نظرية توازنات القوى والمصالح (ج٤)

سلسلة محاضرات السياسة الاستراتيجية

نظرية توازنات القوى والمصالح

المحاضرة الرابعة:

رابعاً: المدلولات الرئيسية لميزان القوى:

  1. المدلول العلمي لميزان القوى:
    هو توازن يتحقق بين الدول بصورة عفوية وتلقائية.
    حيث إنه ليس هدفاً تسعى الدول إلى تحقيقه، وإنما تسعى في الأصل إلى تحقيق هامش من التفوق بمحاولة الإخلال بالاتزان الموجود، ونتيجة لذلك يتحقق التوازن.
  2. المدلول النمطي (السياسي) لميزان القوى:
    هو توازن يتحقق بين الدول بصورة مقصودة ومستهدفة.

ومن مميزات هذا التوازن:

أ‌. له برنامج عمل تطبقه الدولة في المجال الخارجي تحقيقاً لهدف معين.
وهذا التوازن يرتبط بما يجب أن يكون وليس بما هو قائم فعلاً، لذلك فهو توازن مقصود ومستهدف.
وقد أظهر هذا المدلول ما يعرف بسياسات ميزان القوة كأدوات دبلوماسية.

ب‌. يبقي هذا المدلول على التوازن الدولي، إذ لا تستطيع أي دولة أو أكثر أن تهاجم ما عداها دون أسباب مقبولة.

ج. يُعرف ميزان القوى هنا بأنه الإبقاء على حالة من الاتزان بين أعضاء الجماعة الدولية، حيث لا تتمكن أي من الدول من زيادة قوتها الى الحد الذي يمكنها من فرض إرادتها على باقي الدول.

هـ. تتنوع سياسات ووسائل وتقنيات تحقيق ميزان القوى من المدلول النمطي أو السياسي كالآتي:

(1) سياسة المؤتمرات:
عقد مؤتمر او سلسة مؤتمرات بين زعماء او ممثلي الدول المعنية، بغية احداث حالة توازن بينها ينهي الصراع القائم، يتم فيها صياغة بعض المقررات والتفاهمات لتوزيع القوى بين الأطراف المتصارعة في إطار الشرعية الدولية والتي عرفها هنري كيسنجر بأنها لا تعني العدالة أو الحق، وإنما هي اتفاق دولي بشأن طبيعة الترتيبات والقواعد التي تحكم سلوك الدول في علاقاتها المتبادلة.
من امثلة ذلك:
سلسلة مؤتمرات جنيف عام 2015 وبلغت حتى الان 8 مؤتمرات.
واستانا عام 2017 وبلغت حتى الان 16 مؤتمر.
وبروكسل حول سوريا عام 2017 وبلغت حتى الان 6 مؤتمرات.
وسوتشي عام 2018
(2) سياسة فرق تسُد:
وتعمل فيها دولة ما على إضعاف الدولة المعادية من طريق:
أ‌- إشاعة الفرقة بينها وبين حلفائها أو الدول الموالية لها.
مثال ذلك (ما فعلته الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفيتي)

ب‌- محاولة الإبقاء على مجموعة من الكيانات الضعيفة في حالة تفكك وانقسام.
مثال ذلك (الصراع العربي الإسرائيلي) وما فعلته أمريكا مع الدول العربية لتبقيها ضعيفة وفي حالة تفكك وانقسام.

ت‌- العمل على تفتيت قوة كبيرة، أو عرقلة قيامها.
مثال ذلك (ما فعلته الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفيتي)
وما تحاول فعله اليوم مع الجمهورية الإسلامية، ومع روسيا الاتحادية والصين.

(3) سياسات التحالف:
وتعني تجمع دولتين أو أكثر لمواجهة قوة أخرى، بمعنى الاتفاق بين دولتين أو أكثر على تدابير معينة للحماية من قوة أخرى تهدد أمن هذه الدول.
مثال ذلك: (حلف الناتو)

وتتسم التحالفات عند تعدد القطبية بالمرونة والتبدل، فحليف اليوم عدو الغد، لذلك نجد أن من بين أسس التحالفات أن يُبْقى على الدول المهزومة في حالة من القوة، تحسباً لتبدل موازين القوى الدولية، حين البحث عن حلفاء للغد عند الاختلاف مع حلفاء اليوم.

(4) سياسة حامل الميزان:
ويُقصد بها إلقاء ثقل الدولة إلى جانب دولة معرضة للتهديد، هذه الدولة تُعَدّ حاملة للميزان بدلاً من أن تكون إحدى كفتيه، وذلك بسبب أنها على درجة من القوة تمكنها تقرير أو التلويح بانحيازها إلى أي من المحاور المتصارعة، ومثال ذلك (روسيا وتعاملها مع الحرب الآذرية الارمينية الأخيرة)
وشروط أن تقوم دولة ما بهذه السياسة وممارسة هذا الدور كالآتي:

(أ‌) أن تكون الدولة في موقع قوة في المجتمع الدولي، حيث يمكنها التأثير في علاقات القوة.

(ب‌) ألا يكون لهذه الدولة مصلحة سوى الإبقاء على توازن القوى للدول المتصارعة.

(ت‌) أن تكون هذه الدولة لديها حرية الحركة وغير مرتبطة بأي من الأطراف المتصارعة.

(5) سياسة التعويضات الإقليمية:
وتتم هذه السياسة عادة بعد انتهاء حالات الحروب، ويتم فيها ضم أو تقسيم أقاليم محددة بين الدول المتصارعة، بهدف إعطاء دولة ما اقتطع منها أو حصلت عليه دولة أخرى من قبل، كما أن اقتسام مناطق النفوذ للقوى الكبرى يُعَدّ جزءاً من هذه السياسة.

(6) سياسة المناطق الفاصلة (العازلة)
ويُقصد بها إيجاد كيانات ضعيفة ومحايدة بين الدول القوية، بهدف تقليل احتمالات الصدام المباشر.
وتستمد الدولة الفاصلة ذات الكيان الضعيف قدرتها على حماية استقلالها، على الرغم من ضعفها، بسبب إدراك الدول القوية أن أي محاولة للسيطرة عليها سيغير ميزان القوى لصالحها، الأمر الذي لن تقبله الدول الكبرى القوية الأخرى.
ولكن قد تفشل هذه السياسة، إذا ما تم الاتفاق بين الدول الكبرى على اقتسام هذه الكيانات الضعيفة.

(7) سياسة التدخل وعدم التدخل:
وهو أسلوب لحماية مصالح الدول المتدخلة.

سياسة التدخل:

التدخل الدفاعي:
قد يكون هذا التدخل دفاعياً، من خلال الإبقاء على الأوضاع الراهنة داخل الدولة المعنية.
مثل (تدخل روسيا في سوريا) (وتدخل أمريكا في أوكرانيا)

التدخل الهجومي:
وقد يكون التدخل هجومياً، عند تغيير الوضع القائم داخل دولة ما لعدم ملاءمته للمصالح الخاصة بالدولة أو الدول المتدخلة.
مثل (تدخل روسيا في أوكرانيا) (وتدخل أمريكا في سوريا)
وفي هذه الحالة:
قد يكون التدخل صريحاً بصورة عسكرية.
(مثل تدخل روسيا في أوكرانيا)
أو مستتراً من طريق العمليات السرية كالاغتيالات أو الانقلابات.
مثل (تدخلات أمريكا في قلب أنظمة الحكم عن طريق التظاهرات الشعبية المدعومة خارجيا)

سياسة عدم التدخل:
عند تطبيق سياسة عدم التدخل، فإن الهدف يكون:
للحفاظ على ميزان القوة بالوقوف على الحياد من نزاع معين.
أو حصر الحروب في نطاق ضيق.
أو بحماية حقوق المحايدين في زمن الحروب.

(8) سياسات التسلح ونزع السلاح والرقابة على التسلح:

سياسة التسلح:
بتطبيق سياسة التسلح تدخل الدول في سباق للتسلح، في محاولة للوصول إلى إحداث تفوق على بعض الدول.

سياسة نزع السلاح:
كما قد تلجأ بعض الدول إلى نزع السلاح كسياسة لإحداث توازن القوى، إلا أن افتقاد الثقة بين الدول قد تفشل هذا النوع من السياسات.

سياسة الرقابة على التسلح:
ويوجد أسلوب آخر باتباع سياسة الرقابة على التسلح، من خلال تنظيم التسلح، ووضع قيود على بعض الأنواع من الأسلحة.
ونظراً إلى صعوبة عمليات التفتيش والتحقق، فتوضع هذه السياسة في المرتبة نفسها لسياسة نزع السلاح.

(9) سياسة الإثناء:
وتتبع هذه السياسة عندما تسعى دولة ما للإخلال بميزان القوة، فتحاول بعض الدول الكبرى إثناءها عن هذا الإخلال.

ويتبع في هذه السياسة أسلوبان للتطبيق هما:
1- دبلوماسية الإثناء: أي الإثناء بالإقناع.
2- إستراتيجية الإثناء: أي الإثناء بالإكراه.

(10) سياسة الحرب:
تُعَدّ الحرب أو استخدام القوة العسكرية هي الملاذ الأخير لتحقيق توازن القوى، إذا ما فشلت كل أو بعض السياسات السابقة في تحقيق هذا الهدف.

  1. المدلول الأيديولوجي لميزان القوى:
    يذهب المعنى الأيديولوجي إلى وصف السياسات التبريرية والدعائية لدولة ما.
    فعندما يكون الميزان في صالحها، فإنها تدعي وجود توازن للقوى لتبرير المحافظة عليه.

وعندما يكون الأمر عكس ذلك، فإنها تحاول تبرير سياستها الهادفة إلى تعديل الوضع القائم بالادعاء باختلال توازن القوى ووجوب تعديله.
فتتخذ الدول في هذه الحالة ميزان القوى كسند للدفاع عن صورة معينة لتوزيع القوة في المجال الدولي، أو التنكر لها على مقتضى مصالحها الوطنية.


أضف تعليق