في مضمار التحليل السياسي للاحداث الاستراتيجية على المستوى الدولي، تتضح احدى تجليات عظمة اهل البيت صلوات الله عليهم، فهم المطلعون على غيب السماوات والارض بإذن الله جل وعلا، وبما يمتلكونه من ولاية تكوينية تحكم وتتحكم بصغائر الكون وفق علوم لم تنل البشرية الا النزر اليسير منها.
رغم تحليلات قماقمة الفكر السياسي العالمي بحتمية الحرب العالمية بين امريكا والصين، بيد ان اهل البيت صلوات الله عليهم قطعوا النزاع بشأن هذا الأمر وتحدثوا في مروياتهم بأن الحرب العالمية التي سوف تفني ثلث البشرية والتي نسميها اليوم (الحرب النووية) انما هي حرب تقع بين الروم انفسهم، حيث اسمتها الروايات (هرج الروم) ومن المعلوم ان الصين ليست من الروم فهي اذن ليست طرفا في الحرب العالمية ضد الغرب، ومع ذلك لابد من هلاك الصين، حيث ان حديث الروايات الشريفة عن ذهاب ثلثا الناس، يقتضي دخول الكتل السكانية الكبيرة في أتون ذلك الفناء إن بالموت الأحمر أو بالموت الأبيض، مع ان الصين كما اشارت الروايات انها سوف تخوض حرباً مع الجارة النووية الهند وتخرج منها منتصرة، الا ان ثمة إشارات روائية تحدثت عن هلاك الصين بطرق أخرى كالموت الأبيض والرمل.
في زماننا الحاضر نجد ان مراكز الأبحاث السياسية العالمية وهامات الفكر السياسي يتحدثون عن حلف روسي – صيني مرتقب اسموه بالحلف الأوربي- الاسيوي او (حلف الناتو الاوراسي) بين روسيا والصين، فهذا الحلف لديهم من المسلمات على المستوى المستقبلي القصير، ويعدونه في مقابل الاحلاف الغربية كحلف شمال الاطلسي الناتو والحلف الجديد (أوكوس) وحلف الانجلوساكسون (حلف الدول الناطقة باللغة الإنجليزية) وغيرها.
بخلاف جميع تلك التحليلات السياسية العالمية، فإننا نمتلك مرويات عمالقة البشرية الذين عاشوا قبل ١٣ قرناً من الزمن واطلعوا على اسرار المستقبل الى يوم القيامة، وهم أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم، ومع ان تحليلاتنا لمروياتهم الشريفة قد لا تكون بذلك القدر من الدقة، وذلك للفارق العلمي والمعرفي اللامحدود بين المعصوم وغير المعصوم، بيد اننا نتعكز في ذلك على التوفيق الإلهي اولاً، والإرادة الإلهية في ان تجري الأمور وفق سياقاتها ومساراتها الطبيعية ثانياً، وعليه جرت إرادة اهل البيت صلوات الله عليهم في جعل علومهم في متناول ادراكات البشر لكي تكون طيعة بيد اهل العلم الذين نستقي منهم ثالثاً.
بخلاف تلك التحليلات السياسية العالمية، فإننا نرى عدم تشكل أي حلف عسكري واضح المعالم بين روسيا والصين، وإن أي حديث عن تحالف بينهما، فهو غير ذي صلة بالواقع السياسي العالمي من الناحية الموضوعية، إذ أن أي تحالف روسي صيني يعني بالضرورة الغاء عشرات المشاريع الأمنية والاستخبارية الاستراتيجية لكل من روسيا والصين منفردة، والتي عملت عليها منذ ثلاثة عقود من الزمن، أي منذ انتهاء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بانهيار الأخير، وتلك المشاريع انفقت عليها عشرات المليارات من الدولارات وأثبتت نجاحها، ومن جانب آخر فإن أي تحالف روسي صيني في مجال الامن المشترك يعد اعلان حرب ضد الاحلاف الغربية، وهو ما سيؤدي وفق معايير السياسة الاستراتيجية الى بدء حرب باردة بين روسيا والصين مع الولايات المتحدة واوربا وحلفائهم، والحرب الباردة تعني تفعيل الصراع الاقتصادي وسباق التسلح على المستوى الاستراتيجي حتى تنهار القوة الأضعف.
كل من روسيا والصين تعلمان جيداً انهما لن تصمدا بوجه الغرب في الحرب الباردة، لذلك استبعدنا خيار الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والصين في مقالنا السابق عن ازمة الغواصات النووية الاسترالية، ونستطيع القول كما اشرنا في مقالنا السابق ان ثمة حرب من نوع آخر سوف تندلع، وهي حرب تقع في نطاق توازنات القوى والمصالح الدولية وتوازنات تدخلات القوى، وهي حرب استخدمتها روسيا اول مرة عام ٢٠١٤ حينما قضمت القرم من أوكرانيا على أثر استيلاء حلفاء الناتو على السلطة وطرد الحكومة الاوكرانية الحليفة لروسيا، ويمكن لنا تسمية تلك الحرب (حرب التوازن) وهي حرب تخوضها الدول العظمى بطرق متعددة سمتها المشتركة هو الرد السريع بالمثل النوعي، بحيث تعود موازين القوى والمصالح الى حالة الاستقرار الندي، وتكون تدخلات القوى فيها متعادلة الى حد كبير على المستوى الاستراتيجي، وبالتالي تفقه الأطراف المتنازعة التي ترزح تحت وطأة العقل السياسي الاستراتيجي والتي يقودها اشبه ما يكون بالروبوت السياسي او لنقل الدستور الحاكم على العقل السياسي المعاصر؛ ان إجراءات الطرف الآخر مشروعة وفق قواعد العقل السياسي الاستراتيجي تلك.
ان هذه السياسة تنم عن السخف والهزالة العقلية لدى من يعدون اساطين الفكر السياسي العالمي، حيث انها تفتقر الى المنطق البسيط وابجديات الفلسفة العقلية التي تحكم بالدور والتسلسل الباطل لمثل هكذا إجراءات لن تنتهي الا بالصدام المحموم الذي سيؤدي الى الفناء السريع، والذي يخلف ورائه جميع النظريات والاستراتيجيات السياسية المستخدمة في النزاعات غير المسلحة بين الدول العظمى والمندرجة تحت أطر وقواعد سياسية وضعها العقل الغربي في العصر الحديث، وبهذا تتماهى الحضارات الكبرى لتعود من جديد الى تحكيم العقل البشري غير المعصوم في انشاء حضارات جديدة ووضع نظريات ومعايير ونظم سياسية مصيرها انها تنتهي الى ذات القدر المحتوم.
ما يجري اليوم في مراكز ومعاهد الدراسات السياسية الاستراتيجية في الغرب وفي الولايات المتحدة على وجه التحديد، عبارة عن اجتهادات وتجارب بشرية توجدها بعض العقول المصابة بالغرور والنرجسية، والتي تبحث لها عن موطئ قدم في التاريخ البشري الذي ملأته أسماء لامعة لفقهاء الفكر السياسي في القرون الأخيرة المنصرمة، فهي تسطر افكارها وتضع خططها وتسلمها الى الجهات الاستخبارية والتنفيذية السياسية والعسكرية، والحاكم على اختيارها وتطبيقها هو العقل السياسي التنفيذي، وبالنتيجة فإن أمثال ترامب وبايدن وبوش واوباما واضرابهم من رؤساء الولايات المتحدة، هم العقول التي تجعل ما بلورته الأجهزة الاستخبارية والعسكرية من مخرجات مراكز ومعاهد الدراسات الاستراتيجية في حيز التنفيذ!
في ازاء كل ذلك يجري المكر الإلهي المتماغم والمساير موضوعياً لفطرة التكوين واصل الخليقة، والمدار من قبل الناحية المعصومة الحكيمة والباصرة، والتي تحكم الزمان والمكان ولا يحدها من حدود في هذا المجال الا بقدر قابلية البشر والمخلوقات المحدودة.
وبالنتيجة فإن ما يمكره طغاة الأرض سوف يرتد عليهم، وان الإرادة الإلهية هي المنتصرة في النهاية، وما نستطيع الجزم به، ان الحضارة الغربية قد بلغت مرحلة الاحتضار، وان دولة العدل الإلهي قد نجم قرنها في قبالة شمس الغرب التي باتت في طور الأفول.
