نظرية الدومينو ووهم الدولة العظمى (١)

المحاضرة الأولى:

نظرية الدومينو هي نظرية جيوسياسية برزت في الولايات المتحدة منذ خمسينيات القرن العشرين، خلال الحرب الباردة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وتحديداً في الحرب الفيتنامية.

وافترضت هذه النظرية أنه إذا وقعت دولة واحدة في منطقة ما تحت تأثير الشيوعية، فإن الدول المجاورة ستقع مثلها وفقًا لتأثير الدومينو.
كما استخدمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة نظرية الدومينو خلال الحرب الباردة لتبرير الحاجة إلى التدخل الأمريكي حول العالم.

بعبارة أخرى تقول نظرية الدومينو: إذا تشابهت الدول في نظام الحكم، فإن أي تغيير في نظام إحدى الدول سيؤدي إلى تغييرات متتالية في بقية الأنظمة.

هذا وقد ترجمتها السياسة الأمريكية على الشكل التالي:
إذا سقطت فيتنام في أيدي الشيوعيين، فهذا سيؤدي إلى سقوط الأنظمة الأخرى في الهند الصينية في أيدي الشيوعيين أيضاً.
قال الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور معبراً عن نظرية الدومينو في مؤتمر صحفي له عقده في 7أبريل عام 1954:

«انظر لأحجار الدومينو واطرق واحداً منها، وانظر ماذا سيحدث لآخر حجر دومينو بالتأكيد سيسقط بسرعة أكبر، ومن هنا يمكن أن يتفكك النفوذ الشيوعي في الهند الصينية إذا أنقذنا فيتنام الجنوبية من الغزو الشيوعي، وإلا فإن تركنا فيتنام للسيطرة الشيوعية فإن ذلك سيؤدي إلى انتصارات شيوعية مماثلة في الدول المجاورة في جنوب شرق آسيا (بما في ذلك لاووس وكمبوديا وتايلاند) وغيرها كـ (الهند، اليابان، الفليبين، إندونيسيا، وحتى أستراليا ونيوزيلندا) فالعواقب المحتملة لفقدان الهند الصينية لا تحصى بالنسبة للعالم الحر»

الرد الأمريكي على الدومينو الشيوعية في الهند الصينية:

اخذت هذه النظرية حيزها في أفكار ومقررات القيادات الامريكية السياسية والعسكرية آنذاك، بغية احتواء الوضع في شرق وجنوب شرق آسيا اذ انتشرت الشيوعية هناك وكادت ان تسيطر على المنطقة وتخل بتوازنات القوى والمصالح الدولية لولا تدخل الامريكان، وقيامهم بقلب نظرية الدومينو لصالحهم، بعد ان أفشلوا محاولات انتشار الشيوعية في بعض تلك الدول وحولوها الى دول حليفة للغرب.

لاحظ الامريكان انتشار الحكم الشيوعي في ثلاث دول في جنوب شرق آسيا في عام 1975، وهي ما تسمى بدول الهند الصينية وذلك بعد الاستيلاء الشيوعي على بعض منها وهي:
فيتنام: جنوب فيتنام (من قبل فيت كونغ)
لاوس (من قبل الباثيت لاو)
وكمبوديا (من قبل الخمير الحمر)

لذلك عمدت الولايات المتحدة على التصدي لايقاف هذه الحالة التي أخذت تنشر من خلالها الشيوعية كالنار في الهشيم!

الهند الصينية هي الجزء القاري من جنوب شرق آسيا ويقع شرق الهند وجنوب الصين، يحده المحيط الهندي من الغرب والمحيط الهادئ من الشرق.

الهند الصينية أو شبه الجزيرة الهندية الصينية (بالفرنسية: Indochine) هي شبه جزيرة في جنوب شرق آسيا، تقع في منطقة قريبة قليلاً من شرق الهند، وجنوب الصين، وهي متأثّرة بكلا الثقافتين، ومن ذلك جاء الاسم، وبشكل محدّد فيتنام وميانمار لهما تأثير صيني، وكمبوديا ولاوس وتايلاند لهم تأثير هندي.

الاسم ذو جذور فرنسية وهو مزيج من اسم الهند والصين للإشارة إلى الأراضي التي تقع بين هذين البلدين على الرغم من أن غالبية السكان في المنطقة ليسوا صينيين ولا هنود كان يطلق الفرنسيون على هذه المنطقة اسم (Indochine) عندما كان المستعمرون الفرنسيون يحتلون فيتنام متجهين لتوسيع أراضيهم إلى البلدان المجاورة ويستخدم هذا المصطلح أيضا في الجغرافيا.
واليوم وكما هو واضح فان معظم هذه البلدان أصبحت تحت تأثير الثقافة الغربية التي بدأت خلال الاستعمار الغربي لبلدان في جنوب شرق آسيا، وبتأثير الدومينو الغربية.

كانت المصالح الامريكية في تلك المنطقة على المحك عام ١٩٤٧ (بعد الحرب العالمية) حيث خشي الامريكان من سقوط الصين بيد ستالين، فيكون ذلك بداية لسقوط آسيا برمتها بما في ذلك اليابان بيد الشيوعية.

بعد ذلك كان صراع الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي سيما بعد تطوير الاتحاد السوفيتي للسلاح النووي عام ١٩٤٩ وسيطرته على معظم بلدان اوربا الشرقية، وذلك على أثر التسوية التي جرت عقب الحرب العالمية الثانية، فكان ذلك الامر مدعاة للقلق الغربي من المستقبل المجهول!

الخطوة الأولى للرد الأمريكي على الشيوعية:

كان الصراع الذي دار بين فيتنام الشمالية الشيوعية ضد الاستعمار والحكم الفرنسي في فيتنام الجنوبية، أدى الى تدخل الرئيس الامريكي هاري ترومان بابداء المساعدات العسكرية والمالية للفرنسيين، وكانت تلك المساعدات وفق مبدأ كبح جماح نظرية الدومينو خشية من انتشار الشيوعية في كافة ارجاء جنوب آسيا، وكذلك جرى ارسال مساعدات أمريكية الى كل من اليونان وتركيا للمساعدة في احتواء الشيوعية في اوربا والشرق الأوسط.

الخطوة الثانية كبح جماح نظرية الدومينو واستخدام الدومينو المضادة:

(بحلول عام 1950م، كان صُنَّاع السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية قد تبنوا بشدّة فكرة أنَّ سقوط الهند الصينية بيد الشيوعية من شأنه أن يؤدي بسرعة إلى انهيار دول أخرى في جنوب شرق آسيا، ليدرج مجلس الأمن القومي الامريكي نظرية الدومينو في تقريره عن الهند الصينية في عام 1952م)

على ذات السياق وعلى أثر المعارك التي جرت بين الفيتناميتين صرح الرئيس الأمريكي ايزنهاور مشيراً الى نظرية الدومينو عام ١٩٥٤ بقوله:

(انظر لأحجار الدومينو واطرق واحداً منها، وانظر ماذا سيحدث لآخر حجر دومينو، بالتأكيد سيسقط بسرعة أكبر، ومن هنا يمكن أن يتفكك النفوذ الشيوعي في الهند الصينية إذا أنقذنا فيتنام الجنوبية من الغزو الشيوعي، وإلا فإن تركنا فيتنام للسيطرة الشيوعية فإن ذلك سيؤدي إلى انتصارات شيوعية مماثلة في الدول المجاورة في جنوب شرق آسيا (بما في ذلك لاووس وكمبوديا وتايلاند) وغيرها كـ (الهند، اليابان، الفليبين، إندونيسيا، وحتى أستراليا ونيوزيلندا) فالعواقب المحتملة لفقدان الهند الصينية لا تحصى بالنسبة للعالم الحر)

بعد ذلك شاع استخدام نظرية الدومينو، واخذت الولايات المتحدة بالعمل بعدة أساليب ومناهج للحد من انتشار الشيوعية:
1- الاحلاف.
2- دعم بعض الدول اقتصادياً كماليزيا وسنغافورة وغيرها لتكوين نماذج مضاد للشيوعية ينتشر من خلالها الولاء للغرب عن طريق نظرية الدومينو.

هكذا واصلت الولايات المتحدة مسيرتها الامبريالية بحجة احتواء الشيوعية وتحجيمها، حيث اعتبر جون كيندي في فترة الستينات وعلى غرار اسلافه:
ان سقوط فيتنام الجنوبية سيؤدي الى سقوط دول أخرى بيد الشيوعية.
وهكذا فعل الرئيس الأمريكي جونسون الذي خلف كيندي بعد اغتياله، حيث برر تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في فيتنام الجنوبية من بضعة الاف الى عشرات الالاف على مدى عدة سنوات، اعتماداً على نظرية الدومينو.

بعد ذلك لم تفلح جميع المحاولات الامريكية، وسقطت فيتنام الجنوبية بيد الشيوعية وتوحدت فيتنام، وسقطت كل من لاوس وكمبوديا بيد الشيوعية، وذلك على أثر الدعم الصيني والسوفيتي للجيش الفيتنامي الشمالي، بيد ان الامدادات الشيوعية في اندنوسيا أبان الحرب الاهلية التي اندلعت عام ١٩٥٨ لم تستطع ان تصمد بوجه فرق الموت المدعومة من (CIA) والتي قامت باعمال إبادة جماعية لأنصار الحزب الشيوعي الاندنوسي!

بعد ذلك وجدنا حصول معارك بين فيتنام وكمبوديا وبين فيتنام والصين، وهذه المعارك تتعلق بأمور أخرى، وكون تلك الأطراف جميعها شيوعية، فذلك لا يخل بنظرية الدومينو.

أضف تعليق