عقد ما يسمى بمؤتمر المرجعيات الدينية العراقية يوم الرابع من شهر آب من العام الحالي ٢٠٢١ في مكة المشرفة، وكان المؤتمر برعاية ومباركة الحكومتين العراقية (حكومة الكاظمي) والحكومة السعودية.
حضر المؤتمر من الجانب السني فئتين من رجال الدين؛ الفئة الأولى: هم رجال الدين الذين لا ينتمون الى التسنن الصوفي ولا الى الاخوان المسلمين وليسوا من السلفية الوهابية، فهم سنة مكيوا الهوى، او لنقل من السنة الذين تهفوا انفسهم الى السعودية، اما الفئة الثانية من رجال الدين السنة: فهم وعاظ الحكومة العراقية، ومن الجانب الشيعي فقد حضر المؤتمر ثلة من الخطباء الشيعة، ولا علاقة لأي احد منهم بمكاتب المرجعيات الدينية الرشيدة في النجف الاشرف، وبخلاف ما اشيع عن ذلك.
بعد هذا البيان اود ان اشير الى عدة أمور:
الامر الأول: ان هذا المؤتمر والذي سمي بملتقى المرجعيات؛ لا شأن للمرجعيات الدينية النجفية الرشيدة به جملة وتفصيلا، وان ما اشيع بشأن مشاركة ممثلي مكاتب بعض المرجعيات الدينية النجفية الرشيدة لا أساس له.
الامر الثاني: ان إيجابيات هذا المؤتمر اكثر من سلبياته، وبالامكان إحصاء إيجابيات المؤتمر بما يلي:
١- يمثل عقد هذا المؤتمر ادانه لارادة وفكر السلفية الوهابية التكفيرية ومجاميعها الإرهابية التي عاثت في الأرض الفساد وشوهت سمعة الدين الإسلامي.
٢- ان ادانة الوهابية بحضور ممثلين عن الطائفة الرافضية سيكون ذريعة لايقاع الخلاف والصراع بين ال سعود وبين الوهابية التكفيرية (اللهم اجعل بأسهم بينهم)
٣- ان هذا المؤتمر سوف يعزز من مكانة شيعة الحجاز والخليج عموماً ويفسح لهم المجال لرفع بعض القيود التي فرضتها عليهم ظروف الحكم هناك والتي كان مهيمناً عليها الفكر الوهابي.
٤- ان اصل المبادرة في عقد هذا المؤتمر كانت بتفاهم شيعي سني لايجاد مرجعية سنية يمكن لها ان تمسك بالزعامة السنية ولو بحدود وتدفع باتجاه السلم الاهلي والوقوف امام حملات التباغض، ومن الجدير بالذكر ان هذه المبادرة لا علاقة لها بالسيد جواد الخوئي اطلاقاً.
٥- ان هذا المؤتمر جرى على أساس استغلال اتفاق مكة الذي عقد عام ٢٠٠٧ والذي كان يهدف فيه الشيعة الى تحجيم الفكر التكفيري.
٦- بشكل عام الشيعة رابح اساسي في حركات من هذا القبيل حتى لو كانت لدينا ملاحظات على شخوصها، فنحن من يكفرنا الاخر، وحينما يتحدث عنا الاخر بما نريد انما نحبط مساعيه وان كان منافقا.
٧- لم تُلزم المرجعيات والقيادات الشيعية الرسمية دينيا وسياسيا بأي الزام، فالمشاركين واغلبهم من الخطباء لا تمثيل لهم على المستويين الديني او السياسي، وان وضع كلمة المرجعيات يفي بالغرض السني الذي نريده منهم.
٨- من حيث الاصل لا نجد في مثل هذه الامور ما تحتاج الى تهويل وتخوين لرجال الدين الشيعة المشاركين في المؤتمر.
٩- نحن مع الاستفادة من الحدث للازراء بالسعودية والتكفيريين والتذكير بجرائمهم، ولكن لسنا مع التخوين للاخوة الذين ذهبوا.
١٠- ان هذه التجربة هي تجربة بشرية يعتريها الخطأ تارة والصواب أخرى والفشل ثالثة، ولا بأس بالاستفادة من التجارب واتخاذها دروسا لمواجهة الحوادث المشابهة في المستقبل، ولتوسيع مدارك العقل وتحصيل الحكمة.
الأمر الثالث: سلبيات المؤتمر ونلخصها بما يلي:
١- ان وسم المؤتمر بمؤتمر المرجعيات هو امر خاطئ، لان مكاتب المرجعيات الدينية لم تشارك في المؤتمر، ولعل مفهوم المرجعيات في الأصل هو أوسع من المعنى الاصطلاحي ذاته، اذ يشمل المصطلح بالمعنى الاعم المرجعيات الفقهية والعقائدية والحوزات والمعاهد الدينية، سيما وان ثلة من المعممين الشيعة الذين حضروا المؤتمر هم أصحاب مدارس ومعاهد حوزوية، ومع انهم أشاروا صراحة بأنهم يمثلون انفسهم ورؤائهم الشخصية، وهذا امر يحسب لهم، بيد ان العنوان العام للمؤتمر جاء بذلك الشكل.
٢- ان راعي المؤتمر (محمد العيسى) معروف بتوجهه التطبيعي مع الكيان الصهيوني.
٣- كان عنوان المؤتمر (المرجعيات الدينية) بيد انه لم يشار فيه الى اسم أي من مراجع الشيعة في النجف الاشرف، ولم يرد اي ذكر لادوارهم في رأب الصدع الطائفي في العراق والعالم الإسلامي كافة، وهذا ما يؤاخذ على المؤتمر الذي كان اسم المراجع في حصاده لكن مناجلهم مكسورة، اذ لم يتضمن البيان الختامي للمؤتمر أي ذكر للمراجع العظام.
٤- تضمن البيان الختامي تقديم الشكر للملك سلمان وابنه محمد وهذا امر طبيعي فلابد ان تجر الحكومة السعودية نار المؤتمر الى قرصها، وفي الوقت ذاته وصف الملك وابنه بصفات ونعتوا بنعوت كانت من الاجدر ان توصف بها مرجعيات السلام النجفية.
٥- لم يذكر في المؤتمر اسم سماحة السيد السيستاني صاحب المقولة المشهورة (السنة انفسنا) وصاحب فتوى الجهاد الكفائي التي صانت ارض وعرض سنة العراق، وكفت المنطقة شرور تنظيم داعش الإرهابي الذي لو قدر له ان يتمدد لا سمح الله لكان قد افنى جميع البلدان العربية والإسلامية.
٦- لم تتضمن مخرجات المؤتمر أي ادانة كلامية لفتاوى التكفير الوهابية ضد الشيعة، وان كان انعقاد المؤتمر بحضور رجال دين شيعة وفي مكة المشرفة يعد ادانة واضحة وصريحة لفتاوى التكفير.
٧- البيان الختامي للمؤتمر اهمل بعضاً من الأمور المهمة ومنها ادانة الإرهاب التكفيري، وسبب ذلك يعود الى عدم إرادة رجال الدين الشيعة الظهور بمظهر التشدد امام الجماهير الإسلامية، وتركوا تلك الادانات الى مقاماتها.
٨- ان احتضان السعودية لهذا المؤتمر الراعي للسلام بين المسلمين في العراق، أراد ال سعود ليواروا سؤاتهم به والتي تلطخت بعار رعاية ودعم الإرهاب التكفيري، وهم يؤملون انفسهم بسرقة مجهودات ونتاجات فتوى الجهاد الكفائي التي وحدت بين المسلمين في العراق ونسبتها الى انفسهم، ولكن هيهات ان ما اخذ بالدماء الزاكيات لا تسرقه المؤتمرات.
٩- ان هذا المؤتمر فيه إرادة من قبل رجال الدين الشيعة المشاركين فيه، وهي موازية لمؤتمرات الحوار الإيرانية السعودية، في محاولة غير متوازنة ليكون هذا المؤتمر مكافيء لنظيراته الإيرانية، ولكن أين هذا من ذاك؟!
١٠- لم يجيد الشيعة المشاركين في المؤتمر تمثيل الخطاب الشيعي المرجعي العقائدي لاسباب عديدة منها ظروف انعقاد المؤتمر؛ الزمان والمكان وحيثيات أخرى، حيث دعي الجميع الى نبذ العنف والتطرف والطائفية وكأن الشيعة متساوون مع السنة في ذلك، مع ان الغاية هي تحييد التطرف الإسلامي الوهابي عن السنة والشيعة على حد سواء.
في الختام نقول:
ليس من الصواب التخوف من كل حدث يحصل، وكما ان اعدائنا يبذلون قصارى جهدهم في تقحم صفوفنا، فعلينا نحن أيضا ان نتقحم أوضاعهم في جميع الصعد والمستويات، فنحن اصبحنا ذوو اقتدار، وان مكافيء ذلك الاقتدار يحتم علينا التقحم.
لذلك أرى ان ما كسبناه من ذلك المؤتمر هو اكثر مما خسرناه، كما ان وجهة نظر الشيعة المشاركين في المؤتمر تمثل زاوية واحدة من زوايا المنظور، وعلينا فهم وجهة نظرهم من منطلق كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، وتقييم النتائج العملية للمؤتمر، مع اجتناب لهجة التخوين، طالما لا يوجد في فعلهم تجاوزاً للثوابت التشريعية والعقدية.
