أسس توازنات القوى
ثانياً: المفاهيم النظرية لتوازنات القوى:
للدول العظمى ثلاث مستويات محتملة من الاوضاع:
1- الحد الأدنى: التراجع والتحول من دولة عظمى الى دولة عادية.
2- الحد الأوسط: المحافظة على الوضع الراهن كدولة عظمى.
3- الحد الأعلى: تطوير الدولة وتوسيع النفوذ نحو الهيمنة العالمية.
مفهوم التوازن:
التوازن: هو وصف لحالة تعادل وتكافؤ في المقدرات (الإمكانات أو مصادر القوة) بين عدة جهات متضادة، يكون بينها قدر من الترابط، وقد تؤدي إلى الاستقرار.
بحيث تضمن هذه الحالة للدولة/ التحالف ردع أو مجابهة التهديدات الموجهة ضدها من قبل الجهة الاخرى، والعمل لأجل لعودة إلى حالة التعادل والتكافؤ عند حدوث أي خلل فيها بما يحقق الاستقرار”.ويُطلق على هذا المفهوم أيضاً التوازن الإستراتيجي.
المقصود بمقدرات لدولة/ تحالف دول هي المقدرات (البنائية والسلوكية والقيمية)
المقدرات البنائية: هي مجموعة القوى القومية الشاملة للدولة او لمجموعة دول متحالفة وهي تمثل:
مواردها الطبيعية.
وموارد أخرى يمكن توفيرها او الحصول عليها (مكتسبة)
وهنالك مقدرات ثالثة غير ملموسة.
ومن امثلة المقدرات البنائية: (الجغرافيا السياسية، القوة السياسية، القوة الاقتصادية، القوة العسكرية، القوة الإعلامية، القوة الحضارية، الإرادة القومية …الخ)
التوازن في المقدرات البنائية: يعني تقارب الجهتين من حيث امتلاكها لتلك المقدرات.
المقدرات القيمية: هي معيار الرضا والقبول أو الرفض لوضع الدولة/ التحالف في التوازن القائم، بمعنى انه هل لذلك التوازن القائم قيمة لدى أطراف التوازن ام لا، وتبعا لهذا المعيار يكون ذلك التوازن فاعل ومؤثر او العكس.
التوازن في المقدرات القيمية: يعني رضا وقبول الطرفين بالتوازن القائم الى حد ما.
المقدرات السلوكية: هي الأساليب المتوافرة التي تسلكها الدول العظمى/ التحالفات، لإجراء تغييرات في التوازنات الدولية، لكي يكون لذلك التوازن قيمة لديهم أي انه ينال رضاهم، حيث ان نظرة طرف من الأطراف الدولية بالرضا على التوازن القائم، قد يقابله عدم رضا من طرف دولي آخر.
التوازن في المقدرات السلوكية: يعني سلوك الطرفين او احد الأطراف للعمل على اجراء تغييرات في التوازن بحيث يصبح التوازن مناسبا له.
مثال على ذلك: ان الوضع الدولي القائم بالأمس كان يرضي الولايات المتحدة لأنه يضمن لها تحقيق مصالحها وفرض قواها، لكنه لا يرضي روسيا لأنه لا يحقق لها طموحاتها في تحقيق مصالحها وفرض قواها، بل لا يحقق لها الحد الأوسط وهو الاستمرارية على الوضع الحالي كدولة عظمى، ناهيك عن تطوير الدولة والسعي نحو الهيمنة العالمية، لذلك تحركت روسيا باتجاه احتلال أوكرانيا لأجل تحقيق التوازن المطلوب.
مستويات أوضاع الدول/ التحالفات:
الحد الأدنى: لا يرضي هذا الحد أي دولة من الدول العظمى.
الحد الأوسط: يكون هذا الحد مرضياً بصورة مؤقتة، الى حين التهيئة والاستعداد لفرض الهيمنة.
الحد الأعلى: هو الحد الذي تسعى اليه كافة الدول العظمى والاحلاف الكبرى للوصول اليه لغرض تحقيق الحدود العليا من مصالحها وطموحاتها وآمالها وتطلعاتها، وكذلك فرض قواها بصورة مطلقة.
المشكلة في الحد الأعلى انه لا حدود منطقية له، حيث ان الاحلاف الكبرى اذا ما افترضنا ان احدها بلغ ذلك الحد الأعلى من تحقيق مصالحه وفرض قواه وهيمنته على كافة دول العالم ومقدراتها، فإنه بعد ذلك سوف يحدث خلل بين دول التحالف ذاته من خلال سعي بعضها للتوازن مع الأخرى وهكذا يتجدد صراع التوازن بين دول الحلف حتى يبلغ الامر الى ان تسعى احدى دول الحلف الى تحقيق الحد الأعلى من مصالحها وفرض قواها على بقية دول التحالف وعلى العالم كله، وبعد ذلك يقع الصراع داخل تلك الدولة العظمى المهيمنة على العالم اما من خلال تجدد صراع توازن بين ولايات ومدن تلك الدولة، او من خلال وقوع الصراع بين الأحزاب الحاكمة او بين مؤسسات الدولة، حتى تأول الأمور الى هيمنة حزب معين ويستمر الصراع بالتشعب والتفرع الى ان يصل الى مرحلة تسلط الافراد (الديكتاتورية الفردية)
وهذا الفرد الديكتاتور لن يتوقف نحو بلوغ غاياته وطموحاته حتى يستعبد اهل الأرض جميعا، ويرضي طموحاته المتنامية بالتعذيب وسفك الدماء والفساد …الخ
هكذا كلما بلغ نوع من أنواع التوازن ذروته فإنه يبدأ بالانحدار نحو الهاوية.
وهذا ما حدثنا عنه القرآن الكريم باعتباره سنة من سنن الخليقة ومكر إلهي مندرج تحت منهج فطرة التكوين.
قال تعالى (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) الأنبياء: 22
وقال عز وجل (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) المؤمنون: 91
يشير الله تعالى عز وجل وفق الفرض بأنه لو كان في الوجود الهين مستوفيين لصفات الاله، لوقع الاختلاف والصراع بينهما ولذهب كل اله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض، فلن ينتهي صراعهما الا بفناء احدهما او فناء الاثنين معاً!
الان نحن إذا ما دققنا في أحوال الدول والتحالفات العظمى في الأرض، وتابعنا مسيرتها سوف نتمكن من استشراف مستقبلها، فقد لاحظنا الولايات المتحدة كيف بلغت قمة عظمتها وتحقيق مصالحها وفرض هيمنتها على العالم، بعد ذلك بدأت الطموحات الجماعية والفردية للأحزاب والقيادات الامريكية تطفو الى السطح وتوقع الصراع فيما بينها.
اذن فالتوازن الاستراتيجي: هو الحالة التي تتعادل وتتكافأ عندها المقدرات البنائية والسلوكية والقيمية لدولة/ تحالف دول مع جهة أخرى متنافسة معها، مما يؤهلها لإحداث توازنات قوى ومصالح فيما بينها.
