بعد ان فشلت غالبية مشاريع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، أخذت تتبنى خططاً واستراتيجيات جديدة سمتها المواجهة المباشرة مع الأعداء الاستراتيجيين والشركاء الضعاف، ونعني هنا روسيا والصين والاتحاد الأوربي.
كانت استراليا بصدد عقد صفقة ١٢ غواصة فرنسية تعمل بالديزل والكهرباء، وهي غواصات تكتيكية من النوع المتوسط، فهي اكثر تطوراً من الغواصات الموجودة لدى بعض الدول كالجمهورية الإسلامية الايرانية، واقل تطوراً من الغواصات الامريكية والبريطانية والروسية التي تعمل بالوقود النووي.
ميزة الغواصات التي تعمل بالوقود النووي انها استراتيجية، بمعنى انها تستطيع الغوص لعدة اشهر ولمسافات طويلة جداً، وبامكانها ان تحمل الصواريخ النووية وان تنفذ واجبات حربية استراتيجية، لذلك فإن هذا النوع من الغواصات يخل بتوازنات القوى والمصالح للاقطاب الدولية، ووجودها في حوزة الاستراليين على أثر التحالف بين كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا وهو التحالف المسمى (أوكوس) ضد المصالح الروسية والصينية والإيرانية والاوربية في المحيطين الهندي والهادي وفي بحر الصين الجنوبي، ويعد هذا الوجود العسكري تهديد صريح للتنين الصيني، وخرق لمعادلات تدخلات القوى، وهذا التحالف يمهد الى تحالف انجلوساكسوني جديد.
ان هذا التهديد الصارخ للامن القومي الصيني يعد لهم مسألة وجود، فالتفوق الجيوبولوتيكي للصين في منطقة بحر الصين الجنوبي، والندية الأمنية في المحيطين الهندي والهادي، واستراتيجية طريق الحرير سوف تصبح كلها مجرد أحلام فيما اذا مكُنت استراليا من حيازة تقنية الغواصات النووية الاستراتيجية الامريكية ، فالصين تعول على قدراتها العسكرية ونفوذها الاقليمي وبُعد الولايات المتحدة جغرافيا عن المنطقة، لذلك فإن هذا التطور في موازين القوى لا يكفي معه نشوب حرب باردة كما يتصور المحللون السياسيون، بل لابد للصين ان توسع من نطاق هيمنتها في العالم، وتشرع الى فتح جميع الملفات الأمنية مع الولايات المتحدة كالتدخل في مناطق لم تكن تخطط للتدخل فيها من قبل، كسوريا وأفغانستان واليمن وغيرها من مناطق الصراع مع الغرب، وكذلك سيكون لزاما على الصين التفكير الجاد والتحرك باتجاه احتلال جزيرة تايوان وضمها الى الصين والاستيلاء على منجم اشباه الموصلات الذي يمد الغرب بهذه التكنولوجيا، والسيطرة على منطقة بحر الصين الجنوبي وانشاء الجزر الصناعية العسكرية وتهديد الامن القومي لحلفاء أمريكا في المنطقة (اليابان وكوريا الجنوبية) والضغط عليهم اقتصادياً، والدعم المباشر لكوريا الشمالية في المجال النووي ومجال الصواريخ البالستية، وكذلك دعم باكستان ودعم ايران، واضرام ازمة كشمير بين الصين والهند وباكستان، والضغط الاقتصادي على حلفاء الولايات المتحدة في اوربا والشرق الأوسط.
من جانبها فإن روسيا يتحتم عليها التصعيد ضد دول شرق اوربا الحليفة للولايات المتحدة والمدعومة من حلف الناتو، فسيكون لجورجيا وأوكرانيا وبولندا ودول البلطيق وأذربيجان النصيب الأكبر، وسيكون لدول حليفة لروسيا مثل بيلاروسيا دورها في التصعيد ضد أوكرانيا من جهة الشرق وبولندا من جهة الغرب.
الاتحاد الأوربي سوف يدق ناقوس الخطر، كما ان فرنسا لن تكتفي بالسكوت، ومن المرجح ان تعلن تدخلها في شؤون الشرق الأوسط نكاية بالامريكان، فالضرر الذي منيت به فرنسا جراء الغاء صفقة الغواصات الفرنسية والتي تقدر ب ٥٠ مليار دولار، احدث شرخاً في العلاقة بين فرنسا وامريكا ودق ناقوس الخطر عند بلدان اليورو.
جميع ملفات الصراع الدولية سوف تفتح على مصراعيها وسوف تفعل جميع الملفات الأمنية الصغيرة والكبيرة، وسوف يقبل العالم على ازمة دولية لن تنتهي الا بحرب نووية ضروس تأكل الأخضر واليابس.
يبدو ان شهر سبتمبر/ أيلول عاد من جديد ليعلن عن رغبته في تغيير العالم، وهذه المرة لن يكون التغيير لصالح الولايات المتحدة، فالاخطاء الامريكية الاستراتيجية سوف تعود عليها بالخيبة والخسران.
ان لجوء الولايات المتحدة الى المواجهة الامنية الاستراتيجية، يعني فشل جميع مشاريعها الأخرى، فالمواجهة الامنية الاستراتيجية هي آخر المطاف للدول العظمى، والحكومة الامريكية بقيادة بايدن ضعيفة، مما يعني ان ثمة جهات متنفذة في الدولة العميقة سوف تملي اراداتها على القرار السياسي الاستراتيجي الأمريكي.
هكذا حينما تصل الحضارات الى ذروة طاغوتها وتجبرها فإنها تذوى لتحل محلها حضارات أخرى، وهذه المرة ومع الاقتدار الشيعي في منطقة الشرق الأوسط، فلن يسمح القدر لنشوء حضارات لا إنسانية جديدة كالحضارة العلمانية الغربية، بل سوف تنشأ حضارة الاسلام المهدوية وسوف تستولي على جميع بقاع الأرض، وتفرض هيمنتها على جميع ارجاء المعمورة، وتنشر فيها القسط والعدل بعد ان يملأها جبابرة الأرض ظلماً وجورا.
