحاث العقائدية والتأريخية وتأليفه بعض الكتب في تلك المجالات، وذلك تفريط خطير أدى بالنتيجة الى تشتت الفهم العام لعلامات الظهور بسبب تعدد الأطاريح.

كما ان تخصص الباحث يتعلق بحيثية مضامين النصوص، وكما أسلفنا أنها تشتمل على احداث سياسية وأمنية وأخرى مجتمعية وعقائدية، وثالثة جغرافية وتأريخية، ورابعة تتعلق بميزات عصر الظهور الشريف ذاته عن غيره من العصور السالفة.

من ذلك ينبغي ان يتصف الباحث المتخصص بالصفات التالية:
١- ان يكون الباحث رجل دين.

٢- ان يكون الباحث خبيراً بشؤون السياسة والأمن والتاريخ والجغرافيا والديموغرافيا لمنطقة الظهور الشريف.
٣- ذكاء وفطنة الباحث ووعيه الشامل بالقضية المهدوية.
٤- التوفيق الإلهي.

١- ان يكون الباحث رجل دين.
حيث نجد ان ثمة جوانب دينية وعقائدية في العلامات، والتي تستوجب أن يكون المتخصص في تحليل روايات العلامات، يمتلك صفة رجل الدين العارف بالتحقيق السندي والمتني للروايات.

٢- ان يكون الباحث خبيراً بشؤون السياسة والأمن والتاريخ والجغرافيا والديموغرافيا لمنطقة الظهور الشريف.
ان مضامين النصوص تتكلم عن أحداث ما قبل الظهور الشريف في فترة الإعداد والتمهيد، والتي هي في غالبيتها أحداث سياسية وأمنية، مما يستوجب أن يكون الباحث المتخصص في تحليل روايات علامات الظهور الشريف عارفاً بالأمور السياسية والأمنية، ويمتلك الخبرة العملية فيها، اذ ينبغي ان تكون لديه تراكمات في العمل السياسي والجهادي، وان يكون خبيراً بجيوبولوتيك وديموغرافيا المناطق التي تجري فيها أحداث الظهور الشريف من النواحي التأريخية والمعاصرة، والأهم من ذلك كله أن يكون الباحث ممن يقول بقرب الظهور الشريف وإمكانية تحققه في زمانه، وفق ادلة علمية ناهضة، والا فإن الباحث سوف يطرح عدة احتمالات ممكنة، على هيئة اطاريح لا يرجح أي منها الا بقرينة الظن بأن عصره هو عصر الظهور الشريف، وفي هذه الحال فإن الظن لا يغني عن الحق شيئا، وبالتالي تبقى الامة تدور في حلقة مفرغة ومتاهات الغيبة التي لا نهاية لها، اذ تجول فيها كجولان النعم تطلب المرعى فلا تجده.

٣- ذكاء وفطنة الباحث ووعيه الشامل بالقضية المهدوية:
ينبغي أن يكون المتخصص بالتعامل مع روايات علامات الظهور، متصفا بمقدار عال من الذكاء والفطنة بالتحليل التأريخي والجيوبولوتيك للأحداث والمناطق والشخوص والترابط فيما بينها، وفهم الظروف الموضوعية للأحداث، وفهم طبيعة مراد اهل البيت عليهم السلام من اختيارهم للمسميات التأريخية، وجوانب انطباقها على مسميات الظهور الشريف.

ومن خلال حيثية بنية النص ومقتضيات تلك البنية أي (التوصيف الرمزي لأحداث وشخوص علامات الظهور) فقد أهمل بعض الباحثين هذه الخصيصة، فمثلا في حديث الرواية عن السفياني: (السفياني عثمان بن عنبسة) والرواية (السفياني عثمان وابوه عنبسة) فإن ثمة قياس على شخصية تأريخية تشترك مع السفياني الملعون ببعض الصفات، فالرواية الأولى اطلقت على السفياني إسم عثمان بن عنبسة، وذلك الرجل شخصية تأريخية من أسلاف السفياني، والرواية الثانية فككت الإسم، من أجل تحليل اسم السفياني واسم ابيه كلٌ على حدة، بينما أهمل غالبية الباحثين تلكما الخصيصتين، واعتبر بعضهم اسم عثمان بن عنبسة هو الإسم الحقيقي للسفياني، والبعض الآخر عده اسماً رمزياً يشير الى صفات مجهولة، والرأي الأخير هو الأغرب، اذ ان نسبة المجهول الى روايات العلامات مساو لنسبة العبث الى اهل البيت صلوات الله عليهم، او نسبة القصور الى أولئك الباحثين وهو الأولى.

٤- التوفيق الإلهي:
التوفيق الإلهي هو العنصر الأساس الذي يحدد الباحث المتخصص، وذلك كون القضية عنوان البحث هي قضية متعلقة بالله تعالى خالق الخلق ومشرع الأديان، إذ أن هذه الخصيصة تتعلق بسنن الهية من جهة وبمسألة هدى الباحث من جهة أخرى، وكلا العلقتين مكملة للأخرى، فمن بين باحثي مجتمع الهدى ثمة باحثين تنطبق عليهم قوانين السنن الإلهية، وكمثال على ذلك: قوله تعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا. فسبل الله تعالى ونبيه وأهل بيته عليهم السلام لا تُنال الا بالجهاد فيه تعالى، فالباحث المتخصص ينبغي أن يكون من مجتمع الهدى، وينبغي أن يكون مجداً مجتهداً مجاهداً، وينبغي أن يكون ذو صفاء عقائدي على مستوى النظرية والتطبيق، وان يكون صاحب مشروع تمهيدي، وينبغي ان يحوز على كافة متطلبات تحصيل التوفيق الإلهي.

(٣) منهجية تحليل روايات العلامات:
ثمة مناهج متباينة يتبعها الباحثون في التعامل مع روايات علامات الظهور الشريف، بيد ان غالبية تلك المناهج كانت بعيدة عن الضوابط العلمية، رغم ان أولئك الباحثين غالبيتهم من أساتذة الحوزة العلمية، بالنتيجة كانت خارطة الأحداث لديهم ضبابية!

يتبع غالبية الباحثين منهجية تحليل الروايات كل على حدة وهو ما يسمى بالمنهج الحشوي، او العبثي او اللامنهجية في التحليل، اما البعض الآخر فيتبع منهجية المنظومة الروائية، والأخيرة هي المنهجية الأكثر رصانة وواقعية.

تتحدث منهجية المنظومة الروائية عن تضمين اهل البيت عليهم السلام لأخبار احداث وعلامات الظهور الشريف في مروياتهم على هيئة مقاطع شبيهة بلعبة البازل (لعبة تجميع الصور المقطعة) إذ عند تجميع مقاطع الصورة معاً وبالهيئة الصحيحة تتضح لنا الصورة جلية، وعند تطبيق هذه المنهجية على جميع علامات الظهور الشريف تستبين لنا خارطة أحداث الظهور الشريف الحقيقية، ويبدو لنا ان هذه المنهجية هي الاصح والأدق بل هي الكاشفة لعلامات الظهور والمحددة لأطر خارطة الاحداث العلاماتية.
أما خارطة الأحداث العلاماتية فالمقصود بها التشخيصات الحقيقية لأحداث وعلامات الظهور الشريف بحدود المكان والزمان، بل ويتعدى ذلك الى التشخيصات الحقيقية لشخوص الظهور الشريف، والأخيرة تصح قبيل الظهور الشريف وشروع تلك العلامات بالتحقق.

مناشئ اختلاف الباحثين في تحديد هوية السفياني:

كما أسلفنا فقد اختلف الباحثون في تشخيص هوية السفياني وكالآتي:
هل هو شخص أم فكر؟
هل هو ناصبي أم قومي؟
هل هو عدو أم صديق أم هو عدو وصديق في الوقت ذاته؟!

ذلك الاختلاف بين الباحثين يعود الى العوامل الثلاثة التي ذكرناها آنفاً، وأهما ما يتعلق بالباحث، والعلاقة علاقة اضطراد بين الباحث المهتدي الموفق الفطن المتخصص تخصصاً حقيقياً، وبين اقترابه من حقائق العلامات، وكذلك احاطة الباحث بخصائص روايات علامات الظهور، واتباعه لمنهجية صحيحة في البحث في تلك الروايات.

لسنا هنا في معرض التحقيق في مصداقية آراء الباحثين حول شخصية السفياني، ولكننا بصدد معرفة أسباب الاختلاف في تشخيص هوية السفياني، وعندما نعرض لبعض الأمثلة فإننا لا نريد بذلك ترجيح بعض الآراء على بعض ولا تقييم الباحثين بالضرورة.

لقد تأثر بعض الباحثين بالأحداث المرحلية ووقعوا ببعض الشبهات، فرأوا أن السفياني فكر لا شخص، وتجاهلوا كماً من القرائن الروائية التي تدل على أن السفياني شخص بعينه، لكن حتى لو تنزلنا جدلاً في الحديث عن كون السفياني جهة ما، فإنه لا بد من وجود شخص بعينه يقود تلك الجهة وهو السفياني.

كما ان بعضاً آخر من الباحثين من اثباتهم لكون السفياني رجل، فإنهم اختلفوا في فكر السفياني؛ هل هو ناصبي ام غير ناصبي؟ فقال اغلبهم: إنه ناصبي، اعتمادا على طبيعة التسمية وعلى مرتكزاتهم الذهنية، حيث ان السائد العرفي هو لصق تهمة الإرهاب والتكفير بالأموية تشبيهاً لهم بقتلة الامام الحسين صلوات الله عليه وذلك هو المرتكز في اذهان الكثير، غير ان بعض الباحثين ومن خلال تدقيقهم في بعض القرائن الروائية قالوا: إن السفياني ليس ناصبي ولا سني حتى. وكأنهم يشيرون الى كونه رجلاً قومياً أو علمانياً بصورة أعم، بل زادوا على ذلك بأن السفياني سوف يكون صديقاً للتشيع السياسي، وحليفاً استراتيجياً ضد العدو المشترك وهم النواصب، حتى يتمكن وتستتب له الأمور فينقلب على الشيعة.

اما بعض من الباحثين ومن منطلق المسؤولية المباشرة – كما هو حال الباحثين – في بعض مراكز الدراسات الحوزوية – اذ وقعوا في مصيدة التشدد ضد محاولات تغيير الأفكار الشائعة عن العلامات، والتي هي في غالبيتها أفكار سطحية حشوية قد عفى عليها الزمن، فحاربوا عن حسن نية كل من اتى بأفكار جديدة وعدوا بعضهم في جانب الدجالين والمدعين، وان كان في حقيقته مملوءً هدى وصلاح من اعلى رأسه حتى أخمص قدميه! فالسفياني لدى هؤلاء الباحثين إسلامي متطرف سلفي المذهب لا جدال فيه.

قال تعالى عز وجل: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير) أي ذلك الذي يجادل في امر الله عز وجل بلا علم رصين، ولا هدى مكين، ولا حقيقة منيرة واضحة.
وبعبارة أخرى أي ان ذلك الذي يجادل في الامر الالهي بلا عقل سليم ولا نقل صحيح، ولا هدى صريح، ولا توفيق إلهي، بل بمجرد الرأي والهوى.

ونلاحظ هنا الفصل بين العلم والهدى والكتاب المنير.
فالعلم لوحده لا يوصل الى الغاية بلا هدى، والعلم والهدى لا يصيبان الحقيقة بلا توفيق الهي أي الحقيقة الإلهية او الرفد الإلهي، فكل شيء من الله والى الله تعالى، فالهداية من الله تعالى والتوفيق الى الحقيقة لا يكون الا بإذن الله عز وجل، والاذن الالهي هو سنخ مشيئته الحكيمة، فهو لا يشاء الا لحكمة، والطافه النازلة لا تكون الا لاستحقاق، وما بين المشيئة الحكيمة والاستحقاق الايماني ينزل التوفيق الإلهي والهداية الى سبل الله العليا، ومثالها في المقام هو التمهيد لظهور الامام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف.

فكرة واحدة على ”بحث علامة السفياني (الجزء الأول)

أضف تعليق