المحاضرة الثانية:
الدومينو المضادة (الامريكية)
كانت التدخلات الامريكية قد أدت الى افشال العديد من الحملات الشيوعية في جنوب شرق آسيا، اندنوسيا والفلبين وماليزيا…الخ.
بعد ان دعمت الولايات المتحدة دولاً مثل سنغافورة وماليزيا وغيرها من دول (الهندو الصينية) اقتصادياً، من خلال امدادها بالمصانع العملاقة والتقنيات الصناعية الحديثة مما حولها الى دول ذات طابع اقتصادي استراتيجي وحيوي على المستوى الإقليمي وحتى الدولي، بيد ان الولايات المتحدة التفتت بعد ذلك سيما بعد تمكنها من كبح جماح الشيوعية في هذه الدول، الى ان استمرار دعم دول الهند الصينية قد يجعل منها دولا صناعية موازية ومنافسة للغرب.
ذلك ما حدى برئيس وزراء سنغافورة آنذاك، في لقائه مع الرئيس الأمريكي فورد وثعلب السياسة الأمريكي هنري كسنجر عام ١٩٧٥ اذ قال لهما:
(ان رغبة الكونغرس الأمريكي بإيقاف تصدير التقنيات الى اندنوسيا والحد من التحول من العمالة البسيطة الى العمالة الماهرة الأكثر تعقيداً، سيؤدي ذلك الى ضرر كبير لا يمكن تداركه وقد يستغله المد الشيوعي للعودة من جديد، اذ ان التوطيد والتوطين للنمو الاقتصادي لهذه الدول سيكون جداراً مانعاً لتأثير الدومينو الشيوعي)
وبالفعل حصل ذلك، وتم إيجاد دومينو مضاد للدومينو الشيوعي، استفادت منه دولٌ مثل سنغافورة وماليزيا واندنوسيا وتايلاند لتصبح دولاً صناعية متطورة في فترة زمنية تعتبر فلتة من فلتات التأريخ.
هذا ويعتقد المؤيدون لنظرية الدومينو أن الجهود خلال فترة الاحتواء (أي نظرية الدومينو) أدت في النهاية إلى زوال الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة فيما بعد.
عزى نعوم تشومسكي دومينو الشيوعية الى الإصلاحات الاقتصادية التي قامت بها الحركات الشيوعية والاشتراكية في البلدان الفقيرة التي حكمتها.
عولمة ظاهرة الدومينو وتحولها الى موضة سياسية:
ان نظرية الدومينو أصبحت ظاهرة عالمية لا تختص بتلك الفترة وانما هي اصبحت صالحة للانطباق والتحقق في كل زمان ومكان، وذلك ضمن إطار مسيرة المجتمعات البشرية سواء باتجاه التحرر والاستقلالية أو باتجاه الاستعباد والامبريالية، ما لم تجد قوة فعلية رادعة لمفاعيلها، أو مجرد تغيير اتجاهها بإحداث دومينو مضادة.
ويمكن وصف (نظريو الدومينو) بأنها (موضة سياسية) وهذه الموضة في زماننا الحالي هي بصدد تغيير شكل العالم ورسم هيئة عالم جديد سمته التوسع للاقوى على حساب الأضعف، وفي ذات الوقت سعي الدول التي تمتلك مقومات الاستقلالية نحو التحرر من هيمنة النفوذ الاستعماري بكافة اشكاله.
بالنتيجة فإن ان نظرية الدومينو تعتمد على إقامة نموذج سياسي او اقتصادي جديد، وسعي بقية البلدان التي تمتلك ذات المقومات او اعلى مستوى منها الى تقليد ذلك النموذج، تماماً كما يتم تقليد الموضات الشائعة!
بمعنى اخر ان أي مشروع سياسي تقوم به حركة تغييرية في مرحلة ما ويكتب له النجاح، فإن ذلك النموذج سيكون قابل للانتشار والتقليد في بلدان أخرى.
ان الأمر اشبه بصرعات الفن وموضة الملابس وقصات الشعر لدى مشاهير الفن، وكذلك الأجهزة الكهربائية والالكترونية الاحدث والسيارات ذات الدفع الرباعي وغيرها من الأمثلة الكثير، وحتى في مجالات أخرى تنافسية لدى الشركات والأسواق، وفي التجارة والصناعة وغيرها، وحتى في مجال الدعاية والاعلام وسواها.
بيد ان ثمة فارق بسيط ما بين اقتناء هذه الأشياء الشخصية او التنافس التجاري وبين القيام بثورة تغييرية مثلاً، فإنه بالإضافة الى الموضة فإن ذلك النموذج السياسي الجديد سوف يمثل طموح ورغبة تلك الشعوب والحكومات الساعية الى التغيير وإيجاد أنظمة جديدة تحسن من أوضاعها السياسية والاقتصادية وتخرجها من واقع الركود الى واقع التغيير، سيما ان كانت المؤشرات العامة تدل على ان الواقع الجديد سيكون هو الأفضل، وهو الشائع، وهو ما سوف يرسم معالم خارطة العالم الجديد.
ظاهرة الدومينو ومعالم خارطة العالم الجديد:
في العقد المنصرم شهدنا التظاهرات الشعبية المسماة بالربيع العربي، حيث انطلقت شرارتها في تونس ونجح الشعب التونسي باسقاط حكومة بن علي، بعد ذلك وجدنا تردد أصداء هذه الحركة الشعبية في بلدان عربية متعددة كمصر وليبيا والجزائر والسودان، وقد حققت تلك الشعوب ذات النتائج باسقاط حكومات بلدانها واستبدالها بالنظام الديمقراطي، وكل ذلك جرى تحت مظلة نظرية الدومينو، أي دومينو التظاهرات الشعبية العربية لاسقاط أنظمتها الديكتاتورية، واستبدالها بالنظام الديمقراطي.
ان النظام الديمقراطي يعد بحد ذاته مصداقا من مصاديق نظرية الدومينو التي كان نموذجها عراق ما بعد ٢٠٠٣، اما دول مثل سوريا والعراق فلم تتمكن دومينو التظاهرات الشعبية من اسقاط العملية السياسية فيهما، وذلك بسبب انتشار دومينو مقابلة ومضادة مقاومة وممانعة تمثلت بالمقاومة الإسلامية المدعومة من الجمهورية الإسلامية والقطبين العالميين الصاعدين روسيا والصين.
على صعيد السياسة الاستراتيجية نجد ان موضة القطبية العالمية التي كانت مقتصرة على القطبية الأحادية للولايات المتحدة، اخذت تنتشر لدى دول وجدت ان بإمكانها ان تنافس الولايات المتحدة وتمارس تلك القطبية، كروسيا والصين، حيث اتبعت كل من روسيا والصين مناهجاً وسبلاً سياسية واقتصادية استراتيجية في اطار نظرية توازنات القوى والمصالح للاقطاب الدولية، فطورت من إمكاناتها التسليحية والاقتصادية، اذ قامت روسيا بصناعة أسلحة متطورة كالطائرات من الجيل الخامس والصواريخ الجوفضائية والفرط صوتية ومنظومات الدفاع الجوي أس ٤٠٠ وأس ٥٠٠ ومنظومات الرادارات الحديثة ومنظومات التشويش الالكترونية وغيرها، واتخاذ روسيا إجراءات سياسية – امنية – اقتصادية آخرها العملية العسكرية ضد أوكرانيا، وكذلك قامت الصين بتطوير إمكاناتها العسكرية، بالإضافة الى التقدم الاقتصادي الهائل للصين، كل ذلك كان له الأثر الموضوعي في ان تتقدم كلاً من روسيا والصين بخطى حثيثة نحو القطبية العالمية.
