سلسلة محاضرات السياسة الاستراتيجية
المحاضرة العاشرة:
(5) الإرادة القومية:
تُعَدّ الإرادة القومية مصدراً رئيسياً لقوة الدولة/ الدول، وهي تعني أساساً القدرة على اتخاذ القرارات وتنفيذ الخطط، وفقاً لما تراه مناسباً للمصالح القومية، ودون الخضوع للضغوط الخارجية.
من المعروف أن تفاعل كل من النظام الحاكم والشعوب ينتج الإرادة القومية.
ويؤدي ذلك التفاعل إلى:
زيادة الاستقرار السياسي.
وكفاءة المؤسسات السياسية والدستورية.
وتنمية الرأي العام وتوحيده.
وصولاً إلى إذكاء روح الولاء والانتماء.
وتتأثر الإرادة القومية بعدة عوامل منها:
العوامل العرقية.
والخبرة التاريخية التراكمية.
ومستجدات النواحي الثقافية.
وقدرة استيعاب التكنولوجيا.
وأخيراً البعد العقائدي والديني.
إذاً من تحليل قوى الدولة/ الدول القومية الشاملة، يمكن أن نصل إلى مكونات هذا البعد البنائي، والذي ينحصر في عنصرين هما:
الأول: توازن المكانة.
الثاني: توازن المقدرات.
أ. توازن المكانة:
يُقصد به تناسق وتوافق المقومات الأساسية للدولة، ويصبح لكل دولة مكانة.
اذ ان إطلاق تعبير (توازن المكانة لدولة/ لدول ما) يعني اتزان العوامل الجغرافية والتاريخية والاقتصادية والعسكرية والتقدم العلمي والتكنولوجي والثقافة والحضارة.
وعند عدم توازن المكانة لدولة/ لدول يؤدي ذلك إلى إضعاف قدرتها في إحداث التأثيرات السياسية في الساحة الدولية.
ب. توازن المقدرات:
يُقصد به حجم تعادل مقدرات الدولة في النسق الدولي، ودرجة ميل التغير في هذه المقدرات، وهذا التوازن له نمطان مختلفان:
الأول: توازن القوى.
الثاني: توازن الرعب.
(1) توازن القوى:
وهو نظرة سياسية للمحافظة على ميزان القوة بين مجموعة من الدول، حيث لا يسمح لدولة ما أو مجموعة متحالفة من الدول بالانفراد بالهيمنة على العالم، واستغلال إمكانياتها العسكرية والاقتصادية في السيطرة على دول أخرى أو فرض إرادتها عليها، أو التدخل ضد مصالحها.
ويتحقق هذا التوازن بحشد قوى الدولة منفردة، أو بالتحالف مع غيرها من النماذج السياسية ضد منافسيها.
وحالة توازن القوى تؤدي إلى استقرار التفاعلات السياسية الدولية.
وعدم توازن القوى يؤدي إلى نشوب الصراعات والحروب، إما لتحقيق مصالح وأهداف توسعية، أو طلباً لاستعادة حالة التوازن.
لذا فإن توازن القوى يبدو وكأنه قانون داخل العلاقات الدولية.
(2) توازن الرعب/ التوازن النووي:
وهي حالة لا يملك فيها أي طرف تدمير الطرف الآخر، خوفاً من التدمير المتبادل.
ولا يتطلب ذلك تكافؤ عددي في الوسائل النووية، ولكن وجود الحد الأدنى يُعَدّ كافياً لحدوث هذا التوازن.
وقد ينشأ التوازن النووي في غياب توازن القوى، وعلى الرغم من ذلك فإنه يؤدي إلى نوع من الاستقرار في حالة توفره، كما أن عدم وجود حالة توازن الرعب لا تؤدي بالضرورة إلى عدوانية السلوك للطرف الأقوى الذي يمتلك قوى نووية.
- البعد السلوكي:
يتحدد سلوك القوى الدولية إزاء بعضها بعضا، بناءً على درجة التشابه أو الاختلاف في قيمتها السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية.
ويتكون البعد السلوكي من عنصرين أساسيين هما:
توازن تدخلات القوى.
وتوازن سباق التسليح.
أ. توازن تدخلات القوى:
يمكن تحقيق التدخلات، من خلال الأحلاف، أو التدخل المباشر.
وتُعَدّ الأحلاف ظاهرة سلوكية لتنسيق أنشطة الدول لتحقيق أهدافها المشتركة.
ويُقصد بتوازنات تدخلات القوى العظمى والكبرى: أن سلوك وعلاقات الدول الكبرى والعظمى مع التكتلات السياسية في أي منطقة من العالم، والذي ينبع من امتلاك التفوق الحضاري والاقتصادي والعسكري، يُعَدّ أحد الأدوات الرئيسية لحماية مصالحها في المنطقة المحددة من العالم، بحيث يكون هناك نوع من الاستقرار والتوازن بين القوى العظمى والكبرى من خلال هذا التدخل، بل السعي نحو التفوق.
ب. توازن سباق التسلح:
في هذا النوع من التوازن، تناصب دولتان أو مجموعة من الدول العداء بعضها بعضا، وتحاول كل منها تحسين كفاءة وتسليح قواتها العسكرية بالإنفاق العسكري الزائد.
ويُعَدّ هذا السباق في التسلح نمطاً سلوكياً تسعى من خلاله الدولة أو مجموعة الدول، إلى تحقيق التوازن، بل تحقيق التفوق.
وهذا يدعو الدولة المعادية إلى السعي لتحقيق الأهداف نفسها، ومن ثَم، يصبح هناك حركة وتفاعلات لها خاصية محددة، ويصبح ذلك هو سلوك السياسة الخارجية لهذه الدول.
ويتحقق هذا التوازن في حالة تعادل الإنفاق العسكري، وأيضاً معدلات الزيادة فيه، إلى جانب تساوي القدرة العسكرية التقليدية وغير التقليدية في الكم والنوع للأطراف كافة الداخلة في هذا السباق.
ويُنسب إلى توازن سباق التسلح عناصر عدة منها:
(أ) أن يتضمن التسليح سباقاً في الكم والنوع.
(ب) أن يضطلع كل طرف في هذا السباق بتجسيد ورفع كفاءة قواته المسلحة.
(ج) توفر شرط التنامي السريع في كم الأسلحة.
(د) وجود دولتين أو كتلتين في حالة عداء.
- البعد القيمي:
يتعلق هذا البعد بمدى إدراك الدولة/ الحلف للتوازن الموجود داخل المجتمع الدولي، وفي ظل المتغيرات الدولية، ومدى قابلية او رضا الدولة أو الدول بهذا الشكل من التوازن.
وتدرك القيادة للدولة/ الحلف طبيعة التوازن الموجود حولها، من خلال معرفة تأثير هذا التوازن على أهدافها القومية، ومدى ملاءمة الزمن اللازم لتحقيق هذه الأهداف، ويوضع في الحسبان دائماً القوة القومية والأهداف القومية والنوايا المستقبلية والإستراتيجية للقوى المضادة.
ويمكن من خلال التكافؤ والتعادل تحقيق التوازن، إلا أن درجة الرضا والقبول أو الرفض لوضع الدولة/ مجموعة الدول في المجتمع الدولي تظل هي المعيار الأساسي لتأثير هذا التوازن وفعاليته.
وتقسم التكتلات السياسية من حيث درجة القبول والرضا إلى مجموعات عدة:
(1) دول قوية وراضية.
(2) دول قوية وغير راضية.
(3) دول ضعيفة وراضية.
(4) دول ضعيفة وغير راضية.
تبدو أبعاد ومكونات عناصر التوازن الإستراتيجي (البعد البنائي ـ البعد السلوكي ـ البعد القيمي) مترابطة.
فلا يوجد توازن دون بعد بنائي أساسه التعادل والتكافؤ، وأيضاً دون بعد سلوكي أساسه مرونة وحركة بين الكتل السياسية، وكذلك دون بعد قيمي أساسه إدراك التوازن القائم مرتبطاً بحالة الموافقة عليه أو عدم الرضا عنه.
