سلسلة محاضرات السياسة الاستراتيجية
نظرية توازنات القوى والمصالح
المحاضرة الثالثة:
ثالثاً: مفهوم وأبعاد توازن القوى:
- معنى التوازن بشكل عام:
يعني التوازن في مفهومه: الحالة المعتادة المستقرة. فيتحدث الناس دونما تفكير عن التوازن كرمز للحالة المعتادة المستقرة، وهذه الحالة ليست بالضرورة مثالية دائماً، ولكنها توحي بالاستقرار وعدم التوتر. ولكن الناس في كثير من الأحيان وعند تدقيق معانيهم يشيرون إلى ما هو أبعد من الاستقرار المعتاد إلى الحالة المثالية، لذلك تراهم يرفضون دوماً فكرة إمكانية وقوع حرب عالمية! وتستخدم جميع العلوم مصطلح التوازن، رمزاً للحالة المعتادة المستقرة.
فيستعمل علم النفس مصطلح التوازن النفسي للتعبير عن الحالة العادية للإنسان العادي. ويستخدم علم الاجتماع مصطلح التوازن الاجتماعي لوصف المجتمع الخالي من التوترات. ويكثر علم الاقتصاد من استخدام التوازن لوصف الأوضاع المقبولة، فيقول التوازن بين العرض والطلب، والتوازن في التنمية، والتوازن بين الصادرات والواردات، والتوازن التجاري… إلخ.
ويستخدم علم السياسة أيضاً مصطلح التوازن للإشارة إلى الحالة المستقرة على أسس عقلانية، فيقول: ان النظام قائم على توازن السلطات، كإشارة إلى نظام لا يخضع لهيمنة سلطة واحدة، كما يستخدم مصطلح قوى سياسية متوازنة.
إن التوازن في المعنى العام يشير إلى الحالة المستقرة التي لا تسيطر عليها قوى التطرف.
- توازن القوى:
توازن القوى: هو نقطة التعادل بين قوتين متعارضتين. ومنها افتراض جمود توازن القوى وانعدام حركاته، أو على الأقل تحركه ببطء شديد، ومنها افتراضه كسياسة دولية مقصودة لذاتها بوصفها إدارة لحفظ الاستقرار الدولي. كيف ينشأ توازن القوى؟
يقول المختصون بعلم السياسة الاستراتيجية: ينشأ التوازن في حالة إمكان دولة واحدة أن تحصل على تفوق ضخم وساحق في قواها، ما يهدد حرية الدول الأخرى واستقلالها، وهذا التحدي هو الذي يدفع الدول المحدودة القوة إلى مواجهة القوة بالقوة عن طريق التجمع في محاور أو ائتلاف قوى مضادة.
وهذه إحدى طرق تكوين التوازن الدولي وليست الطريقة الوحيدة، وهي طريقة تكوين توازنات ما بعد الحروب الدولية.
وأن الدول حينما تسعى للحفاظ على وجودها وأمنها ومركزها الدولي من خلال عملية الصراع على اكتساب القوة، فإن رائدها في ذلك هو تحقيق توازن القوى، وهو في الوقت ذاته، سلاح في تنظيم استخدام القوة والسيطرة عليها.غير أن توازن القوى ليس سياسة بحد ذاتها تسعى الدول إلى تحقيقها وتجاهد من أجلها، فالدولة لا تسعى إلى التوازن، بل تسعى إلى التفوق والهيمنة، مما يؤدي إلى نشوء توازن القوة، فتوازن القوة ليس حالة مقصودة لذاتها، بل هو حالة يتوصل إليها بشكل عرضي من خلال السعي إلى التفوق. فالدولة الساعية إلى التفوق تجد نفسها في وضع الدول المتوازنة في لحظة تاريخية ما.
- أشكال توازن القوى:
ليس لتوازن القوى صورة واحدة، فعلى الرغم من أن فكرته الجوهرية هي توزيع القوة بين الأطراف الدولية، إلا أن هذه الأطراف قد تزيد أو تنقص.
التوازن متعدد الأقطاب:
أثناء الصراع، قد تصل عدد قليل من الدول إلى حالة من التعادل النسبي في القوة، فيتشكل بينهما توازن للقوى، يعتمد على تعدد الأقطاب الدولية.
وقد أطلق على هذا النوع من التوازن (التوازن المتعدد الأقطاب ـ أو التوازن المركب وأحياناً التوازن المعقد، بحكم تعقد العلاقة المعتمدة على كثرة التحالفات بين الأقطاب أنفسهم)
التوازن الثنائي (البسيط) :
قد يسيطر على توازن القوى دولتان، فيصبح التوازن ثنائي الأطراف، وقد أُطلق على هذا التوازن (التوازن البسيط) فهو توازن يقوم على وضوح بروز قوتين عظميين.
توازنات أخرى:
ذكرنا أنفا الصور الرئيسية لتوازن القوى، لكنه كما يقول أرسو “ليس هناك من الرياح سوى الشمالية والجنوبية، أما بقية الرياح فهي مشتقة منها”
فكذلك التوازن هو بسيط أو مركب، لكن هذين الشكلين الرئيسيين للتوازن ينتجان أنواعاً أخرى:
مثل التوازن المرن والتوازن الجامد.
أو توازن الأنظمة المتجانسة أنواعاً.
وتوازن الأنظمة المتنافرة.
وتوازن الأنظمة المعتدلة والأنظمة الثورية.
أ. توازن القوى المتعدد الأقطاب:
هو التوازن الذي يتكون من قوى كثيرة تعمل على موازنة بعضها بعضاً.
فهو توازن لا تقل أطرافه عن ثلاثة، يترتب عليه الاستقرار وحفظ استقلال هذه الأطراف مهما كان أحدهم ضعيفاً.ويتصف التوازن المتعدد الأقطاب بالخصائص الآتية:
(1) الكثرة النسبية لأطرافه وبما لا يقل عن ثلاثة أطراف، سواء كانت الأطراف دولاً أو كتلاً تتكون كل منها من عدد من الدول.
(2) الطبيعة التنافسية، وتلك هي الخاصية الجوهرية التي تقود إلى الاستقرار والسلام.
(3) خضوع الأطراف وقبولهم لمبادئ تنافس تتصف بظهور قواعد شرعية مقبولة من الأطراف جميعاً مثال (الأمم المتحدة، مجلس الامن الدولي، المحكمة الدولية)
(4) تحقيق الاستقرار والسلام.
ب. التوازن البسيط (التوازن الثنائي):
هو الصورة الأكثر وضوحاً، ويقوم هذا التوازن عند وجود دولتين أو كتلتين متعارضتين في حالة من التعادل النسبي.
والواقع أن هذا التوازن ينشأ عادة في شكل وجود كتلتين دوليتين، غير أن ذلك لا يمنع من قيامه بين دولتين أيضاً.
ويغلب على توازن القوى البسيط بين دولتين أن يكون توازناً إقليمياً، أما التوازن الدولي العام فالصورة الغالبة له هي توازن الكتل.
لكن وجود الكتلة الدولية يعتمد على وجود دولة قطب تكون بمثابة النواة، التي تتجمع حولها مجموعة من الدول الأضعف للاحتماء بها أو التحالف معها (الولايات المتحدة مثالا) ومن ثَم، تكوين كتلة دولية واحدة (حلف الناتو مثالا) ولأن هذا التوازن يعتمد على دولة قطب، فإنه كثيراً ما يبدو توازناً بين دولتين.
وخصائص التوازن البسيط هي:
(1) ينشأ التوازن البسيط غالباً كنتيجة حتمية لتوازن القوى المركب.
فبما أن هذا الأخير يتصف بالحركية فإنه يشهد جملة من تحالف الدول، بقصد الحفاظ على المصالح الوطنية لهذه الأطراف.
إن فترة التحالفات التي يشهدها توازن القوى المركب هي التي تتسم بالاستقرار والسلام، فالوسائل الدبلوماسية في هذه المرحلة هي الأكثر طغياناً، أما عند تشكيل توازن القوى البسيط فإن الدبلوماسية تصبح أقل فاعلية.
(2) توازن القوى البسيط يشكل مرحلة الاقتراب من الحرب ويؤدي إليها.
إن المدلولات الإستراتيجية لتوازن القوى المركب يؤدي إلى الاستقرار بسبب الطبيعة التنافسية التي تتيح العمل الدبلوماسي.
أما توازن القوى البسيط فإن طبيعته هي المعارضة المباشرة والتنافس السافر.
(3) توازن القوى البسيط لا يخلق سوى فترة استقرار قصيرة الأمد، وهي الفترة الضرورية للإعداد إلى الحرب، وهذا الاستقرار يتصف بالقلق والاضطراب أياً كانت مدته.
وحيث إن التحالفات تسبق التشكيل النهائي للتوازن، لذلك فإن الحرب لا تبدأ إلا بعد التأكد من متانة هذه التحالفات.
ج. التوازن المرن والتوازن الجامد:
يقول ريمون أورن، إن ميزان القوى ليس من طبيعة واحدة، ولا يخضع دائماً لعدد الأطراف المكونة لهذا التوازن، بل يخضع أيضاً لطبيعة الدول والأهداف التي يلتزم بتحقيقها أولئك الذين يسيطرون على السلطة.
(1) التوازن المرن:
هو الذي يقوم بين دول تنتمي إلى فكر سياسي واقتصادي واجتماعي موحد أو متجانس، ولذلك يُطلق عليه أحياناً توازن الأنظمة المتجانسة أو توازن الأنظمة المعتدلة.
(2) التوازن الجامد:
هو، على العكس، يقوم بين دول تنتمي إلى نماذج فكرية أو سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو حضارية متناقضة أو متنافرة، ولذلك يُطلق عليه أحياناً توازن الأنظمة المتنافرة أو الأنظمة الثورية.من خلال استعراض الأشكال المختلفة للتوازنات، نرى أن المرونة والجمود هي أوصاف تلحق بالنوع الأصلي للتوازن، فتجعل له أشكالاً أخرى فرعية، فقد يكون التوازن بسيطاً ومرناً، أو بسيطاً وجامداً، كما يكون مركباً ومرناً أو مركباً وجامداً، لكن الحرب ترتبط بنوع التوازن لا وصفه، فالتوازن المركب هو توازن الاستقرار، دون النظر إلى وصفه، فتوازن ما بين الحربين في مرحلته الأولى 1918-1936 كان توازناً مركباً وجامداً. إن أنظمة التوازن المركب في تلك الفترة السابقة، كانت متعددة ومتناقضة فكرياً وسياسياً، فقد شمل الدول الديموقراطية الغربية وروسيا الشيوعية وإيطاليا الفاشية، لكن هذه الأنظمة استطاعت التعايش بسبب طبيعة التوازن المركب.
وعلى العكس، فإن توازن ما قبل الحرب العالمية الأولى كان توازناً مرناً، لأنه يضم أنظمة ليست متناقضة، لكنه توازن مضطرب بحكم تحوله إلى توازن ثنائي، ومع أن أطرافه متجانسة فكرياً وسياسياً، إلا أنها دخلت الحرب.الحرب والسلام يرتبطان بنوع من التوازن، والمرونة والجمود يلعبان دوراً كبيراً في حركة التوازنات.
المرونة تساعد على التهدئة وربط نسج التحالفات.
أما الجمود فإنه يدفع بالتوازن نحو سرعة الحركة والتحالف والتكتل.
إذا كان التوازن مركباً ومرناً، فإن الاستقرار يدوم لفترة طويلة.
أما إذا كان جامداً فإن الاستقرار يكون قصيراً.
لأن المتناقضات الحادة تدفع نحو التحالف والتكتل وسرعة الميل بالتوازن من طبيعة المركب إلى الثنائية، ما يعجل بالحرب.
فالقاعدة والاستنتاج هي أن المرونة والجمود هما روح التوازن وسر حركته.
- التوازن الإقليمي وأثره في التوازن الدولي:
ويطلق عليه أحياناً توازن القوى الرئيسي أو التوازن المسيطر، لأنه ينظم علاقات القوى الرئيسية المسيطرة على السياسة العالمية. وهو على أهميته وشموله، يعتمد على توازنات أخرى ذات طابع محلي يتأثر بها وتتأثر به، وهو ما يطلق عليه التوازن الإقليمي أو التوازن الفرعي.
وهي أشكال من التوازنات تتكون داخل أطر جغرافية محدودة، تجمع عدداً من الدول في علاقات تتسم بالصراع على السلطان والنفوذ في هذا الإطار الجغرافي المحدود.
مثال: مثلث القوى الإقليمي في منطقتنا حالياً: تركيا – السعودية – ايران
مثال آخر: الصراع العربي الإسرائيلي.
وكمحصلة للصراع الاقليمي، فإن دولاً محدودة تصل إلى مرحلة التعادل أو شبه التعادل في القوة، ما يؤدي إلى قيام توازن قوى اقليمي يتحكم في سلوك الدول ويضبط علاقات بعضها بعضا، ويكون التنافس بين أقطابه أيضا بالأساليب السلمية وينتهي بالحروب، مثله في ذلك مثل توازن القوى العالمي.
وتوازن القوى الإقليمي، مثل توازن القوى العالمي، يخضع لنفس القواعد، ويتسم بخصائص مشابهة إلى النتائج عينها تقريباً، ولكنه يلعب دوراً كبيراً، إذ إنه يؤثر تأثيراً مباشراً في الصراع العالمي، ويؤدي إلى حسمه أحياناً.
ولا توجد مبالغة كبيرة في القول إن الصراعات العالمية الكبرى تعتمد في تطوراتها ونتائجها على ما يجري في الصراعات والتوازنات الاقليمية.
إن هذه القاعدة أصبحت اليوم أكثر أهمية، وخاصة في ظل وجود أسلحة نووية، إذ تراجعت فرص الحروب المباشرة والواسعة بين القوى الكبرى، أركان التوازن العالمي، فاستعيض عن ذلك بالصراعات الإقليمية المحدودة، حيث يتدخل كل طرف دولي في هذا الصراع، بقصد تحقيق مكاسب إقليمية تزيد رصيده في ميزان القوى العالمي وتحطم معسكر خصمه.
فإذا كثرت المكاسب في مناطق الصراع لصالح طرف معين، فإن توازن القوى العالمي يتحول نحو الطرف المنتصر، وهو ما حدث أثناء الحرب الباردة وبعدها، في منطقة الخليج العربي ومنطقة الشرق الأوسط.
توجد شروط عدة لهذه العلاقة، وهي:
أ. أهمية الطرف الإقليمي لدى الدول العظمى:
من شروط تأثير التوازن الفرعي الاقليمي في التوازن الرئيسي العالمي، أن يكون للطرف الإقليمي أهميته وقدراته العسكرية والاقتصادية والجغرافية، كي يستطيع أداء دوره لحساب القوى العالمية، وليحقق لنفسه مكاسب مهمة علي الصعيد الإقليمي.
في كل توازن اقليميي يظهر عدد من الأطراف، لكنها ليست على المستوي نفسه من الأهمية والقدرة، فبعضها لا يستطيع تجاوز الدور الاقليمي والاحتماء بالقوى الاقليمية، لأن قدراته العسكرية أو الاقتصادية لا تمكنه من أداء دور قيادي، ففي التوازن الإقليمي الآسيوي مثلاً، لا تستطيع دول مثل سنغافورة، أو لاوس .. القيام بدور جوهري، لأنها ذات قدرات محدودة لا تمكنها من خوض الصراع المستمر.
ب. إدراك الاقطاب الدولية لأهمية توازن القوى الإقليمي:
تشارك الأقطاب الدولية في الصراعات الإقليمية، من أجل زيادة مكاسبها ودعم مكانتها في توازن القوى العالمي.
والدول العظمى لا تخوض في الصراع الاقليمي، إلا إذا أدركت أهمية ذلك الصراع، ووجدت الطرف الإقليمي المناسب الذي يجب دعمه والاستفادة من دوره، وعلى الطرف الدولي بناء استراتيجية واضحة لضمان تفوق الطرف الإقليمي في الصراع.
ويُعَدّ الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وحرب تحرير الكويت مثالين لإبراز مسألة إدراك الطرف الدولي لأهمية الصراع الإقليمي وقدرة أطرافه.
ج. وجود مصالح مشتركة بين الطرفين الدولي والإقليمي:
هذه المصالح ذات طابع إستراتيجي، إما عسكرية أو اقتصادية أو ثقافية أو تاريخية.
فمن دون وجود المصالح، يغدو التحالف بين الطرفين هشاً ومرحلياً، وكلما ارتفع مستوي هذه المصالح، كان التحالف متماسكاً وقوياً.
لذلك فإن التوازن الإقليمي يلعب دوراً أساسياً وفاعلاً في توازن القوى العالمي.
فإذا كانت الحرب العالمية الواسعة أصبحت مستبعدة، فإن الحروب القادمة ستأخذ الطابع الإقليمي. حيث تستطيع القوى الكبرى مواجهة بعضها خارج أراضيها ودون خسائر مباشرة تقع على مدنها وسكانها ومواردها.
وهي تستطيع عن طريق التوازن الإقليمي تعديل ميزان القوى العالمي لمصلحتها، سواء بالحفاظ عليه، أو تحطيمه.
إن هذا هو الدرس المستفاد الذي أفرزته الحرب الباردة، وأحد أهم الدروس من حرب تحرير الكويت، والصراع العربي ـ الإسرائيلي.
لكن يبقى الحذر وارد بالنتيجة من انزلاق الأمور نحو حرب عالمية بين الأقطاب الدولية، اذا ما تطورت الصراعات الإقليمية الى مرحلة الانغلاق او الاستقرار الطويل الأمد مما يجعل الأقطاب الدولية تتجه نحو مواضع صراع أخرى مجاورة لبعض الاقطاب، كما حدث في الصراع الأمريكي الروسي في سوريا، والذي أدى الى انتقال الصراع الى جوار روسيا في أوكرانيا وبقية دول شرق اوربا الحليفة لبقية الأقطاب الدولية.
