المحاضرة الثالثة:
دومينو استقلال الدول الكبرى الإقليمية:
تركيا ووهم الدولة العظمى.
ان الصراعات العالمية الأخيرة، سيما الحرب الروسية للسيطرة على أوكرانيا، ايقظت لدى بعض الدول التي تمتلك ثروة اقتصادية وموقعاً جيواستراتيجياً هاجس الاستقلال عن تبعية الغرب والسعي لتقليد روسيا والصين، وإقامة الدولة الكبرى الاقليمية التي قد يتسنى لها مستقبلاً ان تصبح دولة عظمى منافسة لتلك الأقطاب الثلاث (الولايات المتحدة، روسيا، الصين) سيما ان تلك الدول الكبرى الإقليمية تمتلك تاريخاً امبراطورياً عريقاً كتركيا والمملكة السعودية والجمهورية الإسلامية وسوريا، اذ يتطلع العالم اليوم على أثر المتغيرات الأخيرة نحو تغيير جذري يلوح في الآفاق لرسم ملامح عالم جديد.
الدولة التركية هي في مقدمة تلك الدول التي ترنو الى تحقيق حلم الاستقلال عن التبعية للغرب وإقامة دولة عظمى، حيث كانت غاية أحلام الاتراك في يوم ما ومنذ سقوط الإمبراطورية العثمانية، هو الانضمام الى الاتحاد الأوربي، والذي بات حلماً بعيد المنال لدولة غالبية سكانها من المسلمين، إذ ان الاوربيين لا يمكنهم بأي حال من الأحوال ان يتناسوا وان يوصدوا بوابة التاريخ ويغضوا البصر عن قرون من الصراعات الاوربية مع الدول الإسلامية التاريخية، لاسيما تلك الدول التي انشأها الاتراك على انقاض الإمبراطوريات والدول الصليبية، وآخرها ستة قرون دامية في صراعات الاوربيين مع الإمبراطورية العثمانية.
بدى من خلال الصراع الدولي ما بين روسيا والولايات المتحدة عقب احتلال العراق عام ٢٠٠٣ من قبل التحالف الدولي الغربي وعلى اثر احداث دومينو (الربيع العربي) وتهديد مصالح الروس ونفوذهم في العراق وليبيا وسوريا؛ انه قد دُق ناقوس الخطر لدى الروس، مما حدى بهم للتوجه نحو تطوير صناعاتهم العسكرية، وكان ذلك هو السبيل الوحيد لديهم والذي يستطيعون من خلاله موازنة كفة المعادلات السياسية المتعلقة بالنفوذ والمصالح الروسية في العالم مع الولايات المتحدة والغرب، وبالرغم من امتلاك روسيا امتياز السلاح النووي، بيد ان التفوق التكتيكي في مجال الأسلحة التقليدية هو الأساس في توجيه دفة الصراع السياسي، فالصراع على القطبية العالمية أساسه السياسة لا الحروب العسكرية، والأخيرة هي مجرد أداة تكتيكية تستخدم لحسم القضايا السياسية الجزئية المتعلقة، كمثال الحرب ضد الإرهاب في سوريا والتي اتخذت كذريعة من قبل الامريكان والروس لغرض فرض النفوذ وتحقيق المصالح، وخلق حالة من الديناميكية السياسية في المنطقة تصلح لأن تكون أرضية خصبة لمشاريع إقليمية مستقبلية لصالح الأقطاب الدولية المتنافسة وحلفائهم.
ان تلك الديناميكية السياسية تبين فيما بعد انها لا تخدم الطرف الدولي الذي يهدف الى المناورة من اجل إيجاد هيكلية لرسم خارطة جديدة للمنطقة تحت مسمى (الشرق الأوسط الجديد) بالشكل الذي يجعلها تعود الى دائرة التبعية للغرب، وذلك الطرف هو الولايات المتحدة بالطبع، أما الطرف الثاني وهو روسيا بزعامة بوتين، فإنه يسعى الى تغيير شكل ونمط خارطة العالم برمته، ليصبح عالماً متعدد القطبية وبذلك يتم كبح جماح حلم الامبريالية الامريكية والذي اريد له بطبيعة الحال ان يتحقق على حساب النفوذ والمصالح الروسية، كما حصل في العراق وليبيا وتم التصدي له في سوريا.
في الجانب الاقتصادي يعول الروس بمعية الصين ودول أخرى على إيجاد وانتشار نموذج دومينو (التعامل الاقتصادي بالعملات المحلية) بغية التصدي لهيمنة الثالوث النقدي (الدولار واليورو والجنيه الإسترليني) في مقابل صعود ثالوث جديد منافس وهو (الروبل واليوان وربما (خليج)) وخليج هو عملة خليجية موحدة لدول الخليج العربية، وبالطبع تعول روسيا في انجاز المشروع النقدي العالمي الجديد على أمرين:
الأمر الأول: هو المضاربة بالغاز والنفط الروسي المصدّران الى الدول الاوربية.
الأمر الثاني: هو تعطيل أكبر اقتصاد اوربي يمد اوربا والعالم ببعض احتياجاته الأساسية (أوكرانيا) لذلك وبمعية الأسباب السياسية والأمنية الأخرى عمدت روسيا الى احتلال أوكرانيا.
بالعودة الى السياسة ونظرية الدومينو (الموضة السياسية) وما تخفي خلفها من تفاهمات واتفاقات جرت بين روسيا وتركيا بعد حادثة اسقاط الاتراك للطائرة الحربية الروسية سوخوي ٢٤ في شهر نوفمبر من عام ٢٠١٥، والتي على أثرها سعت تركيا لاتخاذ جانب الحياد ما بين الولايات المتحدة وحلفائها الاوربيين وبين روسيا، الى درجة انها جمعت بين المتناقضات! حيث عقدت صفقة مع الروس لتجهيز الجيش التركي بسلاح الدفاع الجوي الروسي الاستراتيجي (أس ٤٠٠) والذي صنع اساساً لردع طائرات الشبح الأمريكية الحديثة (F35) في الوقت الذي كان فيه الاتراك يرومون حيازة ذلك النوع المتطور من الطائرات الأمريكية، والتي تُصنع أجزاءً منها اساساً في تركيا!
في الجانب الاقتصادي تجلت سياسة الحياد التركي من خلال انشاء مشرع السيل التركي لنقل الغاز الروسي الى اوربا، حيث انه وعقب الازمة التي اندلعت بين موسكو وكييف عام ٢٠١٤ على أثر الانقلاب الناعم على الحكومة الأوكرانية الموالية لروسيا واستبدالها بحكومة تابعة للغرب، وقيام روسيا بضم جزيرة القرم اليها، حيث كانت قرابة ٨٠٪ من صادرات النفط والغاز الروسي الى اوربا تمر من خلال الأراضي الأوكرانية.
قبل ذلك وفي عام ٢٠١١ بالتحديد، ابرمت روسيا مع المانيا اتفاقية مد خط أنابيب بحري “نورث ستريم” يمر عبر بحر الشمال ويسمح بتوريد 55 مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنوياً إلى ألمانيا مباشرة، لتقل بذلك نسبة الغاز الروسي الذي يمر عبر الأراضي الأوكرانية إلى نحو 48%، وكأن روسيا كانت تخطط منذ ذلك الزمن الى احتلال أوكرانيا فيما لو نجح دومينو قلب أنظمة الحكم الموالية لروسيا من قبل الامريكان في الوصول الى أوكرانيا، والذي تحقق بالفعل بعد ثلاثة أعوام فقط، أي عام ٢٠١٤.
بعد ذلك اقنعت روسيا بلغاريا بمشروع مد خط انابيب (ساوث ستريم) لنقل الغاز الروسي الى الدول الأوربية عبر الأراضي البلغارية، الا ان تدخلات الاتحاد الأوربي وضغوط الولايات المتحدة حالت دون إتمام هذا المشروع خشية توسع النفوذ الروسي!
بعدها توجه الرئيس الروسي بوتين نحو تركيا في حزيران من عام ٢٠١٤ معلناً انتفاء مشروع (ساوث ستريم) نهائياً وتم عقد اتفاق انشاء خط السيل التركي والذي تم تدشينه فعلياً مطلع عام ٢٠٢٠، حيث يتألف هذا المشروع من خطي انابيب بقدرة نقل تتجاوز ٣٠ مليار متر مكعب سنوياً!
كذلك تسعى تركيا الى المشاركة الفاعلة في انجاز القسم الخاص بتركيا من مشروع طريق الحرير الاستراتيجي الرابط ما بين الصين واوربا، في الوقت الذي تعمل فيه تركيا جاهدة على ان لا تضر بعلاقتها مع الغرب ولا سيما الولايات المتحدة، من خلال استمرار تركيا بعضويتها في حلف الناتو واحتضانها لاكبر قاعدة عسكرية للحلف في المنطقة، والتي تشكل تهديداً لا يستهان به لروسيا ومصالحها، وتعزيزاً لنفوذ الناتو في المنطقة الاوروأسيوية.
يبدو لنا جلياً ان تركيا تسعى الى اغتنام الفرصة التاريخية للاستفادة من صراع الثالوث العالمي (الولايات المتحدة، روسيا، الصين) بغية تقليد روسيا والصين وفق نظرية الدومينو وإقامة دولة تركية كبرى، على هيئة اتحاد للدول الناطقة باللغة التركية، او حتى في حدود دولة تركيا بما تمتلكه من مقدرات.
ان سعي روسيا الى إعادة امجاد الاتحاد السوفيتي، وكذلك سعي الصين نحو تسنم موقعها العالمي المتناسب مع مقدراتها العسكرية والاقتصادية والديموغرافية والجيوسياسية، فإن دول مثل تركيا لاريب انها سوف تسعى لتقليد تلكما الدولتين ضمن اطار ظاهرة الدومينو، في محاولة منها الى إعادة امجاد الدولة العثمانية، وكذلك السعودية التي قد تسعى الى الهيمنة على العالم العربي والإسلامي تحت خيمة الوصاية الإسلامية، ومثلهما سوريا الأسد التي قد تسعى الى تحقيق الحلم القومي بتوحيد دول ومناطق الهلال الخصيب وانشاء سوريا الكبرى التي كانت في يوم ما تمثل حدود الدولة الاموية والتي عاصمتها الشام.
